المسرحية
التي تنبأت منذ ربع قـرن بما يحدث للعراق
الآن
هذه المسرحية، رفضت دور النشر في بيروت
(التقدمية بشكل خاص) نشرها في بداية السبعينات، وحين تولت (مطبعة الخليل) طبعها
عام 1975، باعت أكثر من ألفين نسخة خلال سنة، لكنها لم تقدم على المسرح إلاّ
مرتين: الأولى من قبل "المسرح العمالي" في مدينة حلب، وفـي المـرة
الثانية أخرجتها احدى طالبات الجامعة الأمريكية في بيروت لمشروع التخرج، ثم لم يرد
ذكر "هلاك بابل" منذ تلك الفترة، على حد علمي. لذلك، فإن تقديمها علـى
الانترنت الآن يعبّـر عـن رغبتي الشخصية في إعادة نشرها بين من أسميتهم ( قـرّاء الليل )، لإسـترجاع صــورة
الماضـي، الكاذب في كل ما طرحه من أفكار، والحاضر الذي لم يتعلم شيئاً ذا قيمة من
ذلك الخداع الذي تسبب في الهلاك .
|
|
هلاك
بابل
(مسرحية
في ثلاثة فصول)
المشهد
الأول:
(ليل، ساحة عامة ذات مدرجات، الى الخلف تنتصب خمس
مقاصل تظهر كظل "سلويت" في آخر المسرح. حارس يخطو برتابة أسفل المدرج
منكمشاً من البرد ومن بعيد يُسمع عواء كلب).
[بعد قليل تسمع حركة خارج المسرح، الحارس
ينتبه]
الحارس: من هناك؟
(صوت
ينشد من خارج المسرح)
ها
ان الشتاء يقبل بسرعة
والبرد
يدب الى الفراش
غداً
أقتني قطة
إذ
ليس من حل آخر
لمن
هم في مثل وحدتي
الحارس: الحاوي! لقد عرفتك.
(يدخل الحاوي يعلق كيساً في كتفه وبين يديه يحمل
كومة من الخشب)
الحاوي: أسعدتَ مساءً
الحارس: سكران؟
الحاوي: ليس تماماً.
الحارس: أصبحت تكثر من الشراب.
الحاوي: لا عليك (يخرج قنينة من عبّه) هنا قنينة من أجود
أنواع الخمور، وهنا نصف كيلو من اللحم المشوي، سوف نكمل السهرة معاً، لماذا ترتجف؟
آه ... (يرمي الحطب على الأرض) أنت تواجه البرد بطريقة مخجلة.
الحارس: ماذا تفعل؟
الحاوي: نشعل
النار.
الحارس: هنا؟
الحاوي: هنا.
الحارس: لا، لا، القانون يمنع اشعال النار قرب المقاصل،
أنت تعرف هذا جيداً.
الحاوي: ولكن الذين وضعوا هذا القانون كانوا في بيوتهم.
الحارس: القانون هو القانون.
الحاوي: (يستمر في ترتيب الحطب دون أن يهتم لمعارضة
الحارس) سيكون البرد الليلة أقوى من القانون.
الحارس:
أتعتقد ذلك؟
الحاوي: بالتأكيد.
الحارس: ولكن القانون ...
الحاوي: (يشعل النار) دع العالم يتمتع بالدفء ما دامت
القوانين منهمكة في النوم. أنا شخصياً لا أجد أي رغبة للموت من أجل قانون. (يجلس
قرب النار ويضع القنينة والأكل أمامه ثم يشير الى الحارس كي يجلس).
الحارس: (يجلس بعد تردد) هذه المخالفة ستضعني في مأزق.
الحاوي: المأزق الحقيقي أن لا نكون واضحين فيما يتعلق
برغباتنا، انني أسمي حاجتنا الى الدفء رغبة، المعدة وحدها تحتاج، أما الباقي ...
فرغبات لا أكثر، التجار وحدهم يفهمون طبيعة الانسان. انهم يصنعون لك سريراً من
الخشب ويقولون لك انه مريح، دافيء، عصري، لكي يجبروك على الرغبة فيه لا ليذكروك
بحاجتك اليه. وهم حتى لا يذكرون انه للنوم.
(يقدم القنينة للحارس، الحارس يجرع منها ثم يعيدها) لنكن صريحين،
ماذا يحتاج الانسان ليقضي حياة معقولة؟ مجموعة متطلبات بسيطة، مع ذلك لا يحصل
عليها الاّ بصعوبة، لماذا توضع الصعوبات بوجه الانسان؟ لو تبعنا هذا السؤال الى
نهايته لوصلنا الى حقائق تافهة (يقدم قطعة لحم الى الحارس فيأخذها).
الحارس: ولكن ... إياك أن تسمي هذا نوعاً من الرشوة.
الحاوي: رشوة؟ لم أسمع بهذه الكلمة من قبل. لا شك انها
تسللت الى الامبراطورية من الخارج.
الحارس: (يلتهم قطعة اللحم ويجرع فوقها من القنينة ثم
يغمغم) ...
الحاوي: حين يكون الجميع في أسرّتهم ينعمون بالنوم
والدفء، على البقية ممن يهيمون في الليل والبرد أن يكونوا طيبين مع بعضهم. من حيث
المبدأ أنت توافقني على هذا؟ هه؟
الحارس: (يوافق برأسه) ...
الحاوي: عال. ان هذا النوع من التفاهم الذي يحدث بسرعة
بين اثنين من البشر لهو أمر نادر في يومنا هذا (يلتفت الى المقاصل) كم أعمارهم؟
الحارس: من؟
الحاوي: الذين سينفّذ بهم الحكم.
الحارس: بين العشرين والثلاثين.
الحاوي: رائع ... السن المرغوبة. العيون في هذا العمر
تكون في ذروة بريقها.
الحارس: كيف؟
الحاوي: لا عليك ... هموم المهنة.
الحارس: (يجرع من القنينة ثم يتطلع فيها) يبدو انها لم
تكن معبأة تماماً في الأساس.
الحاوي: لا تهتم، توجد واحدة أخرى (يخرج قنينة ثانية) خذ.
الحارس: (بعد أن يأخذها) هذا كثير ... (يقولها بحياء).
الحاوي: احتفظ بها. المهم اننا تفاهمنا بسرعة مدهشة على
الكثير من المسائل، (يناول الحارس قطعة اخرى من اللحم) انهما ضروريان لمقاومة
البرد، اللحم والخمر.
الحارس: لا أدري، ولكنهما ممتعان.
الحاوي: (يلتفت الى المقاصل) ألا تعتقد انها فكرة حضارية؟
الحارس: ماذا؟
الحاوي: المقاصل. وأكثر فاعلية من الحبل المعقود. ترى من
اخترعها؟
الحارس: استوردها الامبراطور خصيصاٍ من الافرنج حين زار
بلادهم.
الحاوي: انه يتمتع بذوق رفيع.
الحارس: أذهلته السرعة التي تمتاز بها. لذلك أوصى بصنع
عدد منها وحمله معه لدى عودته.
الحاوي: ولكن الأخيرة من الشمال علقت قبل يومين.
الحارس: لأنهم في الفترة الأخيرة أصبحوا يهملون دهانها
بسبب ضيق الوقت.
الحاوي: هذا غير عادل.
الحارس: ماذا؟
الحاوي: عدم رعايتها. لا أظن الامبراطور سيحتمل فكرة عطل
احداها (فترة) تمعن فيها، ماذا تشبه؟
الحارس: (يلتفت نحو المقاصل دون رغبة) لا أدري. هل تراها
تشبه شيئاً ما؟
الحاوي: انها تشبه إلهاً يتثاءب.
الحارس: (يتمعن في المقاصل) حقاً؟ لم يسبق أن شاهدتُ
إلهاً يتثاءب.
الحاوي: ولا أنا، ولكن هذه المقاصل توحي بذلك. ويبدو أن
الامبراطور اختارها بهذا الشكل للتقرب من الآلهة. ذلك بسبب تدينه (يضحك) ياله من
توازن عظيم ... ان أركان الامبراطورية وفخامتها يقومان على الدين والمقاصل.
الحارس:
(يتجشأ)كيف؟
الحاوي: لا عليك. انني أعرفه.
الحارس: من؟
الحاوي: الامبراطور.
الحارس: (ينظر الى الحاوي باستهجان ثم ينفجر بالضحك) ها
ها ها!
الحاوي: (يشاركه الضحك ثم يحدق في الظلام من جهة اليمين)
أحدهم مقبل نحونا.
الحارس: هل أنت متأكد؟
الحاوي: عيني لا تخطيء ما يتعلق بها.
(يدخل الجلاد من اليمين ويسير
في أعلى المدرج في مؤخرة المسرح لا يُشاهد غير ظله. يتجه مباشرة الى المقاصل.
الحارس يخفي القنينة في جيبه وينهض، في وقفته ترنح خفيف)
الحاوي: ما الذي جاء به مبكراً؟
الحارس:
سأذهب لأرى.
(يعود عواء الكلب من جديد.
الحارس يصعد المدرج ويذهب ناحية الجلاد، يتحدثان دون أن نسمعهما. الحاوي يراقب من
مكانه. بعد فترة يعود الحارس هابطاً المدرج على مهل)
الحارس: لديه بعض الأشغال الخاصة عليه انجازها في الصباح،
لذا جاء مبكراً لانهاء العمل. عليّ أن اخطر السجّان.
(يخرج الحارس. الحاوي لوحده في مقدمة المسرح. الجلاد يعمل في
المؤخرة)
الحاوي: (يتطلّع جهة اليمين) أي لهب مخيف يرتفع من طرف
المدينة، ثالث حريق أشهده الليلة.
(يبدأ ضوء الحريق ينعكس
بالتدريج على مقدمة المسرح والمدرج ويزداد عواء الكلب)
الحاوي: (يوجّه حديثه بصوت عالٍ الى الجلاد) أيها الأخ،
هل كان حريقاً في الناحية التي قدمتَ منها؟
(الجلاد لا يجيب. يدخل
الحارس)
الحارس: من كان يصرخ؟
الحاوي: كنت أسأل الكناري عن مصدر النيران.
الحارس: الكناري؟ لماذا تطلق عليه هذا الأسم؟
الحاوي: لأنه لا يتكلم على الأطلاق. راقبه كيف يعمل بنشاط
فائق. انها المهنة الوحيدة التي لا تتطلب الكلام، ولكن ... لو أتيح له يوماً أن
يتكلم!! فأي تغريد فاجع سيسمع العالم؟ (فترة) انظر اليها، ماذا تشبه الآن؟
الحارس: من تقصد؟
الحاوي: المقاصل.
الحارس: المقاصل! ألم ننته منها. قلتَ إنها تشبه إلهاً
يتثاءب.
الحاوي: أما الآن فانها تشبه إلهاً يفكر في فطوره.
الحارس: انني لا أرى شيئاً على الأطلاق.
الحاوي: هذه الآلات تتقن عملها بشكل جيد. انها الحضارة.
أن تقتل أكبر عدد بأقصر وقت. كانت مشكلة السابقين، آشور ناصربال، نيرون، هولاكو،
هنري الثامن. ان عدد قتلاهم القليل تطلّب منهم الكثير من الوقت وكان هذا يسبب لهم
الانزعاج. أما الآن فقد اختلف الأمر. إذ لم يعد قتل الآلاف يتطلب سوى وقتاً قصيراً
للغاية. مع ذلك فانهم ما زالوا يتذمرون. ان الحضارة لم تنضج بعد كما يرغب خيال
القادة. انهم يسبقون الحضارة مئات السنين في مطاليـبهم.
(يخرج الحارس من اليسار. من المؤخرة يدخل خمسة محكومين يقودهم
حارسان لا نرى سوى ظلهم. الجلاد واقف عند أول مقصلة. يثبتون رؤوس المحكومين الى
المقاصل ثم ينسحب الحارسان. عواء الكلب يزداد حدّة ويتحول الى ما يشبه الأنين.
الجلاد يتقدم من المقصلة ويسحب الخيط فيهوي السكين ثم يسمع صوت الرأس يسقط في
السلّة دون أن نراه. نفس الحركة مع المقصلة الثانية والثالثة والرابعة. وفي
الخامسة يسمع نفس الصوت ولكن الرأس يسقط خارج السلّة ويتدحرج على المدرج ثم يستقر
في مقدمة المسرح)
الحاوي: (ينادي الجلاد بصوت عال مشيراً الى الرأس) لقد
أفلت من السلة ... الرأس أفلت من السلة. (الجلاد يخرج دون أن يلتفت له. يقف لحظة
قرب الرأس ثم يحمله بين يديه) يا إلهي ... لقد قفز من السلة ... لا زال محتفظاً
بحرارته ... أي عناد!
(يرتقي المدرج ويعيد الرأس الى السلة ثم يذهب ناحية المقصلة
الأولى، يقعي قربها وينهمك في العمل. بعد فترة يندفع الامبراطور الى المسرح يتبعه
مرافقوه وهم ثلاثة ضباط مدججون بالأسلحة. يتوزعون على المدرج)
الامبراطور: (يصرخ) أوقف التنفيذ.
الحاوي: (يصيح من مكانه) ماذا؟
الامبراطور:قلت
لك أوقف التنفيذ.
الحاوي: (دون أن يتحرك من مكانه) انتهى كل شيء فلم هذا
الصراخ؟
الامبراطور: ما
الذي انتهى؟
الحاوي: قبل لحظات حزّت كل الرقاب وانتهى الأمر.
الامبراطور:اللعنة
عليك (يذرع المكان بخطوات غاضبة).
الحاوي: المفروض أن تبكّر في المجيء اذا كنت تريد توديع
أحدهم.
الامبراطور:(بحنق)
أيها الغبي!
الحاوي: لا تكتئب يا صديقي، الجميع ينتهي مرورهم في هذه
الدنيا بشكل أو بآخر. في المقصلة أو في الفراش. هوّن عليك.
(الضابط الأول والثاني يرتقيان المدرج ويتجهان نحو الحاوي ثم
يعودان به شبه محمول من أكتافه)
الحاوي: (من أعلى المدرج بعد أن ينتبه للضباط) آه .. اذن
فهي مسألة رسمية كما يبدو. التباس في الأسماء، أم خطأ في قرار الحكم؟
الامبراطور: أيها
الأحمق، كان يجب أن تنتظر الفجر لتنفيذ الحكم.
الحاوي: عفواً ! لستُ أنا الجلاد.
الامبراطور:(بغضب)
أين الجلاد؟
الحاوي: ذهب لتوّه. أنهى مهمته مبكراً لينصرف الى بعض
الشؤون العائلية.
الامبراطور:(فترة.
ثم ينتبه الى الحاوي) وماذا تفعل هنا؟
الحاوي: (يشير برأسه الى الضابطين) لا أستطيع الكلام.
انني أختنق (الضابطان ينزلانه أسفل المدرج ويرميانه على الأرض. ينتبه الى
الامبراطور) أوووه ...
الامبراطور:ماذا
كنت تفعل هناك؟ من أنت؟
الحاوي: (ينهض ببطء) متفرج.
الامبراطور:متفرج؟!
الحاوي: أتعتقد انه من الانصاف أن تجري هذه الكرنفالات
دون متفرجين؟
الامبراطور:(يسحب
سيفه ويضعه على رقبة الحاوي) انني لا أمزح معك. من أنت؟
الحاوي: حاوي.
الامبراطور:حاوي؟
... وهاتان اليدان ملطختان بالدم! ماذا كنت تفعل؟
الحاوي: أجمع العيون.
الامبراطور:أية
عيون؟
الحاوي: عيون المعدومين. سيفك يضايق رقبتي. هلا أبعدته ما
دمنا لا نمزح.
الامبراطور:(يرخي
سيفه ثم يبعده) هل تمارس السحر؟
الحاوي: لست ممن يؤمنون بالخزعبلات.
الامبراطور:اذن
ماذا تفعل بالعيون؟
الحاوي: أبيعها على الأجانب فهم يقبلون على شرائها بحماس.
الامبراطور:ولم
الأجانب؟
الحاوي: لأنهم يدفعون أسعاراً مغرية. اضافة الى أن الناس
هنا لا يفكرون في اصلاح عيونهم ما دامت رقابهم معرّضة للقطع بين لحظة وأخرى.
(الضابط
الأول يهجم على الحاوي ويهمّ بضربه. الامبراطور يمنعه بحركة من يده)
الامبراطور:دعه
يتكلم. أنا أحتاج جرأة كهذه.
الضابط
الأول: انه مخمور.
الامبراطور:لا
بأس (الى الحاوي) أنت ترى حالة الناس بهذا السوء؟
الحاوي: لم أتحدث عن السوء. كنت أبحث في شؤون المهنة.
الامبراطور:كنت
تشكو بصورة بارعة. لم انتابك الخوف؟ أتنكر انها سيئة؟
الحاوي: اذا كانت هذه رغبة جلالتك، فلا داع للانكار.
الامبراطور:عرفتني؟!
الحاوي: أبسط دواعي الوطنية أن يعرف المرء امبراطوره.
ولكن، لم هذا الكدر المخيّم على وجه جلالتك؟ أيكون بسبب هؤلاء؟! (مشيراً الى
المعدومين)
الامبراطور:(يهزّ
رأسه بالإيجاب) ...
الحاوي: (باستغراب) من أجل خمس رقاب؟ (يضحك) يا للغرابة!
الامبراطور:أين
الغرابة؟
الحاوي: أن يتكدر الامبراطور لاعدام خمسة أنفار من
العامة.
الامبراطور:أردت
أن يكون الاعفاء عنهم بداية لصفحة جديدة في تاريخ الامبراطورية (فترة) اللعين
أفسد كل شيء.
الحاوي: من؟
الامبراطور:الجلاد.
الحاوي: الجلاد؟ (يضحك عالياً) سوف يفسد كل هواء الأرض
ويتفسخ الليل قبل أن يفسد جلاد مشاريع الامبراطور.
الضابط
الثاني: أبعدو هذا السكير عن جلالة الامبراطور.
الامبراطور:(يصيح
فيه) لا ... (ثم بهدوء) دعوه يتكلم، لم يسبق لبابل أن دفعت أمامي بهذه الفصاحة في
الكلام. أيها الحاوي، في هذه البلاد لن يكون جلاد بعد اليوم.
الحاوي: بسبب خطأ بسيط لم يقصده المسكين؟ وهذه المقاصل ؟
من يتولى أمرها؟
الامبراطور:تُحرق
مع شروق الشمس.
الحاوي: لا شك انك تمزح (ثم يغرق في الضحك) لأول مرة أتلقى
نكتة امبراطورية (جادّاً) أهي هدنة مؤقتة؟ أم .. (يفكر) آه ... لقد خمنّت. إذن فهي
الحرب؟ التعبئة. تجنيد الشعب لاسترجاع ممتلكات الامبراطورية. انني أحيي فيك هذه
الروح القومية الجديدة. ولكن ... لعشر سنوات وأنت تخوض حرباً موفقة ضد شعبك،
فلماذا تشغل نفسك في حرب خاسرة مع دولة أخرى؟
الامبراطور:ليست
الحرب هي السبب.
الحاوي: (متراجعاً) ماذا اذن؟
الامبراطور:العدل
...
الحاوي: العدل؟ هل قلت... العدل؟ (ينسحب ويجلس على
المدرج) ان حال الدنيا يستعصي على الفهم. ما شأنك أنت والعدل؟
الامبراطور:قررت
أن أكون عادلاً.
الحاوي: (يقفز من مكانه) متى اتخذت هذا القرار؟
الامبراطور:الليلة.
(فترة)
الحاوي: هكذا اذن؟ أتريد أن تدشن العدل (فترة) ولكن هذا
سيكلّف الكثير.
الامبراطور:هل
العدل يكلّف كثيراً؟
الحاوي: ذلك يتوقف على من يتولاه.
الامبراطور:كيف؟
الحاوي: ليست مهمتي عرقلة التاريخ. الانسان كتب على نفسه
أن يشهد أبشع المجازر قبل أن يصل الى العدل الحقيقي (فترة) ما الذي جعلك تفكر في
العدل يا جلالة الامبراطور؟
الامبراطور:مللت
الظلم.
الحاوي: سبب معقول. ولكنه غير كاف لينقلب انسان على نفسه.
الامبراطور:(بحزم)
لقد قررت .. ويجب أن يتم العدل. (يتجه نحو اليمين ليخرج. يتبعه ضباطه).
الحاوي: انك تحاول أن تعزو لنفسك أكبر المهام .. بل
أخطرها. (الامبراطور يتصلّب في مكانه) اذا كنت تنوي التكفير فابحث عن طريقة أخرى.
الامبراطور:(يعود
حيث يقف الحاوي) ليس التكفير ما يشغلني.
الحاوي: ماذا اذن؟
الامبراطور:العدل
... العدل بذاته.
الحاوي: (يهمس قرب اذن الامبراطور) لا تغّش مع نفسك، انه
الماضي، هه؟
الامبراطور:الماضي
لا يخيفني.
الحاوي: والظلم؟ والدمار السابق؟
الامبراطور:كل
ذلك سيكون ثمناً للعدالة القادمة.
الحاوي: والعدالة القادمة التي تنويها ... ستكون ثمناً لأي
شيء؟ (الامبراطور لا يجيب) سوف تحتاج مئات الحرائق لتتلمس طريقك الجديد. فاذا كنت
تبحث عن الخلود من خلال الفضيلة فلا تكلّف نفسك هذا العناء.
الامبراطور: (يتضايق
فجأة) أتعرف أين يكمن عيبك؟ (يقبض بشدّة على فك الحاوي) في الجانب السليط من كلامك
(يدفعه بعيداً. يفكر للحظة وهو يتفحص الحاوي) أنت تماحك بطريقة ذكية، هل عملت
وزيراً من قبل؟
الحاوي: هذه الوظيفة في بلدنا تحتاج الى القرابة
أوالوساطة وليس الذكاء، أنت تعرف هذا.
الامبراطور:(تخطر
له فكرة) حسناً، لنتفق.
الحاوي: على ماذا نتفق؟
الامبراطور:أعطيك
أرفع المناصب في القصر لتساعدني في مهمتي.
الحاوي: أسخى عرض ألقاه في حياتي (بحزم) كلا ..انني لا
أميل لهذه الألعاب.
الامبراطور:(ودوداً
بعض الشيء) لماذا تعارض العدل؟
الحاوي: الأغبياء وحدهم يثقون بعدالة ظالم. سيدي
الامبراطور ... انك تحاول فوق طاقتك.
الامبراطور:أيها
الصعلوك أنت تدافع عن سبب رزقك، لن تبقى مقاصل بعد اليوم (الى الآخرين) أضرموا
النار في المقاصل، وضعوا هذا المأفون في السجن.
(يدخل بعض الحراس يقتادون الحاوي وآخرون يصعدون لاحراق المقاصل).
الحاوي: (يضحك عالياً) لقد بدأ العدل بضحية.
(تُسمع جلبة خارج المسرح. يدخل حراس جدد)
حارس: (ينحني) سيدي ... الامبراطورة.
الامبراطور:الامبراطورة؟
(متبرماً) ماذا تفعل جلالتها في هذا الليل؟
(تدخل الامبراطورة يتبعها بعض الحراس)
الامبراطورة: (التي سمعت كلامه) عندما تجد المرأة
فراش زوجها خالياً فمن حقها أن تسأل عن السبب،
حتى لو كانت زوجة امبراطور. ماذا يجري هنا؟
الامبراطور:اننا
نقوم ببعض الأعمال الصغيرة.
الامبراطورة: في
هذا الوقت المتأخر؟
الامبراطور:هوني
عليك.
الامبراطورة:
لقد واجهتُ ساعات عصيبة بسبب تغيبك عن القصر دون أن تترك خبراً عن مكانك، والآن
تتضايق اذ أسألك.
الامبراطور: لم أقصد
الهزء بحقوقك الزوجية، ولكنك تتبعيني في أماكن لا تليق بامبراطورة. ثم لماذا
تجرّين وراءك نصف جيش بابل؟
الامبراطورة:
كنت أبحث عنك.
الامبراطور: انني بحماية
أشجع ضباطي. لا لزوم لاستنفار الامبراطورية كلما تغيبت ساعتين عن القصر.
الامبراطورة:
سيدي!
الامبراطور: ماذا؟
الامبراطورة:
لا داعي لسخريتك. اننا في وضع يدعونا للتفكير بأسوأ الاحتمالات عند تغيبك عن
القصر. القلق الذي عانيته بسبب تغيبك المفاجيء هو الذي دفعني للسؤال، وليست الرغبة
في محاسبتك.
الامبراطور: حسناً. كنتُ أهيم في شوارع
بابل.
الامبراطورة:
تهيم في الشوارع؟ ليلة كاملة؟
الامبراطور: (يهدأ) كنتُ أفكر. الليل والمشي يلهمان الانسان.
الامبراطورة:
(غير مصدقة) ولا شيء آخر؟ الامبراطور كان يسلّي ذهنه بالتفكير ويتجول في شوارع بابل
المليئة بالحفر والأقذار واللصوص، بينما زوجته قضت ليلتها وحيدة ترتجف من الذعر.
الامبراطور: ليتوقف
ذعرك عن الارتجاف. انني هنا.
الامبراطورة:
أوووه. وهذه الضجة التي يسببها حراسك؟
الامبراطور: حرّاسي
يعملون لإشعال النار في المقاصل.
الامبراطورة:
لماذا؟
الامبراطور: سوف
يرى الغد أموراً كثيرة وليس من الصواب أن نستغرب.
الامبراطورة:
انني لا أفهم.
الامبراطور: قررت أن
أكون عادلاً (فترة صمت) أثناء تطوافي في الليل اتخذت هذا القرار، غداً سوف تشهد
بابل حدثاً كبيراً.
الامبراطورة:
انني عاجزة عن الفهم، كليّاً.
الامبراطور: كلكم
لا تفهمون، مشردو بابل رفضوا أن يفهموا أيضاً.
الامبراطورة:
انك تخترع لنفسك المحن.
الامبراطور: (الى الحراس
بصوت عال) صبّوا أكبر كمية من الزيت. لترتفع نيرانها حتى تراها أطراف بابل.
الامبراطورة:
(مبلبلة) كنتَ حازماً ولم تكن ظالماً.
الامبراطور: (يضحك ساخراً)
ان تفسير زوجة الفلاح للظلم يختلف عن تفسير زوجة الامبراطور، وهذا طبيعي. اننا
نلحق الذعر بأنفسنا لأسباب منطقية ولكنها لم تعد مجدية.
الامبراطورة:
(مرتجفة) لا تتسرع.
الامبراطور: فكرت
عميقاً، فرسوت على العدل.
الامبراطورة:
وهل ستكون عادلاً مع أعدائك؟
الامبراطور: (بعد لحظة
صمت) هذا ما يجب عمله، لكي تصبح الأمور حقيقية ينبغي تغيير الوجه القاسي للحكم.
الامبراطورة:
لم؟
الامبراطور: لأنني
أريد ذلك.
[فترة
صمت]
الامبراطورة:
لن أقف ضد ارادتك، ولكني أخشى أن يستغل خصومك هذه المناسبة ليشعلوا النيران من
حولك.
الامبراطور: سوف
أعطيهم الوقت ليثبتوا حسن نواياهم.
الامبراطورة:
حسن نواياهم مع من؟ مع العدل أم معك أنت؟ إنهم اعداؤك. انهم يبحثون عن نقطة ضعف
لينقضوا عليك، منذ توليك الحكم لم يكن لديهم سوى حلم واحد يعذب رؤوسهم .. هو
الجلوس على العرش. فهل تعبت من الدفاع عنه؟
الامبراطور: لم
أتعب.
الامبراطورة:
اذن ...! لم هذه اللعبة الخطيرة التي تلعبها؟
الامبراطور: لقد
أفسدنا الكثير من الأمور والآن علينا اصلاحها.
[يدخل
مدير القصر خلفه حرس كثير]
الامبراطور: ها
هو مدير قصرنا يأتي بالبقية الباقية من الجيش.
مدير
القصر: سيدي ...
الامبراطور: (مقاطعاً)
أعرف. كنتَ قلقاً عليّ. ولاحت لك أفكار عديدة، كلها سيئة، أليس كذلك؟ (مدير القصر
يرتبك) حين يغيب امبراطور بابل نصف ساعة عن حصنه، فمعنى هذا انه قد أُطيح به، وأي
تفسير آخر هو ضرب من الخيانة. ما هي الاجراءات التي عملتها بسبب غيابي؟
مدير
القصر: (مضطرباً بعض الشيء) الاجراءات الاستثنائية المعتادة.
الامبراطور: قل لي، ماذا فعلت؟
مدير
القصر: داهمنا خمسة آلاف بيت يُشك في ولائها لجلالتك، واعتقلنا الفي شخص يُعتقد
بأنهم يحملون مشاعر غير وديّة للسلطة، و ... ووضعنا الخصوم السياسيين تحت الحجز.
الامبراطور: اذهب، أمامك
ساعتين لاخلاء جميع المعتقلين والمحجوزين وتقديم اعتذار للبيوت التي داهمتموها
(يهمّ مدير القصر بالخروج) هناك أمر آخر، وجه إشعاراً الى الوزراء لاجتماع طاريء
في الصباح.
مدير
القصر: أمرك سيدي (يخرج).
[ [الضابط
وجميع الحراس يتراجعون الى الخلف. الامبراطور يجلس على المدرج ويعصر وجهه بكفيه]
الامبراطور: انظري
من مكانك. هل بدأت طلائع الفجر في الافق؟
الامبراطورة: (تتطلع نحو الشرق) الخيوط الأولى.
الامبراطور: لأول مرة
أشعر بالارتباك أمام يوم جديد. لا أدري كيف يجب أن أستقبل هذا الصباح.
الامبراطورة: لقد
عرفتُ ثبات خطواتك في أصباح سابقة.
الامبراطور: الآن
ستشهدين ارتباكي (يكشف وجهه) هل يمكن أن يكون العدل فوق طاقة الانسان حتى لو
أراده؟
[ [الامبراطورة
تنسحب خارجة تحمل على وجهها علامات عدم الرضى يتبعها حارسها. يبقى الامبراطور وحده
مستغرقاً في التفكير]
الحارس: سيدي، المقاصل جاهزة.
الامبراطور: أشعلوها
... بسرعة.
[يخرج].
* * *
المشهد
الثاني:
[في
الصباح التالي، بدون ديكور، شجرة يابسة ينام تحتها شاب، هتافات تمّر بالمكان دون
أن نشاهد مطلقيها]
: يعيش العدل.
: يعيش العدل.
: يعيش الامبراطور العادل.
: يعيش الامبراطور العادل.
[تبتعد
الهتافات ثم تختفي. يدخل النجار. الشاب يتحدث بهدوء وعلى منوال بطيء، أما النجار
فانه منفعل في حديثه وتنتابه العصبية بين فترة وأخرى]
النجار: (يوقض الشاب بقدمه) هيه، انهض.
الشاب: ماذا؟
النجار: أيها الخامل، كيف تستطيع النوم كل هذا
الوقت؟
الشاب: (دون أن يغير وضعه) ماذا تريد؟
النجار: ألم تجد غير هذه الشجرة الميتة تستظل بها؟
الشاب: دلني على شجرة نظِرة في بابل وأعطيك ذراعي
مقابل ذلك.
النجار: بالتأكيد. فحين تتخلص من ذراعك سيكون لديك عذر
مشروع للعطالة (يرفسه) انهض واترك النوم يهجع قليلاً.
الشاب: (بضيق غير واضح) ماذا تريد؟
النجار: اسمع. ليلة أمس أحرق الامبراطور كل
المقاصل.
الشاب: (ببرود) حقاً!
النجار:
صدقني.
الشاب: وما شأني أنا؟
النجار: ألا يسرّك هذا؟ لن تبقى مقاصل بعد الآن.
ألا تفهم ما يعني احراق المقاصل؟
الشاب:
يعني العودة الى المشانق.
النجار:
انك تغط في النوم ولا تعرف ما يجري. لقد
أعلن الامبراطور العدل.
الشاب:
(يتململ قليلاً) ماذا؟
النجار:
سوف يسود العدل كل الامبراطورية. ان بابل
ترقص فرحاً منذ الصباح.
الشاب: (يجلس متكئاً بظهره الى الشجرة) دعك من
الرقص، فقد أصبحت بابل ترقص لجلاديها ومخلصيها بنفس الحماس، ولكن خبرني ما حكاية
العدل هذه.
النجار:
فجر هذا اليوم، أعلن الامبراطور ان العدل
سيسود البلاد.
الشاب:
لا شك ان أحدكما مجنون. أنت أو الامبراطور.
[يعود
لينام]
النجار:
عدتَ الى النوم؟
الشاب: (يجلس مرة أخرى) لم لا تتركني وشأني.
المقاصل لا تهمني بحال.
النجار:
والعدل؟
الشاب: تلك مسألة بين الامبراطور والشعب.، ما شأني
أنا؟
[يعود
لينام]
النجار: أية مصيبة. ان رغبته في النوم أقوى من كل
المفاجآت. اسمع انها مناسبة طيبة لنتحدث عن العمل.
الشاب: مرة أخرى؟
النجار:
أنت تقضي وقتك في النوم، هكذا دون فائدة،
ان وضعك كشاب غير لائق على الاطلاق، غير لائق، هه؟
الشاب:
(دون مبالاة) ربما.
النجار:
ربما؟ ليس هناك ما يدعو للعناد. أنت تملك
الشباب والذكاء وأنا أملك أخشاباً بكميات كبيرة. فاذا اتفقنا سوف نحصل على أرباح
هائلة. عدتَ للنوم من جديد؟ (ينغزه) هة؟ هل ستقضي بقية عمرك بهذا الحال؟
الشاب:
انه الحال الوحيد الذي يوافق ضميري.
النجار:
العطالة توافق ضميرك؟ أنت أحمق اذا صدقتَ
هذا الى النهاية. كل الناس يعملون ويكسبون عيشهم بشرف.
الشاب: ليس من الشرف أن أعمل لكي أدفع الضرائب
لخزانة الامبراطور.
النجار:
اذن أنت ترفض العمل بسب خزانة الامبراطور؟
(ينفجر بالضحك) هكذا اذن؟ (ثم بجد وهو يرفعه من ياقته) خزانة الامبراطور ستجد من
يملأها، سواء أنت أو غيرك، ولكنك وحدك الذي سوف تهلك دون أن تهّز مسماراً واحداً
فيها.
الشاب:
يا عزيزي، لقد اخترت الهلاك.
النجار:
أنت أحمق.
الشاب:
أنت تفهم في الأخشاب ولا شيء آخر.
النجار:
جئتُ أعرض عليك عملاً.
الشاب:
إنني أرغب في النوم (يخلّص ياقته من يد
النجار)
النجار:
يا لبؤس بابل. ان أفضل الأفكار وأبرعها
بحوزة ناس لا يجيدون سوى النوم (يعود ليرفعه من ياقته ثم يتركه يسقط. تنتابه
العصبية ثم يهديء حاله بصعوبة) هذه آخر فرصة لك. لم آت لأناقشك في أمور الخزانة.
أنت بحاجة الى ما يسّد رمقك. لن تجد عندي مجالاً للعمل في وقت آخر. انني أملك خمسة
وعشرين نوعاً من الأخشاب الجيدة، سوف نجني أرباحاً سريعة. يجب أن تترك مسألة
الخزينة هذه وتفكر في نفسك (فجأة بغضب) ثم ما دخلك أنت في الطريقة التي تنفق بها
الضرائب؟ كل الناس يدفعون ولا يفكرون مثلك. تدفع أربعة دراهم في الاسبوع وتريد
محاسبة الدولة أعمالها؟ أنت مجنون حقيقي. أربعة دراهم!! هه، انها لا تكفي أجرة
شرطي ليوم واحد.
الشاب:
ولماذا تريدني أن أدفع اجرة شرطي يركل
الناس باسم القانون؟ لماذا؟
النجار:
حسناً، لنترك موضوع الشرطة جانباً. انني
أملك نوعين نادرينمن أخشاب الجوز. لدي طلبات عديدة عن خشب الجوز. يمكننا أن
نتعاون. هناك أ‘مال كثيرة غيرها ... هل عدتَ الى النوم؟
[ [تُسمع
هتافات من بعيد، النجار يصغي، الهتافات تقترب. جماهير يتقدمها شرطي. الشاب يلازم
مكانه]
: يعيش العدل.
: يسقط الظلم.
: يعيش الامبراطور.
أحدهم:
يعيش الامبراطور العادل.
آخـر: يعيش العدل الامبراطوري.
آخر: (يشير نحو الشاب والنجار) هنا
مواطنان يجب أن يلتحقا بالمسيرة.
آخر: المساهمة واجب وطني.
آخر: كل الشعب مطالب بالتعبير عن
رأيه الحقيقي.
آخر: العدل هو الحرية.
آخر: العدل هدفنا.
آخر: العدل أملنا.
آخر: يعيش العدل.
الجميع: يعيش العدل.
نفسه:
يسقط الظلم.
الجميع: يسقط الظلم.
نفسه: لا ظلم بعد اليوم.
الجميع: لا ظلم بعد اليوم.
آخر: (الى النجار) أيها المواطن
الصالح، ما هي مهنتك؟
النجار:
انني نجار، أملك 25 نوعاً من الأخشاب
الجيدة ... هذا الـ ...
نفسه: (مقاطعاً) أنت مدعو للنضمام
الينا.
النجار:
انني معكم. يعيش الامبراطور.
نفسه: وأنت (الى الشاب) ما هي مهنتك؟
النجار:
: انه يجيد كل المهن ولكنه لا يعمل.
نفسه:
من العار ان لا يعمل انسان في
بابل بعد اليوم. أيها الأخ الشاب سوف تنظم الى المسيرة.
آخر: يعيش العدل.
الجميع: يعيش العدل.
نفسه
: يعيش الامبراطور.
الجميع:
يعيش الامبراطور.
نفسه: كل الشعب مع الامبراطور.
الجميع: كل الشعب مع الامبراطور.
آخر: (الى الشاب) لماذا لا تنهض؟
يجب أن تتحرك المسيرة بسرعة.
الشاب:
سوف ألحق بكم بعد قليل.
نفسه: يجب أن تشارك معنا أيها الشاب.
آخر
: فلنتركه في مكانه ونتابع المسيرة.
آخر: كيف نتركه؟ يجب أن يشترك كل
الشعب في المسيرة.
آخر: لقد تحقق العدل. أمل بابل
الكبير. يعيش أمل بابل الكبير.
الجميع: يعيش أمل بابل الكبير.
آخر: تأخرنا كثيراً أيها الأخوان.
آخر: الوقت لا يسمح بالتأخير.
آخر: أمل بابل يدعونا للاسراع.
آخر: (يصرخ بوجه الشاب) أمل بابل
يجب أن لا ينتظر.
الشاب: من طلب منه أن ينتظر؟ قلت سوف الحق بكم بعد
قليل.
آخر: أيها الشاب، المسيرة بدأت ولا
مجال نضيعه.
آخر: أيها المواطنون، انني أعرف هذا
الشاب. لا فائدة تُرجى منه، فلنتابع مسيرتنا.
[يهمّ
الجميع بالذهاب فيوقفه أحد المتظاهرين]
الشخص
الذي أوقفهم: كيف؟ ان بابل تدعو الجميع. أيها الشاب، انفض عنك الكسل وشمّر عن ساعد
الوطنية.
الشاب:
لم هذا التعقيد أيها الأخوان. اتركوا لي
فرصة لأهيء نفسي ثم أنضم اليكم.
أحدهم: ذريعة للتهرّب.
آخر: لا نقبل في صفوفنا متهربين.
آخر: انه متقاعس.
آخر: سلبي، لا يتحلى بروح وطنية.
آخر: لا يهمه أمر الشعب.
آخر: هؤلاء هم سبب نكبات بابل.
آخر: هل يحزنك أن يسود العدل؟
آخر: يجب أن تشترك في هذه المسيرة
التي تعبّر عن رأي الجماهير.
آخر: انه لا يريد أن يعبّر عن رغبته.
آخر: يجب أن يعبر عن رغبته.
آخر: انه ضد آمال الشعب.
آخر: ضد تطلعات الجماهير. هذا واضح.
آخر: أيها الأخ الشرطي، اننا نحيل
الأمر اليك. ما رأيك بهذه السلبية الخطيرة.
الشرطي: انني أترك الأمر للشعب.
أحدهم: هذا هو العدل الحقيقي. الشعب هو الذي يقرر.
آخر: ماذا نفعل له؟ لقد أعاق
مسيرتنا ما فيه الكفاية.
آخر: لقد تخلى عن وطنيته.
آخر:
انه يعاني من ضعف في الوطنية.
النجار: لسنا بحاجة اليه، فلنتركه وشأنه.
آخر: هؤلاء السلبيون هم سبب
تعاستنا.
آخر: لن نسمح لأحد باحباط عزيمتنا.
آخر: (يكاد يبكي من الغضب) لماذا
تقف في وجه سعادتنا؟
الشاب: (ينهض ويبحث فيما حوله) أين هي سعادتكم
لأقف بوجهها. اذهبوا واهتفوا للعدل. هل منعتكم من ذلك؟
آخر: أيها الأخ الشرطي. بعض
الاجراءات كفيلة باعادته الى الصواب.
الشرطي: انني أترك الأمر بين أيدي الشعب.
أحدهم: بين أيدي الشعب. هذا هو المفهوم الحقيقي للعدل.
آخر: يعيش العدل.
الجميع: يعيش الهدل:
نفسه: تعيش الشرطة.
الجميع: تعيش الشرطة.
أحدهم: (الى الشاب) لماذا ترفض المساهمة في المسيرة؟
الشاب: (وقد ضجر مما حوله) انكم تبالغون كثيراً،
فلستُ ضد شيء على الاطلاق.
أحدهم: انه يماطل، فلا فائدة تُرجى.
آخر: لا يريد للعدل أن يسود.
آخر: يجب أن نموت ليحيا العدل (يصرخ
بوجه الشاب) هل سمعت؟
الشاب: لا يمكن أن أموت ليحيا العدل قبل أن أتأكد
من حقيقته. هل فهمت؟
[الجميع
يتطلعون بعضهم الى بعض غير مصدقين]
أحدهم: احذروا ... بدأ يشكّك.
آخر: يستهين بالعدل.
آخر: وبذلك يكون قد أهان الامبراطور
العادل.
آخر: ماذا؟
آخر: وجّه اهانة للامبراطور.
الشرطي: (يتدخل) في هذه الحالة، الأمر يقع على عاتقي
(يرفع الشاب من ياقته) لقد تجرأت وأهنت الامبراطور، هه؟
الشاب: لم أذكر الامبراطور بسوء.
الشرطي: أيها المشاغب سوف تدفع ثمن جسارتك.
الشاب: قلت لك لم أذكر اسم الامبراطور فكيف لحقته
الاهانة مني؟
أحدهم: شككت في العدل.
آخر: قال العدل خرده.
آخر: كلا، لقد شتم السلطة.
آخر:
لم أسمعه يهاجم السلطة، انما
تهجّم على جلالته.
الشرطي: (زاجراً) لست بحاجة الى شهادتكم. الأمر يخصني
وحدي. (الى الشاب) حسناً أيها الشاب، فقد تجرأتَ وأهنت الامبراطور، ثم تهجمت عليه،
وقلت ان العدل خرده.
أحدهم: يجب أن ينال عقابه.
آخر: لننته من الأمر بسرعة.
آخر: كان هذفه عرقلة المسيرة.
آخر: عملية تخريب.
آخر: طعن الشعب من الخلف.
آخر: يعيش الامبراطور.
الجميع
: يعيش الامبراطور.
نفسه: تسقط مؤامرات أعداء الشعب.
الجميع: تسقط مؤامرات أعداء الشعب.
نفسه: يسقط المتصيدون في الماء
العكر.
الجميع: يسقط المتصيدون في الماء العكر.
الشاب: (يتخلص من الشرطي) ماذا دهاكم؟ ان الحماس
يفقدكم الصواب وحسن الطوية يا أهل بابل. لستُ عدوا لأحد ولا يعنيني الأمر بحال من
الأحوال فاتركوني وشأني.
أحدهم: لقد سمعتم، قال لا يعنيه الأمر.
آخر: لا يهمه مصير البلاد.
آخر:
لا تهمه سعادة الشعب.
آخر: لا يعنيه مستقبل بابل، أين
الروح الوطنية؟
آخر: منتهى الأنانية.
الشاب: (يصرخ) أي طاعون!! ألا توجد نهاية لهذا
السخف؟
أحدهم: أصبح الأمر لا يطاق.
آخر: يهين الأمة.
آخر: يتطاول على المقدسات.
آخر: (يسأل) هل يجدّف بالدين)
آخر: لقد سمعته يكفر بالآلهة.
آخر: ماذا؟
آخر: كفر بالآلهة، وشتم الامبراطور
وأهان الشعب، (يهجم عليه) أيها المتآمر.(يهجم عليه الآخرون وينهالون عليه بالضرب)
الشرطي: (يتنحى جانباً) الآن ... اترك الأمر للشعب.
(ينفضون
عن الشاب ويتابعون مسيرتهم)
هتافات: يعيش العدل.
يسقط
المتآمرون.
يعيش
الامبراطور العادل.
(الشاب
لوحده ممداً على الأرض. يدخل الحاوي)
الحاوي: يالخيبة بابل. لقد عجز رحمها عن انجاب حاكم عادل،
وها هي أخيراً تستبشر بعدالة ظالم. (ينحني على الشاب) أيها الغبي، ماذا فعلت بنفسك
(يضع رأس الشاب في حضنه ويتفحصه) كل هذا الركل والضرب دون نقطة دم واحدة. هذا
الشاب يعاني من جوع مزمن (يضحك) عاطل وجائع وتستهويه مصارعة الخزائن الامبراطورية.
(الشاب
يحرك رأسه وهو يئن)
الحاوي: (ساخراً) ماذا؟ لا زلت حياً؟ يالك من قط عنيد،
ضربوك ما يكفي لارهاق عشرة أرواح.
الشاب: أين أنا؟
الحاوي: (ساخراً) في الآخرة. وصلت لتوك، وها هو كيزيدا
حارس الجحيم يأخذك بين أحضانه الدافئة. اطمئن أنت في أحد أفران الرب العليا.
الشاب: من أنت؟
الحاوي: أكثر الأسئلة فضولاً تلك التي تطرحها الجثث نصف
الميتة. هل تشعر بالظمأ (يخرج قنينة من جيبه ويقطر في فم الشاب) ماء نقي مئة
بالمئة. اشرب ولا تكثر من الأسئلة.
الشاب: لماذا ضربوني؟
الحاوي: لأنك خذلت
بابل.
الشاب: كانت أيادي عديدة تنهال عليّ.
الحاوي: شهدتُ الحادث من بدايته. قل لي .. كيف صادف أن
يكون في بابل كسول مثلك ولا تستغله الدولة لتقول انها تعاني من نقص الأيادي
العاملة؟ ألا تعلم، ان البلدان لا تعترف بوجود العطالة فيها بسبب النشاط الذي يدّعيه
عاطلوها. (يتحسس جبهة الشاب فيتأوه هذا) أنت محظوظ اذ تبقت فيك بعض الأنفاس. اذا
اتفق لشعب أن يتبع جلاداً دون أن يعلم .. فتلك كارثة، جرعة أخرى من الماء؟
الشاب: لا ...
الحاوي: كان بامكانك أن تكذب. أن تقول نعم ثم تنسّل
عائداً.
الشاب: أكذب! أي ثمن باهظ لحياة تافهة.
الحاوي: ياه ... أنت أخطر من عرفت في بابل. قل لي، هل أنت
ضد الامبراطور أم تبحث عن ذريعة للتملص من العمل؟
الشاب: (لا يجيب) ...
الحاوي: هكذا؟ ضد الامبراطور وضد العمل؟ هذا كثير يا بني.
يكفي أحدهما لهلاكك. كيف تحصل على وجباتك؟ يبدو انك لم تأكل منذ اسبوع على الأقل.
الشاب: ليس المهم أن يأكل الانسان.
الحاوي: ما هو المهم. في رأيك؟
الشاب: أن يحتفظ بكرامته.
الحاوي: أخلاقي. همـ مـ م ... الآن وجدتُ شخصاً يستطيع أن
يموت بدون خوف وبلا فائدة. (يُخرج رغيفاً من جيبه) خذ، اذا تبقى من أسنانك ما يكفي
لتقضمه.
الشاب: لا أريد.
الحاوي: احتفظ به. سوف تريد بعد أن يشتد بك الجوع.
(الحاوي
يضع رأس الشاب على الأرض ويقف الى اليمين يراقب الطريق ثم يذهب الى الشمال ويقوم
بنفس الحركة ويعود نحو الشاب)
الحاوي: انك في موقف سيء يا بني، لا تستطيع الهرب ولا
تستطيع الموت. هنا يكون الانسان في أسوأ موقف (فترة) هل صحيح انك لم تدفع في حياتك
ولا درهماً واحداً للضريبة؟
الشاب: كلا..
الحاوي: (باعجاب) أنت مدهش، وفي نفس الوقت لم تحصل على
درهم واحد تشتري به وجبة غذاء؟ هذه النقطة التي تختلف فيها عني. ان هذا العمل
الرائع الذي تقوم به غير مجد للأسف. لم لا تعمل مع المعارضة.
الشاب: ليسوا أقل فسقاً من لامبراطور اذا تولوا
الحكم. ان رجلهم يهيء مؤخرته منذ الآن للعرش.
الحاوي: اذن لن تصلح الحال في بابل؟ كلهم سواء في نظرك.
أراهن انك ضد القانون في كل مكان، كما انك ضد نفسك، لأنك لا تشعر ان هذا العالم
الخرب لا يمكن اصلاحه.
الشاب: بل يمكن اصلاحه ..
الحاوي: كيف؟
الشاب: بتخريبه عن آخره ..
الحاوي: آه، انت لا تملك مؤهلات المقاتل الجيد، لأنك
تبالغ في الطيبة، والطيبة هي التي تخدع أحلامك وتصور لك حلولاً خيالية، اذا شاءت
الظروف للعالم أن يشهد خراباً تاماً فانه سيلجأ الى القوانين مرة اخرى لتنظيم
نفسه. القوانين لعنة البشرية وطمأينتها في نفس الوقت. هل تعتقد ان الاله وضع
الشراهة في الانسان دون ان يضع الى جانبها غريزة الخوف؟ الشراهة لوحدها معناها
الفوضى التامة.
الشاب: لا توجد في الانسان غريزة اسمها الخوف.
شرور الأرض هي التي أوجدت الخوف.
الحاوي: الخوف موجود في دم الانسان يا بني. حيث تكون
الحياة يكون الخوف عليها. كلاهما في الدم. وما شرور الأرض سوى جزء من الدفاع عن
النفس. ان هؤلاء الذين يهيئون مؤخراتهم لا يستطيعون مقاومة الرغبة في العرش، وحين
يستقرون عليه يبدأ دفاعهم المستميت عنه. لقد ربطوا حياتهم برغبة معينة ويصبح عليهم
أن يدافعوا عنها. هكذا، يبدأ الشر حين يبدأ الدفاع عن النفس وأهوائها.
الشاب: أنت تعترف بالأهواء.
الحاوي: الانسان هو الانانية ولا شيء آخر. (يذهب ليراقب
الطريق من اليسار) ها هي الجماهير تعود، أسمع هتافاتهم تقترب، قبل قليل دعسوك
والآن جاءوا ليأخذوك.
الشاب: لماذا يأخذوني؟
الحاوي: انهم يجمعون حجر الأساس لصرح اسمه العدل،
(ساخراً) اتمانع أن يقوم عدل بابل على جثتك؟
الشاب: ولماذا جثتي أنا؟
الحاوي: لأنك أول من استخف بفرحة الجماهير. هذا خطأ لا
يُغتفر. الامبراطور أعلن العدل، والجماهير سوف تتقاتل من أجله. هكذا حال شعب بابل.
الشاب: ألا تعتقد ان الامبراطور من أجل ان ينام
ليلة واحدة باطمئنان، ليلة واحدة بدون خوف، بدون كوابيس مزعجة، تآمر على مبادئه
القديمة؟
الحاوي: لا.
الشاب: لا؟
الحاوي: الشخير، أبرز صفات القادة في هذا العصر، لأنهم في
العادة لا يسمحون لفعاليات النهار بالتدخل في مسرات الليل. آثام النهار لا تؤرق
الاّ الحكّام الهواة.
الشاب: اذن بماذا تفسر العدل؟
الحاوي: أنا أعرف كيف يفكر هذا الرجل. انه يبحث عن شيء لا
يقوى عليه لكي يقهره بالقوة. لقد اعتاد ان يشق طريقه بالمعول نحو أهدادفه. (فترة)
ها هي الجماهير مقبلة، هل تشعر بالخوف؟
الشاب: كلا.
الحاوي: (يرفع رأس الشاب وينظر في وجهه طويلاً) كلا؟ ألا
تشعر بالحاجة الى المساعدة؟
الشاب: (يهز رأسه) ...
الحاوي: (يتركه) أنت مرعب .
الشاب: أنت خائف. لماذا؟
الحاوي: لأنك تموت بلا معنى.
الشاب: بلا معنى؟ (يضحك) اعطني سبباً تعيش من
أجله.
الحاوي: قل لي أنت سبباً واحداً أموت من أجله. (صمت)
الشاب: لقد تعادلنا.
الحاوي: بالعكس، لا زلنا على طرفي لعبة اسمها الحياة. لن
نتعادل.
الشاب: ولن نتفق أيضاً. الآن يمكنك الذهاب دون أن
تلوم نفسك على موتي.
الحاوي: انك تطرح موتك للمجّان، وبذلك تثأر من حياة لا
معنى لها بميتة تافهة، سهلة، هذا ضرب من الادعّاء الغبي (فترة) كيف حال ساقيك؟
الشاب: سيئة.
الحاوي: في كل الأحوال فات الأوان، ولن أستطيع مساعدتك،
وهاهم مقبلون يسبقهم الغبار.
الشاب: لا تبتئس.
(تدخل الجماهير)
هتافات: يعيش العدل
: يسقط الظلم
: يعيش الامبراطور.
أحدهم: أيها المواطنون، هذا واحد من المتآمرين.
آخر: لنأخذه معنا، هناك سينال عقابه
العادل.
(يخرجون
بالشاب)
: يعيش العدل
: يعيش الامبراطور العادل.
الحاوي: (لوحده) هذا الأحمق لا يستحق أن يموت (يفكر لحظة
ثم يخرج).
* * *
المشهد
الثالث:
[في
بناية قصر العدل، جدران مصدعة والمكان مهمل منذ زمان، القاضي الأول يجلس على متكأ
يفكر لوحده وهو كبير في السن نوعاً ما، وقور. بعد فترة يدخل القاضي الثاني فيفاجأ
بوجود الأول]
القاضي
الثاني: عزيزي القاضي، أنت الآخر جلبوك الى هنا؟
القاضي
الأول: بالأحرى، طلبوا مني بلطف أن أحضر الى قصر العدل، هذه بادرة تدعو للتفاؤل.
القاضي
الثاني: (يتجول للحظة في المكان) ماذا يريد منّا؟ ولماذا في هذا المكان بالذات؟
القاضي
الأول: لا أدري بالضبط، ربما لأنه
من الأبنية العديمة النفع. الامبراطور يحاول أن يعيد للأشياء قيمتها القديمة، ولكن
(مشيراً الى المكان) هذا الشيء بالذات لم تكن له قيمة ما. كنت أتأمل الجدران، هذه
الحجارة الصلبة المشوية، كم تطلبّتْ من جهود وأحلام الى أن ارتفعت الى الأعلى
لتحيط هذا الفراغ، ملايين من قطرات العرق وقطرات الدم من أجل أن ينتصب هذا الصرح
ويطلقوا عليه اسم قصر العدل. وفي يوم افتتاحه أعلن اغلاقه، في يوم واحد، انتهت
وبطريقة عبثية جهود عشرات السنين، لقد تغوّط فيه كل الملوك والأباطرة على التوالي.
القاضي
الثاني: سمعت ان الامبراطور أصدر مرسوماً بترميمه.
القاضي
الأول: نعم ..
القاضي
الثاني: انني قلق بشأن دعوتنا هذه.
القاضي
الأول: أوه ... كلا، شخصياً أستطيع أن أضمن خطأ مخاوفك. الامبراطور أقصى جميع
وزرائه السابقين، وألغى الضرائب وعدّل القوانين وعيّن ضبّاطه في وظائف مدنية بعد
أن خلع ملابسهم العسكرية، وهو شخصياً يرتدي الآن الملابس المدنية. انه يسعى الى
العدل، يريد الوصول اليه بأي ثمن.
القاضي
الثاني: بأي ثمن؟
القاضي
الأول: بأي ثمن. تذكر هذا. والشعب بأكمله يهتف له.
القاضي
الثاني: أفهم من هذا انك ترغب في التعاون معه.
القاضي
الأول: انها فرصتنا الوحيدة لنكون نافعين لفترة ما.
القاضي
الثاني: ماذا لو لجأ الى تصفية أعدائه من فوق أكتافنا؟
القاضي
الأول: افتراضاتك عتيقة للغاية عزيزي القاضي. كل الذين صرحوا بعدائهم ترقد أرواحهم
الآن بسلام.
القاضي
الثاني: أعداء الحكام يولدون كل يوم (فترة) اقترح أن نطلب فرصة للتفكير.
القاضي
الأول: هذا يعني التشكيك في نوايا الامبراطور، وهو عمل غير مستحب، ألا توافقني؟
القاضي
الثاني: على الأقل، يجب أن نفهم ماذا يُراد منّا.
القاضي
الأول: نحن أناس عاطلون عن العمل لأننا اخترنا أكثر المهن كساداً في هذا البلد. والآن
يتقدم امبراطور شهم بعرض سخي .. لماذا نمانع؟
القاضي
الثاني: دون أن نعرف نوايا الامبراطور؟!
القاضي
الأول: لماذا تصّر على التحديدات. لنفكر بطريقة واقعية أيها الصديق. في السابق
كنّا نعرف كيف يتصرف الامبراطور وماذا يريد، لأن رغباته كانت واضحة وبسيطة ومباشرة،
أما الآن فمن الصعب أن نفهم كيف يفكر، نحن ازاء رغبة طيبة وجماهير متحمسة. لذلك لا
نستطيع أن نقرر، هذه المرة الظروف الجديدة اختارت بدلاً عنا، ولا يسعنا أن نتردد،
لننظر من هنا، من هذا الصرح المتهدم، الى بابل، مدينة يسودها الخراب وآثار عشر
سنوات من الجوع والذعر والظلم.، مع رغبة مجنونة في العدل، من يستطيع أن يقول لا؟
لا، هذه الكلمة التافهة بمقدورها أن تعصف بكل شيء مرة واحدة، فمن يتحمل مسؤولية
بهذه الفداحة؟
القاضي
الثاني: اوافقك الرأي ولكن ...
القاضي
الأول: انني أفهمك (يحاول أن يتذكر) أعتقد اننا كنا في نفس المدرسة في مرحلة
الصبا.
القاضي
الثاني: نعم ...
القاضي
الأول: وكنا نفكر بطريقة متشابهة. نفس الطموح، نفس الآمال، وحتى نفس النزوات،
العدل، القضاء، الحق، كان يجذبنا بقوة، والقانون كان ...
القاضي
الثاني: (مكملاً) الأداة التي تمنح هذه الأشياء قوة التأكيد ..
القاضي
الأول: (بارتياح عميق) ... بالضبط. الكلمات التي كنا نرددها أمام أصدقائنا (ثم
بحنق) لقد نسيت أغلب الأفكار والصيّغ التي كنا نتحمس لها. بل نسيت نصف القوانين
التي درسناها. (بطريقة تمثيلية) سوف ندافع عن الحق والعدل حتى يقفز حمورابي من
قبره افتخاراً بأحفاده النجباء ...
القاضي
الثاني: (يصفق له وتنتابهما غبطة طفولية) ...
القاضي
الأول: العدل، المبدأ الوحيد الذي نتحزّب له ...
القاضي
الثاني: الكلمات ذاتها التي كنا نقاتل من أجلها.
القاضي
الأول: بابل بدون ظلم، بابل العادلة. حيث يقف السوء عند حدودها، لا يعاقب الانسان
بلا سبب وجيه، لا يستبد حاكم، لا يتحكم المجرمون بمصائر الأبرياء، لا يتمتع اللصوص
بأموال المسروقين (يتوقف كأنه تعب من التذكر، ثم يطرق لفترة) لقد زاولنا أكثر
الأحلام عقماً، كان حمورابي نفسه لصاً.
(يدخل
القاضيان الثالث والرابع)
القاضي
الثالث: (وهو داخل) آخر الأنباء. أعيدت الصلاحيات التشريعية الى دار القضاء.
القاضي
الثاني: الآن بدأت أعرف لماذا نحن هنا.
القاضي
الأول: لا تتعجل.
القاضي
الثالث: بدأت التطورات تجري بسرعة يدوخ لها الرأس.
القاضي
الثاني: ذلك لأننا تعودنا نوعاً واحداً من الأخبار.
القاضي
الرابع: شاهدته هذا الصباح وهو يتجه الى المجلس، هادئاً رزيناً على غير عادته.
واختفى من عينيه برق القسوة ليحل محله صفاء غريب.
القاضي
الثالث: كنت أردد دائماً ان هذا الرجل يفكر بمصلحة البلد قبل أي شيء آخر. وفي
اعتقادي ان الظروف الجديدة تستحق كل تضحية نستطيعها.
القاضي
الرابع: أوافقك الرأي.
القاضي
الثالث: لم تشهد المدينة صباحاً بهيجاً مثل اليوم، الامبراطور بنفسه وسط الجماهير
يصغي الى مطاليبهم.
القاضي
الثاني: أراهن انه يستمتع بذلك الى أقصى حد (بخبث واضح) هل من أخبار خاصة تسربت
اليك من القصر عن سبب دعوتنا؟
القاضي
الثالث: في اعتقادي، الأمر يتعلق بمهام كبيرة سوف يلقيها الامبراطور على عاتقنا.
القاضي
الثالث: أرجوكم أيها الزملاء، لنناقش الأمور دون حماس عدائي، كمواطنين، علينا أن
نؤدي واجبنا بشكل أو بآخر. نحن الآن في ظروف مختلفة أيها الزيل.
القاضي
الثاني: (بسخرية) أنني أرى.
القاضي
الثالث: ولكنك للأسف لا ترى ان التخلص من الأحقاد القديمة هو أفضل عمل نواجه به
الخطوات الجديدة.
القاضي
الثاني: عكس ما تتصور، انني أرى أكثر من ذلك، مع خزينة مفلسة وموظفين فاسدين،
وعلاقات سيئة مع الجيران، وأسعار مرتفعة وقوانين جائرة، كيف يمكن اقامة العدل
واصلاح الأوضاع؟
القاضي
الثالث: لقد شكلت لجنة لتعديل القوانين وفعلياً باشرت أعمالها منذ الصباح. هذا
يؤكد حسن النية، عزيزي القاضي.
القاضي
الثاني: وماذا عن البقية؟
القاضي
الثالث: يأتي دورها، اصلاح امبراطورية منهارة لا يتحقق في يوم واحد، التفكير بهذا
يعتبر تعجيز.
القاضي
الرابع: سوف نعرف مدى جدية الأمور بعد أن تصدر القرارات الجديدة.
(فترة
مشحونة بالتوتر)
القاضي
الأول: عندما يتقدم نحوك الخير ... لا ترفضه.
القاضي
الثالث: هكذا يكون التصرف الحكيم.
القاضي
الأول: حسناً أيها الزملاء ... انني أسمع حركة في الخارج. الامبراطور قادم كما
أعتقد.
[يدخل
الامبراطور يرتدي ملابس مدنية يتبعه ضباطه الثلاثة بملابس مدنية أيضاً]
الامبراطور:
أسعتدم صباحاً أيها السادة. انني أحمل اليكم، بشكل خاص، نبأ يتعلق بقصر العدل، سوف
يبدأ ترميمه منذ الغد.
القاضي
الثالث: (منفعلاً) مرحى أيها الامبراطور.
الامبراطور: لقد ألغينا
القوانين الاستثنائية المفروضة عليه، وسوف يباشر مهامه دون قيود. (يتجول في المكان
ويزيح بعض الأحجار بقدمه ثم يتطلع الى أعلى الجدار) بيوت عناكب، هذه الخيوط
الرقيقة ترمز الى الطغيان، سوف نزيلها (فترة) أعرف أن شيئاً ما يضايق رؤوسكم في
هذه اللحظة، سال واحد، لماذا غير الامبراطور مشاريعه فجأة؟ ماذا يريد؟ كيف يفكر؟
سؤال كبير، أعترف بذلك، ولكن لماذا نسمح للأسئلة أن تكدرنا في الوقت الحالي، يكفي
أن نكون واضحين كفاية، سوف أكون واضحاً معكم، نويت العدل لأنني أردت أن أكون
عادلاً، وبامكانكم أن تستفدوا من ذلك. هنا خراب عمره عشر سنوات، كما تصطلحون على
تسميته في مناقشاتكم السياسية. لنبحث سوية كيف يمكن اصلاحه، لنفكر بسرعة في
الطريقة التي تجعل العدل حقيقة ملموسة، هذا هو المطلوب.
القاضي
الأول: سيدي الامبراطور. انك تحمل الينا رغبة نبيلة لا يسعنا الاّ قبولها باحترام.
الامبراطور: وبصدق؟
القاضي
الأول: الصدق اطار كل احترام حقيقي.
الامبراطور:
المنطق، لم تنس أصول مهنتك رغم انعزالك القسري عنها، يمكنك ان تبريء متهم بالمنطق،
ولكن اقناع امبراطور بصحة رأيه يتطلب حركة من نوع آخر.
القاضي
الأول: (باسماً) تعني أكثر ضجة.
الامبراطور:
لم لا ...
القاضي
الأول: كلنا نسعى الى العدالة سيدي الامبراطور، لأن سعادة الناس لا تتحقق بعمل
مغاير، واذا حدد لي جلالتكم واجبي سوف أوديه كاملاً.
الامبراطور:
الآن أنت
أكثر سهولة في الحوار. حسناً، لنتحدث في المهمة التي نطلبها منكم...
[يندفع
الحاوي الى الداخل يتبعه حارسان يحاولان منعه]
الحاوي: (الى الامبراطور) قل لهؤلاء أن يتصرفا بلياقة.
أحد
الحارسين: سيدي، دخل عنوة وبدون اذن.
الامبراطور: (يشير الى
الحارسين فينصرفان) أنت تقتحم اجتماعاً امبراطورياً بدون إذن سابق، وهذا عقابه
الموت.
الحاوي: جئت بصدد عرض قديم.
الامبراطور:
كيف خرجت من
السجن؟
الحاوي: رشوت المدير فوضع أحد المارة بدلاً عني.
الامبراطور: تتدبر امورك
بشكل جيد.
الحاوي: الظلم يمكن التحايل عليه بسهولة.
الامبراطور: إنني
امنعك من الحديث عن الحاضر بصيغة الماضي.
الحاوي: عفواً سيدي، مشكلة الزمن في بابل هي السبب، انه
مختلط ببعضه ولا يخضع لقوانين الصيّغ.
الامبراطور: ببشاعته
وجماله؟
الحاوي: ببشاعته وجماله.
الامبراطور: (مستسلماً)
ما دمت جئت، سوف تحضر أول اجتماع يتعلق بالقوانين (الى الآخرين) أيها القضاة أحب
أن أعرفّكم بالمستشار الأول للبلاط ..
الحاوي: (مقاطعاً) قبل ذلك سيدي ..
الامبراطور: (منزعجاً للمقاطعة) ماذا؟
الحاوي: شرط واحد اذا سمحت.
الامبراطور: الملوك
لا يقبلون الشروط، انهم يضعونها.
الحاوي: بعض الحالات تفرض العكس.
الامبراطور: لا
تفكر انني تخليت عن كل اجنحتي.
الحاوي: شخصياً أرجو أن لا تفعل ذلك، سوف نحتاجها كلها.
الامبراطور: حسناً؟
الحاوي: هل اتفقتم على الطريقة التي سينفّذ بها العدل؟
الامبراطور: ليس
بعد، هل تقترح طريقة معينة؟
الحاوي: سيدي الامبراطور، سوف ننفذ العدل كما تريد، على
ان يعمل الشعب حسب مشيئة قلبه.
[الجميع
ينظرون بدهشة الى الحاوي عدا الامبراطور]
الحاوي: من فضلكم حافظوا على شجاعة اعصابكم.
الامبراطور: كيف؟
الحاوي: ان الحشود التي ظلت تتبع موكبك وتهتف للعدل من
عرق عيونها، لا تفهم ماذا يعني العدل، انما هي في قرارة نفسها تحلم أن تمسك
بمصيرها بيدها.
الامبراطور: العدل
يتحقق بتحقيق كل أحلام الشعب.
الحاوي: سيدي، للشمس والقمر سطوعهما، وللظلام أيضاً بريقه
الخاص، ولكن الجميع يتعثرون فيه.
الامبراطور: من
وضعت خلف هذا البريق؟
الحاوي: كل مشروع لا يحمل شروط نجاحه.
الامبراطور: مشيئة
الشعب حسب هوى قلبه، يعني حرية لا يمكن ضبطها.
الحاوي:
اتفاق بسيط يمكنه أن يرسم نوعية العلاقة
وحدود الرغبات. هناك الارادة العليا التي تتعلق بشؤون البلد والنظام، والارادة
العليا التي تخص مصير الشعب وحياته. سوف ينفذ الشعب الأولى بكل طاعة على أن يكوت
رأيه حاسماً في الثانية.
[الامبراطور
ينفض غباراً وهمياً عن أكمامه ليخفي ضيقه]
الحاوي:
(يتحرك بين القضاة ليبدد ارتباكهم) يسمونها
الديمقراطية سادتي القضاة. ان لا يموت انسان لسبب تافه وبارادة غريبة. انها احدى
مظاهر العدل سيدي الامبراطول (فترة) في الخارج يوجد آلاف الحفاة والجائعون ينتظرون
موكبك الملكي ليهتفوا بحناجر ضائعة لا تعرف سبب الصراخ الذي تطلقه. انهم يحملون
حلم آلاف السنين المهدورة. بحركة واحدة أيها الامبراطور تستطيع أن تؤكد جدوى
صراخهم (يخفض صوته قرب اذن الامبراطور) حركة واحدة ما دمت اخترت اللعبة. أعطهم
عدلاً حقيقياً (فترة يواجهان بعضهما فيها) أنت تعرف هذا الشعب ... باسم اتفه
الوعود يذبح بعضه البعض، والآن تقدم له أضخم وعد ... سيدي الامبراطور، أعطه حقه
عدلاً حقيقياً.
[فترة]
الامبراطور: سوف
أعطيه لهم.
الحاوي:
وهل تحتمل الأمر الى الأخير؟
الامبراطور: إنك
تقترب مني أكثر مما يجب.
الحاوي:
(بعناد) هل تستطيع؟
الامبراطور: نعم
..
الحاوي:
سأكون الى جانبك (ثم بصوت طبيعي يسمعه
الجميع) الآن، سيدي الامبراطور، سادتي القضاة، هل نبحث في شؤون العدل؟
الامبراطور: وبسرعة
ان أمكن.
الحاوي:
(يقوم بجولة بين الحاضرين) أرى هنا أربعة
من أبرع قضاة بابل. اذا اضيف اليهم ستة من الشرفاء يمثلون مختلف فئات الشعب، يصبح
لدينا مجلس بامكانه الحكم على صحة الأشياء.
القاضي
الأول: ما هي مهمة هذا المجلس بالضبط اذا تفضل السيد ...
الحاوي:
تمثيل الشعب. سيكون عملكم بسيطاً، ولكنه
خطير للغاية. ستقولون نعم أو لا. وسوف نناقش التفاصيل فيما بعد. سيدي الامبراطور
هل تقترح اسماً معيناً لهذا المجلس؟
الامبراطور: مثلاً؟
الحاوي: مجلس العدل.
الامبراطور: لا
يوجد اعتراض.
الحاوي:
مبدئياً، هل للسادة القضاة مطاليب ما؟
القاضي
الأول: حصانة هذا المجلس.
[تتجه
الانظار نحو الامبراطور]
الامبراطور: أنا
أضمنها ..
[هتافات
من الخارج]
: يعيش العدل.
: يسقط المتآمرون.
: يعيش الامبراطور
[يدخل
قسم من المتظاهرين يحملون الشاب ويظل قسم آخر منهم محشوراً في الباب]
أحدهم: سيدي الامبراطور، هذا الشاب تآمر على العدل (يبحث
عن الشرطي) أين الأخ الشرطي؟
الشرطي:
(يتقدم وينحني للامبراطور) سيدي، أمسكته
بالجرم المشهود.
أحدهم:
يجب أن ينال عقابه.
آخر:
الآن.
الحاوي:
أيها المواطنون، أنزلوا هذا الحمل من
أكتافكم. (ينزلون الشاب على الأرض) برفق اذا سمحتم.
أحدهم:
متآمر.
آخر:
يسقط المتآمرون.
آخر:
يعيش الامبراطور العادل.
الحاوي:
بوركتم أيها المواطنون الشرفاء. الآن من
اعتدى على من؟
[صمت،
المتظاهرون ينظرون الى بعض]
الحاوي:
من يتبرع ليجيبني. من اعتدى على من؟
أحدهم:
هذا الشاب تآمر على العدل.
آخر:
هتف ضد العدل وضد ... الـ ...
(يتردد)
الحاوي:
(مشجعاً) الامبراطور؟
نفس
الشخص: نعم ...
الحاوي:
وركلتموه بأقدامكم عقاباً على فعلته.
الجميع
: نعم...
الحاوي:
وهل ساهم الشرطي في الركل؟
الشخص:
كلا ...
الحاوي:
حسناً، أطلقوا الشاب وليوضع الشرطي في
السجن.
[ذهول
تام]
الشرطي:
سيدي .. كيف ...
الحاوي:
أهملت واجبك على أكمل وجه أيها الشرطي.
سمحت لهؤلاء بالاعتداء على هذا دون أن تعاقبهم.
الشرطي:
(مغلوباً على أمره) كنتُ .. كانوا يدافعون
عن سيدي الامبراطور.
الحاوي:
بعد اليوم، لن يكون الدفاع عن الامبراطور
بركل الناس.
* * *
المشهد
الأول:
[على
طرف بستان، اثنان من الحراس يرتبان خيمة الامبراطور، الى الأمام مقعد وثير لراحة
الامبراطور]
الحارس
الأول: ضع وتداً اضافياً من الخلف.
الحارس
الثاني: لا أرى حاجة لذلك.
الحارس
الأول: ضع واحداً اضافياً لأن ريح
الشمال تشتد قوتها في المساء.
الحارس
الثاني: (يذهب خلف الخيمة) هل يقضون
الليل هنا؟
الحارس
الأول: بالتأكيد. منذ سنة لم
يخرج الامبراطور في رحلة صيد. بالتحديد منذ غيّر قوانين بابل.
الحارس
الثاني: أعتقد انه تقدم في السن ولم
تعد رياضة الصيد تستهويه.
الحارس
الأول: ليس التقدم في السن،
انه منشغل بالعدل.
الحارس
الثاني: كيف؟
الحارس
الأول: كيف؟! لا ادري، يقولون انه
منشغل في العدل. ألم يسبق لك أن انشغلت بشيء؟ بترقيع حذائك على سبيل المثال؟
الحارس
الثاني: نعم.
الحارس
الأول: هذا يسمونه الانشغال.
الحارس
الثاني: هل نضيف واحداً هنا؟
الحارس
الأول: كلا.
الحارس
الثاني: تحسباً لتقلبات الطقس في
الليل.
الحارس
الأول: نظف داخل الخيمة من الأشواك.
الحارس
الثاني: (من داخل الخيمة) ماذا نفعل
اذا لم يعجبهم المكان؟
الحارس
الأول: نبحث عن غيره.
الحارس
الثاني: لن نعثر على أفضل منه.
قضينا نصف نهار في البحث. حين كنتُ صبياً كنا نركض نهاراً كاملاً في عشب لا ينتهي
مداه.
الحارس
الأول: أسرع، يجب تنظيف خيمة
الامبراطورة أيضاً.
الحارس
الثاني: (يخرج من الخيمة) ها هي
خيولهم قادمة. الامبراطورة والمستشار وصلوا أولاً. (يخرج)
[تدخل
الامبراطورة تنفض الغبار عن ملابسها يتبعها المستشار "الحاوي في الفصل
الأول"]
المستشار: (الى الحارس) لازلتم تدقون الأوتاد؟
الحارس
الأول: مجرد اطمئنان الى ثباتها. كل
الخيام جاهزة منذ الصباح.
المستشار: تأكد جيداً من راحتها، بشكل خاص خيمة
الامبراطورة.
الحارس
الأول: ثلاثة من الحراس يقومون على
ترتيبها.
المستشار: (الى الامبراطورة التي جلست
على المقعد) أرجو أن تكون الرحلة قد أنعشت جلالتك.
الامبراطورة:
لقد اخترتم طريقاً سيئاً، غبار وحر خانق.
المستشار: يمكن لجلالتك أن ترتاحي في
خيمتك.
الامبراطورة:
(تلتفت خلفها) لماذا يتسكع موكب الامبراطور؟
المستشار: يستمع الى هموم شعبه.
الفلاحون يعرضون شكواهم.
الامبراطورة:
أوووه ... ألا ترى معي، ان العدل ليس سوى مبالغة في رفع الكلفة مع العامة، وهذا
سيضعف هيبة الامبراطورية؟
المستشار: العدل، هو أن نضع أنفسنا مكان الآخرين
لنحكم في مشاكلهم، وهي الطريقة الوحيدة لتحتفظ الامبراطورية بهيبتها.
الامبراطورة:
كيف؟
المستشار:
اننا نحاول أن ندخل العصر، سيدتي.
الامبراطورة:
(باستخفاف) ما هذا؟
المستشار:
العصر؟ خارج أسوار الامبراطورية يوجد عالم آخر، حياة أخرى، عادات أخرى، ناس يعيشون
ويفرحون ويأكلون.
الامبراطورة:
نحن نعيش ونأكل أيضاً.
المستشار:
نعم، ولكن ليس على طريقتهم.
الامبراطورة:
وما هي طريقتهم؟
المستشار:
بالنسبة للأكل؟ نفس طريقتنا.
الامبراطورة:
اذن ما الفرق؟
المستشار:
الفرق، انهم يعيشون بدون خوف، وبما ان حياتهم بدون خوف، فانهم لا يتبادلون
الكراهية، انما يتبادلون الزيارات بدل ذلك، يتبادلون الآراء دون غضب، حتى
ويتبادلون القُبل علناً، وهم لا يجدون أنفسهم مضطرين للنفاق أو الوشاية، كل ذلك
لأن حياتهم تجري بدون خوف. ان الخوف سيدتي يشوّه الكثير من الأمور.
الامبراطورة:
انني غير مرتاحة لكل هذا. الامبراطور يأخذ المسألة بجدية أكثر من اللزوم. باختصار
انه متأزم وينساق لحالات غريبة.
المستشار:
لقد راهن على العدل، ولا يريد أن يخسر.
الامبراطورة:
أمام من؟ لم يكن يهمه أن يربح أو يخسر امام أحد.
المستشار:
امام نفسه. في السابق لم يكن يهتم بالربح
أو الخسارة لأن الآخرين لا يعنون شيئاً، اما الآن فانه يلعب أمام نفسه.
الامبراطورة:
حتى الآن لا أدري من أغراه بهذه الخطوة.
المستشار:
هو اختارها.
الامبراطورة:
لا أفهم، أن يجبر الانسان نفسه على شيء غير مضطر اليه.
المستشار:
ربما، الغرور، الاعتداد بالنفس، الاعتداد
ميزة الملوك سيدتي.
الامبراطورة:
والنهاية كثيف ستكون؟
المستشار:
النهاية؟ على الفشل أن لا يكتشف وجود العجز
فينا. حينئذ ستكون النهاية رحيمة.
الامبراطورة:
أنت تكثر الألغاز في حديثك معي.
المستشار:
عفواً، انني صادق مع جلالتك الى أبعد
الحدود.
الامبراطورة:
ولكنك تحاول دائماً أن تحشو رأس الامبراطور بعبارات لا أدري كيف يستسيغ سماعها.
المستشار:
الحياة سيدتي، هي التي تتطلب أن لا نفرط
بتجاربها. ان أصغر تجربة استوجبت جوع انسان أو ذلّه أو انكساره وأحياناًهلاكه.
وهذا الثمن الفادح لعبرة صغيرة من الغباء أن يهدر بسهولة، ألا توافقني سيدتي على
ذلك؟
الامبراطورة:
اذا لم تبسط كلماتك قليلاً، لن يتاح لي فهم ما تقول، انك كمن ينثر كلامه في ريح
مضطربة.
المستشار:
انني أجد صعوبة في ارضاء ذكائك.
الامبراطورة:
لا تنافق.
المستشار:
سيدتي؟
الامبراطورة:
لقد دخات بيتي وأصبحت تعرف انني لا أتقن الحياكة ولا اختيار الألوان ولا أفهم في
الشعر. انني أجيد الخوف على العرش فقط.
المستشار:
هذه هي الموهبة الوحيدة التي تحتاجها
ابراطورة بابلية، وكل الأعذار تقف الى جانب جلالتك.
الامبراطورة:
قيل ان والدك كان يعمل قرب المقاصل، أعني يجمع بقايا ... (تحاول أن تعبر بيدها عن
شيء يدعو للاشمئزاز) ... هل هذا صحيح؟
المستشار:
كلا، أنا كنت أقوم بهذا العمل.
الامبراطورة:
(تجفل وتبتعد عنه قليلاً)أوووف، لماذا اخترت هذا العمل؟
المستشار:
ذلك ان الجثث لا تخيفني، اما الأحياء فان أفراحهم وآمالهم وسعادتهم أشبه بألواح
زجاجية رقيقة لا يمكن التقرب منها خشية أن تنكسر.
[فترة]
الامبراطورة:
قل لي، هل تشعر نفسك بالقلق من شيء ما؟
المستشار:
الماضي، كل الأعمال التي قمت بها في حياتي
تقلقني، تلك التي حدثت برغبة عارمة أو بأسف حقيقي، لا أعرف أهي صح أم خطأ.
الامبراطورة:
كيف اتفق ان التقيتم؟ زوجي لا يخاف سوى الغد.
المستشار:
الصدفة جمعتنا.
الامبراطورة:
لا أعتقد الصدف كافية ليقبل احدكم الآخر بهذا الاسراف.
المستشار:
(متهرباً) أحياناً.
الامبراطورة:
منذ قليل تحدثت عن الصدق بلا حدود، أو شيء من هذا القبيل.
المستشار:
حسناً، انه مثل الحلم، أو انها أشبه بهلوسة من فوق حصان جامح. لا أدري كيف بدأت
ومتى ستنتهي. عشر سنوات وزوجك (مستدركاً) سيدي الامبراطور، يقدم على نومي، مرة
يدخل بسيف ذي عدة شعاب يلوح فيه نحو كل الجهات، ومرة يقدم مذعوراً، كأنه يهرب من
مصير مرعب، وفي كل مرة كنا نلتقي لنتبادل الشتائم.
الامبراطورة:
هكذا؟
المستشار:
سيدتي، الأحلام تُفسر بالعكس.
الامبراطورة:
لست من رأيك، أكما من فضلك.
المستشار:
كل واحد منّا كان يبحث عن شيء يجتثه في الآخر. وفي كل مرة نهلك من التعب دون أن
نفعل ما يريحنا.
الامبراطورة:
ثم ...؟
المستشار:
ثم التقينا. من جانبي لم استطع التمييز، أول الأمر، هل أنا أمام شبح الامبراطور أم
حقيقته (يسكت لحظة)
الامبراطورة:
وماذا جرى بينكما؟
المستشار:
(يضحك) لا شيء ... تصافحنا، مهنئين بعضنا
بالسلامة.
الامبراطورة:
(غير مصدقة) هل ... كنت تكرهه؟
المستشار:
(بجد) كلا، كما ترين اننا نتعاون باخلاص.
الامبراطورة:
هل تدلني على خيمتي؟
المستشار:
بكل احترام (يخرجان).
[يدخل
الامبراطور يتبعه القاضي الثالث]
الامبراطور:
ماذا كنت تقول بشأن قانون الحدود؟
القاضي
الثالث: كنت اقترح على جلالتك تعديل المادة الرابعة ...
الامبراطور:
(مقاطعاً) لماذا يجب أن نعدلها للمرة الثانية في سنة واحدة؟
القاضي
الثالث: لأن تعديلها يتيح لنا عقد صفقة شريفة مع جيرانا، تسمح لهم بالاشراف على
السفن التجارية في مياهنا الاقليمية مقابل الفين درهم ذهبي تُدفع سنوياً للخزينة.
الامبراطور:
ألا ينطوي اتفاق كهذا على تخلي عن جزء من سيادتنا؟
القاضي
الثالث: اننا نبرم اتفاقاً فوق منطقة مائية، سيدي الامبراطور، وفوق المياه يمكن
للقانون أن يتحرك بعض الشيء ... عكس اليابسة.
الامبراطور:
كيف؟
القاضي
الثالث: الحدود العائمة لا يمكن ضبطها بدقة، وبالتالي نستطيع أن نعتبر العلامات في
اماكنها الثابتة ... الاّ عندما يرغب جارنا في استعمال بعض المناطق.
الامبراطور:
يرغب؟ وكيف نحدد هذه الرغبة؟ هل تعتقد اننا نحتاج الى هذا النوع من العلاقات
الحدودية؟
القاضي
الثالث: الخزينة هي التي تحتاج، سيدي الامبراطور.
الامبراطور:
الخزينة؟! لماذا يهتم السيد القاضي، عضو مجلس العدل، بأمور الخزينة بينما وزير
المالية يغطّ في نومه؟
القاضي
الثالث: انها مسألة قانونية بحتة، كلفني السيد وزير المالية بشرحها لجلاتك.
الخزينة تعاني من العجز، لقد أنهكتها الاصلاحات التي يجري تنفيذها، والذي نخشاه أن
تنهار الخزينة قبل الانتهاء من أي مشروع باشرته الدولة.
[فترة]
الامبراطور:
ألا يوجد في
رأسك حل آخر؟
القاضي
الثالث: ان نخفف بعض نفقات الدولة، وهذا لن يحلّ الاّ ربع المشكلة، ويخلق مشكلة
جديدة.
الامبراطور:
اذن؟
القاضي
الثالث: الأمر متروك لسيدي الامبراطور.
الامبراطور:
ليعرض وزير المالية الأمر على مجلس الوزراء.
القاضي
الثالث: سوف أحكل اليه توجيهات جلالتك ... ولكن ما يقرره مجلس الوزراء يخضع
لموافقة مجلس العدل، هنا تبرز معوّقات صغيرة.
الامبراطور:
لا أدري، هل أنت عضو في مجلس العدل أم موظف في وزارة المالية؟
القاضي
الثالث: سيدي، انني أحاول وضع المسألة ضمن صلاحياتك الامبراطورية، لكي نتوصل الى
حل عاجل دونما حاجة الى مناقشات مجلس العدل وعواطف أعضائه الموقرين، خاصة في موضوع
حساس كهذا.
الامبراطور:
حسناً، ضع صيغة القانون وسوف نصدر مرسوماً به.
القاضي
الثالث: نقطة ثانية اذا سمح سيدي الامبراطور.
الامبراطور:
ما هي؟
القاضي
الثالث: أن يؤجل اصدرار المرسوم حتى نهاية الشهر.الامبراطور: لماذا؟
القاضي
الثالث: لدينا عدة قوانين جديدة اخرى، اقترح اصدارها مرة واحدة في مناسبة الذكرى
الأولى لاعلان قرارات العدل.
الامبراطور:
كنت مستعجلاً على حل موضوع الخزينة عزيزي القاضي؟
القاضي
الثالث: عفواً سيدي الامبراطور، بعض الأيام المجيدة في تاريخ بلدنا يجب أن تخلد في
أذهان الناس.
الامبراطور:
كيف؟
القاضي
الثالث: خطر لي أن نصدر مرسوماً يعتبر هذا اليوم مناسبة سنوية للاحتفال.
الامبراطور:
مناسبة؟
القاضي
الثالث: من حق الامبراطورية أن تحتفل بانتصاراتها، وستكون فرصة للشعب كي يبتهج
ويذكر امبراطوره بالشكر.
الامبراطور:
انها اذكى
طريقة لزيادة أيام الأعياد حسبما نشتهي، هل سميتها مناسبة؟
القاضي
الثالث: ستكون الذكرى رقم واحد، ثم تتصاعد الأرقام مع مرور الزمن.
الامبراطور: دون
أن تتوقف؟
القاضي
الثالث: (مع شعور بالانتشاء) الى أن يتوقف التاريخ ذاته.
[يدخل المستشار]
الامبراطور: أيها
المستشار، بابل عادت تخترع القوانين كسابق عهدها.
المستشار:
حقاً؟!
الامبراطور:
سوف نقيم احتفالاً نطلق عليه اسم "الاحتفال بالذكرى الأولى لصدور قرارات
العدل".
المستشار:
رائع (يفهم من وجود القاضي الثالث) لو كنتُ
صاحب الفكرة لتبنيتها الى النهاية.
الامبراطور: قانون
واحد يمكننا أن نجعل لكل قرار عيده الخاص.
المستشار:
مدهش، يجب أن يتحمل صاحب الاقتراح كل نفقات
الاحتفال (بخبث) من صاحب الفكرة؟
الامبراطور: المحترم
القاضي عضو مجلس العدل.
المستشار:
عوفيت، القادرون على الصرف هم دائماً
القادرون على الاتيان بالأفكار الرائعة.
القاضي
الثالث: عزيزي المستشار، الدولة هي التي ستتبنى القانون.
المستشار:
والنفقات؟
القاضي
الثالث: من مسؤولية الدولة أيضاً.
المستشار:
الدولة؟ عزيزي القاضي أنت أدرى بحال الدولة وخزينتها. ان نفقات احتفال بهذه
الفخامة سيربك وضعها الحرج.
القاضي
الثالث: أتسمح لي؟
المستشار:
طبعاً، ولكن قبل ذلك، هل يسمح اخلاصك
للامبراطور أن تكدر اعجابه بهذا الاختراع القانوني؟
القاضي
الثالث: (منزعجاً) عزيزي المستشا، هذا العمل تتكفل به دولة وليس بامكان فرد القيام
به.
المستشار:
(الى الامبراطور) القاضي محق في هذا (ثم
الى القاضي) تكفل أنت باحتفال السنة الأولى والدولة تتواى مهمتها التاريخية بعد
ذلك.
القاضي
الثالث: ولكن ...
المستشار:
(مقاطعاً) اما الافتتاح عزيزي القاضي، يجب أن يكون هذا الشرف من حق صاحب الفكرة
دون منافس، يوافق سيدي الامبراطور؟
الامبراطور: سوف
أمنحه هذا الشرف دون حقد.
القاضي
الثالث: (محاصراً) ان ...
المستشار:
(مقاطعاً) أنت تملك 40 ميلاً مزروعة حول الفرات وبامكانك تنفيذ الفكرة بالطريقة
التي تشتهيها (بحركة واسعة) ستكون بهجة شعبية لا مثيل لها، شخصان فقط سيذكرهما
التاريخ في هذا العمل المدهش، الامبراطور وصاحب الفكرة. أنا من جانبي سوف أقوم
بعمل متواضع في هذا المجال.
الامبراطور: ما
هو؟
المستشار:
سوف أضع برنامج الاحتفال، اذا سمحتم لي.
الامبراطور: لن
نحرمك هذا الشرف الصغير.
المستشار:
شكراً. (يخرج من جيبه ورقة) هل تأذن لي
بعرض موضوع الحاصلات على جلالتكم؟
الامبراطور: بالتأكيد.
[
القاضي الثالث وقد اسقط في يده ينحني للامبراطور ويخرج]
الامبراطور: أوقعت
به أيها الخبيث (ينفجر بالضحك)
المستشار:
في حفرته ... سيدي الامبراطور (يضحك هو
الآخر)
الامبراطور: اطلب
لنا شيئاً نشربه (يرتمي على الكرسي بارتياح)
المستشار:
(يومئ نحو حارس خارج المسرح) المائدة ...
انه يوم رائع للشرب والأكل. لنتحرر من طباخي القصر ونأكل على هوانا. أمرتهم بتنظيف
زوجين من الغزلان أشويها بنفسي، ستنطلق رائحة الشواء مئة ميل في كل اتجاه. ان
الطعام الذي نأكله دون أن نشم رائحة طبخه يصعب هضمه، رائحة الشواء وحدها تضرم
الشهية في المعدة، هؤلاء الطباخون الأغبياء لا يفهمون هذه النقطة الحساسة، لا
يعرفون الأسس الأولية للطبخ، علماً بأن أكثر اشكاليات مدير الخزانة سببها بذخ
طباخي القصر. (حارسان يدخلان المائدة لينصبا عليها الأكل) النبيذ أولاً، تابعت
اليوم جولاتك في الصيد، كنتَ بارعاً سيدي الامبراطور.
الامبراطور: لستُ
على عهدي القديم في التصويب.
المستشار:
الطريدة التي أفلتت من سهامك قتلها اللهاث.
الامبراطور: وماذا
عنك؟
المستشار:
أنا؟ (يضحك) أنا لا أجيد فنون الصيد،
وبالأحرى رياضات الملوك لا تستهويني.
الامبراطور: كل
فارس يمكنه مطاردة الغزلان والقنابر.
المستشار:
ولكن الأرض لا تمنح سيادتها لكل راكب حصان،
اضافة الى انني لا أجد متعة في قتل حيوان (يدخل الحارس مع قنينة نبيذ يأخذها
المستشار) اخترتها بنفسي، أظنها ستنال اعجابك (يصب في كأسيهما) هل ستقوم بجولة صيد
عند الفجر؟
الامبراطور: اذا
نمتُ مبكراً الليلة.
المستشار:
سوف أرافقك.
الامبراطور:لتتعلم؟
المستشار:
كلا، لأراقب عن كثب مشاعر الصياد والطريدة. الموت والحياة في حمأة الصراع (فترة)
في صباي كنتُ أراقب الصيادين يمسكون
الخيط وينتظرون بصبر وعناد الفخ في الطرف الآخر، ساعات طويلة من الترقب، قد لا
يقترب أي حيوان حتى ساعات طويلة من النهار، ولكن هذه اللحظات الطويلة، لحظات،
لحظات الانتظار المشحونة بالانفعال، تعطي متعة خاصة هي التي تجعل الصياد يعاود
المحاولة كل يوم دون كلل. ان صيادو الأسماك والطيور الصغيرة يحققون متعتهم
بالمقامرة بالزمن، ولكن حين يمتطي الصياد حصاناً فهذا يعني انه في عجلة من أمره.
الامبراطور: هذا
صحيح.
المستشار:
لماذا؟ هل يخبرني سيدي الامبراطور؟
الامبراطور:(فترة)
لأن الذي يشهر السيف يخاف من الزمن.
المستشار:
الزمن!! (فترة) بعد اسبوع يكون العدل قد
عاش في بابل سنة كاملة. شيء يدعو للارتياح، ما رأيك؟ سيدي الامبراطور.
الامبراطور:
(دون اهتمام) نعم ..
المستشار:
سنة كاملة، رغم العثرات، كانت أياماً مثمرة
عن حق.
الامبراطور:
نعم .. ثقة
شعبية، اشادة لا تنقطع، حفاولا صادقة ... نوعاً ما، حماس وود جماهيري، هذا ما يحلم
به كل ملك.
المستشار:
يقال، قدم لي خدمة تنال ثنائي الى الأبد،
هكذا هو الحال (فترة) ولكنك تبدو كئيباً سيدي.
الامبراطور:أنا؟
بالعكس.
المستشار:
أعني بعض الأوقات.
الامبراطور:كلا.
المستشار:
ما الذي يقلقك؟
الامبراطور:(نزعجاً)
لا شيء أنت واهم.
المستشار:
انني أحاول الاهتمام براحة بالك.
الامبراطور:اسلوب
بغيض لمراقبتي.
المستشار:
نحن لوحدنا.
الامبراطور:وماذا
يعني هذا؟
المستشار:
اتفقنا أن نتبادل الصدق حين نكون لوحدنا.
الامبراطور:انني
في اجازة للراحة.
المستشار:
انا الذي اقترحتها.
الامبراطور:اذن
لمَ تتحدث عن الكلآبة مثل طبيب بملابس شرطي؟
المستشار:
لأنك تحاول اخفائها عن نفسك. وهذا يسبب لك
التوتر. مزيداً من الخمر؟
الامبراطور:لا.
المستشار:
(يصب لنفسه ثم يغرق فجأة في الضحك) .. لقد تذكرت .. (الامبراطور يراقبه متضايقاً)
تذكرت حكاية ذلك الملك الذي يشكو قرحة في معدته، هذا المسكين حين تنتابه أوجاع
معدته كان يضطجع على سريره ويأخذ بالصراخ وتبدأ يده تشد شعر مهرج البلاط الذي يجو
قرب سريره، وفي أحد الأيام ظلت يد الملك تبحث دون جدوى في رأس المهرج المسكين
بينما كانت الآلام تهصر أحشاءه بجنون، فقال المهرج وكان يبكي بحزن: لم يبق شيء
سيدي الملك، فأمر الملك باعدام خمسين فرداً من رعيته، فوراً، بعد ذلك قال الملك،
ما أنعم جلدة رأسك يا مهرجي العزيز (يرفع كأسه) لنشرب نخب هذا المساء الجنوبي
الرائق. (الامبراطور لا يستجيب ويظل يحدق في الحاوي) هل تخاف شيئاًسيدي
الامبراطور؟
الامبراطور: مثل
ماذا؟
المستشار:
(بعد تردد) نفسك ...
الامبراطور:
ألا يحق للانسان أن يذعن لمزاجه اذا كان امبراطوراً؟ حين تقتحم الكآبة نفس الانسان
لا يمكن لامبراطورية أن تمنع ذلك، هل تستطيع؟
المستشار:
كلا، اذا كان الاكتئاب لا يتعلق
بالامبراطورية ذاتها.
الامبراطور:أتعتقدها
الامبراطورية، قلقي العتيد؟
المستشار:
الأشياء التي نفتقدها بعد أن اعتدنا عليها، هي السبب الأقوى لتعكير المزاج،
الامبراطورية، لا زلت تمسك بها .. وبقبضة أشدّ احكاماً، على الأقل الآن هي أكثر
حياة. ان ما تفقده من صلاحيات ليس بذات أهمية. انها حتى ليست بصلاحيات، لقد اعتدت
تطلاق الأوامر، هذا كل ما في الأمر. انك لم تفقد شيئاً ... سوى الصراخ الذي كان يرافق
أوامرك. هذا هو سبب اكتئابك سيدي الامبراطور. انك لا تحتمل الآخرون يقولون لا أو
نعم حتى في أتفه الأمور. لم تفقد شيئاً، لقد حزتَ على أشيائ كثيرة لم تنتبه لها
لحد الآن. لا تكتئب سيدي، انه مجرد تغيير للأسلوب في التعامل مع الأشياء. الأشياء
التي كنت تتحكم بها بشكل مطلق، ÷ؤلاء الذين يعطون مجرد الرأي في الأمور، انما
رفعوا بعض الأعباؤ عن كاهل البلاط وأصبح بالامكان أن تنصرف أنت الى أمور أكثر
أهمية.
الامبراطور: مثل
ماذا؟
المستشار:
الامبراطور وحده يستطيع التفكير بالأمور
المهمة.
الامبراطور:
اذ،، أصبحت مهمة الملوك أن يمارسوا رياضة التفكير فوق عروشهم حتى يشبعوا نوماً.
أتعتقد ان واجب الملك أن يثق بالناس؟ جميعهم؟
المستشار:
اذا كنا وحدنا من يمسك السيف، فأي طعنة
نخشاها من أعزل؟
الامبراطور:الأعزل؟
لديه أسنانه.
المستشار:
آه لا أستطيع تصور اثنين بهذا التوثب الدائم دون قلق عات. أنت لا ترى حولك سوى عدد
هائل من الأسنان المشرعة، انني أفهم عذابك سيدي، انك تملك أشياء كثيرة لا تحتمل
فقدانها.
الامبراطور:(يريد
أن ينفض يده من جدوى الحديث) نفس النغمة، دائماً تردد نفس النغمة، مثل بائع السوس.
المستشار:
هل يوجد سبب آخر؟
الامبراطور:
أنا أعرف هذا الشعب.
المستشار:
وأنا أعرف سبب آلامه. (فترة) يجب أن تتفحص
هذه الظلال حولك، سوف تجد العديد منها بدون أنياب، انها تحاول الدفاع عن نفسها فقط
ولا تملك السلاح لذلك. اذا كان العدل يسمح بالدسائس، كما تخشى، فان الطغيان يجعلها
كاسرة. لقدأنجزنا مرحلة لا بأس بها في العدل، اصلاحات، مشاريع، قوانين جديدة، قتال
مدهش ضد النفاق والرشوة والاستغلال، ألا تجده عملاً طيباً هذا الذي قمتَ به؟
الامبراطور:
نحن لم نقم بشيء. الشعب هو الذي يقرر طبيعة الأعمال التي نقوم بها.
المستشار:
هكذا العدل.
الامبراطور:
نعم، هكذا، حين يبدأ العدل وتبدأ وحدتي.
[فترة.
ينظر كل منهما في اتجاه معاكس]
الامبراطور:
أين يرحل هؤلاء المزارعون؟
المستشار:
(يفتش عن الاتجاه الذي يشير اليه
الامبراطور) انها عائلة تنقل عفشها.
الامبراطور:انظر
هنا، قوافل تزحف خلف بعضها، أين الحارس؟
الحارس:
(يدخل وينحني) سيدي.
الامبراطور:
آتني بواحد
من هؤلاء (يخرج الحارس) انها قرية تتحرك بكاملها، انظر هناك، نساء وأطفال ومواشي،
أين يذهبون؟
المستشار:
الفلاحون يميلون الى تغيير أماكنهم.
الامبراطور: في
هذه المنطقة يعيش فلاحون مقيمون وليس رحّلاً. (جازماً) انهم يتسللون. (يدخل الحارس
بفلاح)
الامبراطور:أنت
فلاح بابلي؟
الفلاح:
نعم سيدي.
الامبراطور:هل
ترحل هذه الحيوانات ببيوتكم وأمتعتكم؟
الفلاح: نعم.
الامبراطور:الى
أين؟
الفلاح: حيث
توجد الغيوم الثقيلة.
الامبراطور:ماذا
تعني؟
الفلاح: نحن
نبحث عن المطر، الجفاف قتل أرضنا، لقد كان موسماً صعباً هذه السنة ونخشى أن تموت
أبقارنا وتتيبس بذورنا في الأرض.
الامبراطور:الجفاف!
والأنهار؟ ألا تكفي حاجتكم للسقي.
الفلاح: مياه
الأنهار تضحل يوماً بعد آخر.
الامبراطور:
(يتحرك بعصبية) الجفاف. بابل الأمطار الغزيرة، بابل الأنهار التي لا يكبح فيضها،
بابل تعاني الجفاف، هل يخرف هذا الفلاح أم يقول الحقيقة؟
الفلاح: انها
الحقيقة، سيدي.
الامبراطور:
(غير مصدق)
الحقيقة؟ الحقيقة؟ لدى كومة من الوزراء والموظفين وأخيراً تأتيني الحقيقة على لسان
فلاح؟ الجفاف يزحف على الأرض والفلاحون يتسللون في الظلام والجميع يغطون في
مخادعهم! نحن ازاء حقيقة لا أدري كيف يجب أن نحتفي بقدومها (الى المستشار) هل كنت
تعلم بهذه المشكلة؟
المستشار:
كلا.
الامبراطور:والآخرون؟
المستشار:
لا أعرف (الى الفلاح) أيها الفلاح الطيب،
ليست المرة الأولى التي يتأخر فيها موعد الأمطار.
الفلاح: سيدي،
لن يشهد هذا الموسم أمطاراً.
المستشار:
كيف عرفت؟
الفلاح: الريح
الحارة وحدها تجوب سماء بابل منذ ثلاثة أشهر، وهذه اشارة سيئة.
الامبراطور:(ساخراً
وبمرارة) هؤلاء الفلاحون يتلقون اشارات خاصة من السماء، أين تتجهون بالضبط؟
الفلاح: نحو
الشرق؟
الامبراطور:
هل رحل
فلاحون قبلكم (الفلاح يتلعثم فيصرخ الامبراطور في وجهه) لماذا تلوك لسانك أيها
الغبي؟ كم عدد العوائل التي رحلت؟
الفلاح: أربع
قرى.
الامبراطور:
(يكبت غضباً هائلاً) تسللوا في الظلام؟
الفلاح: (يجيب
بحركة من رأسه) ...
الامبراطور:
منذ ثلاثة أشهر يهرب فلاحو بابل على أربع تاركين أرضهم (ينفجر صارخاً) كانوا يخفون
عني الحقيقة، وزرائي المدللون (آمراً) عودوا الى أرضكم حالاً.
الفلاح: سيدي،
اذا بقينا سوف تتيبس بذورنا وتهلك مواشينا.
الامبراطور:
سوف تلزمون أماكنكم (يصدر أمراً الى الحارس) وليمنع كل فلاح بابلي من الرحيل.
[الحارس
يقود الفلاح الى الخارج]
الامبراطور:
(يبحث في وجه المستشار عن معنى لصمته) ماذا؟
المستشار:
الأفضل أن نبحث الأمر بهدوء.
الامبراطور:
بهدوء؟ (ثم
بسخرية) نعم بهدوء، حين تأتي الكارثة ببطء وبخطوات راسخة، يجب أن نبحث الأمر
بهدوء، باسم ماذا يجري هذا؟
[يخرج
الامبراطور،، المستشار لوحده]
* * *
المشهد
الثاني:
[(في
جناح من القصر الامبراطوري، القاضي الثاني يحمل أوراقاً ويذرع المكان مطرقاً، يدخل
المستشار]
المستشار:
لماذا يفكر القاضي المحترم بهذه الطريقة؟
القاضي
الثاني: (يفاجأ) هل كنت أفكر بطريقة معينة؟
المستشار:
الاكتئاب، يجب أن لا يفكر القضاة باكتئاب، وإلاّ جاءت كل نتائج تفكيرهم كئيبة.
القاضي
الثاني: أنت على حق (بعد تردد) الكآبة أصبحت الوجه الرسمي للامبراطورية.
المستشار:
هون عليك، هل قابلت الامبراطور؟
القاضي
الثاني: ما زال معتكفاً في جناحه، لقد أصدر مرسومين بقرار شخصي.
المستشار:
انه عكر المزاج بعض الشيء...
القاضي
الثاني: كان مجلس العدل سيوافق عليهما، ولكنه لم يعرضهما عليه.
المستشار:
ربما بسبب السرعة.
القاضي
الثاني: (غير واثق من كلامه) ربما، ولكن هناك مخاوف شديدة بدأت تنتشر بين الناس،
أمس حضر الامبراطور المجلس برفقة ضباطه لأول مرة، وبالزي العسكري.
المستشار:
الملابس العسكرية لا تثير الفزع.
القاضي
الثاني: عزيزي المستشار، هل تحاولالتهوين أم تجهل معنى الأمور؟
المستشار:
أحاول التروي.
القاضي
الثاني: الامبراطور أمر باغلاق أسوار بابل.
المستشار:
أعرف. وأعرف أيضاً ان رئيس مجلس العدل احترم رغبة الامبراطور ... بضيق.
القاضي
الثاني: ان ضيق رئيس مجلس العدل سببه الذعر الذي ساد البابليين بعد صدور القرار،
وهو قرار غير حكيم برأيي، لأنه لن يحل المشكلة، بل وضع مجلس العدل في موقف حرد، ان
الشعب الذي وعدناه بحماية العدل والدفاع عن حقوقه الى النهاية أصبح يفكر في معنى
حقوقه، لماذا تغلق عليهم الأسوار اذا صح ان المياه عادت ترتفع في النهر كما تدّعي
الحكومة، هذا ما يتهامس به الناس.
المستشار:
اعترف انها محنة صعبة، ولكن أي رعونة قد
تؤدي الى كارثة، هذا الكون يحكمه توازن هائل، ولكنه رخو، بحيث أي ضحكة صاخبة قد
تسبب انهياره، أمس في الليل كنت أبحث في الفرات عن الفرات، خيط مائي رفيع يتلوى
بوداعة على ضوء القمر، أية لعبة يلعبها هذا النهر مع بابل؟ هل تستطيع أن تقول لي؟
استطيع معرفة مشاعر الناس وهم يفكرون لأول مرة في معنى حقوقهم، ولكنني أود،
وبجنون، لو أعرف كيف يفكر هذا النهر بنا، (فترة).
القاضي
الثاني: هل يبحث سيدي المستشار عمن نضع عليه اللوم؟
المستشار:
(يضحك، بعد فترة) لا يمكننا قطعاً أن نعرف أين نضع اللوم، لذلك سنظل نحمله في
عذابنا، اما اللوم الذي تعنيه، فان مهمة القضاة والحكام والساسة أن يعثروا له على
مكان مناسب.
القاضي
الثاني: من ناحيتنا، نحن بدون عمل عزيزي المستشار، منذ شهرين تمرّ الأحداث والقوانين
كالريح قرب آذاننا، فهل تحاول أن تجعل هذه العطالة واجباً وطنياً؟ نحن نبحث عن
طريقة نافعة للتعاون، هذا كل ما في الأمر.
المستشار:
انت تبحث عبثاً عزيزي القاضي، نحن في لحظة تؤرجحها ريح خبيثة في يوم غباره كثيف.
القاضي
الثاني: اذن؟!
المستشار: الحكمة، الحكمة يجب أن تكون على طرفي الحبل، الى أن يهدأ
العصف.
القاضي
الثاني: انه طلب منطقي، ولكن ... لا يخلو من الخطر.
المستشار:
الخطر الأكبر أن يشد الطرفان، عزيزي القاضي، الوفاق السابق مع الامبراطور بدأ
يتصدع، هذا ما يقلقكم على ما أعتقد، وأنا أشارككم هذا القلق، ولكن من الأفضل أن
يظل مجرد تصدّع ... وليس شيئاً آخر.
القاضي
الثاني: لمن نتوجه بالدعاء كي يبقيه كذلك؟ أنت تعرف ان المعوَل بيد الامبراطور.
المستشار:
اذن لا تضطروه لأن يبرهن لكم انه هو الامبراطور.
القاضي
الثاني: اننا نحاول أن نفسر له ان مهمة مجلس
العدل ستظل مساعدة جلالته في معالجة المشاكل وليس النظر اليها من زاوية معارضة كما
يوحي اليه البعض.
المستشار:
الامبراطورلم يعد يعمل بوحي من أحد، انه يعمل بوحي من خوفه، منذ ثلاثة أشهر حين
أمسك بالصدفة الناس يهربون من بابل على أربع، على حدّ قوله، وهو يعمل بوحي من
خوفه، انه يريد معالجة الأمور لوحده.
القاضي
الثاني: ولكن واجبنا التأكد من سلامة اسلوب المعالجة، وهذا شرف منحه لنا جلالته
بنفسه وبموافقة شعب بابل.
المستشار:
لا يمكن الدفاع عن شرف منحه مرسوم حكومي، أما شعب بابل فمهمتكم أن تمنعوا هلاكه.
القاضي
الثاني: كيف؟
المستشار:
أن تتناسوا هذا الشرف حتى تنتهي الأزمة (يواجهان بعضهما بصمت) أعرف السؤال الذي
يدور في رأسك هذه اللحظة (يتحرك بعيداً) أتعرف ماذا يفعل الامبراطور طوال النهار
حين يعتكف في جناحه؟ انه يراقب السماء بهياج، وعندما ينكفيء ينسى هياجه، ان حربه
الآن مع السماء وحدها، فلا تجعلوه ينقل هذه الحرب الى مكان آخر.
القاضي
الثاني: أنت تضع على عاتقنا مهمة شاقة، من الصعب الدفاع عن الامبراطورية وعن الشعب
في نفس الوقت، لقد شرع جلالته بالدفاع عن الامبراطورية. (يحيي بانحناءة خفيفة ثم
يخرج)
[المستشار لوحد يقف مطرقاً وجهه الى العمود. يدخل الامبراطور يتبعه
مرافقوه والضباط. الآن جميعهم عادوا الى ملابسهم العسكرية بمن فيهم الامبراطور.
الامبراطور متوتر دائماً يتحدث بضيق وينطق الكلمات بصيغة أوامر، ويضحك بصخب]
الامبراطور:
هل يتشاور السيد المستشار مع العمود؟!
المستشار:
اسعدت صباحاً سيدي.
الامبراطور:
ماذا يقول الصخر؟ اسأله أيها المستشار لعله يفرخ نبوءة، فالسماء تلزم الصمت وان
صمتها العنيد يضايقني.
المستشار:
لكثرة التطلع فيها يبدو صمتها عنيداً.
الامبراطور:
يخيل الي أحياناً أنها تغمزني بسخرية.
المستشار:
أنها تمتحن صبرنا.
الامبراطور:
شيء مسلّي للغاية، هذا اللغز المترامي (مشيراً الى السماء) يمسك بابل من خناقها
لمجرد اللهو؟
المستشار:
لا أعتقد الأمور ساءت الى هذا الحد.
الامبراطور:
حقاً؟ البابليون يتقافزون كالأرانب فوق الأسوار ليهربوا من المدينة.
المستشار:
سيدي الامبراطور يعرف، منع الشيء يزيد الرغبة فيه. حين أغلقت الأبواب فكرّ الجميع
بالهرب، لأن الحصار صوّر لهم اليأس، صوّر لهم وجود الخطر. كان الأفضل أن تبقى
الأبواب مشرعة.
الامبراطور:
أكثر من مئة مواطن كانوا يهربون يومياً من بابل. هل تريدني أن أحمي هربهم؟
المستشار:
لن يهربوا بعيداً. كلهم سيعودون حالما تعود مناسيب النهر الى طبيعتها. ألا يعتقد
جلالة الامبراطور ان حجزهم في بابل سيزيد الأزمة خطراً؟ المياه لن تكفي كل السكان،
لذلك من الأفضل أن يخرج قسم منهم للبحث عن المياه في مكان آخر.
الامبراطور:
الى أين؟
المستشار:
حيثما يوجد الماء.
الامبراطور:
حيث يوجد ماء يعني خارج بابل، يعني خارج الامبراطورية.
المستشار:
مياه المدينة لا تكفيهم سيدي الامبراطور،
ان المبالغة في الأسلوب تنطوي على مخاطر كبيرة، لقد شهدت بابل أزمات مماثلة.
الامبراطور:
(مقاطعاً) ليست كهذه.
المستشار:
اتفق معك، ليست كهذه، ولكنهم يعودون في كل
مرة. أن خروج بعضهم يخفف الضغط على حاجة المدينة الى الماء، وهذا جزء من الحل.
الامبراطور:
ولكن خروج بعضهم يحث البعض الآخر على الهرب، وهكذا، هذه الفلسفة تشجع الجميع على
الهرب من المدينة، هراء، معي تقرير من مدير الشرطة يذكر ان نسبة الرحيل تزداد يومياً.
ان هربهم لن يتوقف، لذلك أمرت باغلاق الأبواب، وستظل مغلقة (فترة) يجب أن تفكر
بحلول أخرى أيها المستشار بدلاً من الانسياق لتهويمات المذعورين، واجب الجميع ان
يشاركوا المدينة مصيرها، البابلي الحققي لن يتخلى عن بابل وقت محنتها، هؤلاء
الجبناء الذين تقافزون على الأسوار كالقنافذ سوف يتلقون السهام في ظهورهم.
المستشار:
هل أمر سيدي الامبراطور باطلاق السهام على
الفارين؟
الامبراطور:
(بحدّة) ماذا تقترح غير هذا؟ أوزع النياشين على المتفوقين منهم؟ انني مسؤول عن
الامبراطورية، ومهمتي حمايتها .. بأي ثمن.
المستشار:
أنا أعرف جسامة هذه المسؤولية، بابل ... الأرض المزهرة، الحدائق المعلقة في
الغيوم، القصور المتينة، القلاع التي لخصّت التاريخ على جدرانها، بابل تواجه
موسمها قاحلاً وتجف أنهارها وتتيبس أرضها فتغدو على مشارف الخطر، ولكن لماذا
نرتبك؟ أيحق لنا أن نهلع اذا ما اضطربت الأمور حولنا؟ وهل يحق لنا معاقبة الناس
لأن الكارثة تخطو نحونا؟ غداً، ربما نصحو من النوم فنجد المياه تصافح الضفاف، ربما
انتشرت الغيوم السوداء بغتة في سماء بابل. أو ربما صحونا محاطين بالكارثة، من
يدري؟ ولكن يجب أن لا نستقبل الكارثة بكارثة، سيدي الامبراطور، في الأزمات الكبيرة
يضع الناس خوفهم ويأسهم وأملهم على عاتق القادة.
الامبراطور:
أستطيع أن أقبل خوفهم، ولكنني لا أحتمل تخليهم.
المستشار:
تعني تخليهم عن الوطن؟ نعم هؤلاء الذين يفرون يتركون خلفهم وطناً، يتركونه بسهولة،
لأنهم لم تسنح لهم الفرصة من قبل ليعرفوا معنى الوطن. لقد ظلت بابل مجرد معالم
وقوانين يتكع الناس بينها بغربة، وكانت مهمتنا ان ندفن هذه الغربة، أن نمنح
الأشياء معانيها الحقيقية لكي يتعامل معها الناس بحب، كان هذا اساس تعاوننا سيدي
الامبراطور، وليس من الانصاف أن ينهار كل شيء بسبب أزمة عابرة.
الامبراطور:
أنا أعرف واجبي أيها المستشار.
المستشار:
بلا شك.
الامبراطور:
لذلك لا أريد أن تكون بابل أول من ينهار (يخرج يتبعه ضباطه).
[المستشار
لوحده. بعد فترة يمر حارس من قربه. يتردد الحارس لحظة ثم يسأل]
الحارس:
أين جناح الامبراطور من فضلك؟
المستشار:
الى اليمين (يذهب الحارس ثم يصيح به) أيها
الحارس.
[الحارس
الذي أوشك على الخروج يتجمد في مكانه]
المستشار:
(يقترب منه) هل سألت عن جناح الامبراطور؟
الحارس:
(ينتابه ارتباك خفيف) نعم.
المستشار:
(يتفحصه بحذر) أنت أحد أفراد الخرس
الامبراطوري على ما أعتقد؟
الحارس:
نعم.
المستشار:
وتجهل جناح الامبراطور في القصر؟
[الحارس
يثب على المستشار بالسيف فيتحاشاه المستشار بسرعة ويطرحه على الأرض ثم يجثم فوقه
شالاًّ كل حركة فيه]
المستشار:
هذا الوجه ليس غريباً عني (يزيح الخوذة عن
رأس الحارس فيعرف على وجه الشاب الذي أنقذه في الفصل الأول) ياه ... من أين جاءت
البطن الخاوية بكل هذه الضراوة؟ (ينزع السيف من يده ثم ينهض. يظل الشاب جالساً)
انهض.
الشاب:
(لا يتحرك من مكانه) ...
المستشار:
عمن تبحث بهذه الملابس المزيفة؟ الامبراطور؟ لا شك جئت تحمل اليه أنباء سارّة عن
المطر.
الشاب:
(بغيض) بل محزنة.
المستشار:
الامبراطور يعتقل كل من يأتيه بأخبار غير
سارّة بهذا الشأن، ألا تعرف هذا (بدون حقد) كدت تقتلني أيها الشاب، لا أصدق انك
تجيد الضرب بهذه الأداة الثقيلة، ولكنها صدفة، جاءت تهويشة رائعة، أنهض. لماذا
ينتاب ساقيك الكسل كلما أخفقت في عمل ما؟
الشاب:
انني مرتاح هكذا.
المستشار:
هل جئت تقتل الامبراطور؟ (الشاب لا يجيب) الوصول اليه صعب جداً لأن مرافقيه الضباط
عادوا يحيطون به حتى في غرفة نومه. كيف حصلت على هذه الملابس؟
الشاب
: سرقتها.
المستشار:
فكرة بارعة للاغتيالات. أنت تقدم للقتل أسلوباً جديداً، لماذا تريد قتله؟ أنت من
دون كل الأحزاب والساسة والتجار والاقطاعيين تتكفل قتل الامبراطور! لماذا؟
الشاب:
لا أريد أن أموت.
المستشار:
تموت؟ من قال انك ستموت؟
الشاب:
أنهم في سبيلهم الى تحويل بابل الى مسلخ.
أمس تلقى عشرون مواطناً السهام في ظهورهم وهووا من أعلى السور.
المستشار:
هل حاولت القفز؟
الشاب:
لقد تحولت الأسوار الى مقاصل، وفي الشوارع
يركض الموت بين أقدام الناس.
المستشار:
يا ...ه، أنت تبالغ كثيراً في ذعرك.
الشاب:
والشرطة تسوق الى السجون كل من يبدي
التذمر.
المستشار:
ستنتهي بتقرير معتم عن الأوضاع لا يشجع على
الاصغاء.
الشاب:
أتنكر ان المياه ستنضب تماماً بعد أسبوع
وان الناس سيفتك بهم العطش والأوبئة؟
المستشار:
(ساخراً) من أين استقيت هذه المعلومات
الخطيرة؟
الشاب:
(يصرخ) لماذا تصرون على هلاك الناس!
المستشار:
أخيراً وجدتَ مهمة تضطلع بها، الدفاع عن الناس، أتستطيع حقاً أن ترفع صوت مأساتهم؟
أنت؟ أنا أعرف تفكيرك أيها الشاب الطيب.
الشاب:
في كل الأحوال، لا أريد أن أموت بهذا
الشكل.
المستشار:
هل تحبذ شكلاًمعيناً للموت؟ كل الميتات
متشابهة في النهاية.
الشاب:
ولكن أنا من يختار ميتتي.
المستشار:
بخناجر حرس الامبراطور؟ يالك من بائس، هل سبق لأن رأيت حرس الامبراطور عن قرب؟
هؤلاء الشبان الوديعون الأنيقون في ملابسهم الزاهية، علّمهم الواجب أن يتحولوا الى
ضوارٍ في أي لحظة يُطلب منهم ذلك. لقد أصبحوا بفعل آلية بغيضة مجرد مخالب ماضية.
الشاب:
لن يرعبني كلامك هذا.
المستشار:
لا أقصد تخويفك، لأنني أعرف، الدفاع عن النفس يحول الانسان الى مخلب ماضٍ هو
الآخر، ولكن، ليس أنت ...
الشاب:
لماذا ليس أنا؟
المستشار:
لأنك لا تؤمن بأي شيء.
الشاب:
أستطيع أن أؤمن.
المستشار:
أنت تكذب.
الشاب:
لا يمكن لشفقتك ان تنكرني.
المستشار:
لستُ بصدد الشفقة.
الشاب:
أنت الآن تكذب ... أنت تخاف موتي، دعك من
مشاعر الأثم.
المستشار:
أتعتقده الضعف من جانبي.
الشاب:
كلا، بل توهم الايمان بفكرة طارئة، لا أريد
لحياتي أن تكون ثمناً لمشاعر خاطفة، نحن نتكيء على جدران خاوية.
المستشار:
أنت وحدك.
الشاب:
هذه كذبة ثانية.
المستشار:
ألا تعتقد ان سعادة الناس وأمنهم يستحقان
بعض العناء؟
الشاب:
وهل تعتقد ان هذا العناء كفيل باسعادهم؟
المستشار:
لم لا؟
الشاب:
أن يأكلوا، أن يناموا باطمئنان، أن يحتشدوا
في الشارع ليناقشوا القوانين؟ هذه السعادة المعرضة دوماً للانهيار بسبب غضبة
امبراطور أو غضبة نهر؟
المستشار:
رغم ذلك، استفادوا منها.
الشاب:
نعم، ولكنها لم تكن سوى سعادتك أنت وخيبتك
أنت، لأنك قدمتها والآن لا تستطيع انقاذها، بالنسبة لهم كانت مجرد تغيير في طريقة
العيش.
المستشار:
أنت انسان خامل، مستسلم ليأسك، ولا تثير
الأشياء دهشتك (بحدّة) لم تؤمن يوماً بعمل ما، لذلك سوف يكون انتحارك بدون جدوى.
الشاب:
لا تستطيع أن تفهم، حين يشعر الانسان بأن
الحياة أكذوبة يصبح عائماً فوق الأشياء وتحتها دون أن يتصل بها، لذلك فانه لا
يستطيع القيام بأي شيء.
المستشار:
كمن أوقعه في الفخ) ولكنه يرفع السيف باندفاع حين تتعرض حياته، تلك الأكذوبة، الى
الخطر؟!
الشاب:
هذا تهويش آخر، أن ينتزع حياتي شخص ما ليس
له حق فيها، انه يبحث عن معنى لموتنا.
المستشار:
ولكنه لا يخلو من الطعم؟ هه؟
الشاب:
طعم باهت هو الآخر.
المستشار:
اذن لماذا لا يصبح لباقي الأشياء طعمها
أيضاً؟ لقد تبادلنا الكذب بما فيه الكفاية.
الشاب:
في كل الأحوال، غداً ستتحول بابل الى مقبرة
مغلقة.
المستشار:
وهل تريد أن تسجل نصراً في اللحظة الأخيرة؟ سيخيب ظنك يا بني. أنت لا تستطيع قتل
الامبراطور، سوف يُطاح بك قبل أن تصل اليه، أنه محاط بثلاثة مرافقين عتاة في الضرب
والخبث، وأنت لا تحمل معك سوى اضطرابك (يقلب السيف) هذا السيف كاد يهوي من يدك قبل
أن ترفعه بوجهي، لماذا تخوض انتحاراً أكيداً؟
الشاب:
ألديك فكرة أخرى، اتفاق تلآمري مثلاً؟
[(فترة]
المستشار:
حسناً، لا تريد أن تموت، أليس كذلك؟ سوف يُسمح لك بالخروج، ستخرج من الباب الذي
تختاره، لن تفرق معه، واحد يفلت من بين خمسين الف بابلي.
الشاب:
يالها من رشوة. هل تحاول أن تجعل شفقتك
مهينة؟
المستشار:
لنكن وجهاً لوجه، للحظة واحدة، خيبة ازاء
خيبة.
الشاب:
ان خيبتك أشّد أملاً سيدي كبير مستشاري
الامبراطور، لن أراهن بضياعي، أنه أكثر هياجاً من أملك، لذلك لا يمكنك تسلقه نحو
راحة ضميرك ..
المستشار:
لا أريد الدفاع عن خطأي، لأنني لست بحاجة
الى ذلك.
الشاب:
بلى، ولكنك تبحث عن أكثر الالتفافات عمقاً،
لقد راهنت على العدل لإسعاد الناس، وربما ينجح رهانك حتى بمةت نصف سكان بابل، أما
أنا، فضياعي حقيقة مثل دمي.
المستشار:
هل تعتقد حقاً ان موت انسان واحد يمكن أن
يكون وجهاً مقبولاً لنجاح رهاني؟
الشاب:
انت تملك الأمل على كل حال، وهذا يعطيك
المبرر.
المستشار:
وبعد؟
الشاب:
ألا ترى اننا غير متعادلين، لذلك من
امستحيل أن نؤدي نفس اللعبة.
المستشار:
(بحرارة) اذن؟
الشاب:
سوف تكون كل أفعالي استمرار لذلك الضياع،
ضياع هائج الى النهاية، الميتة المجدية شأنك أنت.
المستشار:
(يمد له السيف) خذ، الامبراطور في آخر جناح
بهذا الرواق، الى الشمال.
الشاب:
(يأخذ السيف ثم بسخرية) هل تريد أن أنتقم
لك في طريقي؟
المستشار:
يهز رأسه وهو يبتسم باشفاق ومرارة) ..
الشاب:
لا يمكنك أن تتحايل على مشاعرك أمامي، أنت
تعتبره يستحق القتل، ولكن من وجهة نظر مختلفة، لقد كانت كل تصرفاته الأخيرة بمثابة
طعنة لآمالك، أو خيانة لها اذا أخذنا بنظر الاعتبار الصداقة التي كانت تربطكم طوال
هذه المدة. ولكن قل لي، أي انقاض تحاول ترميمها بجهودك العنيدة هذه؟ هل كنت تثق
حقاً بعدالته؟
المستشار:
أنت الآن بدورك لن تستطيع أن تفهم، ان لحظة
ما، خاطفة في صدقها وكثافتها، قد تحمل الانسان على وضع قناعته العميقة جانباً
والانسياق وراء هوى غريب. قبلت التعاون مع الامبراطور ليس بدافع الأمل، انما بدافع
نزوة خاصة، ثم وجدت نفسي أمام مهمة خطيرة، أن أمنع السيف من تولي تحقيق العدل الذي
أراده، أنا أعرف هذا الرجل، وأستطيع الخوض في أعماقه بسهولة. (يجلس وقد هبط عليه
الارهاق فجأة) كان عليّ أن اراقب، وبدقة مرهقة، نزواته ورغباته، شكوكه وخوفه
وفرحه، كذبه وصدقه، كانت مهمتي أن أحافظ على التوازن بين الخارج وبين هذه الأعماق
الدائمة التقلب، لقد تحولت الى ترمومتر في أقصى حالات الانتباه. أنا أعرف هذا
الرجل، سبق أن قلت هذا.
الشاب:
وهل كنت تعرف انه سيبقي أبواب المغلقة حتى
لو هلك الناس بداخلها؟
المستشار:
أعرف ..
الشاب:
وتعرف ان هذه الكارثة بحاجة الى من يمنعها.
المستشار:
(يجيب بحركة من رأسه) ...
الشاب:
اذن، لماذا تمنع ايمانك من فرصة مواتية؟
أنت تؤمن بالأمل، وتؤمن بالخير، تؤمن بسعادة الناس وتؤمن بالحياة.
المستشار:
هذه مسألة أخرى لن تفهمها بسهولة.
الشاب:
ليست مسائلك عي العصية على الفهم أيها
المستشار. انها حيرتك، ما دمت على وفاق مع الايمان.
المستشار:
لستُ جباناً، اذا تريد قول هذا.
الشاب:
لماذا تتردد اذن؟ (يقدم له السيف) حياة
واحدة مقال خمسين ألف حياة، كما قلت قبل قليل.
المستشار:
هل ترمي الى وضعي في الزاوية التي كنت أنت
فيها؟
الشاب:
أحاول معرفة الصيغة التي يُرسم بها الايمان
لا غير، والسحر الذي يمنحه القوة.
المستشار:
اذهب، انها مهمتك وحدك، لن أساعدك فيها ولن
أمنعك عنها.
الشاب:
ليس قبل أن تجيبني ... أنا أعرف لماذا انقذتني
مرتين، ان يأسي الراكز هو السبب، لقد احببتني تلك اللحظة ووجدت فيّ الشجاعة التي
تنقصك للرسو على قناعة نهائية.
المستشار:
هذا صحيح ... بعض الشيء.
الشاب:
أتعرف لماذا تخاف القناعة؟ لأنها مسؤولية
غير مشوبة، وحرية مترامية. (يقدم له السيف مرة أخرى) روح واحدة زقابل خمسين الف
روح، هذه خلطة أوراق لعبتك أيها المستشار، بالنسبة لي تنعدم قيمة الأرقام.
المستشار:
حسناً، بإمكاني قتله، ولكنني لا أستطيع.
الشاب:
لماذا؟ لا تقل لي انها مسألة أخرى عصيّة
على الفهم.
المستشار:
لا أحتمل فكرة موته، هذا كل ما في الأمر.
الشاب:
أنت تحاول أن تكون مع نفسك نمطين مختلفين.
المستشار:
ذلك لأنني لا أملك قناعة متخشبة مثلك، أو راكزه كما تسميها. لا أستطيع احتمال
العذاب الذي سيلحقه لحظة موته، هو أو أي انسان آخر.
الشاب:
عذاب واحد مقابل خمسين الف عذاب.
المستشار:
أعرف، وأعرف أيضاً انه ليس سوى مجموعة
شرور، وان حياته لا تساوي بأية حال حياة خمسين ألف مواطن، مع ذلك ففي اللحظة التي
أبدأ قتله سيتحول فيها أمامي الى محض عذاب لا يختلف عن أي عذاب آخر. هذه اللحظة
المرعبة التي يبدأ فيها النزاع ضد الموت، هي واحدة في عذابها الوحشي لدى كل البشر.
الشاب:
(محاصراً اياه وبإلحاح) رعشة واحدة مقابل
خمسين الف رعشة؟
المستشار:
(يصرخ) انها واحدة في هولها أيها الغبي، وربما يوازي هذا العذاب في ثقله على
الانسان عذابات ملايين البشر، لماذا تنعدم قيمة الأرقام بالنسبة لك؟! لماذا تضع
حياتك مقابل عدد لا نهاية له من الحيوات والقيم والقناعات والمباديء؟ لأن هناك
مبدأ واحد قريب الى الحقيقة بالنسبة للانسان، هو قيمة حياته، ومن ذروة يأسك أقبلتَ
تبحث عن ميتة شافية، لماذا تكترث فجأة للموت حين شممت قدومه؟ هل تحاول أن تخفي عني
شقاءك أيها البائس؟
الشاب:
انني أعيش وفق لا معنى مطبق، ويأتي تحركي
وفق نفس هذا اللا معنى، مع ذلك فانه امتياز حرية لم تلوَّث. سوف أقتل الامبراطور
لأنه استهدف قتلي، هكذا في لحظة خارج رغبتي تقرر أن أسير مع الامبراطور في خطين
متقاطعين، لذلك تحركت باتجاه الارتطام، هذا كل ما في الأمر، أما أنت، فأنت وايمانك
تسيران في خطين متوازيين، لن تلتقيا أبداً، ولن تفترقا، ولكن ستتهدمان كلٍ على
حدة. (يذهب نحو الشمال) هل قلت آخر جناح في الرواق؟
المستشار:
(دون رغبة في الكلام) ناحية اليمين ...
الشاب:
(يلقي نظرة هادئة في عمق الرواق) الآن يجب
أن نسير بضع خطوات أمام حريتنا. (يدخل الرواق)
[المستشار
يجلس مطرقاً، ثم يعصر رأسه بين يديه وكأنه يتوقع سقوط شيء لا يريد سماع صوت
انكساره، تُسمع جلبة قوية داخل الرواق ثم يعود الهدوء، فترة ثم يندفع الامبراطور
الى المسرح يضغط منديلاً فوق جرح خفيف في ذراعه، يندفع خلفه ضباطه الثلاثة يحكلون
سيوفهم بأيديهم وهي ملطخة بالدم]
الامبراطور:
(دون اضطراب) تعرضت الى محاولة اغتيال.
المستشار:
(ينهض ببطء واضح) حقاً؟
الامبراطور:
منذ لحظة فقط، واحد من الأوغاد اقتحم جناح المكتبة ووثب نحوي بسيف سرقه من أحد
الحراس (يهتاج فجأة) لقد أصبح المتآمرون يتسكعون في القصر دون أن ينتبه أحد
لوجودهم، (أحد الضباط يحاول تضميد الجرح. الامبراطور يسحب ذراعه بخشونة) انه مجرد
خدش.
المستشار:
كان مجرد خدش؟
الامبراطور:
نعم (ثم بلهجة أخرى) لماذا تسأل بهذه الطريقة؟
المستشار:
أردت التأكد من عدم خطورته، لا غير.
الامبراطور:
عشر سنوات لم يجرأ أحد على مجرد التفكير بالتآمر، أنظر الآن، القتلة والمتآمرون
يتجولون بكل سهولة داخل قصري، ويستطيعون بلوغ أقصى جناح فيه بأعصاب هادئة. الأوغاد
يفكرون بقتلي. العوام ترفع صوتها في الشوارع مطالبة بحق الفرار. رئيس مجلس العدل
يعارض المراسيم الامبراطورية التي أصدرها ويطالب علانية بإلغائها.
[فترة]
المستشار:
للأسف، اننا ننساق لغضب أعصابنا.
الامبراطور:
بأعصابنا أو بدون أعصابنا، يجب أن تتوقف هذه المهزلة.
المستشار:
لقد اصدرتم جلالتكم اكثر من عشرين قانوناً
بطريقة فردية ولم يعترض عليها مجلس العدل.
الامبراطور:
ماذا تريد؟ أن يقف ضباطي كالشحاذين أمام قصر العدل بانتظار توقيع رئيس المجلس على
القرارات الامبراطورية؟ بابل تشرف على الانهيار، ومهمتي انقاذها، لم أسمح لكبرياء
الآخرين بالتدخل في عملي.
المستشار:
الأفضل أن يتعاون الجميع في تحمل هذا
العبء.
الامبراطور:
بابل عبئي وحدي.
المستشار:
سيدي الامبراطور!
الامبراطور:
ماذا؟
[يواجهان
بعضهما. ثم يتراخى المستشار في محاولة لتهدئة الجو]
المستشار:
في كل الأحوال، ينبغي ايجاد حل لهذه
الأزمة.
[فترة]
الامبراطور:
انا عندي الحل. عين بورسيبا.
المستشار:
(مندهشاً) لا أظنك جاداً فيما تقول!
الامبراطور:
لقد درست جميع الخرائط الخاصة بالعين.
المستشار:
سيدي الامبراطور ...
الامبراطور:
(غير مكترث للرعب الذي انتاب المستشار) الى يمين الفتحة الرئيسية يوجد اخدود صغير
اذا رمم بعناية ستكون المياه صالحة كلياً.
المستشار:
ولكن ...
الامبراطور:
(مواصلاً) بقليل من الدقة يمكن فتح الجوف الرئيسي ومنع تسرب مياه الاخدود الى
العين. غداً نباشر العمل (ثم يوجه حديثه الى المستشار) أعرف ماذا تريد أن تقول،
مياه العين ملوثة، هذه خرافة قديمة.
المستشار:
انها مسمومة.
الامبراطور:
أيها المستشار، منذ قليل انتهيت من دراسة الخرائط بعناية، وتوصلت الى عدة طرق لمنع
تسرب المياه الغريبة الى العين. انها فرصتنا الوحيدة.
المستشار:
ستكون مخاطرة كبيرة. الكل يعلم، زجلالتك
أيضاً، ان مياه هذه العين مسمومة.
الامبراطور:
ولكن الكل لا يعلم ان السم مصدره ينبوع آخر وليس الجوف الرئيسي. قبل اربعمائة عام
قال الكهنة ان الآلهة أمرت الشيطان بأن يتبول على عين بورسيبا ليفتك السم بأهل
بابل، فصدق البابليون وطمروا العين، هل تريدني الآن ان أصدق ان الشيطان لا يزال
يقف فوق بورسيبا مباعداً ما بين ساقيه؟
المستشار:
لا علاقة لهذه الخرافة بحقيقة بورسيبا، حين طمر البابليون العين فلأنهم تأكدوا ان
مياهها مسمومة وظلوا لأربعة أجيال يمتنعون عن استعمالها رغم كل سنوات الجفاف
والعطش التي مروا بها. لقد حملت مياه هذه العين الوباء والموت لشعب بابل في
الماضي، فكيف تضمن انها لن تحمل نفس المتاع هذه المرة؟
الامبراطور:
انني أضمن النجاح 98%، ما رأيك؟
المستشار:
حين يتعلق الأمر بحياة آلاف الناس، لا يمكن الركون الى النسب مهما كانت مغرية.
الامبراطور:
(بحزم) قررت فتحها، وسأشرف بنفسي على العملية.
المستشار:
انها مخاطرة مرعبة.
الامبراطور:
ليست أكثر رعباً من الأيام القادمة التي يغلفها اليأس.
[فترة]
المستشار:
(في حيرة تامة) أشعر ان رأسي يكاد يهرب من مكانه، ألا نستطيع تأجيل هذه الخطوة
بضعة أيام، أسبوعاً واحداً؟
الامبراطور:
بل الأفضل أن نسرع.
[فترة]
المستشار:
ومن يتحمل المسؤولية؟
الامبراطور:
كلنا.
المستشار:
والشعب؟ ماذا نقول له؟
الامبراطور:
كل الحقيقة.
المستشار:
السماء والفرات لا رجاء منهما، لذلك سوف
نسقيكم من عين بورسيبا؟
الامبراطور:
(يوافق بحركة من رأسه) ...
المستشار: (فجأة تعود خفته المعهودة في
الحديث) في هذه الحالة، لنواجه الأمور بصراحة تامة، سيدي الامبراطور. أنت تقدم
لبابل مشروعاً يعتمد المخاطرة، اذا نجح سوف يهتف لك الشعب بفرح عظيم، ولكن الفشل
سيجعل الكارثة واسعة لا حدود لمرارتها. وبين الفشل والنجاح، خيط رفيع لا يمكن ليد
انسان وصوله قبل أن تمس الكارثة في طريقها.
الامبراطور:
أنت تسوق حججاً واهية (منهياً الموضوع) لا تسعَ لارهاق نفسك.
المستشار:
انني أقوم بعملي، أم .. هل تراني أصبحتُ
عاطلاً؟
الامبراطور:
(ينتفض) اسبوع آخر وتغدو بابل أرضاً مشققة وبيوت يصفر فيها الريح. سيضيع مجد
السنين الطويلة ويصبح مهجوراً وهملاً حتى الغربان تأبى التعرف عليه. حينئذٍ سنكون
كلنا عاطلين، وحيدين، نتقلب في النعاس ونتابع من أبراج هذا القصر بابل وهي تموت
وتدخل النسيان.
المستشار:
من هي بابل؟ الشعب ام الجدران؟ (صمت طويل)
القصور العالية التي تلوح وسط المدينة، والجنائن الزاهية والمعابد النظيفة،
والنُصب التي تزين الساحات. كل هذه الصروح الثمين، هل تؤكد سعادة انسان لا يملك
مصيره؟
أعرف
وقتاً، اعتقد فيه ملوك بابل ان مرضاة الآلهة لا تدرك إلاّ بالمزيد من الدم، وكانت
دماء الأضاحي تُراق بغزارة، وبالكرم البابلي المعهود. كل شيء كان يعتمد الدم لأن
شراهة الآلهة بلا حدود. كلها كانت تعتمد الدم. الآن لم تعد للآلهة سلطتها القديمة
على عقولنا، ومعابدنا توقفت عن ممارسة طقوسها الوحشية، وماتت أحلامنا في الغزو، كل
العمى القديم توقف، إلا شيء واحد لم يتوقف جنونه، الدم. هذا النزف البشري المديد
لماذا ظلّ يقترن بكل أعمالنا؟ لقد أصبحنا سيدي الامبراطور لا نمتّ الى الماضي ولا
الى العصر. هذا معنى الضياع الذي نحن فيه، انه أسوأ ضياع.
الامبراطور:
(يكشف ضجره) اعتقد انك ستواصل الكلام حتى ينقضي النهار.
المستشار:
انني استميحك العذر بالكلام. اردتني أن
أكون صريحاً معك الى أبعد الحدود، هذا الدور هو مهمتي الوحيدة. ان رحيل نصف السكان
لا يعني انهيار بابل ولا يلحق بها الضعف، كل مواطن يهاجر، يحمل معه حنيناً لا
يقاوم للأرض، مادامت هذه الأرض تؤكد حرصها على حياته قبل أي شيء آخر. أما فكرة
بورسيبا فهي مخاطرة كبيرة، اذا أخفقت سيتأكد للناس ان هذه الأرض لا تضمر لحياتهم
سوى العداء، عندئذ سيكون تخليهم عن بابل أبدياً. سيدي، أوقف هذه الخطوة من أجل
بابل ومن أجل مجدك ومن أجل الشعب.
[فترة]
الامبراطور:
(باصرار) لقد قررت ...
المستشار:
هذه هي الكلمة التي تخيفني عن حق (فترة) هل تعرض القرار على مجلس العدل؟
الامبراطور:
وسأحصل على موافقته.
المشهد
الثالث:
[في بيت رئيس مجلس
العدل وهو نفس القاضي الأول في الفصل الأول. الرئيس منشغل في ترتيب الأوراق على
رفوف مثبتة في الجدار. القاضي الثالث يدور حوله]
القاضي
الثالث: ألا تعتقد سيدي الرئيس ان
تقرير الخبراء يتضمن احتمالات صحيحة في بعض توقعاته؟
الرئيس
: المسألة تتعلق بحياة شعب عزيزي القاضي، ولا
يمكن تحمل المسؤولية بسهولة، خاصة وان الامبراطور هو الذي كتب التقرير ووقع عليه.
القاضي
الثالث: أخشى أن يسبب رفضك الموافقة عليه، وللمرة الثالثة، مشاكل عنيفة.
الرئيس
: لماذا
عنيفة؟
القاضي
الثالث: الامبراطور يشعر بأن المشكلة تتفاقم يوماً بعد يوم، وان يده غير طليقة في
معالجة الأمور، وقد يزيد هذا من كدره ... وأنت تعرف الباقي.
الرئيس
: ليس
بوسعي أن أعرف الباقي اذا أردت أن أعرف مسؤولية مجلس العدل، وأرجو أن يكون بقية
الأعضاء بنفس الحرص.
القاضي
الثالث: بالتأكيد.
الرئيس
: أنا أعرف ان مسؤوليتنا كبيرة،
والآن اصبحت خطيرة أيضاً. ولكنها أُلقيت على عاتقنا ويجب أن نتحملها الى الآخير.
القاضي
الثالث: هذا رأيي أيضاً، ولكن الامبراطور يشعر هو الآخر بأنه جدير بمسؤوليته ...
الرئيس
: (مكملاً)
وهي جسيمة ...؟
القاضي
الثالث: بالضبط.
الرئيس
: أين
تريد أن تصل؟
القاضي
الثالث: (محاصراً) ان بروز مشكلة خطيرة قد تضع هاتين المسؤوليتين وجهاً لوجه.
الرئيس
: كما
تعلم اننا لا ننشد تحدي الارادة الملكية. ان مهمتنا الدفاع عن مصلحة بابل.
القاضي
الثالث: ها قد وصلنا. سيدي الرئيس. الوضع المعقد الآن ان كل منّا ينظر الى هذه
المصلحة من زاوية مختلفة. أعني المجلس والامبراطور، وبما ان للامبراطور صلاحياته
الخاصة لذلك يصبح رفض المجلس للقرار مجرد محاولة لإثارة غضب الامبراطور.
الرئيس
: (جافاً) أعرف حماسك المستمر
لرغبات جلالة الامبراطور ومشاريعه، ولكنني أذكّرك أيها القاضي اننا الآن ازاء
مشروع تعرف خطورة نتائجه.
القاضي
الثالث: انني، وبالدرجة الأولى، ادافع عن بقاء المجلس.
الرئيس
: لقد
دافعت، طوال انتسابك اليه، عن مصالحك (صارماً) لندخل الآن في الموضوع الذي أتيت من
أجله.
القاضي
الثالث: ألا يحق لي الاعتماد على فهمك العميق لحقيقة الظروف التي يمر بها الجميع دون
استثناء؟
الرئيس
: الموضوع
من فضلك.
[فترة]
القاضي
الثالث: الامبراطور يصرّ على تنفيذ المشروع.
الرئيس
: واذن؟
القاضي
الثالث: ربما يفسر رفضك على سبيل العناد الشخصي.
الرئيس
: لا تنسَ، ان لأعضاء المجلس رأيهم
الصريح بهذا الموضوع.
القاضي
الثالث: أخشى أن يطلب الامبراطور، وهذا من حقه، التصويت على القرار، عندها سيحدث
انشقاق داخل المجلس لا يخدم أحداً ...
الرئيس
: (مقاطعاً)
بل سيخدم دوافع الانشقاق الذي رتبته انت.
القاضي
الثالث: (مواصلاً) ويخسر المجلس القضية ... وثقة الامبراطور.
[فترة]
الرئيس
: رغم كل شيء، ان القضائ أعضاء مجلس
العدل، الذين يعملون بوحي من ضميرهم (يشدد على الكلمة الأخيرة) يدركون ان مصير
الشعب يقع على عاتقهم.
القاضي
الثالث: لا شك في هذا، ولكن عاتقهم اصبحر مساحته ضيقة لا تسع كل هذا الحمل.
الرئيس
: ماذا تعني؟
القاضي
الثالث: فجر اليوم عُثر في الفرات على جثث ثلاثة قضاة غرقى.
الرئيس
: (باحتقار
تام) في الفرات؟
القاضي
الثالث: (يهز رأسه بأسى خبيث) ...
الرئيس
: الفرات،
الذي ليس فيه قطرة ماء؟
القاضي
الثالث: هكذا يقول تقرير الشرطة.
[فترة]
الرئيس
: اذن
فهو يريد موافقة المجلس بأي ثمن؟ منذ شهرين وجلالته يصدر المراسيم ويشرع القوانين
دون اهتمام للمجلس وصلاحياته. الآن يصر على موافقة المجلس، وعلى مشروع يعرف الناس
خطورته، لماذا؟ لأنه يريد أن يضعنا جميعاً في قارب مثقوب.
[يدخل
حارسان يقفان برماحهما على جانبي الباب]
الحارس:
جلالة الامبراطور، ملك بابل وسيدها العظيم
...
[يدخل
الامبراطور قبل أن ينهي الحارس كلامه يتبعه ضباطه الثلاثة]
الامبراطور:
كنتُ مارّاً بالصدفة من هنا، فتذكرت ان وقتي يسمح بزيارة السيد رئيس مجلس العدل في
بيته (يذهب نحو النافذة).
الرئيس
: هذا
شرف كبير.
الامبراطور:
اضافة الى الغبار الكثيف الذي غطى شوارع المدينة فجأة. (وهو ينظر خارج النافذة)
أكاد لا أتبين الجدار المقابل.
الرئيس
: أيرغب
سيدي ببعض اشراب يرطب به فمه من حرارة الطريق؟
الامبراطور:
لن نرفض ضيافتك.
الرئيس
: (يؤشر
بيده من الباب المقابل فيظهر خادم يأمره بصوت خفيض ثم يعود)
الامبراطور:
(الذي يترك النافذة) يبدو ان الطبيعة تقلب نظام العادات من أجل ان تزيد مزاحها
معنا. غبار قبل موعده وقيض خانق في آذار. كل الأشياء بدأت تهزأ بنا (فترة) آه ...
نسيت أن أقدم تعازي الملكية لموت ثلاثة قضاة من أعضاء مجلسكم الموقر، هل علمت
بالحادث المؤسف؟
الرئيس
: قبل
وصول جلالتكم بقليل. تبرع السيد القاضي بزف النبأ الينا مع التفاصيل.
الامبراطور:
(وهو يلتفت نحو القاضي الثالث) همم ...
القاضي
الثالث: (انحناءة للامبراطور) سمعت بالفاجعة قبل ساعتين فقط.
الامبراطور:
(يجلس على الكرسي الوحيد في الغرفة) الأخبار السيئة تنتشر بسرعة فائقة هذه الأيام،
حتى ان رجال الشرطة يشكون من عجزهم في قمع الاشاعات، ومراسلوا البلاط يتذمرون من
تأخر المعاملات (نظرة خاصة الى الرئيس) وبشكل خاص انصبّ تذمرهم على المعاملة
السيئة التي يلاقونها من مجلس العدل. ليس ذنبهم، فقد تعودوا السرعة في الحركة،
ويبدو ان المجلس لا يحترم عادنهم هذه، العادة مسألة خطيرة كما تعرفون.
[يدخل الخادم يحمل ابريقاً
وقدحاً في صينية صغيرة وينحني بهما الى جانب الامبراطور الذي لا يكاد ينتبه له
وينشغل بالحديث فيظل الخادم في وقفته]
القاضي
الثالث: (بدهاء) اذا أذن لي السيد رئيس المجلس (الى الامبراطور) ان ردود المجلس
على مراسلات البلاط، هي الأخرى تتمتع بالسرعة المرضية.
الامبراطور:
(ينقلب فجأة. بغضب) ردوده الايجابية أيها القاضي، انني لا لأتحدث عن رفضه الذي
يصلني بسرعة البرق (ينهض) الآن عزيزي رئيس مجلس العدل، لنبحث في مشروع القرار
المتعلق بعين بورسيبا. ان المجلس الذي يفترض فيه معرفة الحالة الخطيرة التي أصبحنا
فيها، رفض ولثلاثة أيام على التوالي الموافقة على القرار، وأنا اعتبر هذا مساهمة
من المجلس في تأخير حل المشكلة، خاصة وان حجج الرفض تعتمد معلومات قديمة عن مياه
العين، بينما تضمّن تقرير الخبراء حقائق عملية مدروسة لا يمكن التشكيك في صحتها.
ليقل لي السيد رئيس مجلس العدل ماذا يريد أكثر من هذا؟
الرئيس
: نحن
نحتاج يقين ثابت سيدي الامبراطور.
الامبراطور:
كيف أقدم هذا اليقين قبل بناء المشروع وفتح العين؟
الرئيس
: هذه هي المشكلة، اذا فتحت العين
سوف تنهمر مياهها في النهر قبل أن نعرف، وبكميات ستكون كافية لتسميم الصخور وجعل
مياه الفرات غير صالحة لعشر سنوات قادمة.
الامبراطور:
اذا كانت المياه مسمومة، ما هو اليقين انها مسمومة؟ تحدثت عن اليقين، أعطني يقينك
أنت؟
الرئيس
: المخاطرة
سيدي الامبراطور أكبر من أن تسمح بالتجربة.
الامبراطور:
أريد اليقين، لقد طلبت مني اليقين، الآن بدوري أطلب منك اليقين (فترة) هل رأيت،
اننا فقط نلعب ضد بعضنا.
الرئيس
: انني
لا ألعب، انها حياة شعب.
الامبراطور:
الحرص على حياة الشعب، هذه هي اللعبة التي أعنيها، التي نلعبها كأولاد لا يفهمون
خبثهم، ان واجبي يفرض عليّ هذا النوع من العمل، يجب أن تفهم هذا.
الرئيس
: أنا أفهم شيئاً واحداً، ان سيدي
الامبراطور، وبالعدل الذي منجه لبابل، هو الذي أعطاني الحق في الموافقة أو رفض
القرارات التي تتعلق بحياة المواطنين.
الامبراطور:
أنت تلجأ الى كا الأسلحة المربكة، لمجرد الهزء بارادتي.
الرئيس
: (مستنكراً)
عفواًسيدي!
الامبراطور:
الامبراطور هو القانون أيها السيد. هذه ارادة السماء منذ الأزل، ولن أقبل أن تكون
ارادتي عرضة للهزء باسم العدل أو بأي أسم آخر. بابل أقفرت من سكانها ويجب القيام
بعمل ما، لذلك أريد موافقة المجلس على القرار، وفي هذا اليوم بالذات.
الرئيس
: أخشى
ان هذا فوق طاقتي. (فترة متوترة)
الامبراطور:
في هذه الحالة، أطلب طرح القرار للتصويت عليه في المجلس.