باشـا بغـداد - القسم الأخير
52-
النهر [نهار مشرق] (شابات
يغسلن الملابس والأواني ويرددن أغنية فرحة) شابة
تغني: الغصن
اذا رآك مقبل سجدا والعين
اذا رأتك تخشى الرمدا يا
من بوصاله يذوب الكبدا من
عذب عاشق جزاؤه النار الأخريات: من
عذّب عاشق جزاؤه النار -
فتاة أخرى قادمة نحو النهر، تحمل سلة الغسيل، تشاهد جرذاً ميتاً، تنادي الفتيات. الفتاة:
يا بنات .. فتاة1:
ماذا؟ الفتاة:
تعالن وانظرن ... (يقبلن
نحوها ويشاهدن الجرذ ميتاً ومقلوباً على ظهره) فتاة2:
(مشمئزة) انه جرذ ميت .. فتاة3:
ماذا يعني هذا؟ فتاة1:
يعني جرذا ميتاً (يعبرن عن اشمئزازهن بحركة تكاد تكون متشابهة) 53-
دكان حدادة [داخلي وخارجي] - علي
يمسك قضيباً من طرف والحداد يطرق على الطرف الآخر. بين فترة وأخرى يدفن علي الطرف
المحمي في نار قريبة. -
زهرة تسير في الشارع، تمر أمام الدكان، تنظر، أثناء مرورها من طرف خفي الى علي. -
علي يلمح زهرة، يرتبك أولاً ثم يهرع الى باب الدكان وهو يحمل القضيب بيده، ينظر
الى زهرة وهي تبتعد. الحداد:
(يصرخ بغضب) لماذا تركت العمل؟ (يعود علي الى مكانه الأول بينما الحداد يستشيط
غضباً) إياك ان تفعل هذا مرة أخرى، وإلاّ هشمت رأسك. -
علي يعمل شارد الذهن، منفعلاً، يريد أن يقوم بحركة ما ولكنه متردد، فجأة يترك
القضيب ويخرج الى الشارع، يركض خلف زهرة، الحداد يقذف على بالشاكوش الا انه يخطئه. الحداد:
ابن العاهرة، اذا عدت الى هنا كسرت رجليك الاثنين. 54-
الخان [خارجي] -
تمر زهرة أمام الخان وتبتعد. في نفس اللحظة يخرج عزيز من الخان، وفي نفس الوقت يصل
علي مسرعاً في مشيه ويعبر، عزيز ينادي عليه: (علي ..) علي يلتفت ويشاهد عزيز ولكنه
يواصل طريقه ويسرع أكثر في سيره. عزيز لا يفهم شيئاً عن هذا الجري، فيذهب في
الاتجاه الآخر. 55-
شارع (زهرة
تمشي، من خلفها يظهر علي يتبعها عن بعد. تتوقف وتنتظره حتى يصل، ثم يمشيان جنباً
الى جنب بصمت. زهرة تلاحظ جرحاً على وجه علي، تلمس الجرح بيدها. زهرة:
هل تشاجرت؟ (علي يبعد وجهه بقسوة) أعرف انك لم تعد تحبني، أهرف ان حبك كان كذباً،
وكل كلامك كان كذباً. علي:
لم يكن كذباً. زهرة:
اذن لماذا تبتعد عني؟ ماذا فعلت معك؟ أنت حتى لم تسأل عن المصيبة التي حلّت بنا
بموت والدي. علي:
المصيبة؟ تقولين مصيبة؟ زهرة:
أعرف انكم نكبتم مثلنا، ولكن الواجب أن نواسي بعضنا البعض، أن نعطف على بعضنا
البعض، أنت حتى لم تكلف نفسك وتأتي لتعزيني كي أعرف ان ورائي رجلاً .. لن يجعلني
أشعر بأنني وحيدة. علي:
منذ اليوم الذي رأيتك فيه .. لم أعد أعرف اذا كنت رجلاً أم لا .. زهرة:
رأيتني فيه؟ ماذا تعني؟ علي:
(محتداً) أنت تعرفين ماذا أعني. زهرة:
(محتّدة هي الأخرى)لا، لا أعرف، قلها، ماذ تعني؟ علي:
(محاصراً، ثم يمسك ذراعها بعنف) بل تعرفين، الجندي التركي .. هل ..؟ زهرة:
(تسحب ذراعها بقوة) تكلم بلسانك. علي:
لقد رأيته، من النافذة، في الباب، ثم رأيتك .. هل تنكرين؟ زهرة:
(وقد فهمت) لقد أيتني؟ (تصمت لفترة) الآن فهمت لماذا تلاحقني من بعيد، وتتخفى على
سطح الدار لتراقبني كما لو كنت غريبة.. علي:
(بغضب) ولكنك لم تقاومي ..؟ زهرة:
يالسخفك. علي:
(في غاية الغضب) لم تقاوميه؟ هه؟ هل فعلتِ؟ لماذا لم تقاوميه..؟ زهرة:
(بسخرية ومرارة) كنت أنتظر فارسي يصل .. والسيف في يده.. (يسيران
بصمت) زهرة:
لو كنا تزوجنا، ما حصل هذا. علي:
تزوجنا؟ ومن يقدر على مكركن. زهرة:
(تواجهه) ما كان يجب أن تقول هذا هذا، كنت أعرف أم احدا لن يشفق عليّ، ولكن ما كان
يجب أن تقول هذا، أنت بالذات (تذهب). علي:
(يقف لوحده، وجهه يتلوى من مشاعر مضطربة ثم يصرخ) زهرة .. (ولكنها تواصل سيرها،
فيستدير ويمشي في الاتجاه المعاكس) 56-
بيت المفتي [داخلي] (في
الباحة تحت السقيفة) -
عزيز واقف يدرس أولاد رشيد الأربعة، وهم جالسون على كراسي صغيرة منخفضة. عزيز:
طيب، سأقول بعض الكلمات وأنتم تبحثون عن معاكسها، مستعدون؟ الاولاد: نعم. عزيز:
ما هو عكس استيقظ؟ ولد1:
نام عزيز:
شاطر، عكس نهض؟ ولد2:
جلس عزيز:
شبع؟ ولد3:
لم يأكل كثيراً عزيز:
أعرف، ولكن ما هي الكلمة عكس شبع؟ ولد3:
مصّر لم يأكب كثيراً - ابنة
المفتي "نبيلة" في الطابق الثاني تضحك بعد أن سمعت النقاش، عزيز يبتسم
اذ يراها وتبدو عليه السعادة. عزيز:
(الى الولد1) أتعرف أنت الكلمة؟ ولد1:
جائع عزيز:
جائع .. ولد3:
أنا قلت نفس الشئ -
ضحك بين الأولاد تشترك فيه نبيلة من مكانها، ثم يدخل رشيد، تختفي نبيلة بسرعة. رشيد:
انني لا أرى عصا بين يديك، فهل تعتقدهم سيتعلمون دروسك؟ عزيز:
انهمأذكياء وسيتعلمون بسرعة، العصا تخيف ولكنها لا تعلّم. رشيد:
لقد تغير العالم كثيراً. نحن تلقينا من الضرب أكثر مما تلقينا من الدروس، مع ذلك
تعلمنا (ثم مستدركاً) ولكن هل حقاً تعلمنا؟ (يدخل
الخدم) الخادم:
حان وقت الغداء بالنسبة للأولاد. رشيد:
(الى الأولاد) الى المطبخ (يخرجون مع الخادم) عزيز:
كنت أود التحدث معك عن المدرسة. رشيد: هل ظهر شيء جديد بشأنها؟ عزيز:
لم يظهر سيء، لذلك فكرت أن أتحدث الى القنصل البريطاني. رشيد:
لماذا القنصل البريطاني؟ لأن
له تأثير كبير على الباشا. أناأعرف لغته وأستطيع أن أشرح له أهمية المدرسة بالنسبة
للمدينة، ثم أطلب منه أن يتكلم مع الباشا، عسى أن يوافق في النهاية. رشيد: 57 - السوق [نهار ]
(الساحة الصغيرة في مدخل السوق)
- رشيد
يمشي متجهاً نحو السوق وهو يفكر في
الحديث السابق مع عزيز. تمر مجموعة من الأولاد تركض وتلهو خلف صبي يحمل جرذاً من
ذنبه. رشيد ينظر مفكراً الى الجرذ الميت.
58- حانة - داخلي ثم خارجي [ ليلاً ]
(غرفة
صغيرة ضوءها خافت وسقفها واطيء. على طول الجدار تمتد دكة يجلس عليها الزبائن،
وأمامهم طاولات صغيرة فوقها زجاجات الخمر وأقداح ومقبلات، توجد أيضاً كراس واطئة
بدون مساند يجلس عليها آخرون يقابلون من على الدكة. الجميع يشربون ويتحدثون بصوت
خفيض)
- عزيز
يجلس لوحده، يدخل علي، يشير له عزيز بيده، فيأتي ويجلس الى جانبه.
عزيز : لم أتوقع أن أراك هنا، هل تريد أن
تشرب؟
علي : (يوافق برأسه)
عزيز : اليوم سمعت رشيد يسأل عنك، ربما
وجد لك عملاً (علي يشرب ما في قدحه دفعة واحدة) كل شيئاً، لأن المعدة الخاوية لا
تتحمل هذا السم اللذيذ (يبتسم) لا أظنك خبيراً في الشراب، اشرب ببطء. كل الحانات
في العالم متشابهة. قبور منسية، بعد الكأس الأول يتآلف الانسان مع عفونتها.
انني أفكر في السفر من جديد، هذه المرة
لا أعرف الى أين، مهنة التعليم هذه لا فائدة من ورائها هنا. هل تعرف حكاية الرقاع
الذي حمل سندانه الثقيل وسافر يبحث عن الرزق في مدينة اخرى؟ .. حسناً، لقد وصل
المدينة بعد أن تدبّغ كتفاه من حزام العدة وثقل السندان، ثم وجد سكان المدينة
حفاة، أنا أخو ذاك الدباغ في سوء الحظ.
لماذا أنت حزين بهذا القدر يا علي؟ يخيل
لي انك تغيرت كثيراً، كنتُ أتذكرك صبياً مرحاً، لطيفاً. أتراه موت والدك هو السبب؟
انني أفهمك، ولكن هذه هي الحياة، من يستطيع الافلات من مصائبها؟ (يحك ظهره) هذا
الخان سوف يسبب لي الجرب.
علي : لماذا تنام فيه؟
عزيز : كل الخانات متشابهة في بغداد.
علي : أعني لماذا تترك بيتك لهذا التركي؟
عزيز : (وقد فهم) حسناً، أنا أفضل المكان
حيث أكون حراً فيه.
علي : تركي سيء، كيف تتحمل أن يكون زوجاً
لأمك؟
عزيز : اعتقد انهما اختارا بعضهما، وكان
الأفضل لها أن تتزوج، لأنني شخص عاطل ولا أستطيع مساعدتها.
علي : تركي قذر (يسيطر عليه الحقد
والغضب) كيف تقبل ..؟
عزيز : علي، يجب أن لا ننظر الى مشاكل
الحياة بهذا التعصب، والأفضل ان ننظر برحمة الى حاجات الآخرين ورغباتهم، ألا تعتقد
ذلك؟
علي : لو كنت مكانك لقتلته، وقتلتها ..
أفسدتك اوروبا، أليس كذلك؟ هذا البنطلون ينقصه شيء آخر .. (يبتسم بسخرية، ثم يضحك
ضحكة غريبة متشنجة)
- عيون
الموجودين تتحول نحو علي تراقبه بانزعاج، علي ينهض ويخرج الى الشارع بسرعة، يسير
لحظة ثم يقبض على معدته، يركع قرب جدار ويتقيأ متعذباً، صوت من الظلام يسأل : من
هناك؟
- علي
ينظر فيرى الشارع مضبباً، ثم تنكشف له الصورة، ويشاهد عن بعد وعلى ضوء ضعيف جنديا
تركياً يفتح أزرار بنطلونه، علي يمسح فمه بكم قميصه ثم ينهض، يسير بتوازن قلق نحو
الجندي.
- الجندي
يتبول على الجدار. علي يسحب سكيناً ثم يهجم على الجندي فتطيش الضربة، الجندي يدافع
عن نفسه وعلي يعارك بضراوة ولكن بارتباك سببه السكر والانفجار المباغت للحقد. يوجد
جنديان آخران لم يراهما علي، يهجمان في نفس اللحظة ويضربان علي على رأسه وظهره
بمؤخرات البنادق فيسقط على الأرض، يحملانه
ويذهبان به.
59- سجن | داخلي |
- علي
ممدد على وجهه على الأرض، مغمى عليه، يظهر رأسه وكتفاه فقط وهما يهتزان، تتحرك
شفتاه قليلاً ثم يتلوى فمه من ألم كبير. يفيق ببطء ويفتح عينيه، يشعر بشيء غريب،
يرفع رأسه بعنف ملتفتاً جهد الامكان الى الخلف، يوجد جندي تركي يمتطي ظهر علي وهو
يغتصبه بحيوانية داخل زنزانة ضيقة، علي يطلق صرخة مجنونة ويبرق الرعب والذهول في
عينيه، يوجد أيضاً جنديان آخران كانا يقفان جانباً داخل الزنزانة وهما يتغامزان
ويضحكان.
60-
السوق | نهار |
(غرفة
صغيرة في الطابق الثاني نافذتها تطل على السوق)
- مريض
يحتضر، وامرأة قرب الفراش تمسح أوراماً رقبة المريض تفرز قيحاً. يوجد رجل واقف
ينظر الى المريض والى المرأة. ثم يسأل.
الرجل : ولكن ما هذه الأورام؟
المرأة : المرض الملعون.
(في السوق)
- منصور
الحلاق يقلع بكلاّب ضرس رجل يجلس على نفس كرسي الحلاقة الصغير ثم يقول،
منصور : عليك أن تتجنب السوائل الحارة
لمدة اسبوع.
(داخل الغرفة)
- المريض
يتنفس بمشقة كبيرة، ويتلوى من آلام لا يقوى جسمه على احتمالها.
(في السـوق)
- تتقدم
صبيتان في حوالي العاشرة، احداهما تحمل ديكاً تقدمه الى منصور،
الصبية : امي ترجوك،
منصور : ماذا؟
الصبية : أن تذبحه
منصور : فهمت
..
(داخل الغرفة)
- المريض
تضعف حركته ثم يموت وعلى وجهه آثار عذاب كبير، فتقول المرأة،
المرأة : (بحزن) انتهى المسكين.
- الرجل
يترك الغرفة، ويهبط بسرعة سلماً ضيقاً يؤدي الى الخارج.
(في السـوق)
- منصور
يرمي الديك على الأرض بعد أن ذبحه. الديك يرفس دامياً.
- الرجل
يبلغ الباب. يقف وسطه ويصرخ : الطاعون .. الطاعون
..
- جميع
من في السوق يتوقفون ويلتفتون الى صرخة الرجل.
رجل1 : الطاعون؟
رجل2 : الطاعون في بغداد ..
رجل3 : اذاً فهو الطاعون، الآن فهمت
لماذا يخفي جارنا ابنته المريضة ..
- يركض
الجميع وهم يصرخون "الطاعون .. الطاعون في بغداد"
منصور : لقد حذرتهم، حذرتهم من موت
الجرذان المفاجيء.
61- قصـر الباشـا |داخلي|
(مجلس الباشا)
- الباشا
يمشي بصعوبة أمام مجلسه. موظفون وضباط من حوله.
الباشا : السلطان يطلب أموالاً لدعم حربه
ضد روسيا، والعشائر متمردة، والنهر يهدد بالفيضان، والآن يأتي الطاعون ليزيد من
متاعبي، الطاعون، من أين جاء الطاعون؟ أغلقوا كل الأبواب .. (ثم يائساً وقد أدرك
عدم جدوى هذا الأمر) حسناً، كم عدد الاصابات؟
الكاتب : خمسمئة.
الباشا : أين الطبيب؟
الطبيب : سيدي
..
الباشا : افعل اللازم لتحصين هذا القصر
من الطاعون. راقبوا الخدم والموظفين. ولن يدخل زوار منذ اليوم. كم طبيباً لدينا؟
الطبيب : أثنان آخران .. وأنا.
الباشا : ثلاثة، في كل بغداد ثلاثة أطباء
فقط؟ اللعنة، ماذا كان يفعل الباشوات السابقون؟ (الى الطبيب) أنت ستبقى في القصر،
بل هنا الى جانبي.
الطبيب : سيدي، يجب أن تصدروا الأوامر
باحراق الجثث المصابة لمنع انتشار العدوى.
الباشا : (الى الكاتب) احرقوا جثث
المصابين الموتى، والأحياء من المصابين أيضاً.
الطبيب : لا يا سيدي، الأمر الثاني سيجعل
الناس يخفون مرضاهم، وتتفاقم الحالة.
الباشا : (يصرخ بالموظفين الآخرين)
تحركوا، اذهبوا الى دوائركم وافعلوا شيئاً.
62- المستشفى [خارجي]
(بيت
صغير من طابق واحد، مهمل، تحيط به ساحة متربة. حشود كبيرة من المرضى ممددين أو
جالسين يئنون، بينهم بعض الجثث، خارج الساحة حشد آخر ينتظر )
- طبيب،
يرتدي ملابس أوروبية، يتحدث الى رجل بملابس محلية هو مساعده.
الطبيب : لا نستطيع فعل أي شيء، في
المدينة يوجد أكثر من خمسة آلاف مصاب، وهنا حولنا ثلاثمائة. نحن لا نملك حتى اليود
لتعقيم الأورام المقيحة، نحن عزّل نواجه كارثة. هل بعثت بمن يستدعي الدكتور سامي؟
المساعد : لن يستطيع المجيء اليوم، المرضى
يحاصرونه في بيته، وهو يبذل المستحيل، تساعده زوجته وأولاده. (تطلق صرخة من
الداخل، يذهب المساعد ليرى )
الطبيب : بغداد، مدينة الجبر والفلسفة
والطب والمارستانات، تواجه الطاعون منذ شهر بهذا الكوخ الوحيد، الذي يسمونه ..
مستشفى؟
63- بيت المفتي | خارجي ثم داخلي |
- عدد
من الرجال يتدفقون على البيت.
(صالون الاستقبال)
- عدد
من أهالي بغداد بينهم التاجر جلال والحلاق منصور ورشيد والمفتي.
رجل1 : استنبول لم ترسل الغذاء الذي وعدت
به منذ شهرين.
رجل2 : والباشا يرفض انفاق فلس واحد
لإنقاذ المدينة.
رجل3 : الناس يموتون من الطاعون .. ومن
الجوع.
رجل4 : والجنود ينهبون بيوت الموتى.
منصور : الباشا استغل الكارثة، فزاد
ضريبة الدفن ثلاثة أضعاف.
رجل1 : المياه ترتفع، واذا فاض النهر
ستكون الكارثة عامة.
رجل2 : يجب أن نقوم بعمل ما.
رجل3 : علينا انقاذ بغداد بأي ثمن.
رجل4 : القبائل مستعدة لمساعدتنا، وهي
تنتظر اشارة منا.
المفتي : (بعد لحظة صمت) ولكن، قولوا لي،
ماذا نستطيع أن نفعل، وبغداد بهذه المحنة العصيبة؟
(يسود
الجميع الصمت وعدم القدرة على الاجابة المقنعة)
64- بيت
ام عزيز [داخلي ]
- ام
عزيز راقدة في السرير تحتضر، عزيز يجلس على طرف السرير يرعاها بصمته وحزنه.
الأم : هل رحل حقاً؟ (عزيز يهز رأسه
بالايجاب) ربما سيعود، أظنه سيعود (عزيز يقول نعم برأسه) هل شاهدته يحمل ملابسه
ويرحل؟ متى؟
عزيز : منذ يومين.
الأم : اذن فقد ذهب، لا يهمني، انني
سعيدة بوجودك معي، لقد تعذبتََ في رعايتي.
عزيز : لا أبداً.
الأم : انت ولدي العزيز، دائماً حنون
معي، مثل والدك (بحسرة) آه، كم تمنيت أن ارى لك ولداً، أهدهده بين يدي وأراك في
وجهه الصغير.
عزيز : سوف ترين أولادي، وتربينهم بنفسك.
الأم : ماء (عزيز يسند ظهرها الى ذراعه ويقرب
القدح من فمها، تموت قبل أن تشرب، يعيدها الى الوسادة بحنان كبير )
65- السجن[داخلي ]
(زنزانة
طويلة، ضوء الشمس يتسلل من نافذتين في الأعلى، نحو خمسين سجيناً بثياب رثة، بعضهم
راقد يئن، وبعضهم جالس في حالة يأس تام، وبينهم جثث مهملة لوحدها )
- علي
جالس وظهره الى الجدار، ويوجد سجينان واقفان قرب الباب يحملان قصعتين ينتظران ان
يُرمى اليهما بشيء من الأكل.
- يفتح
الباب بصرير قوي. يظهر حارس ويعلن وهو في عجلة من أمره،
الحارس : اخرجوا، اخرجوا بسرعة، من
يستطيع تحريك أقدامه فليخرج بسرعة.
سجين : أين نخرج؟
الحارس : الى بيوتكم، أوامر بافراغ
السجون، غير المصابين يذهبون الى بيوتهم بسرعة.
- ينهض
غير المصابين، والمصابون أيضاً يحاولاون النهوض بصعوبة ليخرجوا، ولكن الحارس يدفع
المرضى الواضحين الى الداخل، يخرج علي وهو يحمل صرة صغيرة قذرة.
( السجن
من الخارج )
- السجناء
يخرجون من الباب الى الشارع. عددهم قليل، بينهم علي.
(السجن
من الداخل )
- الحارس
يرمي سائلاً فوق الجثث وعلى أرض الزنزانة وعلى مرضى يئنون، ثم يشعل النار ويغلق
الباب.
(السجن
من الخارج )
- علي
يسير في الطريق، ومن خلفه يتصاعد الدخان من سطح السجن. على جانبي الطريق يشاهد بعض
أبواب البيوت سمرت بخشبتين متقاطعتين وعلم على الباب بخط أسود عريض علامة الى ان
البيت مصادر للحكومة بعد أن مات جميع سكانه.
- علي
يصل بيته، يتوقف وينظر مباشرة الى بيت زهرة، ثم يلتفت الى بيته فيفاجأ به وقد سمر
بالعوارض الخشبية مع علامة الطاعون السوداء. يقف للحظة يفكر، وجهه جامد لا يسمح
لأي تأثير يحرك جموده، ينظر من جديد الى بيت زهرة، يذهب اليه ويقف لحظة، ثم يطرق
الباب بهدوء، يطرق مرة أخرى، يشعر بأن
الباب غير مغلق، يدفعه ويدخل بحذر ووجل، يمشي في رواق قصير ثم ينظر داخل غرفة،
يشاهد ام زهرة (ترتدي السواد) تجلس على الأرض يسحقها حزن كبير صامت، الى جانبها
سرير من خشب بسيط اسجيت عليه جثة زهرة مغطاة بشال أبيض.
- علي
يتقدم بهدوء، يجلس على الأرض من الطرف الآخر للسرير، ويغرق في الصمت ذاته.
66- النهر [نهار - صباحاً ]
- من الضفة المقابلة يتقدم ببطء
زورق يحمل القنصل البريطاني وموظف يقوم بالتجذيف. على هذه الضفة يقف جندي تركي
يراقب الزورق، ويحاول جاهداً ان يتعرف على ركابه، ولكن المسافة ما زالت بعيدة.
67- بيت أم عزيز [خارجي ]
- يخرج
عزيز من الباب، يقف للحظة، ينظر الى الشارع ثم الى السماء، تبدو على وجهه آثار
السهر والارهاق، يسير في الشارع على مهل.
- في
آخر الشارع، أمام البيوت، ثلاث نسوة يتكومن حول جثة مطعونة وهن يولولن، بينهن صبية
وصبي، وعلى مسافة يجلس رجل على الأرض يلثم وجهه بالحطة التي على رأسه علامة الحداد.
- يصل
عزيز، حين يشاهد المجموعة يتقدم من النسوة.
عزيز : أبعدن الأطفال عن الميت، هذا خطر
عليهم.
امرأة : الميت أبوهما.
عزيز : طيب، وهل تريدين لهما أن يصابا
بالطاعون أيضاً؟ ابعديهما وادفنوا الجثة.
امرأة : ندفن الجثة دون عزاء؟
عزيز : الوقت يا خالتي ليس وقت عزاء ومراسم،
اذا لم نتبع التعاليم الصحية سوف تبتلع الكارثة كل البلد، هل فهمتِ؟
الرجل : (من مكانه) لن ندفن ميتاً دون
عزاء.
68- النهر [المشهد السابق ]
- الزورق
ما زال يتقد ببطء، ومن هذه الضفة يراقبه الجندي، ثم ما إن يتعرف على ركاب الزورق
حتى يهرع نحو القصر.
69- قصر
الباشا [داخلي ]
- الباشا
يجلس لوحده، ينتظر قلقاً وهو يراقب الباب. يفتح الباب ويدخل القنصل البريطاني
يقوده الكاتب. القنصل يحيي بانحناءة خفيفة، الباشا يقوم بحركة صغيرة (كأنه يهم
بالنهوض) تكريماً للضيف.
- القنصل
يجلس على كرسي وضع خصيصاً له. يدخل ثلاثة غلمان، الأول يحمل صينية فيها حلويات
والثاني صينية فيها القهوة والثالث يحمل ابريق ماء وطستاً صغيراً (كل الأواني من
الذهب).
- تبدأ
عملية الضيافة المعتادة بأن يقدم الغلام الأول منديلاً من الحرير الى القنصل، ثم
يرفع قطعة حلويات بمنقاش ويقدمها الى القنصل. القنصل يتناول القطعة بيده ويبدأ
يأكل بهدوء، ثم يتناول قطعة أخرى من منقاش الغلام.
- يتقدم
الغلام الثاني ويصب القهوة في فنجان ويقدمها للقنصل. القنصل يتناول قهوته.
- الباشا
يراقب من مكانه وهو ينتظر بفارغ
الصبر انتهاء مراسم التكريم.
- عندما
ينتهي القنصل من قهوته، يتقدم الغلام الثالث ويقدم الطست بيد وباليد الأخرى يصب
الماء فيغسل القنصل أطراف أصابعه، ثم يخرج الغلمان الثلاثة.
الباشا : انني مسرور برؤيتك عزيزي القنصل.
القنصل : يسعدني دائماً أن البي دعوة
سعادتك.
الباشا : أرجو أن لا تكون الحالة في
بغداد قد أزعجتكم.
القنصل : اننا نحاول جهد الامكان التحصن،
ولكننا قلقون على سلامة سعادتكم وسلامة بغداد من هذه المشكلة.
الباشا : لقد بذلنا كل التضحيات
المطلوبة، ولكننا نحارب عدو لا يعرف البشر أسلحته.
القنصل : انا واثق من اخلاص جهودكم، ولكن
المزيد من الاجرءات سوف يساعد على تطويق الوباء، ويقلل الضحايا.
الباشا : لقد دعوتك لأسمع أفكارك.
القنصل : اجلبوا الأطباء من الولايات
المجاورة، وأقيموا مستشفيات من الخيام لحجز المصابين، النظام كما لا يجهل سعادة
الباشا، هو الآخر ضروري عندما تنكب المدن بالأوبئة الخطيرة.
الباشا
: (غير مرتاح لمسرى الحديث) كنت أعرف ان نصائحكم ستكون ثمينة، ولكن ألا يمكن
القضاء على الطاعون بوقت أسرع .. وتكليف أقل؟
القنصل : دائماً خسائر الطاعون أكبر من
نفقات دحره.
الباشا : هذا يتوقف على نظرة كل انسان
الى معنى الخسائر.
القنصل : انني أشير الى خسائر البشر، وما
يتبع ذلك من دمار لثروة البلد.
الباشا : يا صديقي، لقد تعلم الانسان أن
يلجأ الى الصبر، عندما يعجز عن مقارعة الطبيعة، وهذه الأوبئة مثل الريح الشمالية،
تندفع بقوة هائلة، وتظل تدمر كل ما تصادفه، الى أن تنهك قوتها بنفسها فتهدأ لوحدها
وتصبح غير قادرة على الأذى.
70- المستشفى [خارجي]
- الطبيب
يغفو على كرسي قرب الباب. الساحة أمام المستشفى خلت الآن من الجثث، ويوجد عدد قليل
من المرضى يجلسون في ظلّ الجدار، وفي الداخل يظهر مرضى آخرون من النافذة.
- يصل
عزيز ويقف امام الطبيب الذي يفتح عينيه ببطء.
عزيز : هل أستطيع القيام بعمل نافع؟
الطبيب : مثل ماذا؟
عزيز : حسناً، كنت أحلم ان أكون معلماً
أدير مدرسة صغيرة أعلم فيها الأولاد، ولكن لم أجد هنا من يفهم أحلامي.
لطبيب : والآن؟
عزيز : الآن جئت متطوعاً أعرض خدماتي،
ربما استطيع مساعدتكم في المستشفى، بعض الأعمال التي لا تحتاج خبرة كبيرة.
الطبيب : سنجد لك ما تقوم به، رغم انك
جئت متأخراً، منذ اسبوع بدأ الطاعون يخفف ضرباته، واليوم أصبح يتراجع.
عزيز : اذن تعتقد ان الكارثة تبتعد؟
الطبيب : آمل أن لا يكون تراجعاً
مخادعاً، ولكنني أعتقد ان الخطر سيتلاشى خلال اسبوع أو اسبوعين، فقد اتنهب الطاعون
من الضحايا العدد الذي يغلق شهيته (ينهض) تعال، سوف تساعدنا في بعض الأمور.
71- المدينة بعد أربعة أشهر [فجراً ]
(منارة،
وصوت أذان، ثم صوت صبية يرددون الآيات القرآنية وراء شيخ الكتاتيب)
72- الكتاتيب [داخلي ]
(غرفة
صغيرة، عدد من الصبية يجلسون على الأرض دون كتاب ولا أوراق، يرددون ما يتلوه عليهم
شيخ يجلس على الأرض ويحمل عصا بيده )
الشيخ : والسماء والطارق
الأولاد : والسماء والطارق ..
الشيخ : وما أدراك ما الطارق
الأولاد : وما أدراك ما الطارق ..
الشيخ : النجم الثاقب
الأولاد : النجم الثاقب ..
الشيخ : ان كل نفس لما عليها حافظ
الأولاد : ام كل نفس لما عليها حافظ ..
الشيخ : فلينظر الانسان ممّ خلق
الأولاد : فلينظر الانسان ممّ خلق ..
الشيخ : خلق من ماء دافق
الأولاد : خلق من ماء دافق ...
- يدخل
شاب يحمل صندوقاً لجمع التبرعات
الشاب : سيدي الشيخ
الشيخ : ماذا تريد؟
الشاب : هل تتبرع بدرهمين من أجل العلم؟
الشيخ : أي علم تقصد؟
الشاب : المفتي أوصى الأهالي بالتبرع
لبناء مدرسة في بغداد.
الشيخ : (يقذف العصا نحو الشاب) اخرج
يلعنك الله، تجمعون اموال المسلمين لتشيدوا هياكل الكفر والافساد، اخرج .. (يضج
)
73- السوق
- شبان
يحملون صناديق التبرع، يطوفون على اصحاب الدكاكين ويوقفون المارة يطلبون منهم
التبرع، البعض يتبرع بقطع صغيرة من النقود والبعض الآخر يرفض باشارة غاضبة من يده.
74- بيت
المفتي [داخلي]
- ابنة
المفتي "نبيلة" تحمل صينية فيها شاي. تدخل صالون الاستقبال حيث يجلس
عزيز لوحده خلف طاولة، منهمك في تفريغ الصناديق وعد النقود وتسجيل الحصيلة، ثم يهب
واقفاً وفرحاً عندما يرى نبيلة.
نبيلة : جئتك بالشاي (يحاول أن يأخذ
الصينية من يدها) اجلس.
عزيز : لا تعرفين كم انا سعيد، سعيد
وأكاد انفجر من الحيوية التي تغلي بداخلي (ممازحاً) حيويتي تغلي في عدة اتجاهات.
نبيلة : اجلس لتشرب شايك.
عزيز : مشروع المدرسة يوشك أن يتحقق،
وأنت قريبة مني أراك متى أشاء (يمسك يدها فتسحبها ويعلو وجهها الخجل، ثم تصب الشاي
مرتبكة) لماذا تخجلين عندما أقرب من يدك؟
نبيلة : يجب ان لا تفعل هذا.
عزيز : (يضحك) ولكننا مخطوبان، شرعياً
نحن الآن زوج وزوجة.
نبيلة : ها أنت تخجلني من جديد بكلامك،
اشرب (تذهب نحو الباب لتخرج )
عزيز : بهذه السرعة؟
نبيلة : يجب أن أذهب (تقف في الباب) قل
لي، كيف يعيش المخطوبان في اوروبا؟
عزيز : يخرجون للنزهة، ويمشون في الأسواق
وهم متماسكون بالأيدي، تعالي، تعالي احدثك عن امور كثيرة شاهدتها هناك.
نبيلة : لا، يجب ان أخرج بسرعة (تخرج)
- يدخل
رشيد
رشيد : كيف تجري الأمور؟
عزيز : بشكل رائع، الناس يزداد حماسهم
للتبرع، والشبان يعملون ليل نهار.
رشيد : التاجر جلال وعد بتقديم كل الأثاث
الذي تحتاجه المدرسة.
عزيز : هذا عمل نبيل منه. في الحقيقة منذ
الصباح وأنا أتلقى الأنباء المفرحة، انتم عملتم الكثير من أجلي، انت ووالدك المفتي
جعلتموني أشعر بأن كل العالم يحيط بي، العالم الخيّر، كم انا مدين لك.
رشيد كان والدك من المخلصين للمفتي. ولست
مدانا بشيء. بعد الظهر سأقوم بجولة أخرى على التجار والميسورين، يجب ان نجعلها
مدرسة كبيرة، بصفوف عديدة، حتى يفهم الأتراك اننا نستطيع، لوحدنا، تبديد ظلامهم.
75- بيت
التاجر جلال [دخلي- ليل ]
- جلال
يجلس لوحده، لا يبدو مرتاحاً، تدخل وصيفة تحمل العشاء على طبق كبير، تضعه على
طاولة منخفضة أمامه.
جلال : هل عادت سيدتك؟
الوصيفة : لم تعد بعد، قالت انها ستتأخر
قليلاً عند زوجة الباشا. (تخرج)
جلال : يأكل قليلاً دون شهية، ثم يرمي
اللقمة بغضب وينهض ليخرج.
76- السوق [ليل ]
( الساحة )
- منصور
الحلاق يمر في الساحة، يشاهد علياً واقفاً في ركن بعيد، علي الآن يرتدي ملابس
البغداديين التقليدية (جاكته والصاية ويضع على رأسه الجراوية) على وجهه الآن شارب
رفيع - منصور ينادي عليه، ولكن علي يترك مكانه ويبتعد حالما يسمع النداء. منصور
يهز رأسه شفقة ثم يواصل طريقه.
- علي
يعود ليقف من جديد في نفس المكان، يراقب من بعيد المقهى التي يظهر من بابها نور
خافت. بعد فترة يخرج غلام في الثامنة عشرة. الغلام يقطع الساحة ثم يدخل احد
الشوارع، علي يتبعه ويقترب منه، يتكلم معه ولكن هذا يبتعد. علي يتبعه من جديد
ويمسكه من ذراعه ويسيران قليلاً، الغلام يخلص ذراعه ويمشي مبتعداً، علي يلحق به
ويوقفه ثم يصفعه بقوة، ويقوده بقسوة الى فضوة بين دارين تحولت الى مكان لرمي
الأزبال، الشاب يستسلم أخيراً. علي وقد تأكد من خلو الطريق من المارة يدير وجه
الغلام نحو الجدار ويلتصق به من الخلف، ويبدأ يدعك وجهه على رقبة الغلام بشهوة
مصحوبة بالقسوة، ثم يضاجعه، وينتهي بأن تتشنج اللذة على وجهه بوحشية)
77- السوق [نهار ]
( الساحة
وقد امتلأت بالمارة كالعادة. الشبان يطوفون بصناديقهم يجمعون التبرعات )
- يدخل
الجنود (مشاة وفرسان) يطاردون الشبان وينتزعون منهم الصناديق ويجرون عددا منهم
بقسوة ليضعوهم في قفص كبير للسجناء محمول على عربة يجرها حمار.
- يصل
عدد آخر من الجنود تتبعهم ثلاث عربات (أقفاص) يقتحمون السوق المسقوف ويطاردون
الشبان ويعتقلونهم. يعتقلون أيضاً عددا من اصحاب الدكاكين.
( امام
احد البيوت )
- رجل
في الباب يرمي قطعة نقود في صندوق يحمله شاب، فجأة ينقض عليهما الجنود ويضعون
الاثنين في قفص.
( دكان
التاجر جلال من الداخل )
- جلال
يجلس في العمق يبتسم لحديث منصور المنشغل في تشذيب لحيته. الجنود يقتحمون الدكان
ويقتادون جلال بقسوة. منصور يخرج وراءهم مندهشاً وفزعا. يشاهدهم يضعون جلال في قفص
ويلاحظ ايضاً الشبان المعتقلين مع صناديقهم فيفهم جلية الأمر. يعود الى الداخل
يحمل حقيبته ويخرج راكضاً، هدفه الوصول
الى مكان ما بأسرع ما يمكن.
78- الخان [داخلي ]
- عزيز
يدفع الحساب لصاحب الخان، وعلى الأرض حقيبة ملابسه.
صاحب الخان : اذن قررت ان تتركنا؟
عزيز : الزواج اصبح قريباً، وعائلة
المفتي أصرت على أن أسكن معهم منذ الآن.
- عزيز
يرفع حقيبته ليخرج فيدخل الجنود ويعتقلونه.
79- بيت
المفتي [خارجي ]
- يصل
منصور الحلاق الى بيت المفتي وهو يلهث فيجد البيت مطوقاً بالجنود، الباب مفتوح،
وعدد كبير من الناس يراقبون المشهد من الشارع ومن النوافذ وأسطح البيوت.
- يخرج
المفتي يقوده الجنود، ثم رشيد ثم نبيلة وأطفال رشيد وعدد من النساء، ويسير الجمع
في الشارع محاصرين بالجنود.
80- قصر
الباشا
(الرواق الطويل - الفراندا- في الطابق
الثاني، نفس المشهد رقم 24)
- الباشا
يستريح على اريكة وثيرة، خلفه صبيان من الزنوج يروحون له بمراوح من الريش، وامامه
رئيس الشرطة "طوباز".
طوباز : يجب ان لا نستثني احدا يا سعادة
الباشا.
الباشا : انها حالة، كيف تسميها؟
استثنائية أو ما شابه.
طوباز : انه واحد من رؤوس الفتنة.
الباشا : حسناً، الفتن ايضاً درجات،
ويمكن اعتباره رأساً غبياً غرر به وطلب العفو.
طوباز : لم يطلب العفو يا سعادة الباشا
الباشا : (متضايقاً من غباء وعناد رئيس
الشرطة) اسمع يا طوباز، طوباز يا عزيزي، اننا نحاول البحث عن افتراضات تبطل
افتراضات أخرى، لكي نجد في النهاية تسوية ما لمشكلة هذا التاجر الأحمق، الذي اشترى
المصيبة بأمواله، ألا ترى ان الحر اليوم لا يطاق، وان روحي تكاد تتبخر
مع هذا العرق الغزير؟ (يمسح رقبته بمنديل) حسناً يا طوباز؟
طوباز : سيدي الباشا. اذا لم نسحق جميع
المخلين بالنظام، نكون قد قصرنا في واجبنا تجاه أمن الامبراطورية وسلامتها، وتجاه
سلامتكم بالذات.
الباشا : (وقد يئس منه، ينهض) اعتقد ان
سلامتي الآن تتوقف على برميل من الماء البارد .. يسكبه الخدم على أكتافي.
- الباشا
يترك الفراندا ويدخل من أحد الأبواب. رئيس الشرطة يحيي ثم يتجه نحو السلم من الطرف
الآخر حيث ينتظره ضابط مساعد، يأمر الضابط ان يتبعه باشارة من رأسه، ثم يقول :
طوباز : الليلة سأجعل بغداد تسهر على الألعاب
النارية.
(داخل القصر)
- الباشا
يمر من احد القاعات. تقبل زوجته الخانم متعجلة وعابسة.
الخانم : هل امرت رئيس الشرطة باطلاق
سراح التاجر جلال؟
الباشا : هذا الرئيس بليد وله فلسفة
عميقة فيما يتعلق بسلامة الامبراطوريات والأشخاص.
الخانم : ماذا يعني هذا؟
الباشا : سأحاول معه بطريقة أخرى.
الخانم : (غاضبة) دائماً كنت اقول ان
طوباز هو الذي يحكم بغداد.
الباشا : لكن، ما دمتِ تحتفظين بفراء
، بماذا يفيدك لحمه؟ (يتركها في مكانها ويواص طريقه )
(قاعة
الانتظار )
- القنصل
البريطاني ينتظر، قلقاً ويوقع على السجادة ضربات رتيبة بمقدمة حذائه.
(مجلس الباشا)
- يدخل
الباشا ويجلس على كرسيه. يؤشر بيده الى الكاتب فيذهب هذا الى قاعة الانتظار وينحني
قليلاً مع اشارة ترحيب بيده، تعني ان بامكان القنصل الدخول على الباشا.
- يدخل
القنصل، وكالعادة يتبادلان الانحناءات الخفيفة، ثم يجلس على كرسي، فيدخل على الفور
الغلمان الثلاثة يحملون الحلويات والقهوة وابريق الماء.
القنصل : (ينهض ويقترب من الباشا) اسمحوا
لي يا سعادة الباشا ان اعفيكم اليوم من واجب الضيافة، فقد طلبت مقابلتكم لأمر
عاجل، فرضه واجب الصداقة بين بلدينا، وواجب الاخلاص لسعادتكم (الباشا يشير بيده
فيخرج الغلمان ويبقى الكاتب فقط) لقد سمعت عن اعتقال المفتي وعائلته، ووجدت من
الواجب تنبيه سعادتكم بأن هذا الاجراء، رغم الدواعي الامنية التي أجبرتكم على
اتخاذه، سوف يثير مشاكل كثيرة.
الباشا : المتاعب التي يسببها لنا هذا
الرجل، اكبر من المشاكل التي تنتج عن عقابه.
القنصل : انه رمز ديني لأهالي بغداد، هذه
نقطة يجب النظر اليها بحرص.
الباشا : انني أحكم بصفتي والياً، وهذه
الصفة تضعني في المنزلة الأولى من الناحية الدينية.
القنصل : لقد فكرت في هذا ايضاً، ولكن القضية
على جانب كبير من الحساسية، الا يعتقد سعادتكم؟
الباشا : لا يقلقنك امر هذا المفتي، نحن
نحكم بغداد منذ أربعة قرون، ونعرف كيف نتصرف مع سكانها حين ينزعون الى الشغب.
القنصل : لا أشك في هذا، عندما يكون
للمشاكل ذيولها الخطيرة، ولكن يا سعادة الباشا .. انها مدرسة صغيرة، سوف ينساها
الناس، وتتركز مشاعرهم على القضية الجديدة، وهي اهانة مفتيهم.
الباشا : اذا سمحنا لهم بجمع الأموال
لبناء مدرسة دون ارادتنا، غداً يجمعونها لتتنظيم ثورة على النظام، هذا الحذر من
صلب عملنا يا صديقي القنصل، ولا اعتقد ان حكومة صاحب الجلالة تجهل اسباب امتشاق
السيف بين فترة وأخرى .. لفرض القانون.
القنصل : في بعض الحالات، يقوم الاعتدال
بما يقوم به السيف، اما التطرف .. فانه يقود الى الضعف.
الباشا : (بخبث واضح) وهل تشعر لندن حقاً
بالقلقً من ضعف الامبراطورية العثمانية؟
القنصل : بريطانيا العظمى دائماً يهمها
ان يكون صديقها قوياً، لأن الصديق الضعيف يكلفها، ومن جانبي شخصياً، انظر بتقدير
الى التاريخ المجيد الذي صنعته استنبول في المراحل الماضية، لذلك فانني حين انبه
سعادتكم الى بعض الأخطار، افعل هذا من اجل دوام هذه المملكة العظيمة التي صنعتموها.
الباشا : ليست هناك مملكة أزلية، الا
مملكة الله، اما ما تصنعه يد الانسان فانه مؤقت، ينمو ويكبر ثم يتوقف ويتلاشى. نحن
صديقان طيبان، فلنتحدث كصديقين. لقد جيء بي الى هنا لأحكم بلدا تسوده الفوضى لأن
سكانه مشاغبون وكذابون لا يمكن الوثوق بهم، فماذا تستطيع هذه الولاية
النائية، المهزوزة والمحاطة دائماً بالأخطار أن تفعل، اذا كان الضعف قد امسك بخناق
الامبراطورية من القلب؟ هل تعتقد ان معالجة الأطراف تصلح القلب المريض؟ ماذا
يمكنني ان أفعل لهذا الشعب المشاغب والجاهل سوى ان ألوّح له بالعصا بين فترة
واخرى؟
القنصل : انني أفهم همومك، ولكن، يوماً
ما كان لهذا الشعب أيضاً حضارته وثقافته وأنواره، وهنا تكمن الصعوبة في التعامل
معه.
الباشا : حين جئنا هنا، وجدنا هؤلاء
الناس يغفون فوق قبور اجدادهم، فكان أفضل ما نستطيع هو أن نتركهم يتمتعون بنومهم.
الشعوب تصنع انوارها بمعونة الله وارادته، ثم تنطفيء تلك الأنوار لتظهر في مكان
آخر. نحن الآن أيضاً بدأ نورنا يخبو، واعتقد ان هذا سوف يسعد اعداءنا .. واصدقاءنا
على السواء.
81- المدينة
(شارع)
- المفتي
وعائلته، ومعهم عزيز والتاجر جلال وعدد آخر من المعتقلين، مقيدون من أياديهم،
يقادون من قبل الجنود وفي مقدمتهم رئيس الشرطة طوباز. على الطريق ومن نوافذ الدور،
يراقب الناس الموكب بحزن كبير، وعدد من الناس يتركون منازلهم ويمشون خلف الموكب.
82- النهر [بعد الظهر ]
- جنود
يحرسون الشاطئ، وآخرون يعدون أربعة زوارق لعملية الحرق.
- من
بعيد يتقدم الموكب، وقد أصبح الآن خارج المدينة، في الطريق الى النهر، ومن الطرق
القريبة يأتي المزيد من الناس وينظمون الى الموكب بصمت حزين وغضب مكتوم.
( الشمس
تميل الى الغروب )
- الموكب
يتوقف على مسافة من الزوارق، ابنة المفتي "نبيلة" تنهار وتسقط حين ترى
الزوارق، عزيز يحاول ان يسندها لتقف ولكنه يفشل. يركض نحو رئيس الشرطة ويركع امام
حصانه.
عزيز : انا المسؤول، انا وحدي اتحمل
اللوم والعقاب، هؤلاء الناس أبرياء وطيبون، لقد غررت بهم ليجمعوا لي المال،
أحرقوني واعفوا عنهم، احرقوني أنا واعفوا عنهم، احرقوني أنا، أنا ..
- رئيس
الشرطة يقترب بحصانه من عزيز، ثم يركله بحذائه.
الجنود ينزلون الجميع في الزوارق،
ويربطونهم الى العوارض، بينما الشمس تختفي تماماً في الأفق ويرسم ضوء المساء ظلالً
قاتمة للضفة الأخرى من النهر.
- الجنود
يدفعون الزوارق، فتنساب ببطء مع تيار المياه، بينما رئيس الشرطة يتابع المشهد بفرح
واضح، مجموعة
أخرى من الجنود يطلقون البارود من بنادقهم على الزوارق، فيفرقع الكبريت والقار
وتشتعل الزوارق بمن فيها، بينما الناس يراقبون مشهد الموت بحزن وحقد، وبالتدريج
يعتم المساء وتهبط في الماء آخر الشعل الملتهبة.
- في
آخر الحشد يقف علي. عندما تنطفيء آخر النيران ويعم الهدوء والظلام صفحة الماء،
ينسحب ويتجه نحو المدينة، ليدخل ليلها الوحشي، الذي يزيد وحدته بين البشر.
- في
الظلام تخفق البومة بجناحيها وتطير مبتعدة في الظلام.
عارف علوان /
باشـا بغداد