هل حق اليهود في فلسطين أقلُ من حق العرب؟

 

ما هي الأصول التاريخية لسكان غزة الحاليين الذين يخطفون ويذبحون باسم حقهم في فلسطين؟

 

 

يعتبر زمن الإنسان أول زمن مدوّن لفئة واحدة من بين بلايين الأحياء التي تشكلت ونمت وتطورت وعاشت ثم انقرضت من كوكبنا الأرضي ولن يتكرر نموذجها إلى الأبد.

 

وقد بدأ الإنسان بحفظ ثم تسجيل حركة زمنه متأخراً بالقياس إلى نشوئه الذي استغرق ملايين السنين. وتعود أقدم ألواح التدوين إلى ثلاثة آلاف سنة فقط، وأطلقت كلمة (تاريخ) على الأحداث والوقائع التي مثلت حركة زمن الإنسان في هذه الفترة القصيرة.

 

وكان التاريخ يكتب بالإزميل ثم بالقلم والحبر، وفي الحالتين صيغ بلغة تسجل الوقائع من وجهة نظر صانعها، وظل يذاع في المجالس وأماكن العبادة والبيوت بهدف التذكير والتخويف (العبرة) لذلك اعتمد التفخيم والكذب، وبقي كذلك حتى ظهور العلوم الإنسانية الحديثة التي لجأت إلى الحفريات (الجيولوجيا) في دراساتها المقارنة لفحص ما قاله التاريخ على ضوء ما تقدمه الشواهد المطمورة تحت الأرض من براهين.

 

وحتى قبل مرحلة التدوّين كانت معتقدات الإنسان تمليها ظروفه البيئية، وأدق متطلبات حاجاته اليومية التي تسمح له بالبقاء، حاجات مادية تساعده على العيش، وثقافية تساعده على التماسك والأمل. ولأن الدين هو لغة قبل أي شيء آخر، حسب براهين ليفي شتراوس الانثربولوجية، كانت الأديان تظهر في فترات ازدهار اللغات التي تساعد على ظهور الأفكار الجديدة، حيث يبرز من ينادي بها، ساحر القبيل في البداية، ثم (النبي) في المجتمعات الأكثر تحضراً. ولأهميتها الثقافية وجدت الأديان لها مساحة أكبر في التدوّين سواء في المراحل البدائية (رسوم الكهوف) أو المرحلة المتقدمة (الألواح المكتوبة على الطين ثم البردي أو الجلد وأخيراً الورق)

 

وإلى يومنا الحاضر، ورغم غزارة ما أعطته مدن ومقابر الأموات المدفونة والمنظورة من شواهد عينيّة باتّة، ما زال التاريخ أشبه بحجر البازلت الأسود، كلما زدتَ في حكّ سطحه الأملس، كشفت لك عروقه الكونتورية([1]) عن تركيبة جديدة ومختلفة في أشكالها ولونها وعرض خطوطها عما هي عليه في الأعلى. مع ذلك، وهذا مهم، لم يعد تاريخ الأديان أو تاريخ الثقافات والفتوح مغلقاً على الفهم كما كان قبل مائتي سنة!

 

عندما قام خفافيش السلفية في غزة بتقييد المسؤول الفلسطيني من يديه وقدميه، ورموه حياً من الطابق الرابع عشر إلى الأرض، تساءلت: أي كلمات دينية أو سياسية حُقنت بها رؤوس هؤلاء الصبية وجعلتهم يتصرفون تجاه الحياة بهذه الوحشية المريعة؟

 

لقد شاهدت بنفسي من قبل، وعلى شاشات التلفزيون، جثتي جنديين إسرائيليين ترميان من الطابق الثاني في إحدى المدن الفلسطينية إلى الأرض، وسواء كان نفس خفافيش السلفية وراء هذا العمل أو غيرهم، ما هي اللغة، أو الكذبة اللغوية (التاريخية) الكبيرة التي تمحو من قلب الشخص في هذا العصر أي نبل أخلاقي في التعامل مع إنسان آخر مغلوب على أمره وهو في حالة جثة، أو نَفس بشرية ما زالت حية؟

 

أعتقد أن العرب، الذين ينأون بأنفسهم عن أعمال كلبية كهذه، مطالبون بمساعدتي على كشف وسحق الكذبة الكبرى التي بررت وطبلت، ودعمت، منذ ستين عاماً، حيوانية لم تعد تمثل تصرفات فردية لا واعية، بل أصبحت ظاهرة ثقافية واسعة بدأت في لبنان ثم العراق وفلسطين، وتزحف بمثابرة عنيدة إلى بقية الدول العربية. والكذبة الكبرى هي ما يعتبره العرب "النكبة" أي قيام دولتين في أرض فلسطين، الأولى: دولة إسرائيل التي قبلها اليهود. والثانية: دولة فلسطين التي رفضها العرب.

 

ففي زمن الإنسان الحالي، إذ يستطيع العلم بآلاته الدقيقة رصد التغيّرات المناخية المسببة للجفاف (القحط) وزحف الطبقات الأرضية المؤدية إلى الهزات السطحية، لا يمكن لشخص من هذا العصر أن يعزو دمار المدن، قديماً وحديثا،ً إلى غضب الله دون أن يعرّض نفسه للسخرية. لكن 80% من العرب الحاليين يفعلون! يفعلون ولا يخشون السخرية أو يخجلون منها! ولا تمثل هذه النسبة الضخمة الأميين فقط ممن تزخر بهم الأرياف والقرى والمدن الصغيرة والكبيرة، بل بينهم طلاب جامعات، ومدرسو تعليم، وأساتذة، وخريجو معاهد عليا، وخبراء علم وتكنولوجيا، وخريجو طب، وخريجو جامعات دينية مثل الأزهر، وأساتذة تاريخ، وسياسيون تصدروا ويتصدرون المسؤولية.

 

هذه النخبة الكبيرة من المتعلمين هي التي حشرت الوعي العربي العام ضمن ثقافة ضيقة، منغلقة، معلولة، أفرزت عقلية العنف، والإرهاب، والتعصب، وحرمت أي فكرة جديدة من شروطها الجدلية، لكي يبقى الشعور الوهمي بالظلم يتحكم في النفسية العربية ويرديها في السقم الملازم واليأس والتخبط، كل هذا انصياعا لقرار الجامعة العربية (1947) الذي اعتبر فلسطين أرضاً "سليبة" لا يحق لغير العربي المسلم التمتع بكيان فيها، حتى لو كان من أهلها الأقدم جذوراً من المسلمين والعرب!

 

ومن أضغاث الوعي اللاحق، انقلبت الكذبة على العرب، فظهر صدام حسين، وحافظ الأسد، وبشار الأسد، وبن لادن، والظواهري، والزرقاوي، وحسن نصر الله، وبري، ومشعل، وهنية، والزهار الذي رمى صبيته المسؤول الفلسطيني من الطابق الرابع عشر إلى الأرض الصلبة، وأخيراً جاء من أقصى الجبال الشرقية المجاورة للشرق الأوسط أحمدي نجاد، الذي تعهد بتهيئة الفوضى والدمار المناسبين لظهور المهدي المنتظر الذي سيحل القضية الفلسطينية!

 

الآن، ونتيجة الشذوذ الفكري الذي أصاب الوعي العربي منذ ما سمي بـ"النكبة" ونتيجة تراكم الأكاذيب حولها، أصبح (الإرهاب) الكنية الملتصقة بالعربي أينما حل في العالم. ورغم ما بذلته دول عربية كبيرة ومهمة مثل مصر والسعودية والأردن وبعض دول الخليج من جهود سياسية وثقافية لترميم علاقة العرب بالعالم، ومحاصرة ثقافة الإرهاب داخل المجتمعات العربية، حالف الفشل كل هذه الجهود لسبب واحد، هو أن عملية الإصلاح، الخارجية والداخلية، انطلقت من نفس مفهوم "النكبة" وكامتداد له. مما يثبت أن لا أمل في خلاص العرب من الإرهاب، كمحنة ثقافية وسياسية، إلاّ بإيجاد منطلقات مغايرة ورؤية جديدة بعيدة كلياً عن حيطان وأروقة المعبد الديني الذي شيده العرب في زمنهم الحديث وأطلقوا عليه اسم "النكبة"

 

أيضاً، ورغم اقتناع مسؤولين وزعماء ومثقفين وشخصيات عامة فلسطينية، لا يرقى أي شك إلى وطنيتها، بواقع وجود دولة إسرائيل، فإن الـ 80% من العرب الذين ذكرناهم لا يقبلون هذه الرؤية ويكفروّنها دينياً، يدغدغ عواطفهم ويقرع لهم طبول التشدد رؤساء دول في المنطقة، وأحزاب، وترعى الجامعة العربية، بشخوص أمنائها، جوقتهم الزاعقة، حيث يعتبرون اصطدام أي سيارتين في غزة أو الضفة الغربية مؤامرة من دولة إسرائيل على مصير العرب! لأن الجامعة، كمؤسسة، نشأت ككيان قومي مهمته الرئيسية تنضيد البيانات والدراسات المشحونة بتحريف الحقائق لقمع الضمير العربي كلما أراد التفكير بحرية خارج "النكبة"، بدل أن تلعب دوراً خلاقاً في مجالات التنمية الثقافية والاقتصادية يرفع المستوى المتدهور لحياة المجتمعات العربية.

 

إذن، لماذا تحول قرار التقسيم الذي أعطى لليهود دولة في أرض فلسطين إلى جانب دولة أخرى للعرب إلى "نكبة" تشرق كل يوم على المنطقة العربية وتغيب دون أن تحمل شعاعا صغيراً من ضوء ينير الطريق لشعوبها؟ وهل كان حق اليهود في أرض فلسطين أقل من حق العرب؟ وما هي الأسس التاريخية التي تدعم ترجيح حق على الآخر؟

 

أولاً: إذا كان مبدأ عدم الاعتراف بالآخر للاستحواذ على كامل حقوقه قد ساد الفتوحات الإسلامية منذ عهد عمر بن الخطاب جرياً على عادة ذاك الزمان، فإن هذا المبدأ قوبل بالنبذ ثم التحريم في بداية القرن الماضي نتيجة الحروب والنزاعات التي قاد إليها، ووضع المجتمع الدولي القوانين اللازمة لردعه في المبادئ العامة التي قامت عليها عصبة الأمم عام 1919، ثم تطورت روح هذه القوانين بما أضيف إليها من ملحقات وتفسيرات مع تأسيس منظمة الأمم المتحدة عام 1946 لتتطابق وتنسجم مع العصر، وتعبر عن الأفكار العامة السائدة عن مفهوم سيادة الدول وحقوق الشعوب في تقرير مصيرها.

 

إلاّ أن العرب، وبسبب توجههم العاطفي نحو الماضي، وتزمتهم للمعايير القديمة الذي حرَم عقليتهم من النزوع إلى معاصرة المراحل الزمنية كل في وقتها، جعلهم أسرى لمبدأ عدم الاعتراف بالآخر لإلغاء وجوده وبالتالي إنكار حقوقه. جراء ذلك تضررت حقوق ومصالح الطوائف والقوميات غير العربية التي عاشت بينهم: الأكراد، الأقباط، اليهود، وأقليات كثيرة اُلحقت بالعرب قبل 14 قرناً، وما زالت تُعامل بنفس قوانين فترة الغزو الإسلامي.

 

ورغم ما ينتجه وينميه مبدأ إنكار وجود الآخر وحقوقه من مظالم ونزاعات وحروب وعدم استقرار وتجارب مريرة تدفن المخاوف والأحقاد على مسافة قريبة من سطح البيئة الاجتماعية، التزم العرب موقفاً شوفينييا صريحاً وعنيداً في معالجة كل المشاكل التي نشأت في المنطقة مع اتساع ونضوج وعي الأقليات بحقوقها، وظهور مؤسسات دولية أقرت شرعية تلك الحقوق على ضوء المنطق والمفاهيم العامة للعصر.

 

أمثلة على ذلك:

 

1- الأكراد

أدى إنكار الدولة العراقية الحقوق القومية للأكراد، مدعومة من الجامعة العربية، إلى حروب تواصلت على مدى خمسين عاما، هي تقريباً ثلاثة أرباع عمر الدولة التي نشأت في العراق من دون جذور سيادية قوية تدعم ذلك النشوء بصورته وحدوده الأخير!

فبعد أن لفقت الأسباب الداعية إلى ضم إمارة البصرة إلى إمارة بغداد لقيام دولة جديدة في العراق، اقتضت مصالح الاستعمار البريطاني آنذاك إلحاق منطقة كبيرة من أراض مسكونة تاريخياً من قبل الأكراد بالدولة الحديثة ليكون حجم كيانها مناسباً لطموح الأمير فيصل بين الحسين، الذي رشح لإدارتها مقابل حماية مصالح بريطانيا في المنطقة.

 

وإمعاناً في إنكار حقوق الأكراد، قتل صدام حسين بين 1988 و1989 حوالي 180 ألف كردي في حملة إبادة منظمة أطلق عليها اسم "الأنفال"، ثم رش إحدى مدنهم (حلبجة) بغاز الخردل فقتل سكانها (5000 نسمة) ولزم الضمير العربي الصمت تجاه هذه المجازر البشرية، بينما اعتبرت الجامعة العربية بشخص رئيسها آنذاك (الشاذلي القليبي) كلام الصحف العالمية عما جرى كـ "مؤامرة استعمارية ضد العرب والنظام العراقي"! وفي سوريا يعتبر الأكراد مواطنين من الدرجة الثانية يمنع عليهم ممارسة لغتهم وثقافتهم في العلن.

 

2- المسيحيون في مصر ولبنان

وما جرى للأكراد من تعسف قومي، حدث مثله للأقباط على شكل تزمت طائفي، وفي كلا السلوكين اعتمد العرب مبدأ إنكار وجود الآخر لتجريد حقوقه. فالأقباط الذين انصهر بهم العرب اجتماعياً، وانصهر الأقباط بهم بفعل عامل الزمن، ظلوا يكتشفون بين فترة وأخرى أن الانصهار مجرد قشرة رقيقة سرعان ما تتمزق لدى أي مطلب بالمساواة يشجع عليه تطور مفاهيم الشراكة داخل المجتمع الواحد. لذلك بقيت مصر، الدولة، في حالة توتر اجتماعي، يصعد إلى السطح ليزلزل القشرة الساكنة كلما أرادت الرغبة في الزعامة السياسية العربية أو الإسلامية تأكيد وجودها، أو عرض مطالبها.

 

وقد اتخذ التزمت الطائفي في مصر شكلاً حزبياً منظماً بظهور جماعة الأخوان المسلمين 1928، ليشق، عبر اسم الجماعة ومنهجها، المجتمع المصري إلى شقين متنافرين ومتعاديين اعتماداً على المبدأ الديني والسياسي العربي، الذي ينكر شرعية وجود الآخر غير المسلم وغير العربي ابتداءً من دخول الجيوش الإسلامية مصر عام 639.

 

ورغم اعتراف المؤرخين العرب بدور الخليط الديني والقومي غير العربي في إغناء الفكر والثقافة العربيين، بَيدَ أن الاعتراف بحقوقهم يتوقف ويتكسر عند أول صوت يتجاوز حلقة السكون المفروضة على الخليط كشرط لقبوله داخل الكيان العربي العام، المفكك سياسياً واقتصادياً، والموحد بوجه أي إشارة إلى وجود غير العرب، حتى لو كان وجوداً قوامه السكان الأصليين!

 

في لبنان، أدى وجود الميليشيات الفلسطينية المسلحة بناءً على قرار من الدول العربية إلى تشكيل ميليشيات لبنانية، سنيّة وشيعية مناصرة، رفعت جميعها شعار تحرير فلسطين، فروّعت المسيحيين بظهورها المسلح في الشوارع المكتظة باللبنانيين والسياح، مما أدى في النهاية إلى الاصطدام مع ميليشيات مسيحية تسلحت من قبل بدافع الخوف على حقوق الطوائف المسيحية من شعارات العرب القومية، فشهدت لبنان حرباً طائفية بشعة استمرت 15 عاماً، لم تنته إلا بحصول سوريا، التي لعبت دوراً قبيحاً مؤججا، على وصاية كاملة على شؤون لبنان وشعبه، اتخذت طابع الهيمنة الاستعمارية من النموذج البرتغالي المعروف تاريخيا بطغيانه.

 

في عام 2005، بعد تخلص اللبنانيين من تلك الهيمنة، عادت أسباب وغيوم حرب طائفية جديدة إلى البروز، لكن بأدوات أخرى، لا تبدي الجامعة العربية أي جهد مخلص لمنعها لسببين: الأول أن النظام السوري أيضاً يقف وراء التوتر الطائفي لإعادة هيمنته على لبنان. والثاني: أن حكومة الأغلبية الحالية التي ترفض عودة النفوذ السوري يمثل المسيحيون فيها النسبة الأكبر.

 

إذا كانت المؤسسات القومية العليا تمثل ضمير أمة ما، فإن مؤسسة كبيرة مثل الجامعة العربية قد أنشئت منذ البداية كمعبد لـ"النكبة" مهمته تنضيد البيانات والدراسات المشحونة بالتحريف، بدل أن تلعب دوراً خلاقاً في مجالات التنمية الاقتصادية والثقافية يرفع المستوى المتخلف لحياة المجتمعات العربية، وينظر بعين المساواة إلى كل الأعراق والأديان المنضوية تحت الكيانات التي تمثلها الجامعة!

 

كنا على الدوام نحلم أن يبلى ضميرنا العربي القومي من الكساح الذي ألم به منذ "النكبة" وينهض، لن نقول برؤى جديدة تسبق العصر الذي نعيش فيه، إنما على الأقل أن تكون رؤى مشرّفة وموازية لعصره! غير أن تلك الأحلام تمرغت في الوحل على يد مجموعة من الصحفيين والكتّاب وبعض المؤرخين العرب، عملوا على تشويه الحقائق ودبجوا تاريخاً ملفقاً وحزيناً للمنطقة على ضوء مبدأ عدم الاعتراف بالآخر.

 

3- اليهود:

ينظر العرب إلى القضية الفلسطينية كمشكلة في غاية التعقيد، وهي في واقع الأمر ليست كذلك إلا في عيون العرب، وعواطفهم، وفكرهم القومي والديني. وقد راكم العرب الادعاءات عن حقهم وحدهم في أرض فلسطين باشتقاق العديد من المطلقات اعتماداً على مراجع شفوية ومكتوبة دوّنها الغالب بعد الفتوحات الإسلامية، وحرم على أي شخص إعادة النظر فيها، عربياً كان أو أجنبياً. وعندما قبل العرب الاحتكام إلى الأمم المتحدة ومواثيقها لحل المشكلة الفلسطينية، وجدت مطلقاتهم تعارضاً صارخاً مع الوثائق التاريخية، المصفاة، التي بحوزة المنظمة الدولية الجديدة، لذلك ضيعوا عقوداً من الزمن في إصرارهم على صحة مستنداتهم غير المتطابقة مع تاريخ المنطقة المعترف به رسميا، المعتمد على الشواهد العينية الباتة (البراهين الأثرية غي أرض فلسطين) وما ورد في الكتب السماوية الثلاثة، وما ذكره مؤرخو روما، وقبلهم مؤرخو اليونان، وبعدهم مؤرخو اليهود، والدراسات التاريخية الحديثة.

 

قبل أن يأمر الإمبراطور أدريان (132.م) بتدمير مملكة يهودا بسبب ثورة اليهود، ومحو اسمها بإطلاق اسم (فلسطين) على المنطقة الجنوبية، لم تكن هناك أرض اسمها فلسطين. والفلسطينيون قوم جاءوا من جزيرة كريت اليونانية وأقاموا بضع آلاف من السنين جنوب صور حتى الزاوية السفلى لشرق البحر المتوسط، ثم انقرضوا كما انقرضت بلايين الأحياء من البشر (الأقوام) والحيوانات والحشرات والنباتات لأسباب جينية لم تكن معروفة في ذلك الزمان.

 

وقد دخل اليهود هذه المنطقة في عهد داود حوالي الألف الأول قبل الميلاد، وأعادوا بناء مدينة أورشليم بعد طرد اليبوسيين. واليبوسيون شعب من الحثيين وصلوا إلى فلسطين بعد سقوط الإمبراطورية الحثية التي قامت في شمال تركيا الحالية في حوال القرن الثاني عشر قبل الميلاد. ويقال إنهم بنوا حصناً خارج أورشليم أطلقوا عليه (صهيون) وبنوا سوراً حول المدينة. وقبل الحثيين سكن أورشليم أو استولى عليها الحوريون الذين جاءوا من الأناضول. وقبلهم الحبيرو وهم خليط من الشعوب من الساميين وغير الساميين يقال إنهم قبائل غير مستقرة ممن يبحثون عن مصادر الرزق، أشارت إليهم ألواح مصرية وورد ذكرهم في التوراة. وذكر المؤرخ اليوناني هيرودت أن الأموريين (الحبيريون) دخلوا هذه الأرض مبكراً جداً، وهم من أصول سومرية جاءوا من جنوب العراق، ومنهم ظهر الفينيقيون الذين تركوا آثاراً على سواحل الخليج العربي الغربية إلى أن وصلوا لبنان. ثم جاء اليونانيون بعد زحف الأسكندر المقدوني على الشرق. بعدهم احتل القائد الروماني بومبيَ جميع السواحل الغربية للبحر الأحمر، وكان لليونانيين والرومان علاقات بملوك الفراعنة في مصر، حيث تذهب رسلهم وقوافلهم إلى الإسكندرية عبر الطريق الساحلي الجنوبي، وعلى هذا الطريق نشأت نقاط توقف عديدة منها مدينة غزة، التي تجمع فيها خليط من المصريين والفينيقيين وبدو سيناء وقليل من عرب الجزيرة من التجار أو طالبي الرزق.

 

وعندما دخل داود وقومه قادمين من أرض ما بين النهرين، أعاد تشييد مدينة أورشليم وبنى أول هيكل لليهود، وقام ابنه سليمان من بعده بتوسيع المدينة وأعاد بناء الهيكل بمساعدة (حيرام) ملك صور ليصبح إحدى معجزات تلك الفترة في جماله ومتانة بنيانه، ورمم معبد الصخرة، وكان مزاراً ومكان صلاة للوثنيين ثم للأنبياء اليهود. وكانت أورشليم مدينة للعبادة الوثنية والسماوية تقدم فيها القرابين المذبوحة، وهي العادة التي التزم بها الإسلام بعد ذلك.

 

بعد 250 سنة على إقامتهم في المنطقة، أسس اليهود مملكة إسرائيل التي انقسمت فيما بعد إلى مملكتين: السامرة في الشمال ومملكة يهودا في الجنوب، وأصبحت أورشليم مدينة مزدهرة ثقافياً وتجارياً، يقطنها خليط من اليهود واليونانيين والرومان والفرس والفينيقيين والبابليين ونسبة قليلة جداً من تجار الجزيرة العرب لم يكن وجودهم يتميز بشيء ما.

 

وكان إبراهيم (إبرام) الذي يعترف العرب بأبوته لهم ولليهود، شيد أربعة جدران في مكة وضع فيها الوثن الذي كان يعبده هو وقومه، والوثن عبارة عن حجر أسود صقيل أصبح العرب يعبدونه أيضاً، وبعد ظهور الإسلام لم يفكر النبي محمد بإزالته واعتبره رمزاً للإله وبقي العرب يتبركون به حتى اليوم.

 

وتقيم في الجزيرة العربية إحدى عشر قبيلة يهودية، لا يفترق أبناؤها عن بقية القبائل العربية في العادات والتقاليد. ويذكر أن العديد منهم أسلم خوفاً من بطش المسلمين بعد نمو قوتهم العسكرية. وقد مدح النبي محمد اليهود لاستمالتهم في فترة ضعفه، ثم ذمهم وشتمهم ولعنهم وقتل الكثير منهم في واقعة (خيبر) لأن اليهودية والمسيحية اللتين انتشرتا في الجزيرة كانت تنافس الإسلام على قلوب القبائل العربية الوثنية. وعاش اليهود في قلب الجزيرة وفي أطرافها، اليمن البحرين العراق مصر، وانتشروا في جنوب أوربا، اليونان والإمبراطورية الرومانية، ووصلوا حتى إنكلترا مع المد الروماني.

 

ودمر الرومان أورشليم والهيكل عام 70 بعد الميلاد بسبب ثورة اليهود على التسلط الروماني، وكانوا قاموا بثورتين سابقتين الأولى ضد السيطرة اليونانية، والثانية ضد السيطرة الرومانية، لكننا لم نسمع عن ثورة قام بها العرب ضد أحد من الأقوام والممالك والإمبراطوريات التي حلت وعاشت بتلك الأرض التي تمتد من جنوب تركيا حتى مدينة الخليل في الجنوب، لأن العرب ببساطة لم يكونوا هناك حتى الأيام الأولى لفتح الجيوش العربية دمشق على يد خالد بن الوليد، ثم بعد معركة اليرموك (636 ميلادية) التي خسر فيها البيزنطينيون كل الأراضي التي كانت تحت سيطرتهم على الساحل الشرقي للبحر الأحمر (سوريا ولبنان وفلسطين) يومها فقط دخل العرب بالآلاف إلى فلسطين وبقية بلدان الساحل. وفي عام 638 دخل الخليفة عمر بن الخطاب أورشليم وأطلق على المدينة اسم (القدس) وأعطى سكانها (كانوا آنئذ مسيحيين ويهود ووثنيين من الآراميين والعموريين والكنعانيين واليبوسيين) عهداً خطياً سمي بـ "العهدة العمرية" ترك لهم بموجبه كنائسهم ومعابدهم وأملاكهم وأموالهم، لكن العهد وضع عليهم قيوداً حرمتهم من التساوي مع السكان العرب الجدد.

 

وبعد استيلاء الصليبيين على تلك البلدان الساحلية ووصولهم أورشليم (1099) انسحبت أعداد كبيرة من المسلمين إلى الجزيرة العربية ومصر، ثم عادوا إليها وهذه المرة مع أعداد غفيرة من أفراد القبائل العربية لحماية أورشليم من أي غزوات جديدة بعد تحريرها من الصليبيين (1187)

 

وبالإضافة إلى أورشليم، شيد اليهود مجموعة كبيرة من المدن والقلاع العسكرية مثل طبريا، تصيبوري، غاملا وقلعتا هيروديون ومتسادا التي قاوم فيها اليهود حصاراً للرومان استمر ستة أشهر، انتحروا جميعهم بعدها لكي لا يقعوا أحياءً بيد الرومان، وشيدوا الكنيس اليهودي في بلدة كاتسرين بهضبة الجولان. واكتشفت مواقع لها علاقة بحياة المسيح في كفر ناحوم والطابغة، واكتشف راعي صبي من الأردن في بداية القرن التاسع عشر مخطوطات مكتوبة على لفائف (Scrolls) باللغة العبرية في كهف قرب مدينة (كمران) على البحر الميت تتحدث عن الفترة التي ظهر فيها المسيح ويوحنا المعمدان، وتم اكتشاف المواقع الأثرية للمدن البيزنطية والرومانية- قيصريا وبيسان وبنياس وكذلك بلدات النقب عوفدات وحالوتصا ومامشيت. لكن، من بين جميع هذه الآثار لا يوجد أثر واحد شيده العرب خلال كل تلك الفترات! فكيف حدث هذا إذا كانت أرض فلسطين عربية من الناحية التاريخية؟

 

وبالإضافة إلى أورشليم، شيد اليهود مجموعة كبيرة من المدن والقلاع العسكرية مثل طبريا، تصيبوري، غاملا وقلعتا هيروديون ومتسادا التي قاوم فيها اليهود حصاراً للرومان استمر ستة أشهر، انتحروا جميعهم بعدها لكي لا يقعوا أحياءً بيد الرومان، وشيدوا الكنيس اليهودي في بلدة كاتسرين بهضبة الجولان. واكتشفت مواقع لها علاقة بحياة المسيح في كفر ناحوم والطابغة، وتم اكتشاف المواقع الأثرية للمدن البيزنطية والرومانية- قيصريا وبيسان وبنياس وكذلك بلدات النقب عوفدات وحالوتصا ومامشيت. لكن، من بين جميع هذه الآثار لا يوجد أثر واحد شيده العرب خلال كل تلك الفترات! فكيف حدث هذا إذا كانت أرض فلسطين عربية من الناحية التاريخية؟

 

وحتى القرن الثاني للميلاد لم تكن قبائل الجزيرة العربية قد أسست لها خصائص ثقافية تميزها كقومية عن القوميات المجاورة، الفينيقية، الفارسية، الفرعونية، والسومرية، والبابلية، واليهودية على وجه الخصوص. وعندما اشتقت قبائل الجزيرة جزءً من اللغة الآرامية السائدة آنذاك في عموم المنطقة، وأسست لها لغة جديدة تطورت بسرعة (العربية) برزت القومية العربية إلى الوجود للمرة الأولى.

 

نأتي الآن إلى حكاية المسجد الأقصى، الذي يعتبره المسلمون العرب مكاناً دينياً خصهم الله به منذ آدم، ويطلقون عليه "الحرم القدسي الشريف" ويضم الحرم مجموعة أماكن للعبادة من بينها مسجد قبة الصخرة الذي شيده عبد الملك بن مروان في القرن السابع الميلادي، أي بعد 72 سنة من الفتح الإسلامي، ويقع هذا المجمع الديني فوق صخرة بارزة في أعلى جبل "موريا" ويضم ثلاثة معابد قديمة لليهود وأماكن عبادة مسيحية منها "مهد عيسى" وشيد مسجد قبة الصخرة الثماني الأضلاع في موقع كان يضم كنيسة بيزنطية قديمة، قريبة من مكان هيكل سليمان الذي هدمه الرومان سنة 70 بعد الميلاد.

 

وإذ يعتبر غالبية المسلمين "الحرم القدسي" موقعاً إسلامياً لا يشاركهم أحد الحق فيه، فإنهم لا يعرفون عن وجود أماكن عبادة يهودية ومسيحية داخل سور الحرم أقدم من مسجد قبة الصخرة. ويعود اهتمام الخليفة مروان بتشييد المسجد بهذا الشكل الفخم إلى ثورة مصعب بن الزبير وأخيه وسيطرتهما على مكة، إذ أراد مروان تحويل المسلمين من زيارة الكعبة إلى زيارة مسجد القبة كبديل للرمز الديني القديم للدولة الإسلامية.

 

ويتبجح العرب كثيراً في تسامحهم ومعاملتهم الحسنة لليهود والمسيحيين الذي وقعوا تحت سيطرة المسلمين بعد الفتح الإسلامي، وهذا الكلام جزء من التحريف الذي بنى عليه العرب ثقافتهم الدينية والقومية، وما برح الكتاّب والمؤرخون في المنطقة يراكمون على أساسه صفحات إنشائية دوّنت تلك الفترة بحبر زئبقي. لأن الحقيقة تؤكد عكس هذه الادعاءات، إذ أن ميثاق (العهدة العمرية) خير اليهود والمسيحيين بين ترك ديانتهم والتحول إلى الإسلام، وبين دفع ضريبة مقابل إقامتهم وعدم التعامل معهم كذميين لا حماية قانونية لحياتهم وأملاكهم في أرضهم الأصلية. وسمح لهما القيام بأنشطة دينية عمومية، وبناء معابد جديدة أو إصلاح القديم منها بأذن الحاكم الإسلامي لكن بشروط كثيرة. وفي الفترات التالية اشترط المسلمون على أصحاب الديانتين عدم رفع أصواتهم أثناء الصلاة، وأداء صلواتهم وشعائرهم الدينية في أماكن مغلقة لا تسمح بانتباه المارة. ومنعوا عليهم حمل السلاح، وركوب الخيول المسرجة، وبناء بيوت أكبر من بيوت المسلمين. وهم مطالبون بإظهار الاحترام للمسلم مثل القيام من مكان جلوسهم إذا رغب المسلم الجلوس فيه. وحرموا من الوظيفة الحكومية ومن المراكز العمومية الحساسة.

 

وقد أشاعت الآيات التي لعنت اليهود وشككت في كتابهم رغبة واسعة بين العرب في التكبر على اليهود المقيمين بينهم، وإذلالهم واضطهادهم حتى عندما لا يتوفر السبب لذلك. وبمرور الزمن دفعت هذه المعاملة اليهود إلى الخروج من مدنهم وأرضهم بأعداد كبيرة، والرحيل إلى تركيا ودول أوربا وبلدان غرب آسيا حتى روسيا. ومن بقي منهم حتى القرن التاسع عشر ظل مهمشاً، يحيى بين العرب مثل مذنب في أرض غريبة.

 

وبعد بناء سور يضم أماكن العبادة اليهودية والمسيحية والإسلامية في الحرم القدسي، حُرم على اليهود الوصول إلى معابدهم داخل الحرم، واُجبر الحاخامات على إصدار تحريم ديني يمنع أبناء دينهم من دخول الحرم حتى ظهور "المهدي" وهو هنا مهدي اليهود وليس مهدي أحمدي نجاد.

 

ويدعي العرب أن حائط المبكى أصبح ملكاً لهم لأن النبي محمد ربط دابة "البراق" في إحدى عراه عندما "أسرى به الله" من المسجد الحرام في مكة ليصلي في معبد الأقصى في أورشليم. ويسمي العرب معبد الصخرة "مسجد الصخرة" قبل أن تبنى المساجد خارج المدينة ومكة في المملكة السعودية الحالية. ورغم أن حكاية الإسراء مشكوك في واقعيتها، إلاّ أن تاريخ العرب بعد الإسلام احتوى من الغرائب ما يعطى الحق لدابة بالاستحواذ على حائط يبلغ وزنه أكثر من ألفي طن وإلحاقه بالعقارات الإسلامية! وهذا نموذج واحد من آلاف الخرافات التي وضعها المتعصبون واستخفوا بها بالعقل العربي.

الخلاصة:

1- الوقائع التاريخية المذكورة أعلاه مدوّنة في كتب التاريخ اليونانية والرومانية، وتطرق إليها المؤرخون العرب بلا تفاصيل واسعة وكأخبار متداولة في الجزيرة العربية والبلدان المجاورة لها، وثبتها أهم ثلاثة مؤرخين في القرن العشرين (توينبي، شبنغلر، ديورانت وزوجته) بعد تحليل دقيق وموضوعي، وأشار إليها (المنجد) بشكل ملخص، وجميعها تؤكد الوجود التاريخي والحضاري والثقافي الكثيف لليهود في أرض فلسطين وبقية دول الشرق الأوسط، قبل وبعد الفتح الإسلامي.

 

2- بعد صدور قرار الأمم المتحدة الخاص بتقسيم فلسطين بتاريخ 29 تشرين الثاني (نوفمبر) 1947، الذي نص على أن تقوم دولة إسرائيل على 55% من أرض فلسطين وتقوم الدولة العربية على الباقي وان تقع مدينتي القدس وبيت لحم تحت الوصاية الدولية، رفض العرب الاعتراف بقرار التقسيم، ورفضوا بذلك دولة جعلها القرار المذكور من حق الفلسطينيين والعرب ليحقق التوازن القانوني والتاريخي. وسمى العرب القرار بـ"النكبة" واشتركت دولهم الحديثة التي تأسست قبل إسرائيل ببضع سنين في أول حرب نظامية مع إسرائيل تخللتها مناوشات عصابات شكلها فلسطينيون وعرب قدموا من أقرب إلى أبعد المناطق العربية انتهت بخسارتهم. وإمعاناً في الخطأ أقام العرب للفلسطينيين الذي خرجوا أثناء الحرب وبعدها مخيمات يعيشون فيها، ليدللوا على أن اليهود جاءوا من الشتات في أرجاء العالم إلى فلسطين وهجّروا سكانها الأصليين.

 

3- لا أقول إن الأديان الأخرى بريئة من التعصب عندما يستخدمها البشر لتحقيق أهداف دنيوية، بَيدَ أن الثقافة الدينية للعرب، ثم خرافة "النكبة" سمحت بوجود خفافيش ما إن تظهر أسنانها اللبنية حتى تلتهم الثدي الذي ترضع منه. فلبنان والعراق وغزة هي دول ومناطق تتحلل وتتفسخ وتنقل عوامل تفسخها إلى الدول الأخرى على يد عرب، حولتهم الرغبة في التعصب والزعامة إلى ضباع هيجها العفن المنبعث من مفهوم "النكبة" فراحت تؤجج الحروب الطائفية والنزاعات الدينية والخلافات الاجتماعية، وترعى الاغتيالات السياسية وتملأ الأنفاق والبيوت بالأسلحة والذخائر بما يكفي انفجارها لإزالة بلد بأكمله إذا لم يَلن شعبها (من لان) لأنيابهم الحيوانية.

 

4- حين تعرضت شيخوخته للغدر على يد من تساهل مع أخطائهم المقيتة، كان الرئيس محمود عباس أول زعيم فلسطيني يعترف بأن كنيسة المسيحيين في غزة التي تعرضت إلى النهب والسلب من قبل عصابات حماس موجودة قبل أن "نأتي إلى غزة" وهو يعني "نحن الفلسطينيين" وبالذات سكان غزة الحاليين الذين جاءوا إليها بعد الفتح الإسلامي كخليط من بدو سيناء وبدو الجزيرة العربية، ومن أصول أخرى غير معروفة جذبتهم ثروة الدولة الإسلامية الجديدة من بلاد فارس إلى جنوب اثيوبيا، وفرضوا سيطرتهم على سكانها الأصليين من مسيحيين ويهود وفينيقيين وبيزنطيين وبقايا السومريين!

5- لن أوجه النقد إلى إسرائيل وتصرفات حكوماتها إزاء عملية السلام من أجل إرضاء غرور العرب وإشباع نهمهم التقليدي إلى شتم أعدائهم وخصومهم ، وإنكار أخطائهم القاتلة، بل أترك هذا للمطلعين على ملفات الموضوع مثل اللجنة الرباعية، والرؤساء العرب والغربيين ممن يعرفون حقائق الأمور ولا تسمح لهم أخلاقهم بتزويرها!

 

6- منعاً لسفك المزيد من الدماء البريئة التي سقطت من بين العرب وعلى يد عرب آخرين، ومنعاً لتحوّل التدهور الحاصل في لبنان والعراق وغزة والضفة الغربية إلى غرق كامل يمتد ليشمل جميع الدول والمجتمعات العربية، المطلوب من العرب الآن إعادة النظر في مسألة "النكبة" وتقديم رؤى جديدة وشجاعة لمصير المنطقة وسكانها، تعترف فيها علناً بحق اليهود المشروع في دولتهم على ضوء الحقائق التاريخية وليس استناداً إلى الكتابات الغاضبة الغوغائية التي أفرزتها وأدلجتها أضغاث الوعي المركب، المبني على الأكاذيب والتحريف والتزوير نتيجة مبدأ عدم الاعتراف بالآخر.

 

الأهم من ذلك، ولتعزيز الرؤى الجديدة المطلوبة، يجب التزام مبدأ التشهير، رسمياً، بالأفراد والفئات والجماعات والأحزاب الدينية والسياسية والأنظمة الشمولية التي أسست مجدها وزعامتها الخاوية انطلاقاً من مفهوم "النكبة" المنفتح دائماً على استيعاب المزيد من الادعاءات والأكاذيب.

 

وذلك، للخروج على العالم بوجه عربي حديث، وقيم أخلاقية لا تجيز للعربي، تحت أي ذريعة، ظلم أبنائه وأخوته والمختلف معهم دينياً أو قومياً أو أيديولوجياً.

 

 



[1] - contour تقابل الكِفاف في العربية، وتعني أيضاً الشكل التطريزي للحاشية، وبالنسبة للحجر هي أشكال الخطوط التي تمثل، عمودياً، الطبقات الزمنية لعمر الحجر.

هل حق اليهود في فلسطين أقلُ من حق العرب

 

هل حق اليهود في فلسطين أقلُ من حق العرب؟

 

ما هي الأصول التاريخية لسكان غزة الحاليين الذين يخطفون ويذبحون باسم حقهم في فلسطين؟

 

 

يعتبر زمن الإنسان أول زمن مدوّن لفئة واحدة من بين بلايين الأحياء التي تشكلت ونمت وتطورت وعاشت ثم انقرضت من كوكبنا الأرضي ولن يتكرر نموذجها إلى الأبد.

 

وقد بدأ الإنسان بحفظ ثم تسجيل حركة زمنه متأخراً بالقياس إلى نشوئه الذي استغرق ملايين السنين. وتعود أقدم ألواح التدوين إلى ثلاثة آلاف سنة فقط، وأطلقت كلمة (تاريخ) على الأحداث والوقائع التي مثلت حركة زمن الإنسان في هذه الفترة القصيرة.

 

وكان التاريخ يكتب بالإزميل ثم بالقلم والحبر، وفي الحالتين صيغ بلغة تسجل الوقائع من وجهة نظر صانعها، وظل يذاع في المجالس وأماكن العبادة والبيوت بهدف التذكير والتخويف (العبرة) لذلك اعتمد التفخيم والكذب، وبقي كذلك حتى ظهور العلوم الإنسانية الحديثة التي لجأت إلى الحفريات (الجيولوجيا) في دراساتها المقارنة لفحص ما قاله التاريخ على ضوء ما تقدمه الشواهد المطمورة تحت الأرض من براهين.

 

وحتى قبل مرحلة التدوّين كانت معتقدات الإنسان تمليها ظروفه البيئية، وأدق متطلبات حاجاته اليومية التي تسمح له بالبقاء، حاجات مادية تساعده على العيش، وثقافية تساعده على التماسك والأمل. ولأن الدين هو لغة قبل أي شيء آخر، حسب براهين ليفي شتراوس الانثربولوجية، كانت الأديان تظهر في فترات ازدهار اللغات التي تساعد على ظهور الأفكار الجديدة، حيث يبرز من ينادي بها، ساحر القبيل في البداية، ثم (النبي) في المجتمعات الأكثر تحضراً. ولأهميتها الثقافية وجدت الأديان لها مساحة أكبر في التدوّين سواء في المراحل البدائية (رسوم الكهوف) أو المرحلة المتقدمة (الألواح المكتوبة على الطين ثم البردي أو الجلد وأخيراً الورق)

 

وإلى يومنا الحاضر، ورغم غزارة ما أعطته مدن ومقابر الأموات المدفونة والمنظورة من شواهد عينيّة باتّة، ما زال التاريخ أشبه بحجر البازلت الأسود، كلما زدتَ في حكّ سطحه الأملس، كشفت لك عروقه الكونتورية([1]) عن تركيبة جديدة ومختلفة في أشكالها ولونها وعرض خطوطها عما هي عليه في الأعلى. مع ذلك، وهذا مهم، لم يعد تاريخ الأديان أو تاريخ الثقافات والفتوح مغلقاً على الفهم كما كان قبل مائتي سنة!

 

عندما قام خفافيش السلفية في غزة بتقييد المسؤول الفلسطيني من يديه وقدميه، ورموه حياً من الطابق الرابع عشر إلى الأرض، تساءلت: أي كلمات دينية أو سياسية حُقنت بها رؤوس هؤلاء الصبية وجعلتهم يتصرفون تجاه الحياة بهذه الوحشية المريعة؟

 

لقد شاهدت بنفسي من قبل، وعلى شاشات التلفزيون، جثتي جنديين إسرائيليين ترميان من الطابق الثاني في إحدى المدن الفلسطينية إلى الأرض، وسواء كان نفس خفافيش السلفية وراء هذا العمل أو غيرهم، ما هي اللغة، أو الكذبة اللغوية (التاريخية) الكبيرة التي تمحو من قلب الشخص في هذا العصر أي نبل أخلاقي في التعامل مع إنسان آخر مغلوب على أمره وهو في حالة جثة، أو نَفس بشرية ما زالت حية؟

 

أعتقد أن العرب، الذين ينأون بأنفسهم عن أعمال كلبية كهذه، مطالبون بمساعدتي على كشف وسحق الكذبة الكبرى التي بررت وطبلت، ودعمت، منذ ستين عاماً، حيوانية لم تعد تمثل تصرفات فردية لا واعية، بل أصبحت ظاهرة ثقافية واسعة بدأت في لبنان ثم العراق وفلسطين، وتزحف بمثابرة عنيدة إلى بقية الدول العربية. والكذبة الكبرى هي ما يعتبره العرب "النكبة" أي قيام دولتين في أرض فلسطين، الأولى: دولة إسرائيل التي قبلها اليهود. والثانية: دولة فلسطين التي رفضها العرب.

 

ففي زمن الإنسان الحالي، إذ يستطيع العلم بآلاته الدقيقة رصد التغيّرات المناخية المسببة للجفاف (القحط) وزحف الطبقات الأرضية المؤدية إلى الهزات السطحية، لا يمكن لشخص من هذا العصر أن يعزو دمار المدن، قديماً وحديثا،ً إلى غضب الله دون أن يعرّض نفسه للسخرية. لكن 80% من العرب الحاليين يفعلون! يفعلون ولا يخشون السخرية أو يخجلون منها! ولا تمثل هذه النسبة الضخمة الأميين فقط ممن تزخر بهم الأرياف والقرى والمدن الصغيرة والكبيرة، بل بينهم طلاب جامعات، ومدرسو تعليم، وأساتذة، وخريجو معاهد عليا، وخبراء علم وتكنولوجيا، وخريجو طب، وخريجو جامعات دينية مثل الأزهر، وأساتذة تاريخ، وسياسيون تصدروا ويتصدرون المسؤولية.

 

هذه النخبة الكبيرة من المتعلمين هي التي حشرت الوعي العربي العام ضمن ثقافة ضيقة، منغلقة، معلولة، أفرزت عقلية العنف، والإرهاب، والتعصب، وحرمت أي فكرة جديدة من شروطها الجدلية، لكي يبقى الشعور الوهمي بالظلم يتحكم في النفسية العربية ويرديها في السقم الملازم واليأس والتخبط، كل هذا انصياعا لقرار الجامعة العربية (1947) الذي اعتبر فلسطين أرضاً "سليبة" لا يحق لغير العربي المسلم التمتع بكيان فيها، حتى لو كان من أهلها الأقدم جذوراً من المسلمين والعرب!

 

ومن أضغاث الوعي اللاحق، انقلبت الكذبة على العرب، فظهر صدام حسين، وحافظ الأسد، وبشار الأسد، وبن لادن، والظواهري، والزرقاوي، وحسن نصر الله، وبري، ومشعل، وهنية، والزهار الذي رمى صبيته المسؤول الفلسطيني من الطابق الرابع عشر إلى الأرض الصلبة، وأخيراً جاء من أقصى الجبال الشرقية المجاورة للشرق الأوسط أحمدي نجاد، الذي تعهد بتهيئة الفوضى والدمار المناسبين لظهور المهدي المنتظر الذي سيحل القضية الفلسطينية!

 

الآن، ونتيجة الشذوذ الفكري الذي أصاب الوعي العربي منذ ما سمي بـ"النكبة" ونتيجة تراكم الأكاذيب حولها، أصبح (الإرهاب) الكنية الملتصقة بالعربي أينما حل في العالم. ورغم ما بذلته دول عربية كبيرة ومهمة مثل مصر والسعودية والأردن وبعض دول الخليج من جهود سياسية وثقافية لترميم علاقة العرب بالعالم، ومحاصرة ثقافة الإرهاب داخل المجتمعات العربية، حالف الفشل كل هذه الجهود لسبب واحد، هو أن عملية الإصلاح، الخارجية والداخلية، انطلقت من نفس مفهوم "النكبة" وكامتداد له. مما يثبت أن لا أمل في خلاص العرب من الإرهاب، كمحنة ثقافية وسياسية، إلاّ بإيجاد منطلقات مغايرة ورؤية جديدة بعيدة كلياً عن حيطان وأروقة المعبد الديني الذي شيده العرب في زمنهم الحديث وأطلقوا عليه اسم "النكبة"

 

أيضاً، ورغم اقتناع مسؤولين وزعماء ومثقفين وشخصيات عامة فلسطينية، لا يرقى أي شك إلى وطنيتها، بواقع وجود دولة إسرائيل، فإن الـ 80% من العرب الذين ذكرناهم لا يقبلون هذه الرؤية ويكفروّنها دينياً، يدغدغ عواطفهم ويقرع لهم طبول التشدد رؤساء دول في المنطقة، وأحزاب، وترعى الجامعة العربية، بشخوص أمنائها، جوقتهم الزاعقة، حيث يعتبرون اصطدام أي سيارتين في غزة أو الضفة الغربية مؤامرة من دولة إسرائيل على مصير العرب! لأن الجامعة، كمؤسسة، نشأت ككيان قومي مهمته الرئيسية تنضيد البيانات والدراسات المشحونة بتحريف الحقائق لقمع الضمير العربي كلما أراد التفكير بحرية خارج "النكبة"، بدل أن تلعب دوراً خلاقاً في مجالات التنمية الثقافية والاقتصادية يرفع المستوى المتدهور لحياة المجتمعات العربية.

 

إذن، لماذا تحول قرار التقسيم الذي أعطى لليهود دولة في أرض فلسطين إلى جانب دولة أخرى للعرب إلى "نكبة" تشرق كل يوم على المنطقة العربية وتغيب دون أن تحمل شعاعا صغيراً من ضوء ينير الطريق لشعوبها؟ وهل كان حق اليهود في أرض فلسطين أقل من حق العرب؟ وما هي الأسس التاريخية التي تدعم ترجيح حق على الآخر؟

 

أولاً: إذا كان مبدأ عدم الاعتراف بالآخر للاستحواذ على كامل حقوقه قد ساد الفتوحات الإسلامية منذ عهد عمر بن الخطاب جرياً على عادة ذاك الزمان، فإن هذا المبدأ قوبل بالنبذ ثم التحريم في بداية القرن الماضي نتيجة الحروب والنزاعات التي قاد إليها، ووضع المجتمع الدولي القوانين اللازمة لردعه في المبادئ العامة التي قامت عليها عصبة الأمم عام 1919، ثم تطورت روح هذه القوانين بما أضيف إليها من ملحقات وتفسيرات مع تأسيس منظمة الأمم المتحدة عام 1946 لتتطابق وتنسجم مع العصر، وتعبر عن الأفكار العامة السائدة عن مفهوم سيادة الدول وحقوق الشعوب في تقرير مصيرها.

 

إلاّ أن العرب، وبسبب توجههم العاطفي نحو الماضي، وتزمتهم للمعايير القديمة الذي حرَم عقليتهم من النزوع إلى معاصرة المراحل الزمنية كل في وقتها، جعلهم أسرى لمبدأ عدم الاعتراف بالآخر لإلغاء وجوده وبالتالي إنكار حقوقه. جراء ذلك تضررت حقوق ومصالح الطوائف والقوميات غير العربية التي عاشت بينهم: الأكراد، الأقباط، اليهود، وأقليات كثيرة اُلحقت بالعرب قبل 14 قرناً، وما زالت تُعامل بنفس قوانين فترة الغزو الإسلامي.

 

ورغم ما ينتجه وينميه مبدأ إنكار وجود الآخر وحقوقه من مظالم ونزاعات وحروب وعدم استقرار وتجارب مريرة تدفن المخاوف والأحقاد على مسافة قريبة من سطح البيئة الاجتماعية، التزم العرب موقفاً شوفينييا صريحاً وعنيداً في معالجة كل المشاكل التي نشأت في المنطقة مع اتساع ونضوج وعي الأقليات بحقوقها، وظهور مؤسسات دولية أقرت شرعية تلك الحقوق على ضوء المنطق والمفاهيم العامة للعصر.

 

أمثلة على ذلك:

 

1- الأكراد

أدى إنكار الدولة العراقية الحقوق القومية للأكراد، مدعومة من الجامعة العربية، إلى حروب تواصلت على مدى خمسين عاما، هي تقريباً ثلاثة أرباع عمر الدولة التي نشأت في العراق من دون جذور سيادية قوية تدعم ذلك النشوء بصورته وحدوده الأخير!

فبعد أن لفقت الأسباب الداعية إلى ضم إمارة البصرة إلى إمارة بغداد لقيام دولة جديدة في العراق، اقتضت مصالح الاستعمار البريطاني آنذاك إلحاق منطقة كبيرة من أراض مسكونة تاريخياً من قبل الأكراد بالدولة الحديثة ليكون حجم كيانها مناسباً لطموح الأمير فيصل بين الحسين، الذي رشح لإدارتها مقابل حماية مصالح بريطانيا في المنطقة.

 

وإمعاناً في إنكار حقوق الأكراد، قتل صدام حسين بين 1988 و1989 حوالي 180 ألف كردي في حملة إبادة منظمة أطلق عليها اسم "الأنفال"، ثم رش إحدى مدنهم (حلبجة) بغاز الخردل فقتل سكانها (5000 نسمة) ولزم الضمير العربي الصمت تجاه هذه المجازر البشرية، بينما اعتبرت الجامعة العربية بشخص رئيسها آنذاك (الشاذلي القليبي) كلام الصحف العالمية عما جرى كـ "مؤامرة استعمارية ضد العرب والنظام العراقي"! وفي سوريا يعتبر الأكراد مواطنين من الدرجة الثانية يمنع عليهم ممارسة لغتهم وثقافتهم في العلن.

 

2- المسيحيون في مصر ولبنان

وما جرى للأكراد من تعسف قومي، حدث مثله للأقباط على شكل تزمت طائفي، وفي كلا السلوكين اعتمد العرب مبدأ إنكار وجود الآخر لتجريد حقوقه. فالأقباط الذين انصهر بهم العرب اجتماعياً، وانصهر الأقباط بهم بفعل عامل الزمن، ظلوا يكتشفون بين فترة وأخرى أن الانصهار مجرد قشرة رقيقة سرعان ما تتمزق لدى أي مطلب بالمساواة يشجع عليه تطور مفاهيم الشراكة داخل المجتمع الواحد. لذلك بقيت مصر، الدولة، في حالة توتر اجتماعي، يصعد إلى السطح ليزلزل القشرة الساكنة كلما أرادت الرغبة في الزعامة السياسية العربية أو الإسلامية تأكيد وجودها، أو عرض مطالبها.

 

وقد اتخذ التزمت الطائفي في مصر شكلاً حزبياً منظماً بظهور جماعة الأخوان المسلمين 1928، ليشق، عبر اسم الجماعة ومنهجها، المجتمع المصري إلى شقين متنافرين ومتعاديين اعتماداً على المبدأ الديني والسياسي العربي، الذي ينكر شرعية وجود الآخر غير المسلم وغير العربي ابتداءً من دخول الجيوش الإسلامية مصر عام 639.

 

ورغم اعتراف المؤرخين العرب بدور الخليط الديني والقومي غير العربي في إغناء الفكر والثقافة العربيين، بَيدَ أن الاعتراف بحقوقهم يتوقف ويتكسر عند أول صوت يتجاوز حلقة السكون المفروضة على الخليط كشرط لقبوله داخل الكيان العربي العام، المفكك سياسياً واقتصادياً، والموحد بوجه أي إشارة إلى وجود غير العرب، حتى لو كان وجوداً قوامه السكان الأصليين!

 

في لبنان، أدى وجود الميليشيات الفلسطينية المسلحة بناءً على قرار من الدول العربية إلى تشكيل ميليشيات لبنانية، سنيّة وشيعية مناصرة، رفعت جميعها شعار تحرير فلسطين، فروّعت المسيحيين بظهورها المسلح في الشوارع المكتظة باللبنانيين والسياح، مما أدى في النهاية إلى الاصطدام مع ميليشيات مسيحية تسلحت من قبل بدافع الخوف على حقوق الطوائف المسيحية من شعارات العرب القومية، فشهدت لبنان حرباً طائفية بشعة استمرت 15 عاماً، لم تنته إلا بحصول سوريا، التي لعبت دوراً قبيحاً مؤججا، على وصاية كاملة على شؤون لبنان وشعبه، اتخذت طابع الهيمنة الاستعمارية من النموذج البرتغالي المعروف تاريخيا بطغيانه.

 

في عام 2005، بعد تخلص اللبنانيين من تلك الهيمنة، عادت أسباب وغيوم حرب طائفية جديدة إلى البروز، لكن بأدوات أخرى، لا تبدي الجامعة العربية أي جهد مخلص لمنعها لسببين: الأول أن النظام السوري أيضاً يقف وراء التوتر الطائفي لإعادة هيمنته على لبنان. والثاني: أن حكومة الأغلبية الحالية التي ترفض عودة النفوذ السوري يمثل المسيحيون فيها النسبة الأكبر.

 

إذا كانت المؤسسات القومية العليا تمثل ضمير أمة ما، فإن مؤسسة كبيرة مثل الجامعة العربية قد أنشئت منذ البداية كمعبد لـ"النكبة" مهمته تنضيد البيانات والدراسات المشحونة بالتحريف، بدل أن تلعب دوراً خلاقاً في مجالات التنمية الاقتصادية والثقافية يرفع المستوى المتخلف لحياة المجتمعات العربية، وينظر بعين المساواة إلى كل الأعراق والأديان المنضوية تحت الكيانات التي تمثلها الجامعة!

 

كنا على الدوام نحلم أن يبلى ضميرنا العربي القومي من الكساح الذي ألم به منذ "النكبة" وينهض، لن نقول برؤى جديدة تسبق العصر الذي نعيش فيه، إنما على الأقل أن تكون رؤى مشرّفة وموازية لعصره! غير أن تلك الأحلام تمرغت في الوحل على يد مجموعة من الصحفيين والكتّاب وبعض المؤرخين العرب، عملوا على تشويه الحقائق ودبجوا تاريخاً ملفقاً وحزيناً للمنطقة على ضوء مبدأ عدم الاعتراف بالآخر.

 

3- اليهود:

ينظر العرب إلى القضية الفلسطينية كمشكلة في غاية التعقيد، وهي في واقع الأمر ليست كذلك إلا في عيون العرب، وعواطفهم، وفكرهم القومي والديني. وقد راكم العرب الادعاءات عن حقهم وحدهم في أرض فلسطين باشتقاق العديد من المطلقات اعتماداً على مراجع شفوية ومكتوبة دوّنها الغالب بعد الفتوحات الإسلامية، وحرم على أي شخص إعادة النظر فيها، عربياً كان أو أجنبياً. وعندما قبل العرب الاحتكام إلى الأمم المتحدة ومواثيقها لحل المشكلة الفلسطينية، وجدت مطلقاتهم تعارضاً صارخاً مع الوثائق التاريخية، المصفاة، التي بحوزة المنظمة الدولية الجديدة، لذلك ضيعوا عقوداً من الزمن في إصرارهم على صحة مستنداتهم غير المتطابقة مع تاريخ المنطقة المعترف به رسميا، المعتمد على الشواهد العينية الباتة (البراهين الأثرية غي أرض فلسطين) وما ورد في الكتب السماوية الثلاثة، وما ذكره مؤرخو روما، وقبلهم مؤرخو اليونان، وبعدهم مؤرخو اليهود، والدراسات التاريخية الحديثة.

 

قبل أن يأمر الإمبراطور أدريان (132.م) بتدمير مملكة يهودا بسبب ثورة اليهود، ومحو اسمها بإطلاق اسم (فلسطين) على المنطقة الجنوبية، لم تكن هناك أرض اسمها فلسطين. والفلسطينيون قوم جاءوا من جزيرة كريت اليونانية وأقاموا بضع آلاف من السنين جنوب صور حتى الزاوية السفلى لشرق البحر المتوسط، ثم انقرضوا كما انقرضت بلايين الأحياء من البشر (الأقوام) والحيوانات والحشرات والنباتات لأسباب جينية لم تكن معروفة في ذلك الزمان.

 

وقد دخل اليهود هذه المنطقة في عهد داود حوالي الألف الأول قبل الميلاد، وأعادوا بناء مدينة أورشليم بعد طرد اليبوسيين. واليبوسيون شعب من الحثيين وصلوا إلى فلسطين بعد سقوط الإمبراطورية الحثية التي قامت في شمال تركيا الحالية في حوال القرن الثاني عشر قبل الميلاد. ويقال إنهم بنوا حصناً خارج أورشليم أطلقوا عليه (صهيون) وبنوا سوراً حول المدينة. وقبل الحثيين سكن أورشليم أو استولى عليها الحوريون الذين جاءوا من الأناضول. وقبلهم الحبيرو وهم خليط من الشعوب من الساميين وغير الساميين يقال إنهم قبائل غير مستقرة ممن يبحثون عن مصادر الرزق، أشارت إليهم ألواح مصرية وورد ذكرهم في التوراة. وذكر المؤرخ اليوناني هيرودت أن الأموريين (الحبيريون) دخلوا هذه الأرض مبكراً جداً، وهم من أصول سومرية جاءوا من جنوب العراق، ومنهم ظهر الفينيقيون الذين تركوا آثاراً على سواحل الخليج العربي الغربية إلى أن وصلوا لبنان. ثم جاء اليونانيون بعد زحف الأسكندر المقدوني على الشرق. بعدهم احتل القائد الروماني بومبيَ جميع السواحل الغربية للبحر الأحمر، وكان لليونانيين والرومان علاقات بملوك الفراعنة في مصر، حيث تذهب رسلهم وقوافلهم إلى الإسكندرية عبر الطريق الساحلي الجنوبي، وعلى هذا الطريق نشأت نقاط توقف عديدة منها مدينة غزة، التي تجمع فيها خليط من المصريين والفينيقيين وبدو سيناء وقليل من عرب الجزيرة من التجار أو طالبي الرزق.

 

وعندما دخل داود وقومه قادمين من أرض ما بين النهرين، أعاد تشييد مدينة أورشليم وبنى أول هيكل لليهود، وقام ابنه سليمان من بعده بتوسيع المدينة وأعاد بناء الهيكل بمساعدة (حيرام) ملك صور ليصبح إحدى معجزات تلك الفترة في جماله ومتانة بنيانه، ورمم معبد الصخرة، وكان مزاراً ومكان صلاة للوثنيين ثم للأنبياء اليهود. وكانت أورشليم مدينة للعبادة الوثنية والسماوية تقدم فيها القرابين المذبوحة، وهي العادة التي التزم بها الإسلام بعد ذلك.

 

بعد 250 سنة على إقامتهم في المنطقة، أسس اليهود مملكة إسرائيل التي انقسمت فيما بعد إلى مملكتين: السامرة في الشمال ومملكة يهودا في الجنوب، وأصبحت أورشليم مدينة مزدهرة ثقافياً وتجارياً، يقطنها خليط من اليهود واليونانيين والرومان والفرس والفينيقيين والبابليين ونسبة قليلة جداً من تجار الجزيرة العرب لم يكن وجودهم يتميز بشيء ما.

 

وكان إبراهيم (إبرام) الذي يعترف العرب بأبوته لهم ولليهود، شيد أربعة جدران في مكة وضع فيها الوثن الذي كان يعبده هو وقومه، والوثن عبارة عن حجر أسود صقيل أصبح العرب يعبدونه أيضاً، وبعد ظهور الإسلام لم يفكر النبي محمد بإزالته واعتبره رمزاً للإله وبقي العرب يتبركون به حتى اليوم.

 

وتقيم في الجزيرة العربية إحدى عشر قبيلة يهودية، لا يفترق أبناؤها عن بقية القبائل العربية في العادات والتقاليد. ويذكر أن العديد منهم أسلم خوفاً من بطش المسلمين بعد نمو قوتهم العسكرية. وقد مدح النبي محمد اليهود لاستمالتهم في فترة ضعفه، ثم ذمهم وشتمهم ولعنهم وقتل الكثير منهم في واقعة (خيبر) لأن اليهودية والمسيحية اللتين انتشرتا في الجزيرة كانت تنافس الإسلام على قلوب القبائل العربية الوثنية. وعاش اليهود في قلب الجزيرة وفي أطرافها، اليمن البحرين العراق مصر، وانتشروا في جنوب أوربا، اليونان والإمبراطورية الرومانية، ووصلوا حتى إنكلترا مع المد الروماني.

 

ودمر الرومان أورشليم والهيكل عام 70 بعد الميلاد بسبب ثورة اليهود على التسلط الروماني، وكانوا قاموا بثورتين سابقتين الأولى ضد السيطرة اليونانية، والثانية ضد السيطرة الرومانية، لكننا لم نسمع عن ثورة قام بها العرب ضد أحد من الأقوام والممالك والإمبراطوريات التي حلت وعاشت بتلك الأرض التي تمتد من جنوب تركيا حتى مدينة الخليل في الجنوب، لأن العرب ببساطة لم يكونوا هناك حتى الأيام الأولى لفتح الجيوش العربية دمشق على يد خالد بن الوليد، ثم بعد معركة اليرموك (636 ميلادية) التي خسر فيها البيزنطينيون كل الأراضي التي كانت تحت سيطرتهم على الساحل الشرقي للبحر الأحمر (سوريا ولبنان وفلسطين) يومها فقط دخل العرب بالآلاف إلى فلسطين وبقية بلدان الساحل. وفي عام 638 دخل الخليفة عمر بن الخطاب أورشليم وأطلق على المدينة اسم (القدس) وأعطى سكانها (كانوا آنئذ مسيحيين ويهود ووثنيين من الآراميين والعموريين والكنعانيين واليبوسيين) عهداً خطياً سمي بـ "العهدة العمرية" ترك لهم بموجبه كنائسهم ومعابدهم وأملاكهم وأموالهم، لكن العهد وضع عليهم قيوداً حرمتهم من التساوي مع السكان العرب الجدد.

 

وبعد استيلاء الصليبيين على تلك البلدان الساحلية ووصولهم أورشليم (1099) انسحبت أعداد كبيرة من المسلمين إلى الجزيرة العربية ومصر، ثم عادوا إليها وهذه المرة مع أعداد غفيرة من أفراد القبائل العربية لحماية أورشليم من أي غزوات جديدة بعد تحريرها من الصليبيين (1187)

 

وبالإضافة إلى أورشليم، شيد اليهود مجموعة كبيرة من المدن والقلاع العسكرية مثل طبريا، تصيبوري، غاملا وقلعتا هيروديون ومتسادا التي قاوم فيها اليهود حصاراً للرومان استمر ستة أشهر، انتحروا جميعهم بعدها لكي لا يقعوا أحياءً بيد الرومان، وشيدوا الكنيس اليهودي في بلدة كاتسرين بهضبة الجولان. واكتشفت مواقع لها علاقة بحياة المسيح في كفر ناحوم والطابغة، واكتشف راعي صبي من الأردن في بداية القرن التاسع عشر مخطوطات مكتوبة على لفائف (Scrolls) باللغة العبرية في كهف قرب مدينة (كمران) على البحر الميت تتحدث عن الفترة التي ظهر فيها المسيح ويوحنا المعمدان، وتم اكتشاف المواقع الأثرية للمدن البيزنطية والرومانية- قيصريا وبيسان وبنياس وكذلك بلدات النقب عوفدات وحالوتصا ومامشيت. لكن، من بين جميع هذه الآثار لا يوجد أثر واحد شيده العرب خلال كل تلك الفترات! فكيف حدث هذا إذا كانت أرض فلسطين عربية من الناحية التاريخية؟

 

وبالإضافة إلى أورشليم، شيد اليهود مجموعة كبيرة من المدن والقلاع العسكرية مثل طبريا، تصيبوري، غاملا وقلعتا هيروديون ومتسادا التي قاوم فيها اليهود حصاراً للرومان استمر ستة أشهر، انتحروا جميعهم بعدها لكي لا يقعوا أحياءً بيد الرومان، وشيدوا الكنيس اليهودي في بلدة كاتسرين بهضبة الجولان. واكتشفت مواقع لها علاقة بحياة المسيح في كفر ناحوم والطابغة، وتم اكتشاف المواقع الأثرية للمدن البيزنطية والرومانية- قيصريا وبيسان وبنياس وكذلك بلدات النقب عوفدات وحالوتصا ومامشيت. لكن، من بين جميع هذه الآثار لا يوجد أثر واحد شيده العرب خلال كل تلك الفترات! فكيف حدث هذا إذا كانت أرض فلسطين عربية من الناحية التاريخية؟

 

وحتى القرن الثاني للميلاد لم تكن قبائل الجزيرة العربية قد أسست لها خصائص ثقافية تميزها كقومية عن القوميات المجاورة، الفينيقية، الفارسية، الفرعونية، والسومرية، والبابلية، واليهودية على وجه الخصوص. وعندما اشتقت قبائل الجزيرة جزءً من اللغة الآرامية السائدة آنذاك في عموم المنطقة، وأسست لها لغة جديدة تطورت بسرعة (العربية) برزت القومية العربية إلى الوجود للمرة الأولى.

 

نأتي الآن إلى حكاية المسجد الأقصى، الذي يعتبره المسلمون العرب مكاناً دينياً خصهم الله به منذ آدم، ويطلقون عليه "الحرم القدسي الشريف" ويضم الحرم مجموعة أماكن للعبادة من بينها مسجد قبة الصخرة الذي شيده عبد الملك بن مروان في القرن السابع الميلادي، أي بعد 72 سنة من الفتح الإسلامي، ويقع هذا المجمع الديني فوق صخرة بارزة في أعلى جبل "موريا" ويضم ثلاثة معابد قديمة لليهود وأماكن عبادة مسيحية منها "مهد عيسى" وشيد مسجد قبة الصخرة الثماني الأضلاع في موقع كان يضم كنيسة بيزنطية قديمة، قريبة من مكان هيكل سليمان الذي هدمه الرومان سنة 70 بعد الميلاد.

 

وإذ يعتبر غالبية المسلمين "الحرم القدسي" موقعاً إسلامياً لا يشاركهم أحد الحق فيه، فإنهم لا يعرفون عن وجود أماكن عبادة يهودية ومسيحية داخل سور الحرم أقدم من مسجد قبة الصخرة. ويعود اهتمام الخليفة مروان بتشييد المسجد بهذا الشكل الفخم إلى ثورة مصعب بن الزبير وأخيه وسيطرتهما على مكة، إذ أراد مروان تحويل المسلمين من زيارة الكعبة إلى زيارة مسجد القبة كبديل للرمز الديني القديم للدولة الإسلامية.

 

ويتبجح العرب كثيراً في تسامحهم ومعاملتهم الحسنة لليهود والمسيحيين الذي وقعوا تحت سيطرة المسلمين بعد الفتح الإسلامي، وهذا الكلام جزء من التحريف الذي بنى عليه العرب ثقافتهم الدينية والقومية، وما برح الكتاّب والمؤرخون في المنطقة يراكمون على أساسه صفحات إنشائية دوّنت تلك الفترة بحبر زئبقي. لأن الحقيقة تؤكد عكس هذه الادعاءات، إذ أن ميثاق (العهدة العمرية) خير اليهود والمسيحيين بين ترك ديانتهم والتحول إلى الإسلام، وبين دفع ضريبة مقابل إقامتهم وعدم التعامل معهم كذميين لا حماية قانونية لحياتهم وأملاكهم في أرضهم الأصلية. وسمح لهما القيام بأنشطة دينية عمومية، وبناء معابد جديدة أو إصلاح القديم منها بأذن الحاكم الإسلامي لكن بشروط كثيرة. وفي الفترات التالية اشترط المسلمون على أصحاب الديانتين عدم رفع أصواتهم أثناء الصلاة، وأداء صلواتهم وشعائرهم الدينية في أماكن مغلقة لا تسمح بانتباه المارة. ومنعوا عليهم حمل السلاح، وركوب الخيول المسرجة، وبناء بيوت أكبر من بيوت المسلمين. وهم مطالبون بإظهار الاحترام للمسلم مثل القيام من مكان جلوسهم إذا رغب المسلم الجلوس فيه. وحرموا من الوظيفة الحكومية ومن المراكز العمومية الحساسة.

 

وقد أشاعت الآيات التي لعنت اليهود وشككت في كتابهم رغبة واسعة بين العرب في التكبر على اليهود المقيمين بينهم، وإذلالهم واضطهادهم حتى عندما لا يتوفر السبب لذلك. وبمرور الزمن دفعت هذه المعاملة اليهود إلى الخروج من مدنهم وأرضهم بأعداد كبيرة، والرحيل إلى تركيا ودول أوربا وبلدان غرب آسيا حتى روسيا. ومن بقي منهم حتى القرن التاسع عشر ظل مهمشاً، يحيى بين العرب مثل مذنب في أرض غريبة.

 

وبعد بناء سور يضم أماكن العبادة اليهودية والمسيحية والإسلامية في الحرم القدسي، حُرم على اليهود الوصول إلى معابدهم داخل الحرم، واُجبر الحاخامات على إصدار تحريم ديني يمنع أبناء دينهم من دخول الحرم حتى ظهور "المهدي" وهو هنا مهدي اليهود وليس مهدي أحمدي نجاد.

 

ويدعي العرب أن حائط المبكى أصبح ملكاً لهم لأن النبي محمد ربط دابة "البراق" في إحدى عراه عندما "أسرى به الله" من المسجد الحرام في مكة ليصلي في معبد الأقصى في أورشليم. ويسمي العرب معبد الصخرة "مسجد الصخرة" قبل أن تبنى المساجد خارج المدينة ومكة في المملكة السعودية الحالية. ورغم أن حكاية الإسراء مشكوك في واقعيتها، إلاّ أن تاريخ العرب بعد الإسلام احتوى من الغرائب ما يعطى الحق لدابة بالاستحواذ على حائط يبلغ وزنه أكثر من ألفي طن وإلحاقه بالعقارات الإسلامية! وهذا نموذج واحد من آلاف الخرافات التي وضعها المتعصبون واستخفوا بها بالعقل العربي.

الخلاصة:

1- الوقائع التاريخية المذكورة أعلاه مدوّنة في كتب التاريخ اليونانية والرومانية، وتطرق إليها المؤرخون العرب بلا تفاصيل واسعة وكأخبار متداولة في الجزيرة العربية والبلدان المجاورة لها، وثبتها أهم ثلاثة مؤرخين في القرن العشرين (توينبي، شبنغلر، ديورانت وزوجته) بعد تحليل دقيق وموضوعي، وأشار إليها (المنجد) بشكل ملخص، وجميعها تؤكد الوجود التاريخي والحضاري والثقافي الكثيف لليهود في أرض فلسطين وبقية دول الشرق الأوسط، قبل وبعد الفتح الإسلامي.

 

2- بعد صدور قرار الأمم المتحدة الخاص بتقسيم فلسطين بتاريخ 29 تشرين الثاني (نوفمبر) 1947، الذي نص على أن تقوم دولة إسرائيل على 55% من أرض فلسطين وتقوم الدولة العربية على الباقي وان تقع مدينتي القدس وبيت لحم تحت الوصاية الدولية، رفض العرب الاعتراف بقرار التقسيم، ورفضوا بذلك دولة جعلها القرار المذكور من حق الفلسطينيين والعرب ليحقق التوازن القانوني والتاريخي. وسمى العرب القرار بـ"النكبة" واشتركت دولهم الحديثة التي تأسست قبل إسرائيل ببضع سنين في أول حرب نظامية مع إسرائيل تخللتها مناوشات عصابات شكلها فلسطينيون وعرب قدموا من أقرب إلى أبعد المناطق العربية انتهت بخسارتهم. وإمعاناً في الخطأ أقام العرب للفلسطينيين الذي خرجوا أثناء الحرب وبعدها مخيمات يعيشون فيها، ليدللوا على أن اليهود جاءوا من الشتات في أرجاء العالم إلى فلسطين وهجّروا سكانها الأصليين.

 

3- لا أقول إن الأديان الأخرى بريئة من التعصب عندما يستخدمها البشر لتحقيق أهداف دنيوية، بَيدَ أن الثقافة الدينية للعرب، ثم خرافة "النكبة" سمحت بوجود خفافيش ما إن تظهر أسنانها اللبنية حتى تلتهم الثدي الذي ترضع منه. فلبنان والعراق وغزة هي دول ومناطق تتحلل وتتفسخ وتنقل عوامل تفسخها إلى الدول الأخرى على يد عرب، حولتهم الرغبة في التعصب والزعامة إلى ضباع هيجها العفن المنبعث من مفهوم "النكبة" فراحت تؤجج الحروب الطائفية والنزاعات الدينية والخلافات الاجتماعية، وترعى الاغتيالات السياسية وتملأ الأنفاق والبيوت بالأسلحة والذخائر بما يكفي انفجارها لإزالة بلد بأكمله إذا لم يَلن شعبها (من لان) لأنيابهم الحيوانية.

 

4- حين تعرضت شيخوخته للغدر على يد من تساهل مع أخطائهم المقيتة، كان الرئيس محمود عباس أول زعيم فلسطيني يعترف بأن كنيسة المسيحيين في غزة التي تعرضت إلى النهب والسلب من قبل عصابات حماس موجودة قبل أن "نأتي إلى غزة" وهو يعني "نحن الفلسطينيين" وبالذات سكان غزة الحاليين الذين جاءوا إليها بعد الفتح الإسلامي كخليط من بدو سيناء وبدو الجزيرة العربية، ومن أصول أخرى غير معروفة جذبتهم ثروة الدولة الإسلامية الجديدة من بلاد فارس إلى جنوب اثيوبيا، وفرضوا سيطرتهم على سكانها الأصليين من مسيحيين ويهود وفينيقيين وبيزنطيين وبقايا السومريين!

5- لن أوجه النقد إلى إسرائيل وتصرفات حكوماتها إزاء عملية السلام من أجل إرضاء غرور العرب وإشباع نهمهم التقليدي إلى شتم أعدائهم وخصومهم ، وإنكار أخطائهم القاتلة، بل أترك هذا للمطلعين على ملفات الموضوع مثل اللجنة الرباعية، والرؤساء العرب والغربيين ممن يعرفون حقائق الأمور ولا تسمح لهم أخلاقهم بتزويرها!

 

6- منعاً لسفك المزيد من الدماء البريئة التي سقطت من بين العرب وعلى يد عرب آخرين، ومنعاً لتحوّل التدهور الحاصل في لبنان والعراق وغزة والضفة الغربية إلى غرق كامل يمتد ليشمل جميع الدول والمجتمعات العربية، المطلوب من العرب الآن إعادة النظر في مسألة "النكبة" وتقديم رؤى جديدة وشجاعة لمصير المنطقة وسكانها، تعترف فيها علناً بحق اليهود المشروع في دولتهم على ضوء الحقائق التاريخية وليس استناداً إلى الكتابات الغاضبة الغوغائية التي أفرزتها وأدلجتها أضغاث الوعي المركب، المبني على الأكاذيب والتحريف والتزوير نتيجة مبدأ عدم الاعتراف بالآخر.

 

الأهم من ذلك، ولتعزيز الرؤى الجديدة المطلوبة، يجب التزام مبدأ التشهير، رسمياً، بالأفراد والفئات والجماعات والأحزاب الدينية والسياسية والأنظمة الشمولية التي أسست مجدها وزعامتها الخاوية انطلاقاً من مفهوم "النكبة" المنفتح دائماً على استيعاب المزيد من الادعاءات والأكاذيب.

 

وذلك، للخروج على العالم بوجه عربي حديث، وقيم أخلاقية لا تجيز للعربي، تحت أي ذريعة، ظلم أبنائه وأخوته والمختلف معهم دينياً أو قومياً أو أيديولوجياً.

 

 



[1] - contour تقابل الكِفاف في العربية، وتعني أيضاً الشكل التطريزي للحاشية، وبالنسبة للحجر هي أشكال الخطوط التي تمثل، عمودياً، الطبقات الزمنية لعمر الحجر.