|
لطباعة النصّ مع هوامش في الصفحات الخاصة بها، انقر على الصفحات التالية::
|
أغلب الإعلانات التي تدخل على النصّ ذات هدف إنساني خيري
الأضـواء
(رواية في قسمين)
تقديم سريع:
النشر على الإنترنت
ممتع، ومثير، النشر على الإنترنت. كما لو أنك تستقبل القراء في بيتك! قارئ واحد، أو اثنين، وأحياناً عشرة في اليوم، تحسّ بهم يدخلون على الغرفة الصغيرة التي تعمل فيها، من دون وساطة أحد.
ولا أظن كاتباً اختار من قبل الابتعاد عن دور النشر، إلاّ أنني أشعر بالارتياح اليوم بعد الانتهاء من تحميل روايتي الجديدة (الأضواء) في موقعي على الإنترنت، كما وعدت قرّاء هذه الأداة العصرية المدهشة.
لقد نبهني شاعر وناقد صديق إلى أن قراري بمثابة مغامرة، وهو حقّاً مغامرة، ومن أجل المستقبل الآتي، الذي يومئ إليه الجيل الحالي المهتم بالقراءة عبر الإنترنت، والأجيال القادمة التي سيكون الكومبيوتر وشاشته المضيئة، الحيّة في نقل الأفكار والأحداث والإبداع، جزءاً أساسياً من حياتهم التعليمية والثقافية.
إضافة إلى أن المغامرة أفضل آلاف المرّات من الوقوف على أبواب دور النشر العربية، التي تفتقد المعايير الأخلاقية في تعاملها مع الأدب.
أكثر من هذا، لم أفكّر يوماً بالشهرة، ولا المال، من خلال دور النشر العربية، إذ لم يسبق لكاتب عربي أو شاعر أن نال الشهرة من خلال هذه الدور، بل قامت الصحف والمجلاّت ثم الإذاعة والتلفزيون بذلك، كما لا أعرف كاتباً عربياً واحداً اشترى شقّة صغيرة من مردود كتبه، بينما يعرف الجميع أن أصحاب دور النشر العربية اشتروا شققاً وبيوتاً فخمة، وبعضهم امتلك البنايات، لكن ليس من بيع الكتب، إنّما من صفقات أخرى كان النشر الثقافي والأدبي واجهة لها! وهذا عكس ما يجري في بقية العالم.
والإنترنت أداة مذهلة للمعرفة والاطّلاع، فهو يستحضر لكَ ملايين الملفّات والصفحات في غضون ثانيتين أو ثلاث، كما ينقلك إلى الأحداث بالصور والحقائق المتعلّقة بها وأنت في بيتك، وقد ظهر الإنترنت من قلب التطوّر الكبير الذي وَسم هذا العصر، فوائمَ متطلباته في مجالات العلم والثقافة والاتصال، لكن الغريب أن أوّل من انتفع من هذه الأداة العصرية ووظفها للترويج لأفكاره في المنطقة العربية هم الجماعات الأصولية، والأحزاب الدينية، والشخصيات المتخصّصة باللاهوت والتراث القديم وليس الأدباء ولا الكتّاب ولا المثقفين العرب، الذين يدعون إلى التطوّر والعلمانية!
وخلال السنوات الخمس الأخيرة، أمكن للفئات الأصولية نشر أفكار الإرهاب والتعصب والحقد والتضليل في رؤوس ملايين الشبّان والشابات بين السادسة عشرة والعشرين، بينما تشكو المقالات العربية من التخلّف وسوء الحظ والمؤامرات دون أن يعرف كاتبوها أنهم عمليّاً جزء من الماضي، وأن كلامهم ينشر في صحف توزع القليل، وهي نفسها قاصرة عن تناول الحقائق المؤثرة في حياة الناس وطرق تفكيرهم الخاطئة!
وأخيراً، إذا حقَّ لي الكلام قليلاً عن روايتي الجديدة، التي عملت عليها لثلاث سنين، فهي تقع في أربع صفحات "ويب" أي ما يعادل 300 صفحة كتاب من الحجم المتوسط (21x 14 سم) ويمكن للقارئ طبع نصّها بسهولة إذا كان ممّن يحبّون المطالعة على الورق. وعندما سمعتُ، ثم تابعت أخبار مأساة أمواج "التسونامي" وهي تلحق الموت والدمار بمناطق واسعة من دول شرق آسيا الفقيرة، جلستُ أتأمل في هذا العنف الصغير للطبيعة الذي سبب ضرراً بالغاً للإنسان، وأتساءل، غير مصدق، كيف صادف، ولماذا كتبتُ وانتهيتُ ونشرتُ رواية (الأضواء) في هذا الوقت بالذات؟
عارف علوان
10 يناير 2005
" في بداية الزمن كان الروح العظيمة فكرة تملأ الفراغ
ثم خلق الكون في سبعة أيام
وخلق المياه والسمك، ثم الأرض والحيوانات، ثم خلق النافاهو"
صلاة قديمة لقبائل (النافاهو) من الهنود الحمر
القسم الأول
1
بيتر يكتشف الجدّ الأول لآدم.
من جديد، أغمض الصغير بيتر عينه اليسرى وركّز اليمنى على منظار المايكروسكوب، ليبحر، عِبرَ ذرات الضوء، في الأبعاد المجهرية للفضاء الهلامي الساطع، فتصعد إلى متناول نظره الجسيمات البكتيرية الدقيقة تتلوى وتتمّعج من مسافة غائرة في البعد.
"واو!..." صاح بدهشة سعيدة، ثم التفتَ إلى امّه، العاملة التقنيّة، المنشغلة بتسجيل الملاحظات التي تلتقطها من مايكروسكوب (*) آخر، ليقول، بينما يده الغضة، ذات الأعوام الخمسة، ما زالت تقبض على صمام تبئير العدسة خوفاً من تشوّش الوضوح الذي توصل إليه بعد جهد: "الآن أدركتها!"
انعكس الاهتمام في عيني الأمّ الصغيرة، بَلغتْ العشرين منذ شهرين، وقالت: "لا توجد نهاية لصِغر المادة، مثلما لا توجد حدود للفضاء، لهذا عليك أن تغوص وراءها بصبر".
من جديد أبحرَ النظر في المسافات الضوئية السحيقة ليراقب الكائنات الضئيلة، بلا رأس ولا أرجل ولا عيون، تنشط داخل محيطها الحمضي، منتظراً بسعادة لحظة ولادتها، ومن دون أن تتخلى العين عن ثباتها قال بيتر: "شكراً ماما! حقاً هذا أكثر شيء مثير في عيد ميلادي".
الآن يمكنها الاستمتاع بيومها، وبنظرة غامرة تفقّدت اليد الصغيرة، متشبّثة بمقبض الجهاز. تذكّرت وصف جدّتها لمشاعر الأمّ: "إلى سنّ الأربعين يبقى صدر المرأة ينبض بعذوبة الشفاه الرقيقة. ستعرفين هذا بنفسكِ!" قالت الجدّة لتبدّد مخاوف البنت الصغيرة من الحمل المبكّر.
"كنت أشعر بوخز لذيذ في ثديي كلما شاهدت رضيعاً في حضن امرأة أخرى!"
إلاّ أنها لم تعرف، لم تصعد إلى ثدييّها عذوبة الوخز. الجدّات يعرفنَ هذا الإحساس لأنهنّ أرضعن أطفالهنّ، أما هي فتدغدغها مشاعر لذيذة عندما تتذكّر مداعبات أصدقائها المراهقين، ممّن عرّتْ لهم صدرها كما تفعل نجمات السينما والغناء.
حين رفعتْ رأسها إلى الوراء تريح عنقها من الانحناء الطويل، شاهدت كتلاً من الرطوبة تنهض متثاقلة بين جذوع الأشجار العملاقة وعلى النجيل المشّمس، ففزع انتباهها إلى حقيبة اليد الصغيرة على يمينها فوق الطاولة وقلّبتْ، بخيالها، المحتويات من أقراص وأقلام تجميل ومفاتيح وقطع نقود، لمعتْ من بينها جميعاً علبة الهيستامين، فأعادت إليها الاطمئنان.
دون أن تترك الجهاز وأوراق البيانات، تناولت حبتين من المضادات، ولمزيد من الحيطة وضعتْ قطرة في كل عين من زجاجة تحتفظ بها في الجارور، وبهذا تحصّنتْ من نهار يحمل، عكس ما ذكرته نشرات الطقس، نذر حرارة شديدة، سوف تثير الزهور والأشجار، فيمتلئ الجو بغبار اللقاح الذي يهيّج أغشية الأنف والحنجرة والرئتين والعينين، ويدمّر البرنامج الذي خططت له منذ أيام لعيد ميلاد بيتر.
"هكذا أوغست من كل عام!" تلفظت روحه من كهفها المُغّتمّ.
"جفاف كئيب، والريح، في مزاج عكر، تتقلّب بين الحرّ والبرد ، وتصوّت في الآذان!" بغتةً، والحواس تتردى، ترشق القطراتُ، خفيفة ثم ثقيلة، الأهداب الميتة. إنه الثلج!
"أين تراه انـزوى، كلبي الذي لا يملّ من التسكّع، وهل سيحمله بعيداً، الفرارُ الذي عمّ الناس إثر زخّة ثلج عابرة؟"
تلمّست أقدامه الرصيف بحذر، وشعر أن الجدار يتقدم إليه من مسافة ثمانية خطوات أو بعض، وكانت دواخله، التي تنشط في مثل هذه الحالات، تجفلها الأنفاس الراكضة حين تخطف أمامه وتصفع حواسه المستنفّرة حتى أطراف ثيابة، ومع كل خطوة يرمي كلبه اللابرادور (1) ، المطأطأ الأنف دائماً، بلعنة ساخرة. لقد تعلّم أن لا ينقم عليه، إذا تباطأ في السير أو توقف لينعم النظر، لأن في الحياة أشياء لا تفهم الكلاب معناها. بَيدَ أن رغبتة في التسكّع تصبح مزعجة، إذا ما أفلَتَ من يده، أو من عقدة حزام الكتف الفسفوري الأصفر الذي يربط بينهما!
"بماذا تراه منشغلاً في هذه اللحظة، وهو يراني من دون شكّ، في وقفتي المزرية؟"
فكّر أنهما لو عبرا إلى الجانب الآخر، لأدركا مدخل السوق قبل أن تُنـزل غيوم أوغست المخادعة حمولتها مطراً مصحوباً بالثلج. هناك يجلس، مثلما اعتاد، نصف ساعة قبل وصول نايجل.
"قلتُ لهم إن العقدة الثانية أفلتت من سير الحزام داخل البيت، فماذا لو عملَتْها معنا في الطريق؟"
"هكذا أوغست!" قال أحد اللائذين بالجدار، يردّد ما يجري الآن على ألسن اللندنيين وفي أذهانهم، يُعلِمَه بالصوت، دون أن يأخذ بيده، أنه بلغ الظلال الجافة بأمان، وأن موقعاً ما قد اُفسح له، في الصفِّ المنتظم بين رشقات أوغست الغزيرة وجدار البناية.
"الفلاحون، وهم يميّزون أسرع من غيرهم العبق الصادر عن ارتطام الزخات الأولى بالتربة الجافة، عن ذاك المنبعث عن مرور النسمات خلل الأعشاب الندية، وحدهم يقدّرون نعمة المطر بعد أشهر من اليباس، حتى لو هبط بعناصر مزدوجة"
"بيتر!" نادى أخيراً بلهجة آمرة، متخيّلاً الحيوان كتلةً مظلمة، وسط الظلام، بين كتل بشرية أخرى، هزمها الثلج أو شلّها عن الحركة، يرفع رأسه الثقيل بإتجاه النداء، ثم يحرّك مفاصله الرخوة بعد تأمل.
"الأرض بحاجة إلى سقي" تمتمَ شخص على يمينه.
"لا شأن لي بهمومكم" قال في دخيلته المتوترة دون أن يتجاوب مع القول، لأنه لا يعرف إن كان هو المقصود بالحديث أم شخصاً آخر. بعد فترة شعرتْ ساقُه بكتف (بيتر) الرخص يحتك بها، معلناً حضوره.
"أنت ولد سيء الطباع، يا صديقي!" قال قبل أن ينحني ويتلمّس العنق البدين، بجلدته الرجراجة، إلى أن بلغت أصابعه الحزام، ثم عالج العقدة وركّبها في موضعها، بعدها إستقام وفكّر بتحمّل الزخّ الكثيف لعبور الشارع الذي يفصل بينهما وبين مجمّع الأسواق، هناك يصبحان في أمان. أكثر من هذا، يبتعد عن الرطوبة الدبقة التي بدأت، مصحوبة بدخان السيارات، تضايق مخارج أنفاسه.
أعطى الرسن هزّةً خفيفة، تحرّك على أثرها بيتر ببطئه الحذر، وتقدم الاثنان يتحسّسان طريقهما بين خسفات الرصيف التي ملأها الماء والثلج الناعم، ثم توقف بيتر أمام خطوط العبور البيضاء، تبعه سيده في التوقف، ومع هجمة كبيرة من الناس عبرا إلى الجهة الثانية، سارا بضع دقائق بين زحام وزعيق سيارات يتضاعف جنونها مع إشتداد المطر، أدرك حينها أن لا جدوى بعد من القلق، لأن الرطوبة التي هيّجت مسامات أنفه حالما خرج من البيت، أقعدته الآن عن الشمّ.
أحذر أمطار أوغست، لأنها تلملم نفسها يومين ثلاثة، ثم تنـزل حمولتها فوق الرؤوس. نصحت السيدة ماري آشبن وهي تقف في طريقه داخل المجاز، وبيتر، عند الباب، يلقي عليها نظرة طويلة، متشفِّعة. "اسمع كلمتي وخذ هذه المظلة فتتجنّبا الكثير من البَلل!"
استدار قليلاً فأحسَّ دفقة كبيرة من الدفء الخارج من السوق.
إن المظلة، وبالذات مظلة السيدة آشبن الواسعة الأطراف كما وَصَفتها، تربك خطواتهما وتعيق، فوق ذلك، سيرهم بين المارّة حين تشتبك، في غمرة الهياج، بمظلاتهم. ولن يقتنع زميله نايجل، في كل الأحوال، بضرورة السير تحتها "لأن منظرنا، وبيتر محشور بين سيقاننا، يثير تعليقات السفهاء" كما يوحي له مزاجه الذي يكتئب في الأيام الممطرة.
تخلّص بيتر من البلل الثقيل بنفضات عصبية من جذعه وعنقه وأذنيه تطايرت لها المياه وإنتشر الرذاذ مسافة مترين على الأرض وثياب المارّة في مدخل السوق. نفض سيده، بيد ليست مبالية كثيراً، مقدم جاكتته ومرّرها على شعر هامته، ثم سلكا بين جموع داخله وأخرى خارجة.
"هل تشعر بالجوع أيّها الولد الطيب؟" سأل، وهو يربت على رأس بيتر ويتفقد متانة عروة الحزام.
"أنا واثق أنك جعتَ قليلاً!" ردّ على السؤال نيابةً، وداعبه تحت أذنيه وأمَتَعه تمسيد الوبر النظيف، الناعم، على إمتداد الظَهر فقد أخذ بيتر أمس حمّامَه الشهري في الجمعية ورقّتْ ملامسته، ثم أخذ الحقيبة من كتفه العريض وأسندها إلى فخذيه. مرّر أصابعه على جلدها يتفقده بلمسة طويلة وجذب السحّاب مقدار فتحة صغيرة، دسّ كفه السمينة عبرها وبحث عن وجبتهما متمهلاً، بينما عيناه المغمضتان مرفوعتين إلى الأمام تشخصان في الظلام.
أخرج قطعتي بِسكت ودفعهما بيده، الواحدة بعد الأخرى، بين شفتي بيتر الشمعيتين، ثم عادت اليد بعد ربتة أخرى، تعبيراً عن الرضا، على الرأس المنهمك بطعامه، إلى الفتحة الضيّقة في الحقيبة تنتزع منها ساندويتش جبن راح يقضم منه ويمضغ بإلتذاد فوق كنبة الخشب المثبّتة بالأرض وسط باحة السوق.
وسأل أخاه (وليام) الذي يكبره بعامين كيف هو اللون الأخضر؟ قال (وِلي) إنه لون العشب. فعاد يسأل ما هو لون العشب؟ أحسّ أخاه يهرب في الصمت، يومها تعلّم أن المبصرين يعجزون عن تفسير ما يرونه على الوجه الصحيح.
عادت السيدة ماري آشبن إلى خيال ذاكرته لتقول هذه المرّة "سوف أقصد بيت الربّ صباح الغد، هل تود أن أرافقكَ إلى هناك؟" وكان في الأسبوع الأول من انتقاله للسكن في بيتها الفيكتوري.
"لا، شكراً لهذا العرض الكريم"
تركها في حيرة، تفكّر في سبب عدم رؤيتها العميان بين المصلين في جميع الكنائس التي دخلتها، بينما قال، لنفسه "لو كانت سوزان إلى جانبي، ربما ذهبتُ!" بَيدَ أن ظنون السيدة آشبن رَستْ على أن العميان لا يذهبون إلى الكنيسة لأن دواخلهم تنطوي على الغضب تجاه نصيبهم الغير عادل.
"امرأة لا تقتنع بسهولة، إذا لم تُعطَ جواباً مُرضياً، قصدت كنيسة أخرى في الجوار"
كان بيتر قد تمدّد على الأرض، لم يعد يرغب في التسكع على الواجهات، وحركة المتسوقين وأصواتهم تتجمع على شكل دوي منتظم، لا تَبين معالمه إلاّ حين يمرّون على مقربة منهما. فتسلّلتْ، عِبرَ الذكرى، رائحة البخور المتبقية من يوم الأحد، والصمت الغريب الذي يسود الفناء الكبير، عندما أخذه (وِلي) إلى الكنيسة، وهمس بأذنه يشجّعه أن القسّ غائب، ذهب يتناول الغداء في غرفته وراء المحراب، فخاف أن يطلب وصفاً للمحراب وعمله داخل الكنيسة، ظلّ متهيّباً من الصمت الثقيل، يتبع، في شيء من الممانعة، وعلى مسافة الذراعين الممدودتين، تقدم أخيه، ، إلى أن تناهت إلى أسماعه خطوات مكتومة في آخر الفناء، ويد (وِلي) تتملّص من يده المتمسكة بقوة، ثم تفلتْ ويهرب، وجاء صوت القسّ من بعيد "لا تخف!"
فكّر أن زميله نايجل يتهرب من إنجاز العمل الذي كُلّفا القيام به، لأنه، بدلاً من مضغ العبارات ذاتها أمام المحسنين، كما وصف الأمر، يفضّل التسكّع بين غرف ومكاتب الموظفين في الجمعية إلى أن يحلّ المساء ثم يذهب إلى بيته، هناك يُشغل أذنيه بإلتهام الكتب، بينما يجد، هو الذي تشقّقت أصابعه وتقرحّت أثناء تدرّبه على حياكة السلال وتغليف قناني الزينة، في الحملة التي يقومان بها لتحسين أوضاع العميان المدقعين في الهند، نشاطاً مفيداً، يجعل حياتهم هناك أقلّ عناءاً وبؤساً.
إن روح نايجل تجمجم لأية مهمة تتطلب أكثر من نهار، فتروح عصاه تضرب الأرض بحنق.
" عفواً! هل تسمح لنا بالجلوس على بقية الكنبة؟" سأل صوت بين الثلاثين والأربعين من العمر، رقيق، ناعم.
"تفضلي رجاءاً" قال.
"شكراً!" ردّت المرأة. تناهى إليه صوت صبية أيضاً، تخيّلها تجلس بعد أن نظرت إلى بيتر باحتراس، فبادر إلى تمسيد الظهر الناعم يؤكد لها هدوئه التام. ثم خَشخشتْ أكياس ورق وهسهسة نايلون على يساره، فعرف أنهم يتناولون وجبة الطريق.
يعلّمون الأطفال في المدارس أن اللابرادور كلاب وديعة، رغم ذلك يخافون منها في المرّة الأولى. اربتوا عليه بلطف وسترون كم هو أليف! بعض الصبيان يشاكسون حتى الكلاب المزمّجرة.
"خذي سندويتشة المايونيز هذه، سآكل أنا التونة" قالت السيدة.
كشفت أصابعُه التي مرّت على رأس الكلب المنبسط فوق الأرض أن بيتر يغلق عينيه ويسرح في النوم.
قليلة الكلام، ليست من نساء الأحياء الشعبية الثرثارات. السيدة ماري آشبن من وسط شعبي، ترمّلتْ ثلاث مرّات، كان نصيبها من الراحل الأخير هذا البيت الذي تؤجر اثنتين من غرفه للموظفين، إلاّ أنها أعطته غرفة بضمانة الجميعة، ولأنها وجدت في بيتر رادعاً كبيراً للّصوص.
رطوبة أوغست جعلته بثلاث حواس. ليس بمقدوره معرفة العطر الذي يفوح على مقربة منه الآن. يمكن للإنسان إبتلاع طعامه بدون حاسة التذوّق، والسير من غير نظر، وتدبّر أموره بلا شمّ ولا سمع، لكنه يصبح عاجزاً عن الحياة من غير حاسّة اللمس. بقية الحيوانات تصبح عاجزة أيضاً.
"هل يمكنني فتح العلبة لرؤية الهدية من جديد؟"
"بالتأكيد يا عزيزتي"
هسْهَس ورق التغليف برفق: "إنها ساعة جميلة للغاية! شكراً مامي!"
"أنا سعيدة أنها أعجبتك" ردّت الأمّ.
لماذا يرهقون الصغار بمسألة الوقت؟ تساءل وأذناه تلتقطان الهسهسة بوضوح. يمكن الإستدلال على جريان الوقت من خلال الضوء ودرجات العتمة. نحن بالدفء والبرودة، النشاط والنعاس، صمت الطرق وضجيجها، الراديو ونشرات الأخبار، ماذا أيضاً؟
الهسهسة من جديد، كأنها تُكتَم وهي في طريقها إلى مكان ما. "هل نعود الآن إلى البيت؟"
"ما إن يتحسّن الطقس قليلاً يا عزيزتي" قالت السيدة.
"هل تأخذين عدداً من مجلة استيقظ (2) ؟ " قال صوت وجل لإمرأة.
"لا، شكراً" ردّت المرأة الجالسة.
"نعطيها مجاناً!" قال الصوت الوجل.
"آسفة، لا أريدها" قالت المرأة.
"تعنين، لا تريدين كلام الربّ!" سأل الصوت الوجل في عذوبة، لكنه لم يتلق ردّاً: "كلنا نحتاج كلام الربّ في هذه اللحظات العصيبة!" ثم في ليونة: "إنه من أجل أرواحنا!" وفي ليونة مثّقلة باللجاجة: "لقد بلغ الثلج ذراعين في الخارج، في أوغست الحار، وهذه دلالة جديدة لأرواحنا، فلن يضيع الكثير من وقتنا الدنيوي إذا قرأنا كلمتين للربّ!"
"أرجوك، إذهبي!" قالت المرأة بصوت منـزعج.
"إذن، نسخة إلى الصبية الجميلة، لتشرق أنوار المخلِّص داخل قلبها في اللحظات الأخيرة!"
ردّتْ المرأة في صوت يرتعش فزعاً "لا! دعينا بسلام وإذهبي"
سمع المرأة وابنتها تنهضان مصحوبتان بخششة مرتبكة للأكياس، ثم تبتعد خطواتهما، وشعر صاحبة الصوت العذب تحوّل نظرها، بحثاً عن شخص جديد تفرض عليه كلمات الربّ، مجاناً.
قالت ماري آشبن إنها تحبّ الانتقال بين أجواء الكنائس في الضواحي، ثم علمَ أنها تغيّر أماكن الصلاة لأن القُسس يتضايقون من أسئلتها الكثيرة!
إذا ارتفع الثلج مقدار ذراعين، لن يرى بيتر الأرض، فينكفئ على حوافي الأرصفة، وينكفئ المبصرون أيضاً، وتستكشف عصا نايجل الطريق بإتجاه مستقيم، لكنه سيعجز عن تلويحها يميناً ويساراً ليتعرّف موقع خطوته التالية. إذا بلغ ثلاثة أذرع، يتساوى الجميع في تخبطهم. لكن، إذا ظهرت الشمس وعمّ ما يسمونه الوميض الجليدي الذي يعشي الرؤية، يصبح كل الناس عميان.
وعادت الخطوات تتقدم مني في بطء، بعد أن تلاشت للحظة في ضربات حذاء (وِلي) الصاخبة، المدوّية في أرجاء الكنيسة، وقال "لا تخفّ" ثم لمس شعري بيد غير ثقيلة، وكنتُ خائفاً في المكان الغريب حيث تركني (وِلي) وحيداً "أهو صديقك؟" أجبتُه "أخي!" فسأل عن اسمه، قلتُ (وليام) ورفع يده عن شعري ليقول "لا تقلق" غير أنني بقيت خائفاً، أفكّر كيف أعود إلى البيت! وعاد هو إلى الكلام "إنه المكان الوحيد الذي يجعل قلب الداخل إليه يعمر بالإطمئنان" لم أفهم كلامه، لكنه طويل، عرفت ذلك من الصوت الذي كان ينزل من الأعلى، وسأل إن كان الوالدان يصحبانني إلى الكنيسة، أو شيء من هذا القبيل، قلتُ "لا" وفي داخلي قلت إنهم لا يذهبون إليها، ولم يوجه أسئلة أخرى، لكنني أحسستُ يده، دافئة، تأخذ يدي لتمشي بي، ولم يسمح لي الإرتباك بمعرفة الاتجاه الذي قادني إليه إلى أن شممتُ رائحة الأشجار ولفحَ الضوء جبهتي، نادى "وليام!" حينها عرفت أن (وِلي) ينتظر على مبعدة فشعرتُ بالإطمئنان.
في المدخل، دوي موجة جديدة من القادمين تندفع إلى الداخل وتتوزع في الباحة. صوت شاب: "هناك مقهى بدون شك في هذا المجمّع! أين؟ أين؟ أين؟
"في العمق، إلى اليمين" أجاب في خاطره، يعني المقهى التي حرّم على نفسه دخولها. تساءل: "لمن يوجه حديثه؟"
صوت الشاب: "لنأخذ كوب ساخن من الشاي، إلى أن تهدأ العاصفة الثلجية" تبع ذلك حركة أقدام تبتعد.
|
برفقة امرأة، صوت كعب الحذاء. تفقد بيتر بلمسة حنون، فكّر أن زميله نايجل سيدخل مع واحدة من الموجات الفارة والماء يقطر من ثيابه، فتنصبّ سخرياته على بيتر فينتش (3) وتطميناته الجوية، وعندما يخرجان ينقر الأرض "وأتبعُ صوت العصا لأنه يرفض وضع ذراعه بذراعي فيحسب المارّة أن الشذوذ بين الذكور جرف العميان في طريقه" |
لكن وجود امرأة على ذراعه سيكون أمراً طبيعياً. مرّت على خاطره، جائرة ومؤلمة، عبارة سوزان المكتوبة بحروف بريل النافرة "كنتَ تدعي أن الزواج يتحوّل إلى نقمة ما إن يبدأ الحمل ثم الإنجاب، فلماذا تغيّر رأيك بعد عشر سنين؟"
محزنٌ الآن، من دون امرأة على الذراع، مع ذلك أفضل من نشوء طفل بين أمّ وأب أعميّن. "ماذا فهمنا عن العالم حولنا، لنودّع، نحن الغاطسين في الظلام، بين يديِّ المصير الغامض حياةً وحيدة".
لو كانت الظُلمة الوجه الحقيقي للكون، كما يدعي نايجل، لأمكن لليد، اليد الرطبة الحارة، كلما داعبتْ قضيبه المنتفخ باللّذّة، إنتزاع البهجة دون خوف من عيون لئيمة، تتلصّص عبر الشقوق، لتجعل اللحظات الأخيرة مطعونة بالمرارة والوسواس!
"لن تفعل السيدة آشبن أمراً كهذا، ولو فعلت يخفينا الظلام! " سألتْ راعي أبرشية وَيمبلي : هل تمنع الكنيسة على العميان الصلاة لأن السيد المسيح نهرَ الأعميين في ضواحي حيفا بعد أن خالفا نصيحته؟
امرأةٌ شديدة العزم، تقفز الأسئلة من قلبها إلى لسانها!
|
"هل يصحبانك الوالدان إلى الكنيسة يوم الأحد؟" إنبعث السؤال بصيغته الكاملة من رماد السنين البعيدة، يومها لم يجد الشجاعة ليقول إنه غير معمَّد، لأن الوالد غضبَ حين إكتشف أن عينيه الواسعتين، الزبرجديتين، الشاخصتين على الدوام في مصباح السقف، لا تريان النور! |
|
نقرتْ العصا مرتين بقوة، لتصمتَ ثوانيَ، قبل أن تنقر الثالثة. "أخيراً وصلتَ يا نايجل، كنا قلقين أن السيل جرفك بعيداً عنا!"
"ما كان عليك أن تقلق يا بيتر، رغم أنني مشيت مثل دبّ في الثلج! لقد أنجزتُ عدة أمور في طريقي" أجاب القادم، بينما كان طرف عصاه يبحث برفق عن التخوم الحيّة من منتَظرَيه.
"تعال اجلس"
"احتاج ساعة على الأقدام للتخلّص من البلل العالق بثيابي. كنت أشعر قدميَّ يغوصان حتى الرِكَب! والثلج يسفع وجهي مثل الرمل البارد"
لكنه جلس، ومدّ أصابعه يتلمّس بها ظهر بيتر الراقد "هالو أيّها الولد الطيب!" ثم كتف بيتر الجالس. "أنتما هنا منذ فترة!"
"حوالي نصف الساعة، مع ذلك لم نجفّ بعد!"
"حسناً، سوف نقضي النهار هنا. علمت أنهم منعوا تنقل السيارات والباصات، وأعلنوا حالة طوارئ"
"ألهذا السبب وصلتَ بمزاج طيب؟"
"لسبب آخر. مفاجآت الطقس هذه لا تثير قلقي. بيتر! لم أنمْ أمس، ومنذ السابعة خرجت أطرق الشوارع بعصاي"
"أية مفاجأة!"
"ليس هذا فحسب، جمعتُ أربعمائة وإثنين وخمسين جنيهاً، وأنا في طريقي إليكما"
"مثل أوغست، تلقي علينا مفاجآتك الوفيرة! ماذا حدث؟"
"قمت بجولة موفقة على أصحاب المحلات والشركات الصغيرة"
"أعني ماذ وراء هذا الحماس!"
"سأحكي لكَ" ردّ نايجل.
ركز مسامعه ليتأكد أن أحداً لم يحتل الفراغ عن يساره. لم يكتفِ بهذا، مدّ يده بطول ذراع يتلمّس الخشب إلى جانبه ليتأكد من فراغ بقية الكنبة، قال: "هذا الصباح قلت لنفسي يجب أن أكون في السوق قبل وصول البيترين، لكنني غيّرت رأيي، ورحت أطوف على المحال والشركات الصغيرة في طريقي إليكما!"
عصر كمّه، ثم طرف جاكتته. "أشعر أنني محمّل بنصف طنّ من المياه والثلج" تنفّس عميقاً وهو يفتش عن العبارة التي يبدأ بها أفكاره.
"اسمع يا بيتر!" أمال بوزه العريض على آذان زميله.
"إن هذا الشاب سيكون واحداً من عباقرة العصر!"
"تعني ابن أختك!"
"بالضبط"
"لِمَ لا!"
"الشيء المهم أنني بدأت أفكّر على ضوء معلوماته" ثم بصوت أكثر انخفاضاً.
"أمس تطرق إليّ الشكّ أن الظلام هو الله"
وبعد لحظة: "أعني إنه خالق الكون. منذ ليلة أمس وأنا أرتعش داخل هذه الفكرة"
لزم بيتر الصمت بانتظار المزيد من التوضيح، إذ أكد صوت نايجل أنه يرتعش حتى هذه اللحظة.
"يقول هنري" قال نايجل، إن الظلام هو الحقيقة الأولى في الكون، لأن النور يتولد من إشتعال الغازات التي تتجمّع في كتل نارية تتحوّل، فيما بعد، إلى كواكب عائمة في الفضاء وينطفئ بموتها. هذا جعل نايجل، النفس المرتعشة بما توصلت إليه في ليلها الطويل، يقتنع أن الحياة ولدت في أحضان الصمت والعتمة.
"وحين ربطتُ بين البويضة التي تنمو داخل الرحم المعتم، والبذرة التي يوصي الحدائقي جيف هاميلتون Jeff Hamilton بدفنها على عمق نصف إنج في التربة، فهمتُ أن الظلام يرعى كل خلق في الكون، ولا تتمّ أية حياة جديدة بدونه!"
راح بيتر يصغي، ويتخيّل الأشكال التي يسمع عنها داخل ظلامه الخاص.
"هذا الحدائقي اللامع، بلوّر في رأسي الفكرة النهائية عندما قال إن البذرة، مهما أعطيتها الأسباب الأخرى للحياة، لن تتفتّح ما لم تغمرها بالتربة. أي تدفعها إلى أعماق الظلام"
أحسّ بيتر يد نايجل تقبض على رسغه بعصبية، ليسأل بصوت مرتجف، مخنوق: "ألاّ يعني هذا أن الظلام هو الروح الخالق لكل الأشياء في الوجود؟"
"لا أدري!" أجاب بيتر، يشعر أنه بحاجة إلى الكثير من التأمل قبل أن يستجيب لقناعة زميله.
"إنه الخالق. هذا ما شعرتُ به يا بيتر، شعرتُ به يملأ عقلي وأحاسيسي، وجعلني أتلمّس أرقام الساعة، أمشي في الغرفة وأعود إلى الساعة أنتظر الصباح بلهفة عظيمة، لأصرخ بوجوه الناس أن يمدّوا أيّدَيهم بالمساعدة لعميان الهند، ومبصريها أيضاً، فقد سيطرتْ عليّ مشاعر الرحمة تجاه كل المخلوقات، هل فهمتني؟"
إقتحمت باب السوق العريض زحمةٌ هائجة من الفارين، محمّلة بالثلج والخوف من الشوارع المضروبة، على التوالي، بالرعد وشلالات الثلج، لأن مفاجآت أوغست العادية تحوّلت إلى مصدرٍ للفزع. تصاعد الدوي إلى طبقات جديدة من الفناء، وضاق حيّز الهمس بين بيتر ونايجل، بينما نهض بيتر الآخر على قائمتين ليّلتّز بسيقان سيده، تحذّراً من أصداء الرعد التي إهتزّ لها فناء السوق وتوغلت في باطن الأرض.
انتاب بيترَ القلقُ، إذ تذكر أنه لم يسأل خلال السنين الطويلة، بوازع الخجل أو نتيجة الإهمال، إن كان السقف مرصوفاً بألواح الخشب أم الزجاج، ولن يعثر على الجواب إذا أسرّ لنايجل بمخاوفه! لكن هذا بادر إلى القول باسماً، كما لو كان يتنصّت على هواجس زميله.
"إنها مجرد نتف غيوم، وعطاس ريح، مقارنةً بما يجري الآن، ومنذ بلايين السنين في الأعلى! هناك تُولد مَجرات، ولُهب عظيمة، ترسل النور إلى مسافات شاسعة في الكون" "لقد عرفنا ما يكفي عن الظلام، لكننا لم نفهم شيئاً عن النور!" قال بيتر لنفسه. ما هو النور؟ وما علاقته بالأشياء التي تنبعث من رحم الظلام؟ إن نايجل يحسّ الفارق بينهما، كما يقول، ويمكنه أن يرى عندما يشعل المصباح في الليل، ولو على شكل غشاوة تفتح في عينيه منفذاً ضيّقاً على النور، أما هو، فلا يسمح عماه المطبق لشيء باختراق الظلام. لذلك، فإن ما يقوله نايجل محض رطانة.
سادتْ ولولولةُ الفارين الجدد بين الزميلين، فتراجع كلُ منهما إلى صمته، بينما راحت عينا بيتر، وقد إنبعث فيهما النشاط، تراقبان القلق والإنـزعاج يبلبلان نظرات المتزاحمين في مدخل السوق.
في تلك اللحظة، شعر بيتر بالحاجة إلى كتف يلتزّ به، حتى لو كان في نفس عماه. كتف سوزان الحنون، متجاوب في الشدائد الغامضة، ومستعد لأن يطلق صرخة الألم في الوقت ذاته، أو يرجِّع إرتعاشة القلق من غوامض النور في توحد وعاطفة ثمينين.
قبل الإتصال الأخير كان يستحضرها إلى تفكيره بقوة، وبعده، أصبحت تزحم خواطره، يستدعي أصابعها النحيلة كلما تمدّد في الفراش، ورَشّة العطر الصغيرة التي تنفثها بحياء على رقبتها، تداعب أنفه حين يسعيان وراء مهمة خيرية ما، أو يعودان إلى الجمعية، والزملاء يهذّبون العبارات حين يوشوشون بها خلفهم، أو بحضورهم، عن مشروع زواج ينّمو بحرص وتكتّم، عن قدر قد يفلت من بين أصابع التحوّط والعقاقير، تشجّع عليه مبادئ الجمعية، لكن الناس يقابلونه بإستهجان، مثل إستهجان روحه القلقة؟
إنها أجرأ منه، تستهين بالذي يفكّر به عجائز الجمعية، والناس، وتستجيب لنداءاتها الداخلية بلا موارات، يدعمها وجودها بين والديها، وإستعدادهم إلى تولي مشاغل طفل يملأ البيت بالصراخ والفوضى، ويسيحان بعربته في الحدائق والأسواق "أنتَ تتحرّج من أصوات لا تعرف عن أصحابها شيئاً يا بيتر!" قالتْ، وهو، حين واتته الشجاعة، فات عليه الأوان.
نقر نايجل الأرضية بعصاه، ليعلن اقتراحاً: "ما رأيك بكوب شاي إنكليزي حقيقي في كفيتريا السوق؟"
"يجب ألاّ يقعدنا الربّ الجديد عن العمل" قال بيتر بلهجة مازحة، مضيفاً، أثناء إعداد الحقيبة لتصعد بها يده إلى موقعها على الكتف: "دعنا ننطلق في جولة لنضاعف المبلغ الذي جمعتَه"
"بيتر! الشوارع مغطّاة بالثلج"
"بالضبط! اليوم يتلمّس كل البشر الطريق بأقدامهم"
بشعور تلقائي، نـزلت يد نايجل تتفقد الكلب الجاثي، ثم سأل: "وماذا عن بيتر؟"
قال بيتر "أحرّره من الرباط. إنها فرصة طيّبة كي يتقافز بين الثلج ليتخلّص من كآبته المعتادة"
"إذا كنت مصرّاً!"
استسلم نايجل من دون حماس، وبدفعة رفيقة من يده، حثّ بيتر اللامبرادور على التحرّك ليقودهما إلى الخارج، وقال، ليخفف من أثر رفضه دعوة الشاي:
"يقول المذيع إن لندن لم تشهد عاصفة ثلجية بهذه القوة منذ ثمانين سنة. تُرى، ماذا كان يحدث للمواسم قبل ثمانمائة سنة؟"
"ماذا كان يحدث لها قبل ثمانية آلاف؟" قال نايجل يزايّد على صديقه بالأرقام بدافع المزاح.
"وقبل ثمانية ملايين؟"
"وكيف كانت الألفيات تعبر قبل مليار سنة؟"
"وقبل ترليون سنة؟"
"وقبل ألف ألف ترليون؟"
"رغم إنها خفيفة، هذه الأرقام، فهي تبعث على الإحساس بالغرق!" قال بيتر باسماً.
"إنها حقّاً كذلك!" ردّ نايجل، وكان الزميلان يتلقيان اللفحات الأولى، القارسة، من هواء الشارع.
"بيتر!…"
"نعم!…"
"يقول جدّي، وكان يعمل في سلاح الجو الملكي، عندما نزلتْ أول طائرة عسكرية في إحدى مدن الشرق، فرّ نصف السكان، ولم يعودوا إلى منازلهم إلاّ بعد أن أقلعت من الأرض!"
"أستطيع فهم هذا، أمّا الآن، ففي أي بقعة نائية من العالم لن يترك أحد مسكنه حتى لو هبطتْ عليه مخلوقات من المجرات البعيدة!"
لم يرفض بيتر قضاء ساعة أخرى في مقهى السوق خوفاً من عودة زميله إلى تفسير رؤاه بالمزيد من الأدلّة، بَيدَ أنه فضّل البقاء على مسافة من المقاعد والطاولات التي شهدتْ تلذّذه بطعم البسكت المحُلّى، والكريما المخفوقة بالشاي بصحبة سوزان.
"مامي!" صاح بيتر من غير أن يرفع عينه عن العدسة. "لقد انشطرتْ البكتريا وظهر وليد جديد عنها!"
"ألم أقلْ لكِ!" ردّتْ العاملة التقنيّة (كاتي)، تغمرها السعادة للفرح الذي انعكس على وجه الصغير بما شهدتْ عيناه، ثم أضافت وهي تراقب كتل الرطوبة والحرارة تتبدد، مبشّرة بطقس جميل:
"سوف نطلق عليه اسم بيتر، لأنه خُلقَ بمراقبتك وتحت أنظارك!"
جولة الأوز في الضواحي. لا ليل يقطعها، لا فجرَ ينهيها، مقاصد الإنسان الشريفة. تمتمَ قريبه، أو أحد أقربائه البعيدين في وقار مهيب، أصابعه تفرز الحبّات السود فوق اصبعه ثم تطلقها والمسبحة تهتزّ وترتعش بالإيمان. بعد أن أنهيا صلاة العشاء، بقيا جالسيَن على الأرض بانتظار سُفرة الأكل. مع ذلك، غرزتْ أحاسيس الإثم، كعادتها، مخالبها الوحشية في قلبه، أنه صلّى دون التطهّر من نجاسة النهار، التي أرخَتْ مفاصله المتعضّلة، حين إجتمع دلال الممانعة التي أبداها الغلام بالحركات الشهوانية التي عبّرت عن رغبته النقية.
"نصلّي ركعتي الفجر سويةً، ثم تأخذ الطريق الذي وصفتُه لكَ، فكلما بكّرتَ في الخروج، تجنبتَ الحرّ اللاهب".
على الفور ضرب ذكرُ الصلاة سحنته بغلالات الخشوع، وتهيأت روحه، وقبل ساعات بدنه، للانطراح على الفراش الذي خصّوه به، وأعلن، من جديد، حزنه لضياع مسبحته في القطار، بخرزها المكيّة التي لم تفارق ملامسه أثناء الصحو ولا في هَدأة النوم.
"الإنسان؟ لن يحتاج عناءً كبيراً ليفهم، أن الإيمان مكانه لُباب القلب" صاح سعدون، ما إن توسط الشارع المقفر إلاّ من الريح الغبراء، تقلع الأوساخ وبقايا التبن المتخلّف عن عربات العلف الليلية، لتدوّم بها في عصف شديد على الإسفلت، على زوايا البيوت، ووجوه قلة من الأشباح مبعثرة على مسافات بعيدة، تحثّ الخطى وراء مقاصدها المختلفة. شعر بالارتياح، إذ وجدَ طريقه هيناً، وتباشير الأمور تفتح أمامه الأبواب، فطربتْ روحه التي ترفرف عليها السعادة لأي إنتصار على الحياة، مهما صغر، وغنى:
يا ليل ما لي والهوى ومالك
ﮔلبي تعذب وإنشغل بالك
أينما تضعَه، سعدون محمد العُبيس، عاهل الفرح والمقاصد الشريفة، يجد نفسه في المكان المناسب.
قال له مضيفه، أحد أقربائه البعيدين، أو قد لا يكون، بعد أن صلى معه وأتخم بطنه بالدجاج المحشو بالرز واللوز والزبيب المدسّم: "الزم طريقك في الشارع الكبير حتى نهايته، بعدها اسأل من تصادفهم عن الاتجاه الذي يأخذك إلى مقصدك".
منذ نعومة أطرافه يهوى قلبه الفرفشه، مُذْ كان يناول الضباط الإنكليز كرات التَنسْ. "ويبد بوي! ناولني كرةً جديدة"
يركض، بساقيه الرَبلتين، وراء الضربة الخاطفة عندما تطيش عن الميدان كأنه سيصل قبلها. يتابع الكرات الأرضية والطائرة، يجمعها فوق بطنه وينتظر السيف الجديد ليزود الضارب بقذيفة، ثم يصاحبهم بالمناشف وأدوات اللعب إلى سقيفة الدوش، هناك يأخذه أحد الضباط، الليفتنانت يونغ أو هامر، وأحياناً جفري، من رسغه البضّ إلى مساقط الماء الدافئ، وتهيم الأصابع المرقّطة بالنمش على البدن الأسمر الرضراض إلى أن ترتخي الرِكَب.
يا يليل...
قاطعتْ تغريدَه جشأةٌ رعدتْ داخل مريئه ثم إنطلقت من بين شفتيه متبّلةً بطيوب عشاء الليل الفائت.
"لذيذ ومُشبِع، ما كان ينقصه غير كأس من العَرق" تلمّس معدته باطمئنان، نصف متخمة حتى الآن، تكفيه إلى منتصف النهار، ويكون قد حظي بنجيبة قبل فترة الغداء.
"ما أجمل أن يكون للناس نظام عام يخصّهم، ويكون ليّ نظامي الذي أعيش به وحدي!" قالت روحه الهائمة وسط الغبار الذي دبغ السماء بحمرة قاتمة، وبسط على الأرض عتمة جافة تهدد بيوم قائظ.
آب اللّهاب، ييبّس المسمار بالباب.
ما فتأت مصابيح الكهرباء تتغامز في غَبشها الخاص، تتأرجح وترتعش ضمن هالة غبراء. في الليالي الصحوة يلعب الناموس والهوام حول النور. على الأرض، عند القاعدة الأسمنتية يشرئب لسان وعيون وعنق ابي بريص، تنبض نغانيغه لساعات، إلى أن تهوي ناموسة مشوية فيلتهمها، وتعود نغانيغة تنبض من جديد. الليلة، لاذ الهوام بالفرار، واحتلّ الغبار قلب العالم.
الحياة! وجبة هنا، وجبة هناك، والإيمان مسألة تخصّ القلب وحده.
تذكّر أمّه، دائماً يتذكّرها بعد الغواية ويقسم أن لا يعود، تلطم فكها حين أخبرها أنه تنصّر معهم.
"متى؟"
منذ اسبوع، أجاب، فكرّرتْ اللطمة، على نفس المكان، وإنخرطتْ في البكاء، فإستغرب مبعث الشعور بالفخر الذي حمله على قول هذا.
لو كان الاب، لنحَره على القِبلة! إلاّ أن الأمّ أرحم، المرأة دائماً أرحم، صفعة هشّة، ثم انحنت تولول، فقرفصت روحه الصغيرة أمام وجهها الدامع بانتظار أن يهدأ عويلها، ونجيبة تلعب بالأحجار، تفرج ساقيها عند الباب وتتكلم مع أحجارها. الآن هي، ما شاء الله، تنهبُ العقولَ بلحاظها الواسعة!
لا يعرف عنوان مقصده، لا يعرف شوارع وأحياء المدينة، لا يفهم لهجة أهلها. نظراتهم العدوانية، تطلّ من وجوه تنضح بالعافية، ولا ترشد إلى مكان.
نحن الذين تعلّمنا تدبير الأمور، حشرجتْ لهاته اليابسة، في النور أو بين طيات الظلام، لم يبق من يولول لعثراتنا، وحيدون، إلاّ من رغباتنا الصغيرة، نَثبُ، أو نسقط بين فترة أخرى، إلى أن ينتهي المشوار، نصارى أومسلمين، وفي الأعلى تبدأ العاقبة!
"ويبد بوي! رافقني إلى البيت بهذه الأدوات" هناك مدّده الليفتنانت، الطبيب الطيار على طاولة من الخشب. قال له بالعربية إنك لا تنتمي إلى هذه المدينة، إن أصولك تعود إلى المدن المشيّدة فوق جزر من اليابسة، تحيط بها آلاف الأميال من الأراضي المغمورة بالمياه. وحين كبر قليلاً، عرف أن الـ ويبد بوي الذي ينادونه به في نادي ضباط القاعدة الجوية يعني الولد الغشائي.
لاحظَ أن الشارع الذي ينحني على شكل قوس خفيف، تتراص على جانبيه كراجات صغيرة، تتكوّم حولها السيارات المحطمة والماكنات القديمة في فوضى، وتنشر الزيوتُ والدهون، معجونة بالطين، دبقها المائع أمام أبواب الصفيح، فالرصيف الترابي، وجزء من إسفلت الشارع.
خرائب الآلات القديمة، شاهد منها الكثير في العديد من المدن، صغيرةً وكبيرة، بَيدَ أنه لم يشاهد بمثل هذه الضخامة، الحطامَ الذي يخلفه تحرّك الإنسان وراء مساعيه الأرضية! إلى الأمام بدأت الأنوار تعلن افتتاح عدد من مقاهي الفطور الصغيرة، قليلة، إلاّ أنها تشير إلى اقتراب الأطراف الحيّة من المدينة. هناك يحتسي شاياً قوياً، ويرتاح حتى ينكشف الصباح، ثم يتابع سيره.
نومةٌ هانئة بحقّ، إلى أن شبعت مفاصله من الراحة واستعدتْ ليوم آخر من السعي. لكن الغبار بقي على حاله، يرافقه منذ يومين في رحلته الطويلة، لا يعرف أحد متى ينقلب عائداً إلى مصادره الهائجة! وشاهد أول باص للنقل، مسرعاً باتجاه الضواحي الغربية البعيدة، تشتعل داخله الأضواءُ، دون أثر لركاب.
فجرَ أمس، حين وصل قطار الجنوب الطرف الغربي من العاصمة، أمضى الوقت هناك يتسكع بين المقاهي والدكاكين حتى لا يوقظها من النوم، وعندما إتصل ظلّ الجرس يرنّ داخل البيت طوال النهار من غير أن تردّ! اليوم عليه أن يحظى بنجيبة حتى لو أيقظها في أول الصباح.
"لا أريد نقوداً!" قال لها عشرات المرّات في خاطره، وتلقى نظرتها المتشكّكة "جدي لي عملاً هنا فحسب"
نومها ثقيل منذ الصغر، يمكنكَ أن تخلعَ عنا ثيابها من دون أن تترك النوم، وعندما تنهض، تكره البقاء في البيت.
"لامسني مرة ثانية!" تقول وعيناها مغمضتان، مستسلمة بسعادة للدغدغة التي تنتشر في جسدها وهو يلعب بأصابع قدميها، ثم تنطلق ضاحكة. أصابع صغيرة، مدبّبة، وناعمة.
"لماذا تفعل هذا؟" تسأل.
"أريد أن أعرف هل أنتِ غشائية!" فتستفسر عن معنى هذا، وتطلب في نفس الوقت: "دغدغني أكثر"
"أيّها الأخ!" نادى صوت من الظلام، من بين ركام الحديد والصدأ، أجفلَ خطواته الحثيثة.
"أيّها المستطرق الكريم!" هذه المرّة حدّد النداء مكان وصوت المنادي، متعلثم ومبهور، فتراجع سعدون عن فكرة الهرب.
"لقد أوقعتُ بعضاً من فلوسي القليلة!" وبرز من بَهمة الظلال شبح المستغيث، يحاول الثبات على سيقان قصيرة متعتَعة.
"أين؟" سأل سعدون، من غير أن يبرح مكانه، لكي تأمن عيناه المكان ويطمئن قلبه المخلوع إلى نوايا الليل.
"هنا!..."
بيد عمياء أشار الرجل إلى دائرة من العتمة حوله، وفي اليد الأخرى، المهتزّة، استقرت حفنة صغيرة من القطع توشك هي الأخرى على السقوط. حينها فقط، تهيأت الروح الخّيرة للعون وتقدم من الرجل بعزم ثابت، وقلب مستبشر أن السَعد، خلافاً لليوم الفائت، يحالفه قبل أن ينشر الصباح أنواره.
"تعال نبحث عن ثروتك المفقودة" اختطف أبو السَعد نظرة من اليد المبسوطة ليعرف قيمة ما تحمل، ثم طافت عيناه، لأن الظلام مسح النقود على راحة اليد، بين الأقدام المتباعدة وانتقلت، بِهمة، إلى تخوم الدائرة الغامضة التي حدّدتها خيالات الوعي المخمور.
"كم فقدت على وجه التحديد؟" سأل، أنظاره تغوص في العتمة، تحاول، مشحونة بالأمل، التمييز بين صدأ الحديد وبريق الدراهم الضائعة.
"لا أذكر!" قال الرجل.
"ربما هنا، وربما هناك" وبعد فترة: "لكنها تكفي لمصروف هذا اليوم"
بدا الكلام صعباً عليه، فهو يتحشّرج بالكلمات وينطق بها في جهد كبير. التقط أبو السَعود شيئاً، سرعان ما رماه بعيداً، انحنى ثانية وقال: "هذا فلسٌ وجدناه!" ناول الرجل اللُقية وعاد إلى الغوص بأمل أكبر، فقد ألِفتْ عيناه المكان.
أنِسَ الاثنان إلى بعضهما، كما أنِستْ ظلال الفجر المخنوقة إلى سعيهما، وبين كل قطعتين يودعهما أبو سعود راحة الرجل، يحتفظ بدرهم ثقيل في يده.
"ما الذي أخّركَ إلى هذا الوقت عن البيت، يا صديقي؟"
"ضيعتُ الطريق" ردّ المتعتَع، المنكوب بمصروف النهار الآتي، وهو يكفّ عن التأرجح عندما يتكلم، ويعود إليه حين ينظر إلى الأرض.
"هذا الغبار، لعنةٌ على البلد، وسكانه، كتبهما الله على الاثنين إلى يوم القيامة"
"يوم القيامة! هناك سيكون الغبار جزءاً من العقاب" أجاب أبو سَعدة، ما فتأت أنظاره تتصيّد القطع، وتوزع مصروف النهار المقبل بعدالة أرضية لا غبار عليها.
من أعماق جوانحه، بما تبقى من جذل الخمرة الذي ما زال يداهن وعيه، ضحك الرجل لتنّدر الغريب.
من دون أن تفارق عيناه الأرض، شاركه أبو سعود الضحك، وقبل أن تتلاشى أصداء المرح بين هياكل الحديد الجاثمة، تَلقلَقتْ حنجرة الرجل وانخرطت في نوبة وحشية من السعال.
"أحكمْ قبضتك على الفلوس، وإلاّ ضيّعتها من جديد!" صاح أبو سَعدة وقد انتصب في مكانه، ينظر بشفقة إلى الرجل يأخذه إنشهاق طويل، مبهور، ويعود به خوار متحشّرج مسعور.
كل شهر يلعن الغبار ليتنفس بضع ساعات من دون عذاب، وكل صباح يلوم السُكر، ويعود إليه أول المساء.
بلبلة الحياة! خلُص أبو السَعد إلى التفكير، وعدّ، بالملامسة، النقود المحفوظة في يده، ثم اقترب من الرجل حين هدأت ثائرة أنفاسه "هاك! هذا الدرهم آخر ما لقيتُ، ولن نعثر على المزيد".
وضع النقد في اليد المرتعشة، وأخذ الرجل من ذراعه النحيلة إلى طرف الشارع. قال: "عليك أن تعود إلى البيت، الجو هنا يهيّج عروق الدم في صدرك".
"إنني أعتزّ بصداقتك، أيّها الشهم!" ردّ الرجل بأنفاس متقطّعة، وقدّم يده، بعد أن نفض النقود داخل جيبه، ليشكر ويؤكد الإعتزاز، فشدّ أبو سعود على اليد الهشة يردّ على الإعتزاز بمثله، وسأله هل تتذكّر طريق البيت، قال إنه سيتخذ تلك الوجهة، مشيراً إلى الاتجاه الذي يقود إلى الضواحي الأبعد، وحين عزم على السير ترنّح قليلاً، يتفحص بعينين منطفئتين سلامة الأرض التي سيوكل إليها خطواته الهائمة، ثم قال:
"عفواً إذا سألتُ، من أي مكان كريم في الجنوب قدمتَ؟"
"من قبور التاريخ"
من جديد، غرق الرجل في ضحك متحشّرج، وقال بكلمات متقطّعة، غاصة بالسعادة: "تعجبني روحك الطريفة، أيّها الصديق!"
والليل يعتم، والليل يخرس، والليل، يا ليل مالي والهوى ومالك! تنادي الليل وأنتَ في أول الفجر، فماذا فرّخ الحظ غير دريهمات قليلة!
روائح البيض والكباب المقلي لفحتْ خياشيم أبو السَعد، وأيقظت شهيته قبل بلوغ أنوار الدكاكين الخافتة، يحوّم أمامها قلّة من الزبائن، عمال بناء، جنود مبكرين للالتحاق بثكناتهم، والذين ما زالت أجنحة السكر ترفرف في عقولهم، وحين وصل، طلب بيضتين، لكنه استدرك ليجعلها ثلاثاً، مع خمس كبابات ورغيفين يسحقها، جميعاً، بشاي خُمّر حتى ثَقُل سواده، ثم تنحى عن حافة المقلاة، يده تخشّخش الدراهم في أعماق جيبه، وأنظاره تتابع الزيت يفرقع ويتطاير رذاذه الحارق على ساعدي الطباخ ووجهه وثياب المنتظرين.
"لو تركته وحيداً، ما إسترجعَ فلساً واحداً" تذكّر أيضاً، أن المعلّم المتقاعد قال أمراً ذكياً عن القيامة لم يرد على خاطره قبلاً، كلام يحمل على التأمل.
خيالات العَرق! هو الآخر يردهُ الكثير منها، إلاّ أن الناس في العاصمة يقولون ما يفكّرون به دون خوف. كُفاراً، يعتبرونهم في المدن الأخرى! "خُذها مني!" قال الرجل "لم يَعُد منها أحد، ذاق فيها العذاب، أو تنعّم بالرحمة".
أعاد حساب ممتلكاته من جديد، ثلاثة دراهم، إذا أضفناها إلى الخردة المتبقية عن الأمس، تكفيه لشراء علبة سجائر، وعدة أكواب من الشاي إلى أن يلتقي نجيبة.
لا يريد فلوساً منها، رغم نظرتها الساخرة، الحصول على وظيفة مقصده الأول والأخير، ويظلّ يقسم بتربة أمّه إلى أن تستجيب. الوظيفة تحلّ جميع مشاكله، ولن يقترب من حياتها، يقسم برحمة الوالدة ويده على جبينه.
فرقَع الزيت المقلي وصعد نشيشه قامتين، فأبعد الطباخ وجهه دون أن تكفّ يده عن العمل، وتراجع المنتظرون بسرعة إلى الخلف، ثم عادوا إلى أماكنهم حذرين.
التقطت عيناه جندياً يدخن بانتظار وجبته، فتذكر نجاسة النهار السابق.
جميل، ساقاه صلبتان، وهو في أول خدمته الإلزامية، في الثامنة عشرة بالتمام. قبل العثور على نجيبة، لن يضحي بمصروف النهار من أجل متعة جديدة، خاصةً لا يبدو على الشاب أنه من "الجماعة".
الناس جماعات، مثل القرود، لا يمكنهم أن يفعلوا غير هذا.
"سأكون عوناً لكِ في ساعات الشدّة" لن تصدّق، تذهب إلى النهاية في شكوكها، عنيدة! هكذا هي منذ الصِغر، عندما تنهال عصا الوالد على ظهرها وذراعيها تلزم مكانها لتتلقى الضرب بعناد الحمير، ولحاظها، منكفئة على الأرض، تذرف بصمت.
وهم يتلقّون النظرات، تنشدُ الرفقة، أو تتضوّر إلى نَشقة من غلالات الدخان، لا يعزم أهالي العاصمة على سيجارة. حين تخرج أياديهم بالعُلَب المذهّبة، تسّتل، بحركة مشهّية، لفائف التبغ وتُشعل أطرافها، والرغبة المتردّدة في عيني الغريب.
"هل أجدُ في طريقي دكاناً يبيع السجائر في هذا الوقت؟" سأل، وقد تغلّبت شهواته على الحياء، الرجلَ المطرق إلى يمينه، ينفث أنفاساً كثيفة تخدّر الحواس.
"لا أدري! جئتُ من داخل الحيّ" أجاب هذا دون أن يرفع نظره إلى السائل، ودون الخروج من شروده مدّ يده بلفافة إلى المستجدي الذي، يلعق لهاته، مثل سلوقي اُشغِل بوجبة عظام جرداء قبل ليلة الصيد.
شكر أبو السعد ببسمة ولطف مبالغ فيهما ثم أفعم رئتيه بنفس طويل، فتجلّى الإحساس العميق بالحياة من نَشعة التبغ، مخلوطة بمذاق الشاي المُحلّى وطعم فتات البيض واللحم المتبقية بين أسنانه.
متكبّرون، يفهمون الإشارة عن مسافات بعيدة، أهلُ بغداد، ويميّزون الغريب من كلامه. موظف صغير، مجرور من أنفه إلى نوبة العمل الصباحية، عيونه منتفخة من السهر، والخروج مُكّرَهاً من الفراش أتعسَ مزاجه.
رغم انطفاء مصابيح الكهرباء، لم تنعم الساحة بمظاهر الصباح، لأن الغبار حجب أنوار الشروق في الطبقات العليا، ليكلّل المدينة بوهج دامٍ، تتراقص ظلاله القاتمة على الأرض وواجهات الدكاكين، والأشباح الساعية وراء رزقها اليومي. هناك، اختار كنبة عارية، متّربة، على الرصيف وطلب شايّاً ليقتل المزيد من الوقت بمتابعة باصات الركّاب تجأر بحرقة، وتدور نصف أو دورة كاملة حول الساحة ثم تنطلق من أحد الفروع إلى أهدافها المرسومة.
"نقتل الوقت، والوقت يسحقنا ببطء، في دوراته الأوسع، إلى أن يقتلنا، فنذهب دون رجعة كما فعل آباؤنا وأجدادنا، شاي من فضلك! فمن الذي يُقتل في الأول؟ لو كانت تلزم البيت، مثل النسوة الأخريات، لما ضيّعتُ نهاراً كاملاً في الشوارع!"
نهض من جلسته، ليمدّ صاحب المقهى بساطاً من البردي على الكنبة من غير أن ينفض عنها الغبار، لأنه يهتاج إذا حُرّك، ويتطاير على الزبائن ويجعل شايّهم وقهوتهم شوربة من الطين.
"شكراً!" قال أبو السعد وهو يقعد من جديد. فكّر أن حياة نجيبة تفتقد الاستقرار "مسكينة!" ويمضي الوقت عليها، لأنه أصبح يفهم، ولو متأخراً في ذلك، أهمية الوقت، رغم أن الأمر يختلف بالنسبة للرجل، ونتائجه أشدّ قسوة حيال المرأة. لكنه لا يعرف كيف تدبِّر الإنكليزيات أمورهن، وقد شاهد زوجة المستر يونغ تضاجع رجلاً آخر، وهي واقفة في المطبخ، وفهم، من حركاتها وطريقة ضحكها مع الرجال، أنها تضاجع أكثر من واحد، بينما اليد المنمّشة تلاحقه في ميادين التنس، لتأخذه إلى البيت في غيابها.
"أنت من أحفاد نوح السومريّ" قال له أول مرّة.
"من أبناء القوم الذين صنعوا أوائل الأشياء" لكنه لم يفهم ماذا يقصد. قال إنه خدم في الجيش الإنكليزي في الأهوار، فعرف أنه يشير إلى المكان الذي انحدر منه أبوه وأمّه، لكن ما شأن نوح بتلك المنطقة!
ممدّدٌ على طاولة من الخشب، ما زالت قطرات الدوش تغمر بدنه الأسمر الرضراض ببرودة منعشة، والليفتنانت يونغ يفحص أصابع قدمه، شعر دبيب الملامسة يتصاعد أعلى فخذيه ويهيّج الأحاسيس اللذيذة، فإنتبه الضابط إلى انتصاب العضو الصغير، بينما يداه تفرجان أصابع القدم ليقيس اللحمة الرقيقة بينهما، ثم ترك أمر الأصابع وراح يداعب العضو والاحمرار يتوهج على وجهه المنمّش.
تحرّك بين فخذيه الشعور باللذّة عند هذه النقطة من التذكّر، كما لو أن المداعبة تحدث الآن.
إلى الخلف ترّن المعالق لتذوِّب السُكّر في الشاي ويشتدّ سعال العرفاء ببزاتهم العسكرية الخشنة فيحسّ البلغم والاشمئزاز ينـزلقان داخل بلعومه، ولطمتْ الأمّ خدها لأن الذكرى انتقلت إلى صورة ركوعه بجانب قريبه، أو أي كان، وهو في كامل نجاسته، وكان بمقدوره التهرّب مدعياً أنه صلّى العشية استباقا قبل أن يصادف مضيفه في الطريق، إلاّ أنه أفلتَ من الكذب ليقع تحت طائلة الذنب الأكثر تنغيصاً، وهو يعرف أن الوقت مثل الرُحى، يجرش الذكرى السيئة والجميلة ويفّتتهما لتصبح زياراتهما للخاطر مثل سُحابات وغيوم صغيرة، تراها دون أن تخاف المطر. الأهم من كل شيء الآن، قبل الثامنة أو بعد الثامنة، يتصل بها!
"لا أسمعكِ!... ماذا أفعل هنا؟ جئتُ لأراكِ، ورحمة الوالدة أنا مشتاق! طيب! أين يقع هذا؟ لكنني لا أعرف شوارع المدينة! طيب! طيب!" ظل الصمت وحده يخشّخش في أذنه.
"اللعنة عليكِ! الساعة تقترب من الثامنة ولم تفتحي عينيك من النوم!"
عاد يتلكأ على رصيف الساحة الذي ازدحم بالأقدام المسرعة. وجوه لم يمنعها الإرتواء من النوم عن التكشير ضيقاً بالغبار الذي يمكن لمسه باليد، أحمر، شديد النعومة، يلتصق بالرموش ويجفف اللهاة. بعد دورتين اختار مقهىً جديدة يصدح منها نفس الصوت الذي يرتل تلاوة الصباح في المقاهي الأخرى، وسرح وراء أفكاره، تتطفل عليها الآيات المجوَّدة، تهبط وتصعد برخامة ساحرة، مشحونة بالوعيد والترغيب.
"كل مرّة تورطني بعنوان، اللعنة عليها! لا تثبت في مكان".
لا يعرف الطرق المؤدية إلى المركز، وفي دواخله يفزع منه. الشوارع هناك تعجّ بالناس، والوجوه، بعواصف الغبار أو بدونها، تتلاقى مكفهرّة، سحنٌ مكهَّربة لا يعرف المرء ما تضمر، وفي ساحاتها الكبيرة يكثر المحتالون، يتصيّدون الغريب بهيئات مختلفة، باكية أو ضاحكة أو تطلب الودّ، وهي تصرّ على اللقاء به في قلب العاصمة المليء بالألغاز والمفاجآت. إذا حصلتْ له على وظيفة صغيرة هنا في الضواحي، أمكنه تدبير أمره والعيش في أمان.
منذ فترة كتبتْ له: "متى كان ذلك؟" أنها تشتاق لرؤيته، وكلما فكّر بزيارتها ينتابها الغضب.
هناك، في الجنوب البعيد، طاف وتشرّد في المدن ونهل، بمغارف صدئة وأخرى مبرقّشة بالذهب، من المتع والإهانات، مخلصاً لنداء اللذّات حيثما أشار قلبه. هذا القلب الغجريّ، الذي أمدّته الطبيعة بأسّمدة متنوعة الأصول، يتقبّل عضّات الحياة بصمت، لكنه يرتعش ما إن يقترب من المدن الكبيرة!
بينما الباص يتكأكأ بين جموع المارّة والسيارات وعربات الخيل، احتلّ أبو السعد أول مقعد خلف السائق، يقلقه الإحساس أن بلوغ الميدان الذي يقرِّبه بضعة أميال من قلب العاصمة، سوف يأخذ وقتاً طويلاً يقّضيه في الملل وإنتظار النداء الذي سيوجَّه إليه من بين جميع الركّاب.
"خُذْ الباص رقم عشرة" قالت له "واطلب من السائق أن يُنـزلكَ في هذا الميدان!" لذلك، راحت البنايات والمحلاّت تمرّ على شكل أطياف في عينيه المنقلبتين إلى دواخله المتوترة، وهو يترقّب صيحة السائق الزاجرة: "ميدان النافورات الخمس!" حينها يهرع، مع كلمات الشكر والامتنان المهيأة، إلى الباب، ويكون قلبه قد سقط حتى ذاك عدّة مرّات على الأرض.
بآذان مشدودة إلى مقعد السائق، إنشغلت عيناه تستعرضان بشهية حارقة أفخاذ الموظفات العريضة يصعدن من الباب، ومؤخراتهنّ المرتجّة وهنّ ينـزلن إلى الشارع، يسحبن في أثرهنّ العطور الأخاذة، وبطّات السيقان تفصح عن وفرة الهرم المقلوب، وغزارة طراوته إذا دوعبَ مشّفراه بخبرة.
"يا طير الدرّاج، كل ما فيك يؤكل بإلتذاذ ونهم!" غنت جوانحه لصعود فتاة تخفق أذيال العباءة حولها لتغطي ثم تكشف أجزاء مترعة من قامتها الطويلة. بحثتْ عيناها عن مكان في الخلف، غير أن تحرّك الباص المفاجئ حملها على التشبّث بعروة المقعد المجاور والارتماء فيه.
بقلبه، تلقى أبو السعد ارتطام أردافها بالخشب الصلب، وصاحت أمّه من أعماق تربتها: "لن ترضى بكَ عائلةٌ نسيباً لها بعد الآن!" فلاحظ أن الغبار داخل الباص أقلّ كثافة من الشارع. أرجعَ ذلك إلى أنفاس الركاب، رئاتهم تنقّي الهواء، وهي الآن ملوثة بالطين، ورئة المعلّم المتقاعد سُدّت منافذها "هل استدلّ على بيته، أم ما زال يضرب في الشوارع والطرقات؟" بينما رئة الشابة تفوح منها الأنفاس العبقة، أنفاس الثامنة عشرة، أو التاسعة عشرة "لقد بلغتَ الثلاثين، ولطّخت اسمكَ بكل السيئات، فلن تقبل بكَ باكرٌ ولا مطلّقة!" عادت التربة إلى التأكيد، وهو يصغي بحزن، ليس لضياع الأمل في الزواج، إنما للخيبة الكبيرة التي ارتسمت على وجه الوالدة وهي تضع الأمر في مصاف الفجيعة، تشاركها نجيبة، من صمتها الغامض، الإحساس بالمرارة.
حين التفتتَ يسترق نظرةً أخرى من وجه الفتاة، ابتسم للنـزوة التي جعلته يفكّر حينذاك بالزواج، طلباً للخلود عِبْر ذرية يقطع من خلالها الأزمان الأبدية، فعبستْ الشابة في عينيه، وتمتمت "مغّتر بنفسه وهو في عمر جدّي!" ثم أشاحت إلى النافذة.
صبوحٌ، وجهها وشهواني، حتى في غضبه، وأردافها عالية، وهي مرصوصة على مقعد الخشب.
"ليس عبثاً أنهنّ مثيرات، فقد جعلهنّ الله يملأن الحضن من الخلف ومن أمام!" عادت نظرتها، متحدية، تستنّطق وجه الغريب إن كان يراقبها بعينيه الفاسقتين، فوجدته سادراً في نواياه الوقحة، يتصنّع النظر أمامه ثم يلتفت إليها، يرتشف، بلا حياء، من مفاتنها المحصّنة!
خزرته بنظرة نارية، مسّتهجِنة، وأدارت وجهها بأنَفة لتشّعره بالاستهانة، وأخفت، وهي تسّتر طرفها بالعباءة، الابتسامة التي طفرت في اللحظة الأخيرة على شفتيها الممتلئتين.
"آه!..." زفر بحسرة عميقة، لينقل إليها رسالة هيامه، ثم تمتمت شفتاه.
"أعطيك روحي، مقابل عضّة رقيقة من تلّة رَدفك الممتلئة!"
"ميدان النافورات!" صاح السائق دون تعيين أحد بصياحه. انتزع أبو السَعد روحه المنتشية من المقعد، بلا رغبة في الابتعاد عن الحياء العاهر الذي ما زال يبتسم في النافذة. ألقى عبارات الشكر والامتنان، موزّعاً النظر بين السائق والفتاة المتجاهلة، وأنهى الدرجات القليلة بسرعة، يدفعه إلى الشارع زخم الركّاب المتدافع للنـزول، وقبل أن يكمّل طريقه إلى الزجاج ليتزود بنظرة أخيرة، انطلق الباص مخلّفاً شريطاً متموّجاً من الوميض، تبعته سحابة كبيرة من غاز الوقود المعتم، وفي خواطره الملّتذّة ينكشف ويغيب جانب الردف المضغوط بقماش الموسلين الناعم.
لم يجد في الميدان أثر لنافورات، وعادت إلى خياله صورة المياه، كما رسمها منذ ساعة، تصعد في حزمة كبيرة لتهطل في رِشاش واسع مثل تويجات الزنبق. "هل أصولنا من المياه؟" سأل والده.
"نعم نحن من الأهوار، إذا كنت تقصد هذا. لكننا لسنا أسماكاً أيّها الحمار!". وفي فترات الظهيرة، راقب الحمار لعدة أيام قدمي الوالد النائم ليبحث عن الغشاء بين أصابعهما.
لم يعثر في الميدان على نافورات تنصبّ منها المياه، وسجّلت "حوافر" المارّة على الأرصفة رقماً جديداً لسمك الغبار يصل ربع الإنج في بعض الزوايا القريبة من الجدران، وإنهمكت عيناه، نصف أنظارها مرتدّ إلى الداخل يجتر أقواس الردفين الطريين، في البحث عن مطعم (الأفراح) الذي حدّدته نجيبة للّقاء.
بعد أن قرأ الأسماء وتفحّص دواخل المحلاّت والدكاكين، واصل دورانه حول الميدان، لأنه سيعثر على المطعم، أو عليها، قادمة بتنورة مشدودة، وجهها مزيّن بالأصباغ، لا تخطئ العين وقاحتها، لتعترف بضيق أنها أكلت في هذا المطعم قبل خمس سنوات "فكيف أتذكّر أن المكان داخل أحد الفروع؟".
عند باب سينما مغلق تبعثرت حوله الأوساخ من كل الأنواع، يتنقّل فتى في الثامنة عشرة، أو العشرين، بين عارضات الصور، يتأمل أفلام هذا الأسبوع والأسابيع القادمة. في مدخل أحد الأزقة المتصلة بالميدان، وقف كلب مُستنّفَر، يحمل جروحاً حديثة على وجهه وظهره الهزيل، راقب، بقوائم ترتعش، الضجيج وحركة الناس والسيارات والباصات وعربات الخيل، ثم انكفأ ليعود أدراجه بهرولة منحرفة. أمام واجهة مطعم تراكم على نوافذها هُباب العوادم والزمن والإهمال، تنافس ثلاثة صبيان على رفس ولكم وتمّليخ ثياب صبي رابع، يفلتُ، وتعود به القبضات من جديد. مقابل دكان يعرض البدلات الرجالية مدّ سمّاك، يقرّفص على الأرض، سمكة شبوط كبيرة ما زالت تنتفض، ونغز أسفل عنقها بطرف السكين، فتدفّق الدم مكوّناً بقعة يتصاعد منها بخار الحياة الأخير، بعدها قلب الذبيحة الساكنة على الجانب الآخر وشقّ الظهر بحركة واحدة تحت أنظار عدد من المارّة تحلّقوا في دائرة، يتابعون بشغف فأس السمّاك، تفلع الرأس بضربة قوية، وكفّيه الملطختين توسعان الشقّ وتفتحانه عن آخره ليظهر البطن، دافئاً، أزال عنه الأحشاء ورماها إلى يمينه، وكشف، لأنظار الزبون أولاً ثم لأنظار الجمهور، اللحم الأبيض، عَضيضاً، دسماً، قابله الجميع بالإستحسان، وصاحب الدكان بعلامات الرضا والإنشراح، وأبو السعد بلسان يريّل منه اللعاب، وفي يده أشارت الساعة إلى التاسعة والنصف دون أن يظهر أثر للتنورة الضيّقة "قلت لكَ تعال إلى البيت، تقول لا تعرف الطرق وسط المدينة!"
ما زالت وجوه الممثلين وأوضاعهم السينمائية تتراكم وتُغّرق ذهن الفتى بالخيارات دون أن يرسو على قرار. على الجانب الآخر من الباب وقف أبو السعد يشاهد، دون أن يرى أو يفهم، إعلانات الأفلام ويراقب، بطرف عينه، الذراع البيضاء العارية، رَخصة، تملأ ردن القميص القصير، وتؤجج إيحاءات مثيرة للقَرص والحَضن والتقبيل، وعندما تراجع الفتى خطوة إلى الوراء، كمن ينتزع نفسه ليهمّ بالإنصراف، تقدم ابو السعد ليسأل، إذ ألحّت عليه فكرة إصطياد وجبة للأيام القادمة، عن ساعات العرض لهذا النهار. قال الفتى: "الحادية عشرة في الصباح، والثالثة بعد الظهر" فعاد يسأل، وقد عرف بخبرته أن الصيد مطواعٌ للألفة مع الغرباء، عن الفيلم المقرّر، أشار هذا بأصابعه إلى صور العارضة القريبة، موضحاً: "فيلم كاوبوي جميل!"
"هذا ما كنتُ أفكّر فيه!" قال أبو السعد.
والشمس تنهي ربع الطريق من قوس الزَوال دون أن تخترق كثافة الغبار، شعر طيفاً سريع الغضب يقف خلفه ويراقب بإنـزعاج مساومات قلبه، فتخلّص من الفتى على عجل، والتفتَ ليقابل، بإبتسامة نورانية، شقيقته الصغيرة.
لم يتغيّر فيه شيء، باستثناء بطنه التي ثقل عليها الشحم، وعيناه، اللتان تراكم فوق جفونها وأهدابها طحين الغبار، تبسمان قبل فمه. هيئة الصعلوك المُخجلة مرسومة على ملابسه ووجهه وسلوكه، وفي عاطفتها. "ماجن!" قالت لنفسها.
"ماجن في حياته، ماجن في أكله، وفي شربه! والسنين لا تظهر عليه، حتى لو عاش أربعين سنة أخرى"
"نجيبة!" قال كمن يحلم.
"منذ ساعة أنتظر داخل المقهى!" قاطعت أشواقه بلهجة مؤنبة، ثم: "تعال!"
سار إلى جانبها، يخفي دهشته من البنطلون، يضيق على عجيزتها ويكشف قمتي ردفيها مثل صياح الفضيحة. فكّر بها: دائماً جريئة، لا تهتم لأنظار الرجال تلتهم لحمها وعظمها! وبالفتى: "راح يتهرب لأن شهواتي طفرت إلى عيوني"
"كنت أبحث عن مطعم الأفراح!" قال ليخفف من انزعاجها، لكنها تابعت السير، كعباها يجعجعان على الرصيف "طيق! طاق!" ويضفيان الإثارة على اهتزاز مؤخرتها، والرجال يتوقفون عن السير لإلقاء النظرات الشرهة مصحوبة بالتعليقات، كلها بذيئة، عن المرأة التي ترتدي البنطلون، البدعة التي خلّفها الإنكليز، بينما الوالدة "رحمة الله عليها" تتملّمل ضيقاً تحت التراب من هذا السلوك.
حالما جلست به على الطاولة داخل المقهى، عرف أنها راقبت عبر فتحة الباب، وجزء من النافذة القذرة، مراحل تسكعه أمام صور وإعلانات الأفلام، وشهدت خطوات الدبور الحذرة التي اتّبعها للانقضاض على الفتى، قبل أن تترك فنجان القهوة وعلبة السجائر والولاعة في مكانهما وتخرج لتصبّ عليه نظراتها الساخطة.
"أمضيت الوقت أدور وأبحث في المطاعم، بينما أنتِ تنتظرين هنا، في مقهى!" قال ليزيل آثار الغضب المتبقي على فمها الملوي، ثم تناول سيجارة من علبتها الأجنبية وأشعلها بالولاّعة المذهّبة، بعد أن قلبها على راحته ووزنها وأظهر إعجابه بحركة من رأسه، ثم امتص نفساُ عميقاً ونفث الدخان بالتذاذ، ولاحظ أحد عمال المقهى الذي ينظر شزراً، من تحت جفنيه، إلى القادم المريب الذي عطّل أحلامه الهائجة للذهاب بها إلى غرفة المخزن، إلى الخلف أو في الطابق الأعلى، وإفراغ صديده الناري في بئر أنوثتها الصارخة.
لم يعد بيده من طريقة يلجأ إليها ليفرد تعبير سحنتها المتشنّجة غير حيلته القديمة، حيلة الطفولة التي يسلب بها جزءاً مما تخفيه داخل يدها، أو خلف ظهرها، من الملبّس الشهي، ومن نقود، ونفائس صغيرة، يطمع فيها وتتعصّب للاحتفاظ بها، متحفّزة للبكاء، سلاحها النافذ، أو الصراخ، تجذب بهما الانتباه. لكنه ينتزع من الضعف أسلحته الخبيثة، بأن يَحوِل عينيه، يقلبهما باتجاه أنفه، فتغرق في الضحك، وتكشف له ما تخفي، متّسخاً بعرق يدها.
دفاعات الغريزة الساذجة، واحدة لدى الإنسان والقطط، نافذة أحياناً، ومَجلبة للمحن في أوقات أخرى، لكن الشدائد الناتجة عن الرغبات عابرة في كل الأحيان. مثلما تخلي الرغبة مكانها لرغبة وافدة، يفسح الحزن مكانه في القلب لحزن جديد.
هكذا نرعى، أيتها الشقيقة المثقلة بلمعان الذهب ورنينه، في المساحة المقدَّرة بين العالم الأرضي وجنّة السماء، من نفس العشب الدنيوي للأحاسيس، إلى أن ينتهي الزمن الذي بدأه جدّنا آدم، يوم القيامة، فلا تنفشي بوجهي وبَرَك المسنّن!
وعندما تهبّ الخواطر القديمة، تابع أفكاره، مكلّلة بالحزن، عن موت الوالد، الموت الشنيع، حين تدهور على السلّم وهو في طريقه لإغاثة صراخكِ الساذج، يأتي الخاطر الجديد مكتسحاً صورة الموت، ليمتطي صهوة أفكارنا الحاضرة.
بلا جدوى، حاولت أن تخفي عن عينيه ابتسامتها المنّتَزَعة، ثم انفجرت بالضحك، تشيح قليلاً عن نظرته المحاصِرة، وتطبق أصابعها الضائعة بين الخواتم على فمها الذي ردّدت المقهى هديره.
"ماذا تريد؟" قالت، بعد أن هدأت وسيطرت تماماً على نفسها. وبتملّملها، خشخش الذهب وفاح عطر قوي من ثيابها وشعرها.
حين هدأ الصراخ عند الفجر، سحبتها القابلة من ساقيها، كتلةً صغيرة زرقاء، لم يفهم إن جاءت مجرّحة، أم مغطاة بدمّ أمّه، التي إندلق نصف أحشائها على الشراشف البيضاء، فأسدل طرف الغطاء على رأسه لحماية أنفه من الرائحة الزنخة التي فاحت مع البخار الذي صاحب خروجها. في الظلام، أراد التفكير فيما رأى وشمّ، بَيدَ أن تهليل القابلة والنعاس دفعاه آنذاك إلى قيعان النوم، وسؤالها الجاف، مصحوباً بعطر الأسواق الشعبية، يرفعانه، الآن، إلى لحظة الحقيقة.
"أن تجدي لي وظيفة في العاصمة" قال.
"في العاصمة؟!" تساءلت بلهجة ساخرة، وهي تعرف أنه لا يقوى على العيش خارج مدينتهم العمارة (*) فإذا انخسفتْ في الأرض يوماً سوف يظل يدور في الشمال والجنوب ثم يعود إلى حفرتها.
"وكيف أجد لكَ عملاً؟" عادت تسأل بلا اهتمام كبير.
"كل المديرين هنا يلبّون طلبات العسكريين!" أراد، دون أن يذكر، عشيقها الضابط.
ابتسمتْ، تمهد لردّها المخيّب، ثم قالت إنها لم تعد تعيش معه.
فكّرت بسعيه الخائب، لكنها أشفقت حين أطرق، وتأملت جحوظ عينيه، جميل، لأنه خفيف، يكشف جوعهما الدائم للحصول على ما يقعان عليه. مثل جحوظ والده، لكن بدون عصبيته وسرعة هياجه، وأخيراً عنقه الملوي على السلّم. تركوها وحيدة لينشغلوا بالصراخ، إلى أن امتلأت بمشهد الموت، والزَبد الأصفر الذي فاض من بين أسنان أبيها، يفيض من الذاكرة، كلما جلستْ وحيدة. فماذا يعني قَطع الذريّة؟ وهل يحمل سعدون عارها، أو يتخلّى عن التفكير بطلب جديد، إذا أخبرته أنها تعيش الآن مع تاجر حبوب بعد أن هربت من الضابط، لأنه يمعط سروالها بقبضة شيطان هائج، ويفحص فرجها بإصبعه، كلما تأخرت في العودة!
"تجّار الحبوب أيضاً متنفذون، وقد يعرف، هو أو أحد أصدقائه، مديراً كبيراً يجد لي وظيفة!"
"آه!..." صاحت، لتنفث شرر ضيقها، ثم فتحت إبزيم حقيبة اليد، مطلية بماء الذهب الزائف.
ليس لها حظّ فيه، أمّها المسكينة، ولن تعرف الراحة، في قبرها كما في حياتها، بسبب تصرفاته! طائش، مهما ردّت عليه الحياة بالمصائب. أناني لا يفكّر إلاّ برغباته، ولا يسمع غير نصيحة نفسه، وهي، لم تُسعد الوالدة ببيت وأحفاد، ولم تُدخل الاطمئنان إلى قلبها "سوف تقطعون ذريّتنا!" لكنها تعرف كيف تدبّر أمورها، الآن وفي الأيام القادمة، الأيام التي يحني فيها العمر ظهره، ويتحطم كل شيء باستثناء عاداته، فيأتي، كلما ضاقت به الدنيا، يطلب مساعدتها، وتأتي، مهما أقسمت على الهرب، بحزمة نقود تضعها في يده، لأنها تعرف، وتضحك من نفسها كلما تنذر بمجافاته، أن الدمّ يحنّ إلى الدمّ عندما تشّتد الغربة على الأحاسيس، كما تعرف، ويحزن قلبها كلما أخذها التفكير إلى الماضي، أنه لا يقبل اللوم طويلاً إذا سبّب العذاب لأحد، وعندما شدّته أمّه من شعره لأنه تنصّر، ثم لطمتْ خدها وناحت اسبوعاً، عاد في اليوم التالي أيضاً وجيبه مملوء بالجكليت. لذيذ، يقدمه له الطيارون الإنكليز في القاعدة الجوية شمال المدينة لأنه يجمع لهم الكُرات، ويعطيها منه الكثير.
"دَبّرْ نفسك بهذه النقود، وسأكتب لك عندما أجد من يساعدك في الحصول على وظيفة"
لم يتعجّل في تحريك يده، لأن الحزمة غدت من نصيبه.
خلال ذلك يمكنه التلوّي والتمنّع للتفكير، ومن فوق كتفه المطلّ على الزقاق المجاور وقع بصره على الكلب ذاته، وقد زادت جروحه وثخن القديم منها، ينظر برأس مرتعش وعينين غائمتين إلى الطرف الآخر من الميدان، تثنيه، كلما همّ بالعبور، لجج الأقدام، وتضاعف زوابع الغبار الغشاوة على نظرته اليائسة.
"خُذْ...!" قالت بحزم.
دسّ النقود في جيبه ليرضيها، تمهيداً لحديث آخر، وعندما إلتفت جانباً ليراجع فكرته، اختفى الكلب.
هل نفذَ، أم عاد على أعقابه؟ يريد الهرب بعيداً، إلى الضواحي الأقلّ زحاماً، الأكثر أماناً، أو هكذا تخبره غريزته. دفاعات ساذجة، كل الأنفس الحيّة تلجأ إليها، وهي لدى الحيوان أكثر صواباً، لأنها محدودة، لكن البشر يخترعون الكثير منها، يقعون وينهضون، ثم ينسون! والحجر بلا غريزة، مهما ضربته وثلمته لن يخفي رأسه من الضربة الجديدة. قد يتعلّق الأمر بالبصر! العميان أيضاً، رغم ما يقال من إنهم يرون الأشياء بقلوبهم، وإن الله يأخذ بيدهم، هم في الواقع يستدّلون على الحُفر بالعصا، لكنه يعيد إليهم البصر في الجنّة، مع ذلك يتحسّرون على ما فاتهم رؤيته في الحياة.
لم يعد أحد منها ليحكي لنا! قال المعلم المتقاعد. حسم أمره واختار الدنيا، بلا همّ ولا وجع رأس.
على الجهة الثانية من الزقاق ظهر الصبيان الثلاثة من جديد، ينهشون قضمات كبيرة من لفات البيض المشبّعة بالبكل الهندي الأصفر، تسيل خلطته الصمغيّة على شفاههم وأصابعهم وثيابهم، يتباعدون ثم يتجمّعون في وقفتهم غير مبالين بحركة المشاة، يترصدون الطرق ليظفروا بغزال خارج قطيعه، يعرفون كيف يدبرون أمورهم في الشوارع، وحين يعودون ليلاً إلى البيت يجدون صحن رز تتجمد فوقه يخنّة دسمة، تصدّ أنفسهم عنها لكثرة ما نهشوا طوال النهار. عندما نكبر نفتقد أيام الطفولة، كنا نعود إلى البيت فنجد ما نأكله. كلهم رحلوا الآن!
عندما أدار نظره إلى الداخل، وجدها تعيد إغلاق الحقيبة إستعداداً للذهاب، قال: "فكّرتُ بتأجيل السفر إلى الغد، هل يمكنني المبيت معكِ ليلة واحدة؟"
"خائب، وستظل خائباً!"
"لماذا؟" سأل الخائب، على وجهه أشرقت إبتسامة رضا أنها تذكّرتْ الأسم الذي غالباً ما نعتته به في الماضي، أيام اللعب والعراك، والخلافات الصبيانية.
"لأنك ستضيّع النقود في السُكر والسهر، وفي اليوم التالي تطلب اجرة السفر!"
إذا أقسَمَ لن تصدّق، تنهض إذا ألحّ، وتنكر، إذا أظهر حنينه إلى ساعات أخرى يقضيها بقربها، بينما الغبار، الغبار والحرّ وأنين المروحة السقفية، ونظرات العامل الذي يدور بين الكراسي والطاولات الشاغرة، تصدح في جوقة واحدة كئيبة داخل رأسه، تكبح الرغبة الشاردة في البقاء إلى جانبها، ثم تطلقها من جديد.
لم تعد أكثر حبّاً لقربه، أو تشتاق إليه إذا غاب فترة طويلة. أصبحت تشبع بسرعة من وجوده ، لا تهتم بسرد أطراف من حياتها، ولا تتلّهف إلى مزاحه وتعليقاته "كلما أتذكّر حركاتك وأنتَ تقلّد القرد الذي يقلّد مشية الرجل العجوز ينشقّ بطني من الضحك.." كتبتْ في إحدى رسائلها. الآن تكاد تساويه في العمر، ظهرها منحنٍ قليلاً، وقسم من جذور شعرها لم يتشبّع بالصبغة السوداء فبرز بياضه على المفرق.
عادت صورة الفتى، زنده الأنثوي عبر القميص الشفاف، إلى المقام الأول في حساباته. لقد أمضى آدم حياته بلا أب ولا أمّ، ولا شقيقة يقضي الليل في بيتها، والجميع يدّعون الانتماء إليه، العرب والعجم والإنكليز! هو الوحيد الذي لم يعرف الحنين إلى غائب، لم يتلطَ على بيوت الأقارب. الليفتنانت يونغ، المنمّش، يقول إنه قرد، بأكتاف عريضة، الجميع يعرفون هذا الآن لكنهم يتجاهلونه "إذا سمع الوالد، يشنقكِ على عمود وسط الدار" قالت الوالدة، لأن آدم نبيّ، مثل بقية الأنبيّاء، والرغبة التي جالت وتسكّعت في دمائه بعد نـزوله من الباص، يُشبعها في أحد بيوت الدعارة، ثم يرافق الفتى إلى السينما، فيلتَذّ مرتين، بمضاجعة امرأة من العاصمة موفورة الأثداء، وبوجود ذكر رُمّاني الخدود يتلامس، متصنّعاً السهو ومعتذراً بالظلام، مع أجزاء من بدنه الممتلئ باعتدال جميل.
"يجب أن أمرّ على السوق قبل العودة للبيت" قالت وهي تنهض، فشرب الخائب، وهو ينهض من جنّة أفكاره، حثالة الشاي من الكوب، ثم وقف، وشيّعهما عامل المقهى بنظرة حاقدة، تابع خروجهما بقلب حانق، ومن إرتجاج الردفين تزود بلحظة متيّمَة إخترقت نسيج البنطلون وما يليه وإرتشفت بحسرة من هضاب اللحم الأنثوي وواديه العميق، المظلم، تشرق في الخيال الممرور آبارُه النديّة.
آخر مرّة جاءت في تاكسي، قبل عام، أكثر من عام، حسِبَ الخيبان فترة الفراق عشوائياً بينما نجيبة تبتعد، يختفي ظهرها السافر بين الحشد، وستأخذ تاكسي لتتجنّب معاكسات الرجال وشتائم النساء، يعود بها إلى البيت، أو يأخذها إلى مكان جديد. متعجّلة في تنقلاتها، وسيمرّ عامٌ آخر، ربما أكثر، قبل أن يراها. الوقت، دائماً قصير بالنسبة لها، أو هكذا تتصرّف أمامه، ووقته طويـ يـ يـ يـل، لا ينتهي، فضفاض لا تملأه أحداث، ولا أفعال، ولا رغبات يشبع منها أو يتحسّر عليها، بالون هائل ما زال فارغاً، وعمره، سيكون بعمر النبي نوح، بدايته ضائعة، ونهايته بعيدة. لكن الوالدة "عندما تذهب إلى الجنّة تطلبنا معها، أنا أولاً، ثم نجيبة" هناك تعمل النفس ما تشتهي، كل ما تشتهي، فتيانٌ وحور عين، ويبدأ العمر بلا حساب، فهل يعلن هذا الغبار الذي لم يقع عليه نظر من قبل، هذه السماء، وقد تحوّلت إلى قطعة مدلهمّة من نار، والطيور، الفارّة إلى الكهوف أو إلى بلدان بعيدة، والنخيل، تنحني جذوعه العملاقة، تصارع الريح برؤوس شعث، هل تعلن نهاية العالم وقيام الدينونة؟
قلبُه يشعر أن لا دينونة في ذهن الله.
"قلبي يقول إنه نفض يديه من هذا العالم، سأم من شقاقات الأنبياء والأديان حول من يحرس أبواب الجنّة، لينشغل في أمور أهمّ"
في الثالثة، يعود الفتى إلى باب السينما، نقعد ساعتين في الظلام الجميل، ثم أقوده إلى أحد بيوت الدعارة، هناك أعلّمه دروب اللذّة، وبعدما تتفتح البراعم الطاهرة لشهواته، أكون أول من يمتصّ رحيقها"
لن يترك الميدان إلى أن تحين الساعة، ساعة الظلام اللذيذ، لأنه إذا ابتعدَ قد يضيع. الحياة تعطي القليل وتأخذ الكثير، وهذه الشوارع المحاطة بالأزقة، ضيّقة، وبعضها أضيق، كلها شمطاء، تتلوّى وتلتهم عدداً كبيراً من المسرنمين في مشيتهم، لا يعرف أين تأخذهم. إذا إبتلعت خطواته في غفلة منه، ضاعت المتع التي خطط لها قلبه.
في الجانب الآخر من الميدان، لامست أنفه هبّةٌ رقيقة من رائحة شواء، أغرت روحه على المغامرة والإكتشاف. ها هو الغيب يرمي تحت تصرّفه ساعة ينشغل فيها إلى أن تحين الثالثة، لأن أقداح الشاي التي احتساها، بانتظار نجيبة أو معها، ذوّب البيض والكباب، وهيأ فراغاً مناسباً لوجبة مشهيّة، وإذا صحّ ما ذُكر وقيل واشيع أن الوقت عدو الإنسان، فإن مركبة آينشتين، الذي اُعتبر في عداد الموتى منذ عشر سنين، تستطيع خفض الوقت إلى درجة الصفر "ليمتدّ عمري مليوناً من السنين، ربما أكثر، إلى أن اشبع وأطلب الراحة بنفسي. لكن، ماذا يفعل الإنسان مليون سنة داخل مركبة تمشي بسرعة الضوء؟"
في ركن مهمل من الساحة التي تتوسط ميدان النافورات السبع، عند نقطة معيّنة من مسار الرائحة بين أبو الخيبات وموقع النار، شاهد الصبيان الثلاثة يتمازحون ويتعاركون على حنفية يصدر عنها سيل ضعيف من الماء، يريد كل منهم إطباق شفتيه على الخرير، ويمنعه الباقون من الوصول. بعد خطوات من النـزاع الأخوي على النافورة العوراء، صرخ المؤذن، معلناً صلاة الظهر من أربع مكبرات للصوت تشقّ الآذان، فانتبه إلى باب واسع على يمينه، تؤطّره واجهة مزيّنة بنقوش مذهّبة، وقطعٌ من الخزف الأزرق، يعبر عتبته الرخامية عدد قليل من الذكور، داخلين أو خارجين. بسرعة إنحرفت أفكاره عن مجراها ودخل متصنّعاً الإيمان.
قَطعَ الباحة الكبيرة نحو هدفه، مخلّفاً على جانبيه إيوانات تتدلّى من سقوفها العالية مراوح وثريات كثيرة، يركع وينهض داخلها المصلّون في جماعات صغيرة متفرّقة.
في العمق، دخل الباب الذي جاء يقصده دون غيره، إذ لمعت في رأسه فكرة إزالة الغبار عن وجهه وذراعية وإفراغ جزء من أمعائه، كي لا تقطعه هذه الأمور، فيما بعد، عن مناوشاته مع الفتى، أو المسارعة إلى تنفيذ طلباته لإرخاء مقاومته، فيغدو من نصيبة في الأيام القادمة، إلى أن تنفد النقود.
بعد أن انتهى، شعر بالإرتياح، بالخفّة، بالنظافة، بفائدة هذه الأماكن للغرباء والمقطوعين. فكّر بهؤلاء الناس، واطمئنانهم إلى وعد غامض، يحملهم على حرمان أنفسهم من لذّات الدنيا، مقابل نعيم ونساء وخمر في حياة ثانية. قارن ذلك بالمتع التي تنتظره هذا المساء، فوجد أن الإنسان يخلق الأوهام المريحة للنفس ثم يتعصّب لها، يمنعه الكسل من التفكير بغيرها، أمّا هو، فيكفيه عصفور واحد في اليد، بدل عشرة على الشجرة "خاصة عندما لا يدلّكَ أحد على هذه الشجرة!"
أثناء عبوره الباحة الكبيرة غمره شعور بالسعادة أنه حرّ، لا يربطه بهذه الأمور شاغل، وقبل ذراعين من الباب العريض، المرصّع بالخزف، لمعَ رخامُ العتبة الصقيل للحظة ثم خَفتَ، فلطمت الأصابع النحيلة الخدّ الحزين إذ تذكّر أنه دخل بيت العبادة ولم يتخلّص من نجاسته بعد، فأسرع خارجاً.
"أجدادنا خاضوا في المياه مع الإوز، لهذا نتعثر حين نسير فوق اليابسة!"
بعد خطوتين التقط أنفه مسار الرائحة، فنشطت الحواس الخمس، يقودها الخيال، في تتبع سحابة الشواء القادمة من إحدى عربات الكباب، حيث النار المتوهجة تقطّر الشحم الذائب وتحمّر قطع اللحم المرصوصة على السيخ لتكون جاهزة للالتهام.
"خمسة أسياخ (4) لحم، وثلاثة من الكبده"
دون أن تتوقف يمناه عن تهوية النار بمروحة الخوص، نكشتْ يسراه الجمر بقضيب من حديد ومدّته إلى نهاية المنْقَل، فتأجج الفحم وتطاير الشرر على الرصيف ووجوه وثياب الواقفين، ثم هدأ، حين فرش البائع أسياخ اللحم والكبدة على النار، من غير أن تتوقف عيناه عن تفحّص المشتري الجديد.
"ثم لففتُ ذراعي حول رقبته ونـزلتُ به إلى الأرض وهو يرفس مثل العصفور!" تابع أحدهم ما انقطع من كلام، يطبق بزنده ويشدّ على رأس غير موجود ليصوّر المشهد، ويبرز عضلات ساعده المتين.
"والله شعرتُ فقرات رقبته تطقّطق في ذراعي"
أقسم العُتُلّ بإيمان عميق، منتشياً بالإعجاب الذي إنتقل من البائع إلى الواقفين أمام عربة الكباب.
1 - اللابرادور، كلاب مدرّبة على قيادة العميان أثناء السير، معروفة بعدم النباح، لكنها شرسة عندما تستثار. وهذه الكلاب غالية إذ يبلغ سعر الواحد منها حوالي 40 ألف جنيه استرليني بسبب مراحل تدريبها الطويلة، لكنها تُقدم من البلديات للعميان مجاناً.
2 - (Wake Up) مجلة فصلية تصدرها جماعة دينية مناوئة للفاتيكان وللبروتستانتية، تبشّر بقيامة وشيكة للمسيح.
3 - بيتر فينتش مقدم برنامج الطقس في تلفزيون وإذاعة البي بي سي.
4 - مفردها سيخ، وهي حديدة يسفد فيها اللحم لشيّه.
**(العمارة) مدينة جنوب العراق على نهر دجلة، بناها الباشا التركي رضا علي في القرن التاسع عشر لتكون مركزاً تجارياً لشراء وتصدير محصول الرزّ الذي يزرع بكثافة قريباً منها، قصدها آلاف المهنييّن من مدن العراق الأخرى، كل منهم يحمل، إلى جانب حرفته، عرقه وديانته الخاصة، عرب وأكراد وصابئة ويهود ويزيديين (عبدة الشيطان) وزرادشتيين (عبدة النار) ومسلمين سنّة وشيعة من القبائل العربية في المناطق المحيطة إضافة إلى سكان الأهوار، شكّلوا خليطاً بشرياً غير متجانس، يتبادل الكراهية والمنافسة على الرزق.