غرفة البرتقال: القسم الثاني

 

 

لا يتذكّر صَليما، يجهل الطريق إليها أيضاً، يتذكّر لحظة انحراف السيارة بين يدي صبحي، ثم ارتطامها بالحافة الصخرية، ولو حدث الانحراف إلى اليمين لتدهورتْ في الوادي، لقضي الثلاثة فوق الصخور السحيقة، وعلى الرغم من الخوف الذي فاجأه، قال إنه لا يكترث بالموت إذا حدث، لا يتذكّر مشاعره الكاملة في تلك اللحظات الخاطفة، إلاّ أن العبارة طفرت بصدق، حين أفلت اللسان من كل ضوابط العقل. الآن يشعر بالخوف، بالقلق، تتجسّد له العواقب الخطيرة في كل لحظة، لكثرة ما يفكّر بذاك المنحدر المتجهين نحوه بلا كلل، يتمثل المكان، يدرس الاحتمالات، تملأ الصخور الكبيرة رأسه، فلا يتراءى له أي مخرج.

تساءل، إذا كان هذا الأحمق لا يريد أكثر من ترويعها، لماذا يختار هذه اللعبة الخطرة؟ فكّر أن شخصيته لا توحي بالشجاعة، إلاّ أن الخوف، الشعور بالجبن قد يحملان المرء على الانتقام بالأسلوب الذي يقدر عليه، مهما كانت بشاعته.
تناهت إلى سمعه أصوات غناء مختلط بالصياح وإيقاع طبل ومزمار بلدي. بدأوا يقتربون من ساحة عامة وسط المدينة، إلى اليمين تهبط المياه من شلال جميل لتصبّ في بركة كبيرة يتجمع حولها الزوار.

إذن نحن في حمانا، خاطب جلال نفسه، شاهد البيوت القديمة الممتدة على اليسار، ومقاهي الشاغور، تذكّر السهرة التي قضاها في أحد هذه المقاهي قبل ثلاث سنين حين جاء به آرام صاحب المكتب.

مقاهي الشاغور معروفة بسهراتها الليلية، حيث يتوافد سكان المدن والقرى المحيطة من دروز ومسيحيين، ليستمتعوا بالمآكل الطيبة والموسيقى والأغاني والرقص، ومواويل الميجانا التي برع بها مغنو الجبل، وتعلّق بها سكانه، فتشهد حمانا في مواسم الاصطياف أجمل السهرات واللقاءات التي تستمر إلى وقت متأخر من الليل.

إلى الخلف، في مطلع أحد الشوارع، شاهد جماعة من الناس يدبكون، يحيط بهم جمهور صغير، والسيارة التي تحمل الشرائط الملونة أعلى هوائي الراديو واقفة هناك، مع بقية السيارات التي مرّت بهم في الطريق.

أطفأ صبحي موتور السيارة على الرصيف المواجه لمحل يبيع القهوة والمعجنات، وفهِمَ جلال من خلال كلام الناس أن المنهمكين في الرقص عادوا من مطار بيروت بعمّهم القادم من الأرجنتين، وهو يزور لبنان بعد خمس وعشرين سنة في المهجر.

هزّته الموسيقى بإيقاعها العنيف الرتيب، انتابته رغبة قوية في الدخول وسط الجماعة لمشاركتهم الرقص، لتخفيف التوتر الذي أرهق أعصابه، بَيدَ أن الخجل منعه، الحزن المتصلّب فوق وجه وداد منعه أيضاً، ثم الخوف من أن يظهر مثل مهرج يتعثر بثيابه بين هؤلاء الراقصين اقتلع تلك الرغبة من رأسه.

(حمانا ترحب بكم). وقف جلال يشاهد المحتفلين، بينما مرّ الآخران على لوحة الترحيب متجهين إلى محل القهوة. كانت تمشي وتتمْتم “حمانا! حمانا!..” كما لو أنها تريد ابتلاع، أو لفظ، كلمة غاصة في بلعومها، بينما نفخ زوجها أرنبة أنفه ليتبع رائحة القهوة والمعجنات المحروقة.
دخل صبحي المحل، دخلتْ بعده، من دون أن تلتفت وراءها. فكّر في البقاء مع الناس، يتركهما لوحدهما، ربما تقنعه بالعودة إلى بيروت، تخفّف يأسه بكلمة مطمئنة ليتخلى عن فكرة المنحدر ومخاطرها، غير أن المحتفين تحركوا في موكب واحد، سعيد وصاخب، إلى أحد البيوت المطلّة على الساحة، وبدأوا يلجون الباب تتبعهم الموسيقى، إلى أن اختفت الضجة وراء الجدران، فغدا بقاؤه في الخارج أشبه بالتجاهل المقصود، أو إظهار الجفاء إلى العلن، وليس الوقت مناسباً لتصرف استفزازي من هذا النوع.

حالما اختفى الموكب، عاد الهدوء إلى الساحة، ليشمل البلدة بأكملها، صوت المياه وحده يوشوش في الأسماع، وهمهمات الناس المعلقة أنظارهم بالشلال. هدوء مريح، بيروت مدينة للصخب والفوضى. أحسّ ضجيج السيارات يخترق بدنه ورأسه وعظامه حين تذكّر مكتب التصميم في شارع بشارة الخوري، الدوي الذي تشبّع به جسده أثناء النوم، أصبح يهزّه، يهدر داخله وهو على مسافة مئات الأميال عن بيروت.

كيف تتحمّل هذه الأصوات في الليل؟ سألت وداد في زيارتها الأولى للمكتب. أصرخ بوجهها إلى أن تسكتْ، ردّ مازحاً، وفي أعماقه شعر بالخجل من حالته، بقية النهار حاصره اليأس من وضعه بأكمله، مُذْ جاء إلى بيروت لم يكتب القصائد التي يحلم بكتابتها، تراءى له أن إيمان الأصدقاء بموهبته الشعرية يحرجه، يطالبه بالكتابة والتكريس، هذا الإيمان الذي راح يغزو، ولو بشكل أكثر اعتباطاً، أذهان الزبائن الذين يترددون على المكتب، مما ألصق بشخصيته طيفاً ساخراً، يتبعه أينّما انتقل.

عشرات الوجوه تدخل يومياً المكتب، لبنانيين وعرباً وأفارقةً وإيرانيين وأوربيين، ومن قارات بعيدة. وجوه شابة تفيض بالحماس والإيمان، وأخرى أكثر نضجاً، أكثر تجربة، ترشق على زاوية الفم ابتسامة صغيرة واثقة، تَعدُ بمكانة قياديّة مهمة، جميعها تحمل، أو تتابع كتباً سياسية ونشرات وبيانات وجرائد صغيرة ومجلات، تعبّر عن آمال زاهية تبشر، رغم تناقضها وصراعها الخفي في ما بينها، بمستقبل مشرق، سعيد، ليس للبنان والعرب وحدهم، إنّما للبشرية الضالّة أيضاً، البشرية الحزينة، المغدورة، التي لا تعرف طريقها الصحيح إلى الخلاص.

أصحاب هذه الوجوه الفائرة الدم، الذين تعرفوا على جلال وتعودوا وجوده وخدماته، أصبحوا يسمونه الشاعر، مفضلين الكنية على الاسم الأصلي، كون الألقاب تحظى بمنزلة كبيرة في حياة اللبناني، هذا أيضاً يؤلمه، رغم العلاقات الودية التي نشأت بينه وبين عدد كبير من اللبنانيين والعرب والأجانب من خلال عمله في المكتب.

تحمّلَ وضعه، قبِلَ الراتب الصغير الذي يقدمه آرام، صاحب المكتب، الطيب القلب، الدمث، مع زاوية في الغرفة الخلفية ينام فيها في الليل، ويطوي فرشته في النهار. تحمّلَ أيضاً الكتب والبيانات والمطبوعات التي لا يرتاح إلى أصحابها ووعودهم، كل هذا من أجل طموحه إلى مكانة شعرية متميّزة، إلى أن دخلت وداد مكتب التصميم في شارع بشارة الخوري لتسأل عن الأصوات التي تهزّ فراشه الليلي، فذكّرته بعجزه، وبؤس حياته، لأنها سألتْ عَبر خيال أشبعه زوجها بالرفاه.

كان صبحي يقول شيئاً ما لوداد عندما دخل، ثم رفع عينيه ليسأل، بود مصطنع:

ـ ماذا تشرب، طلبنا قهوة مع الكاتوه؟

ـ سآخذ قهوة لوحدها.

أجاب، يشعر بمرارة مزدوجة من اضطراره إلى مشاركتهما في تناول القهوة، لأنه كان يرغب في البقاء وحيداً، ولأن صبحي هو الذي سيدفع، وإذا غافله جلال لتسديد الثمن، سيثير الآخر ضجة كبيرة، مفتعلة، للانفراد وحده بمظاهر الكرم، أما إذا عاند وأصرّ على الدفع، حينئذٍ يبدو إصراره سخيفاً، بالقياس إلى وجبات الأكل في المطاعم، التي لا يتنازل صبحي عن تسديد فواتيرها.
هذه المسائل الصغيرة تؤذيه، إلاّ أنه دائماً يجد نفسه منقاداً إلى صحبتهما، ثم نادماً على انقياده. اليوم تحاصره بقسوة، يشعر بها جزءاً من الخطأ الذي جرّه ليضعه، في آخر المطاف، بين يدي صبحي ليلهو بمصيره.

كان يتجنب النظر في عيني صبحي، وشعر بالآخر، من جانبه، لا يركّز نظره عليه، وعندما انحنى على الصحن بدت طريقته في الأكل شرهة، مثيرة للتقزّز، لأنه يُقبِل على الكاتوه بشهية كبيرة، مثلما يُقبل على رغباته الأخرى.

لكن، ماذا تراه يفعل بنقوده الكثيرة، إذا لم يأكل بنهم ويتذوق كل طعام يصادفه في الطريق؟ بينما وداد تحذّره، تراقب كميات الثريد واللحوم والحلويات التي يلتهمها زوجها كل يوم، ثم تحذّره من الأكل الذي يهدد قلبه البدين. تريد الطلاق وتحرص على قلبه في نفس الوقت!

ماذا لو أنهى فنجان القهوة، ثم يعلن أمامهم عزمه على العودة إلى بيروت؟ لا يستطيع التأخر أكثر، يقول لهما، فيتحرّر من عوامل الضيق الذي يطبق على روحه، خاصة أن سيارات النقل الصغيرة تنتظر الركاب في الجهة الثانية من الساحة. تخيّل عيني وداد تصفعانه بنظرة حزينة، مفعمة بالخيبة، بينما يطلق زوجها ضحكة قوية، ساخرة، ثم يصرّ، بأسلوبه التهريجي الصاخب، على بقائه.
إذن، ليس هناك من مهرب.
ظلّت تتجنب النظر إليه، تأكل بصمت، دون شهية، ثم تركتِ الجزء الأكبر من الكاتوه والكرَيمه لتشعل سيجارة. حين وضعت السيجارة في فمها رأى جفاف شفتيها، ذابلتين وراء الأثر المتبقي من الصبغة الحمراء، تستعمل الأحمر الناري، يميل إلى البرتقالي. عندما شاهد طبعة الشفاه على عقب السيجارة التي أطفأتها في المنفضة هذا الصباح، انبعث في قلبه إحساس عذب تجاه شفتيها.
تذكّر أشواق وسعادات غرفة البرتقال، هجمتْ تفاصيل الغرفة وأثاثها، النافذة الطولية، السرير الضيّق، لتحتل تفكيره. استغرب حين أخبرته انهما ينامان منفصلين، لكلٍ غرفته، منذ بداية زواجهما، قالت إنها فكرتها، لكن لم تشرح السبب، سوف ننام كل واحد في غرفة عندما نتزوج، هل يضايقك هذا يا حبيبي؟ لم يعارض، لكنها لم تفسر له أسباب رغبتها، بقي وحده يتساءل: كيف ينام العاشقان في غرفتين منفصلتين؟ لم يفكّر في الموضوع مرّة أخرى، إنّه يقلقه، يجرّه من أطراف ثيابه ليعود به إلى حياته وظروفه الصعبة وآماله الضبابية.
ـ الكاتوه لذيذ، قال صبحي.
راح يمطّق ويمصمص بقايا الكريمة العالقة خارج فمه، ثم أشار إلى الصحن الآخر، سأل:
ـ لماذا تركتِ قطعتك عند هذا الحد؟
قالت وداد:
ـ ليست لدي رغبة في الأكل.
ـ إذن، أكمّلُها أنا، سحب الصحن إلى جهته وقضم أول جزء من الكاتوه.
نظرتْ إليه في ضيق، ثم قالت:
ـ تعرف أن الزيوت والسكر تضرّكَ!
ـ يجب أن نتذوق خيرات الحياة، ردّ على تحذيرها بشفاه ملطخة. الإنسان لا يعرف ما يحدث له في يومه، ولا في غده.
انزعج جلال من حكمة النهم التي أطلقها، إنّه لا يستطيع تفسير ألغازه ودوافعه في تلك اللحظة. فكّر أن حب الحياة، هذا التلذّذ الصوفي بالمآكل، لا يجعل الإنسان يختار الموت مهما كانت أسباب اليأس قوية، إلاّ أن هذا لا يمنعه من المغامرة، للتشبث بما يملك، خاصة عندما تكون الغنيمة، في النهاية، امرأة.

إنه ذاته، رغم عجز اغراءات الحياة في الاستحواذ على كامل تفكيره، لا يرغب، بل لا يريد خسارة وداد، فلماذا يلوم الآخر؟ لماذا يكرهه؟ ولماذا لا ينسحب من المعركة، لترسو سفينتهم المضطربة، على مكان آمن، يخرج فيه الثلاثة سالمين؟
إن تراجعه يعني تنصّله من كل ما قاله، كل ما تحمس له، كل ما وعد به، وكل ما دافع عنه من أفكار وآراء أصبحت تمثل، بالنسبة للآخرين، القشرة التي تعكس بقية ذاته المخفية عن الأنظار، أنظار الجميع، بما فيهم أنظار ذاته، ناهيك عن أنظار وداد. إنه يقف الآن، في هذه المدينة الغريبة، فوق جبل كبير ما فتئ يعلو ويرتفع عن المهاوي الأرضية، مشوشاً، لا يعرف ما يتعين فعله.

جاء مقدم حذائها يحتكّ، يتلمس طريقه، قصداً أو بطريق الصدفة، إلى أن استقر في اطمئنان إلى جانب حذائه، يرسل إشارات الخوف والاشتياق، الرغبة والتعاضد. عَبرتْ إشاراتها مثل ذبذبات الكهرباء إلى أنحاء جسده، تقول له في صمت، أن السفن الضائعة قدرنا ونصيبنا، إلى أن ننزل إلى اليابسة.
نهض صبحي، فأنفكّ عناق الأقدام، وتعطل همسها، ذهب إلى صاحب المحلّ، راجع بإشارات خرقاء من يده محتويات المائدة، ثم دفع واسترجع الباقي، عدّ قطع النقود الصغيرة بانتباه ثم جاء ليتقدم الآخرين إلى الباب.
تساءل، وكانوا يتمشون حول الساحة، تفصل بينهما مسافات شاسعة من الصمت، إن كانت قدمها امتدّت إليه لتستمد منه الشجاعة، أم لتبعثها في نفسه، بعد أن شاهدتْ الأضواء تنطفئ على وجهه الواحدة بعد الأخرى؟
لاحقت أنظار صبحي طفلاً في الرابعة، جميلاً أشقر، يتقدم والدته بضع خطوات على الرصيف، وهو يتلفّت بين فترة وأخرى ليتأكد من وجودها، أو وجوده قريباً منها. ذكّره شعر الطفل بشعر فؤاد، ابنه البكر في طفولته، الذي يشبه شعره، لكن شعر فؤاد بدأ يميل إلى السواد منذ السادسة، ليأخذ سمت ولون شعر أمّه.
هكذا تعمل الطبيعة، قال صبحي لنفسه. تُثبّتُ الألوان بموجب قوانينها، وتوزع القدرة على العطاء والشحّ لدى الإنسان بموجب نفس القوانين، فلولا عقم رحمها، ووداد تنكر عقمها، لأنجب منها طفلاً، يشدّها من خلاله إليه، يربطه بها إلى بقية العمر.
أول عمل خطّط له بعد الزواج هو الإنجاب، تحويلها إلى أمّ، تركيز شخصيتها بأمومة، إنضاجها وإبعادها عن صبوات المراهقة القديمة بحياة صغيرة من صُلبه ولحمها، تستحوذ على تفكيرها وتثبت عواطفها في اتجاه واحد. وداد كانت راغبة في طفل، متحمّسة إلى الأمومة، إلاّ أن العجز في أحشائها عرقل خططه.
لعلّها ما زالت صغيرة، فكّر في البداية، ثم بدأ الخصام بينهما مع كل سنة جديدة من الانتظار، حلّ اليأس وقبِلَ الاثنان هذا المصير، لكن من موقعين مختلفين، متناقضين، لأنها تصرّ على رأي طبيبها الذي يعزو الفشل إلى صبحي بسبب العمر، وصبحي من جانبه، لا يمكنه رفض تقرير طبيبه، يدعمه في موقفه أُبوتُه لثلاثة أولاد.
قال لها إن إبراهيم أنجب من سارة وهو في التسعين (على الكِبر)، ردّتْ بغضب، تدافع عن كبريائها: لسنا أنبياء ليتدخل اللّه في مصائرنا! فاقترح، لحسم الأمر، السفر إلى أوربا لأجراء الفحوص، فردّتْ بتحدٍ: لِمَ لا!
لم يضعوا أقدامهم في أوربا، كانت مسؤوليته ووظيفته تكبران باستمرار، من مدير محاسبة إلى نائب وزير، عدة مرّات خطّطا للتوجه إلى أوربا، بَيدَ أن خططهما انتهت بزيارات سريعة إلى لبنان، ثم نسيوا موضوع الفحوص، أهملاها، وماتت الرغبة في التحدي التي فجرها جهل الأطباء العراقيين في تحديد المسؤولية. إنقضّ الخوف على صبحي من أن يكون العجز فيه، أن تكشف أوربا نضوب خصبه، وإنكفاء رجولته إلى الانتصاب وحده، قذف الخواء والعدم، إلى أن وصلتْ هناء، لتذكّره بالتحدي القديم.
كانت وداد قد أسرّتْ له أن صديقتها أسقطت جنينين قبل موعدهما، ممّا أثار نفور زوجها، جعله يميل إلى رأي أهله بضرورة الزواج من امرأة أخرى يمكنها الحمل، والإسقاط. إذن لماذا لا يمتحن قدرته على الإنجاب من خلال رحمها؟ فكّر صبحي قبل سنتين، كيف يناله العقم وهو في السابعة والأربعين؟ ستقضي هناء معهما ثلاثة أسابيع في بيروت، فرصة ممتازة، ثم تظهر النتائج لدى عودتها إلى بغداد، وهناك يرتب لها عملية الإجهاض بكل سهولة، بعدها يقود وداد من يدها، يذهب بها إلى أوربا ليكشف لها الطرف المسؤول، ومن الذي أيبس العقم أحشائه؟
دخول وداد فاجأهما، فاجأ خطته، وأدانه بالذنب الذي تهون أمامه كل الأخطاء والذنوب، فعادتْ هناء إلى بغداد في اليوم التالي، وعندما لحق بها بعد أسبوعين، قالوا إنها سافرت إلى المغرب لزيارة أخيها وزوجته في الدار البيضاء، ففقد، إلى الأبد، مصير البيوض التي زرعها في الرحم الذي يتقيأ ثماره قبل موعدها.
مرّ الثلاثة على كراج السرفيس. ما زالت السيارة المتجهة إلى بيروت تنتظر راكباً، راكباً واحداً، ذاهباً لقضاء الليل في حانات ومراقص بيروت، أو هارباً من شبح يطارده في الجبال التي بدأ نور الغروب يفرش بساطه الذهبي الأخير على ذراها الغارقة في الصمت.
يمكنها الدخول، الانحشار بين الركاب فينطلق الشوفير إلى بيروت، تحبط مشاريع الموت التي تدور في رأسه بحركة واحدة. لا أريد أن أموت، كلمة واحدة تقولها، اذهبْ إلى صَليما وأرمِ نفسك في الهاوية، ثم تدخل لتحتل المكان الأخير الشاغر، لن يمنعها، لن يستطيع شيئاً حيال تمردها، سوف تشلّه المفاجأة، يظلّ يبحلق بعينيه المسكينتين، المرتبكتين، كما يفعل حين تباغته الأحداث الكبيرة. بدل سيارة الأجرة، صعدتْ إلى المقعد الأمامي في سيارتها الصفراء، جلس صبحي وراء المقود، واتخذ جلال مكانه في الخلف. “قال إنه لم يشتهِ هناء كامرأة، تلاشى البريق الحاد الذي يصاحب نظراته، ليكتسحها الذل والارتباك، قال إن النقطة التي جعلته يضعف أمامها، ينصاع لإغوائها، هي الشفقة، عدم إذلالها بعد أن كشفتْ عن رغبتها، تلافي جرحها بأنها انتهت كامرأة، وكنتُ أهيئ نفسي لأخبركِ بما حدث.
“كرهتُ نظرته المنكسرة، وكرهتُ نظرتها عندما فاجأها دخولي، كرهتُ التواء فمها، كرهتُ فخذيها البضتين عند الركبة، مشرقتين خلف تخريم القميص الأسود الشفاف، الفخذين اللتين أحببتهما، حرّكتا الرغبة بين أعطافي حين قبلتهما أول مرّة، صعدتُ على بطنها الصلب، رائحة الحمّام هيّجتْ النيران في رأسي، قبلتها من شفتيها. تعمّدتِ الاستلقاء إلى جانبي على السرير بعد الحمّام، لم أشعر من قبل عذوبة هذه القبلة، ولا إثارة الجسد، أحسّستُ كما لو أنني أدسّ عريي بين نجوى وعمتي فتذوب فخذاي وصدري وذراعاي بين ضغط ومداعبات جسديهما المعطّرين.
“لا تخبري صبحي، أرجوكِ، لنجعل الأمر بيننا، لا أحبُّ أن يأخذ فكرة سيئة عني، قلتُ لها لن أخبره، قبّلتني. هل تصارحينه بكل شيء في حياتك؟ قلتُ نعم، لكنني لن أثير غيرته بما حدث، قبّلتها بفرح، بحبّ غامر، لقد امتلكتُ شيئاً جميلاً، لا ينبغي تعريضه للفقدان مهما كان السبب.
“لم أقصد إيلامكِ، قالت، قلتُ لها، أخرجي لا أريدك في بيتي، لم أسألها إن كانت أخبرته عن ليلتنا المجنونة، ستكذب. إذا كان يعرف، فإنه يخفي هذه القصة إلى اللحظة الأخيرة، يحتفظ بها مع أسلحته الأخيرة، أسلحته الوسخة كما يسميها جلال، بكيتُ في المطبخ بعد أن سمعتها تخرج.
“لا شكّ أنها أخبرته، كانت تلعب بيننا، لئيمة، تقول إنها تكره الرجال، يرفعون سيوف ذكورتهم فوق رؤوسنا، ولا نعرف ما يفعلون خارج البيت. كذابة، لا بدّ أن زوجها اكتشف علاقاتها بالنساء أيضاً، ما زالت تحبّه، تحسّ بالتشرد بدونه، خيمة دافئة وأمينة، يمكنها تحمّل شروره الأخرى، ستعود إليه مثل الكلبة إذا أشار بإصبعه، قالت عمّتي لماذا لا تزورانني في البيت، عرفتْ، كنت مع هناء في السوق، يعرفن بعضهن من العيون، بينما لم أكتشف هواها إلاّ في بيروت، إلاّ عندما أنهت حمامها وتمدّدتْ إلى جانبي، تحدثنا طويلاً قبل أن تضع يدها فوق ركبتي، ثم تُنزل كفها الدافئة على فخذي وتداعب بأناملها الرقيقة عنّتي ثم رأس بظري، وكانت تهيئ على وجهها ابتسامة طفل لا يعني شيئاً بما يفعل، إلاّ أنني تخدرت فاستسلمتُ للّذّة التي فاجأتني، وأصبحت أهتاج كلما تذكرت تفاصيل تلك اللحظات.
“لم يهتم جلال حين أخبرته، صمتَ للحظة، ثم هزّ كتفه، قلت له أحببتُ تجربة الجنس مع امرأة، لم يبدِ أي انزعاج، لكنه تضايق كثيراً عندما أخبرته عن السيارة، قلت له بِمَ يُذكّرك هذا اللون؟ قال: بالبرتقال، لكنه لم يضحك، ولا ابتسم. أخذه اللون إلى غرفة البرتقال، إلاّ أن موضوع السيارة ذاتها أزعجه، كما لو أن صبحي اشتراها لي ليشعره بعجزه، بحاجته، بعدم قدرته على تقديم شيء حقيقي، هذه المقاصد ليست غريبة عنه، يفعل كل شيء ليهدّم حبّنا، ما زال يحبّني، ليت هذا الحبّ يموت فأتخلّص من عذابي، أتحرّر منه إلى الأبد.
“قالت عمّتي وفيقة: غبية، يكبركِ بعشرين سنة وله ثلاثة أولاد، ماذا تفعلين حين يبلغ الستين، هل تصبحين ممرضته؟ يقول جلال إنه الامتلاك وليس الحبّ وراء تشبثه بي، عدم الرغبة في فقدان المرأة التي يملك، ولو وجد امرأة أخرى في عمرك وتحبّه، لتخلّص منك بكل السبل. لا يعرف كم يحبّني صبحي، أنا أعرف، لن يحب امرأة أخرى، يقول هذا الكلام ليدافع عن موقفي”.
بعد حمانا خفّتْ كثافة الأحراش على يمين الطريق. تتباعد أشجار الصنوبر وتتوزع العفصيّات على أرض صخرية وعرة، داكنة، تبرز منها نتوءات ضخمة، شامخة في بعض الأماكن.
كانت السيارة تنطلق على قمة السفح فاختفى الوادي عن الأنظار، بدأت الطبيعة تتعرى، تكشف الجانب القاسي من ذاتها.
هنا أيضاً مرّت قوافل الإنسان منذ آلاف السنين، وهو يشقّ بأقدام عارية الأخاديد والطرق الضيّقة، ينقل جذوع الأرز الثقيلة إلى صور وصيدا، ليشيّد هياكل الآلهة ومنازل الملوك، يدين لهم بالخوف والحبّ، مقابل الاطمئنان في الحياة، والخلود بعد الموت. السعي الأزلي للذات القلقة، وهي تعبر، بكل ما يصاحب عبورها من ضجيج، إلى نهايتها المحتومة.
مشهد الصخور أضفى كمداً حزيناً على الموكب، المتّجه بعناد إلى هدفه. راحت صَليما تتكثّف في خيالهم، مدينة للموت، لانتقام الأزواج المغدورين، ولبنان بسحر طبيعته، بجمال فتياته وفتيانه، بعذوبة هوائه، بملذاته المتنوعة، ما هو إلاّ مشرحة لاختبار العواطف الضالّة، لامتحان الوفاء الذي شيّخه الزمن، لإيناع الأشواق التي أصابها الجفاف، أو معرفة أسباب نزوعها الدائم إلى الجفاف.
لبنان يضيء الإنسان من الداخل، فيحرق الأطراف الرقيقة فيه، يعشي الجوانب التي لم تتعود النور القوي، يغريها بالألوان الزاهية، ثم يتلفها ما إن تفتح مساماتها بالكامل. إن لهذا البلد سحراً ملعوناً، شيطانيّاً، وكل الفراشات التي تهوّم حوله تحترق بنيرانه، بشعوذته وتمائمه، القديمة والحديثة. هذه الحقيقة يكتشفها صبحي اليوم، في هذه اللحظة، وهو يقود سيارتهما الجديدة بين الصخور الحادة، التي تشكّل مع السماء الرائعة صورة للجمال المُهلك، الذي يمزج بين المتعة والموت، المسرّة والتحلّل.
شعر أن رهانه على بيروت كان أخطر من رهانه على حب وداد أمام أهله وأصدقائه، بغداد يهمها الشعور بالإثم، أكثر من الأخطاء التي أنتجته، والعراقيون يتسترون على الخطأ بالحديث الدائم عنه، بينما تشفق بيروت على المخطئ، وتتسامح مع نتائج أخطائه. اللبنانيون لا يطالبون بالإثم، لكي لا تلزمهم قواعده بشيء، لذلك، حين اختار بيروت ليحافظ حبّهما على نضارته وشبابه، كأنّما أودع هذا الحبّ معبداً وثنياً للعواطف، تتحرّر فيه الذات من شبح الآخرين، وقوانينهم الصارمة.
أما جلال، فقد جسدتْ الصخور العارية اندفاع السيارة في خياله، ضاعفت سرعتها، حتى بدا له مرورهم أشبه بالاختراق منه بالسير الطبيعي، والوقت يسرع بهم، تجرّه آلاف الخيول والماكينات، تدفعه الريح وتزيد في سرعته الانحدارات.
فكّر في سرّ بحث الإنسان الدائم عن أداة تسرع به. تراءت له عربات الماضي، بعجلات خشبية، تقرقع وتحثّ السير على هذا الطريق، متّجهة إلى الساحل، أو قادمة منه، محمّلة بالغلال، ثمار الأرض أو الأسلحة التي تخرج من أيدي البشر، تسابق الزمن لتبلغ مقاصدها في أسرع وقت، وهي عندما تمشي لا تفكر بالموت، يشغل تفكيرها المكان الذي تركته، والآخر الذي تتجه إليه.
هو أيضاً، لا يفكّر في الموت ذاته، إنّما يشغله المكان الذي يقودهم صبحي إليه ليموتوا فيه. الإنسان مكاني، قال جلال لنفسه، علاقته بالزمن قائمة على الوهم، فالصمت داخل السيارة هو الذي يضاعف السرعة في خياله، بينما أصوات الموتور تغلق تفكيره على الضجيج، تجعله يشعر بفقدان الوزن، والانخطاف وراء حركة للزمن لا مكان له فيها.
لو تكلموا فيما بينهم، قال في خاطره. لو كسروا الصمت الذي يعزل كل واحد عن الآخر، بأن يقهقهوا، أو يتناوبوا على العُطاس والسعال، لما شعر بالسرعة المخيفة التي تطوّح بهم بين هذه الصخور الجارحة، ولربّما أدى بهم الحديث إلى التفاهم، أو أعاد بينهم الودّ الذي حطمه التصلب والعناد.
“لو أنها تسرع، تبلغ هدفها الخبيث في لحظات معدودة، لتخلصتُ من هذا الضيق الذي يجثم على صدري، بالموت أو بالحياة، إنها تخبّ، مثل فرس عرجاء بين هذه الصخور المسنّنة لتزيد تعذيبي. القلق والتوجس أشد تعذيباً من الموت، أكثر تدميراً من مواجهة بلطة الجلاد. “
كريهةٌ، قطع ومفاصل من الحديد البارد، لا تعي أغراض الرجال منها، ولا تهتم لحِيَل الرجال ودهائهم. قال إنه معجب بجرأتي، لو أنّ النساء بنصف جرأتكِ، لأصبح للمرأة دور مميز في المجتمع. هُراء، البارحة جلس يناقشني طوال النهار عن الجرأة التي تقود الزوجة إلى التهور فتحطم بيتها وحياتها. الشجاعة، الجرأة، كلها أصبحت تقود إلى التهوّر، الحبّ نفسه أصبح تهوّراً، اكتشاف الخداع تهوّر لا يحق للمرأة اقترافه. قال إنني معجب بجرأتكِ، لم يقل في حينه إنني معجب بتهورك الذي سيجرّك إلى أحضاني!
“أنتِ فتاة جريئة، قال شهاب، قلتُ تعال نعملها بشكل كامل، قال لا، قلتُ له أدخلْه، فتح عينيه من الرهبة، صحت أدخلْه، قال أنت فتاة جريئة، تريدين توريطي، أقسمُ إنني لن أورّطكَ، أدخلْهُ، اللذة تأخذني، تستحوذ على عقلي، كنتُ متخمة باشتهائه، وهو يفتح عينيه ويتراجع، إلاّ أن سلمان فعلها، دون أن أطلب منه، قال لا تخافي، أنتِ جريئة، وراح يداعبني بإصبعه الغليظة، هيّج الشبق بين فخذيّ، فكففت عن الممانعة التي أبديتها في الأول، ثم طِقْ، فَقَع الغشاء الذي كان يحول بيني وبين اكتشاف أعماقي.
“ قال تعالي كل يوم إلى الشقة، سوف اشتري لك كل ما ترغبين، اعطيكِ مصروفاً، كان مباشراً بشكل جارح...هاكِ خمسة دنانير الآن، شعرتُ بالخجل، أعدتُ يده إليه، وكنتُ سأغتني بها لفترة.
“ليست الجرأة، الجنون هو السبب، الهوس الذي يثيره عطر عمّتي وصديقتها نجوى، عيون شهاب التي أردتُ الالتذاذ بهما عَبر كل جزء من جسدي.
“أخاف من كل ما يجري حولي، وأريد بنفس الوقت الخوض فيه، اقتحامه بأي ثمن. لم يكن من شيء اسمه ثمن، لم تكن ثمة قيمة واضحة لتكون ثمناً، الحياة من حولي مكشوفة، عارية، ومبذولة، وعانة نجوى الشعثاء، الكبيرة، تضيء في رأسي الأفكار المجنونة حتى في المنام.
“الآن مات كل شيء، أو أنه، في الحقّ، لم يكن موجوداً في الأساس، لو كنتُ جريئة لأخبرته الحقيقة، لصفعته بها، وببقية الحقائق التي يراوغ حولها نتيجة خوفي، أحبُّ جلال أو لا أحبّه هذا شيء لا يخصك، ثم أدير وجهي وأخرج من البيت، واحدة بواحدة، أقول له ...ثم أترك له البيت وأخرج، أردُّها له عشر مرّات كما فعلت سعاد مع زوجها، ثم أرحل. لكن إلى أين أذهب؟ “
قلتُ له تعال، في صالة السينما المعتمة فقدتُ الشجاعة لأمد يدي إليه، في المساء قلتُ له تعال. وجدتُ مكتب التصميم ضاجّاً بالناس والأصوات، وهو يجلس إلى طاولة يصحّح البروفات، أهلا وسهلا، قال صاحب المكتب الارمني، عُقبال نطبع أول كتبكِ، السيدة وداد، قدّمني جلال، كاتبة، لم أكتب إلاّ أشياء صغيرة، وكنتُ مزهوة من ثقتي بالنفس، هو أيضاً كان، صبحي يقول الاختلاط بالكتّاب والشعراء أفسدكِ، يعيش بين الضجيج وينام في المكتب، تحسّرتُ على وضعه، كنا نشاهد الأفلام ونجلس فترات طويلة في المقاهي.
“لم يخطر لي أن أحبّه، شيء غريب! عندما رأيته للمرة الأولى كرهته، لا أدري لماذا، ربّما حديثه الكثير عن الشعر من دون أن يكتب منه شيئاً، أو عدم اكتراثه بي، غروره، كرهته! ما أغرب الأسلوب الذي تعمل بموجبه عواطفنا! قلتُ له تعال، في ذلك اليوم من الصيف، قبل عامين، تعال، وكنتُ أوشكتُ أن أضع يدي فوق يده في النهار، الظلام يلفنا داخل السينما، وجرفتني رغبة قوية لإمساك يده، كنتُ طوال تجوالنا في أسواق ومقاهي بيروت أشعر بالسعادة من وجودي معه، أحسّ دفئه من غير لمس، اكتشفُ أنني انتظر لقاءه بلهفة، في العتمة، والشعاع الفضي للصور يقوى ويخفت على وجوهنا، اجتاحتني عاطفة قوية تجاهه، عدة مرّات همّمتُ بإمساك يده، لم تؤاتني الشجاعة، تمنيت أن يفعل ذلك بدلاً عني. “
تعال... “كأنه عرف فحوى ندائي، لم يسأل، لم يردّ، كأنّ النبتة ذاتها كانت تنمو في قلبه، قال إنني قادم، أغلقنا الخطّ، لكن الرهبة، الشوق، السعادة، كلها انفتحتْ في جسدي مثل شلال فائر”.
ـ هل تسمحين بوضع ولاعتكِ في حقيبة يدك! قال صبحي في ضيق.
أدارتْ نحوه وجهاً مستغرباً، مستهجناً بصمت لهجته الجافة، الآمرة، قال:
ـ إنها تتحرّك وتشخط على التابلوه كلّما مالت السيارة، هذا يثير الأعصاب.
جمعتِ الولاعة إلى علبة السجائر وكبّتهما داخل علبة المحارم. في هزّاتٍ بطيئة من رأسها عبّرتْ عن تذمرها من سلوكه، ثم أولتْ وجهها إلى الطريق.
من جديد ظهر السفح المقابل، راحت الخضرة الكثيفة تكبر وتتسع مع انحدار الطريق عن القمة، الدغل الجبلي ينتشر على جانبي الطريق وتختفي الصخور الكبيرة، ثم انبسطت الأرض لتعود أشجار الصنوبر والخروب والسنديان بالتدريج، متباعدة ثم كثيفة، تحفّ بالسيارة ضمن صف طويل منسق، بلا ظلال. كان ضوء الغروب وحده يخيم على الجبل.
ظهرت عدة لوحات زرقاء تحدّد القرى والمدن الصغيرة القادمة، ليس بينها صَليما، وحين اقتربت السيارة من المفرق المؤدي إلى مصيف فالوغا، لم يخفف صبحي السرعة.
مرّ موكب الصمت في سرعة كبيرة، لا يريد أن تشغله القرى والمصائف عن أهدافه المزمعة. اخترقت عظامهم رعشة خفيفة لهذا العبور، بمن فيهم صبحي. كان قد دفع نفسه إلى الأمام كثيراً، ليسترق النظر، في المرآة الداخلية العاكسة، إلى وجه جلال، ليعرف ردّة فعله، علائم الخوف على وجهه، فوجد عيون الآخر تنظر، كما توقع، إلى رأسه، التقت عيونهما للحظة، تبادلتا نظرات سريعة ثم هربت كلٌ منهما عن الأخرى. لكنه لمسَ ما يشبه الخوف في عينيه، فشعر بالارتياح.
منذ قليل تصوّر نفسه عائداً إلى بغداد وقد خسر وداد فانتشر بين الناس خبر طلاقهما، عبرت في خياله الوجوه التي يعرفها، وجوه الذين حذّروه، الذين تهامسوا وراءه، الذين وافقوا على مضض، الوجوه المحايدة التي لا تعرف خفايا الأمور، مرّت كلها في صفٍ واحد طويل من العيون الباسمة والمتشفية والمتغامزة، فقرّر أن لا يكتفي بالمخاطرة فوق المنحدر لترويعها هي وعشيقها، بل الاندفاع بهما، وبنفسه، إلى الهاوية، للتخلّص مرّة واحدة من الخسارة وآثارها. حبّها لجلال لم يعد يتأرجح في رأسه بين الشك واليقين، إنها تحبّه، الكلام والتصرفات، تصرفات جلال أيضاً، ساقت إليه حقائق لا يرفضها إلاّ زوج أقل ذكاء منه ودونه تجربة في الحياة، لذلك فإن المخاطرة بالسيارة قد تؤذيها فقط، تسبب لها جروحاً طفيفة، فتزيد إصرارها على الطلاق، بل تجعل الحادث ذريعة للانفصال. بينها وبين نفسها على الأقل.
الموت حلٌّ مريح، يعفيه من عذاب الخسارة، ويدفن السرّ مع العظام المهشّمة. ماتوا في حادث سير، يقولون، فلا يضطر لمواجهة العيون المنافقة، تأسف في الظاهر وتبسم في الداخل، يعرف الماء الذي يطوف فيه سوادها، الماء ذاته الذي تسبح فيه عيناه.
نظرات الناس ترعبه أكثر من كلامهم، يخاف أسرارها عندما تنغلق على الفهم، ومن طعناتها حين تكشف معانيها، ويزداد خوفه في هذه اللحظة كلما تذكّر طلاسمها ورموزها وإشاراتها.
نظرات العيون في بلده هي اللغة الأولى، ثم يأتي الكلام وبقية اللغات. الآن يشعر أن هذه اللغة إذا انقلبت ضده، سوف تجعله يذوق طعم الجحيم وذله.
هدأتْ سرعة السيارة، هدأتْ أشجار الصنوبر من الركض إلى الوراء، ثم توقف الجبل كلّه. لم تسأل وداد، وبقي جلال على صمته. ربّما غيّر رأيه، أو لاحت له فكرة جديدة. ظلّ يبحلق في الطريق، والسيارة تهدر بلا حركة، يفكر وينظر أمامه.
ماذا ينوي؟ يمكنه الاستدارة والعودة بهم إلى بيروت فتنتهي اللعبة بسلام، إلاّ أنها لم تسأل، لن تعطيه فرصة للكلام، لكشف خيالاته العدوانية، سوف ينزل في النهاية، قالت لنفسها، يختفي وراء إحدى الأشجار ويفرّغ مثانته.
إلاّ أنه كان يلهث في الداخل، انساق وراء الأفكار وراح يركض في أثرها إلى أن فقَدَ الإحساس بما حوله، توقف عن الركض ليلتقط أنفاسه، أتعبه اللهاث، شعر بالحاجة إلى لحظات قليلة يرتاح فيها، ليتابع الركض من جديد. من دون وعي تراخت قدمه عن دواسة البنزين، واستقرت على الأرضية في سكون، بينما ظلّت عيناه تبحران في طرق الماضي والحاضر، بعيداً عن السيارة ومن فيها، بعيداً عن مكان يجلس فيه ويداه متشبثتان بمقود لا يحسّ وجوده.
طافت في خياله، معذِّبة وقاسية، صورتها بين ذراعي جلال، متعلقة به ومرتعشة ومفتوحة الجسد، فاجتاحه غضب وألم عاصفان. الخطأ كان في مجيئها إلى بيروت، قال ويده تعصر المِقود بشدة، حاول إبعاد هذه الصورة البشعة عن ذهنه، غير أنها سيطرت على حواسه بلا رحمة. لا، لن تفعل هذا معي. قال يهزّ رأسه نافياً لعقله الملتهب، بعد فترة عاد يوجه سكاكين اللوم إلى ذاته، إلى تسامحه، رضوخه لرغباتها، على الرغم من معرفته بشخصيتها النزقة، كانت جريئة أكثر مما ينبغي. حين تعرَّف عليها، وجذبها إليه. قالت نتزوج ضد إرادة الجميع إذا رفضوا زواجي منك بحجة فارق السن، فكان مُعجباً بشجاعتها، لكنه الآن ممرور، ممزق، وخائف. قالت إنني أعرف كتّاباً وصحفيين، وسأكتب مثلهم يوماً ما، فأكد ثقته بكفاءتها، وهو في هذه اللحظة يتمنى لو أنها ولِدتْ من دون شجاعة، من دون جرأة، بلا طموح. لو أنها فقط...، وتوقف للحال عن مجادلة نفسه، شعر ألماً في صدره، تشنجاً طفيفاً منعه من التفكير، فانتبه إلى ما حوله، اكتشف غرابة تصرّفه وصمت الذين معه. زمّ شفتيه، ثم أطلق تنهدة قوية، يأسى بها على نفسه، على الوضع الحزين الذي انتهت إليه آماله وعواطفه. ركّبَ الترس في خانة الانطلاق، فعادت الدواليب إلى حركتها، لتنقاد باستسلام وراء تصميم القدر ورغبته المحتومة.
(قرنايل 5 كيلومتر)، قالت لوحة الطريق الزرقاء بحروف سوداء كبيرة قشّرتها الأمطار والريح الثلجية.
(صَليما). همست وداد في أعماقها. لم يبقَ بينهم وبينها غير عشر دقائق، أو في الأكثر ربع ساعة. قدّرتْ الزمن الذي مرّ عليهم منذ انحرفتْ السيارة عن الطريق العام جنوب مصيف بحمدون بنصف ساعة، اختلستْ نظرة إلى ساعتها: “بالضبط ثلاثون دقيقة”.
قبل أسبوع وصل زوجها إلى بيروت... “قال لماذا تستقبليني بهذا الوجه العابس، يمكنني العودة إلى بغداد في نفس الطائرة، إذا كان هذا يريحكِ”.
وكانت في العشرين عندما وصلتْ مطار بيروت للمرة الأولى... “أول زيارة غمرني شعور لذيذ بالدهشة، صبحي يضغط على يدي ويقول سوف يعجبك لبنان”.
في السابعة والعشرين تعرّفتْ على جلال... “مزهو بحاله بعد قصيدتين نشرهما في جريدة أسبوعية مغمورة داخل العراق، لا يعرف أن بيروت تضمّ فحول الشعر الحديث منذ السياب”.
في الرابعة عشرة لامَستْ نفسها بيدها خلف باب عمّتها وفي الثالثة والعشرين أول شجار مع صبحي حول طفل... “نسيَ الفحوص في أوربا، لم أذكِّرهُ بها، خِفتُ أن أكون السبب في عدم الإنجاب”.
في الخامسة عشرة نامت مع شهاب بعذريتها... “لا تنتظريني في باب الإذاعة، قفي عند أول جسر الصالحية”.
في الثانية عشرة زجرها أبوها عندما ذكرتْ سعر قماش البوبلين للزبونة... “ليس بين نسائنا من تشتغل في دكاكين البزازة*”.
في الثانية ماتت أمّها فأخذوها إلى بيت خالها لتهتم بها زوجته وفي الرابعة أعادوها إلى بيت أبيها لتقوم عمّتها بتربيتها بعد أن طلّقها زوجها، وهي تقول طلّقتْه... “لن تصبح أردافي بضخامة أرداف نجوى، أمّي نحيفة”.
في السابعة عشرة التقتْ صبحي... “أول رجل يعاملني كفتاة تصلح للحبّ”.
في الثامنة والعشرين سجّلتْ في جامعة بيروت العربية... “ندِمَ بعدئذٍ، الدراسة، يقول، حجتكِ للتغيّب فترات طويلة عن بغداد”.
في السابعة عشرة شعرتْ بعضو الرجل يملأها من الداخل… “طِقْ، لم يكترث سلمان للوجع الذي شنّج فخذيّ لفترة”.
في الثامنة عشرة بدأتْ تخرج مع صبحي، في نفس السنة نام معها في شقة صديق آخر... “لا أريدُ لكِ حياة الشقق، لماذا لا نفكر في الزواج”.
في السادسة عشرة دعكتْ لها نورية الخيّاطة، صديقة عمّتها، ظهرها باللّيفة، ثم مررتْ يدها... “ناعمة برغوة الصابون” بين إليتيها وقرصت بظرها بنعومة وهي تقول “ايه.. القنفذ صار يكبر” والماء الدافئ ينساب لذيذاً من شعرها إلى قفاها إلى وركيها... “تعالي عندي إلى البيت أقيسُ صدر ثوبك الجديد، صنّة إبطيها اختلطتْ بالبخار فجاءتْ النشوة مصحوبة بالقرف”.
في الخامسة عشرة قالت المعلّمة إن ابنتكِ ذكية في الدروس لكنها تتغيّب كثيراً... “لم تقل عمّتي شيئاً، هزّتْ رأسها مع شعور هادئ بالاستغراب، لن تصلحي لشيء، قالت في البيت، سوف أخبر والدك بما قالته المعلّمة، لكنها نستْ، أو سامحتني”.
في العشرين تزوجتْ صبحي في حفل صغير ضم ثلاثة أصدقاء... “لم يدعُ سلمان، ظلّ يهرب منه ويتجنب اللقاء به حتى هذا اليوم”.
في السادسة عشرة مات أبوها... “وقفتُ في بلادة لا أعرفُ ما يتعين عمله بعدما ألقى خالي علينا الخبر، إلى أن صرختْ عمّتي وفيقة، صرختُ معها”.
يقول اللبناني الذي يعيش في الجبل، أو على الساحل: (ما أسعد من يملك مرقد عنزة في جبل لبنان)، أما اللبناني الذي هاجر إلى أوربا وأمريكا وكندا وأمريكا الجنوبية، فيضحك من هذا الكلام، لأنه شاهد جبالاً وسواحلَ وطبيعة وثروات، يبدو لبنان إلى جانبها مثل بلد يقع على حافة الجنة.
وحين يجلس ابن البلد على مائدة العشاء، حيث تتراكم صحون المازات فوق بعضها، وتفوح رائحة الطعام الشهي، يعدّد بفخر، وشارباه المقنزعان مفعمان بالروح الوطنية، خيرات لبنان من الكبة النيَّه الزحلاوية، والتبولة، والمتبّل، وخبز الصاج والتنور، والبندورة الجبلية، والحمص الأسمر الخ، لكن، حين تقول له إن لحمة الكبة الزحلاوية جاءتْ من تشاد، ودقيق الخبز الأبيض نقلته البواخر من استراليا، والبندورة جاءت بها الشاحنات من سهل الأردن، تبخعه الدهشة، ويهطل شارباه الرفيعان من عليائهما إلى طرفي حنكِهِ.
مع ذلك، لبنان ليس موائد العشاء وحدها، ولا الطبيعة كلها، فكّر جلال من جلسته المنكمشة في المقعد الخلفي، إنه الصوت العذب، والكلمة الجميلة، العقل المتفتح، المغامر وراء كل جديد، القمم التي استوطنتها الآلهة القديمة، والإنسان الذي تسهل معاشرته. وهو مثل أي بلد آخر، فيه الوساخات والفضائل، لكنها تجري، جميعها، من دون رياء، بلا هوسات وضجيج فارغ. وبيروت مليئة بالصراصير، أقل بقليل من القاهرة، وأكثر بكثير من بغداد، مع ذلك ليس من مدينة تسمح لك بما تريد، وتفكر فيها على هواك مثل بيروت، وهي في هذا المجال بمثابة هواء طلق يعبئ الذهن والرئتين.
ماذا يمثل مرقد العنزة، حين يغرز المرء أوتاده الخاصة في رغوة من الرماد؟ تساءل ليتابع أفكاره. ها هي وداد قد امتلكتْ شقة في لبنان، وهو حصل على فرشة يفردها في الليل ويطويها في النهار، وعثر صبحي على موقع قدم وعنزة أيضاً، يأتيها متورماً بالشبق، ينتظر إلى أن تفتح ساقيها الزوجيتين لينهل منهما المتعة الزوجية، والارتواء الزوجي، ثم يعود إلى وظيفته ومركزه في بغداد، لكن انظر إلى النتيجة، تأمل الخاتمة، إنها مثل صحن زيت مغلي ينقلب على رؤوس أصحابه، وهو لن يعفي نفسه من إيقاد النار تحته، أكّد هذا في دخيلته، فقد أمضى سنواته الخمس في بيروت بالثرثرة وارتياد المقاهي واجترار الأحلام، انجرّ في أواخرها إلى حبّ محاط بالأشواك والتعقيدات، حبّ الأغنياء، بل، حثالة الأغنياء.
يحبّها، تمتلك صميم قلبه، تستحوذ على خياله، لكنها، في النهاية، زوجة رجل آخر، رجل مشرف على الخمسين، هذا صحيح، إلاّ أنه يملك كل الوسائل لتعذيبهما، فهل كان هذا جزءاً من الأحلام التي جاءت به إلى لبنان؟
ليتكَ تعرفتَ عليّ قبل الزواج، تقول، تعصره في أحضانها وتقول، لكن، هل كانت ستختاره بدل صبحي؟ يتساءل جلال، ثم يردّ على تساؤلاته: بالتأكيد لا، تقول هذا لأن زواجها تحطم، اكتشفت أكاذيب وخيانات وقسوة رجل اختارته في فورة حماس وطيش، في مكان رغبتْ في معرفة أسراره، وناس انجذبتْ إلى طريقتهم في الحياة.
ما كانت ستختاره، مع ذلك يحبّها، هي أيضاً تحبّه، تتمسك به، تقاتل لتتحرّر له، تتحمل الضغوط والتهديدات، تواجه ألاعيب يمكنها تدمير إرادة الإنسان وتحطيم رغبات قلبه وعقله، كل هذا من أجل خلاصها، الخلاص المكرّس له.
تقول، في بغداد ما كانت لتستطيع مجابهته، الوقوف بوجه حيّله وسطوته وأدواته في الصراع، يردّ عليها إنّه جلب كل أسلحته معه، تقول بإصرار، لا، الأمر يختلف هنا، لكن بِمَ يختلف؟ لا تملك الشجاعة على الاعتراف بحبّها، لا تطلب الطلاق، تكتفي بإثارة يأسه لتحمله على اتخاذ قرار الانفصال من جانبه، فما الذي اختلف؟ وما أهمية مرقد العنزة لحياتيهما؟
بغداد موجودة في رأسها، في رأس زوجها، في رؤوسنا كلنا، والأسلحة جاءتْ إلى هنا، صاح في أعماقه، لهذا ندور ضمن زوبعة من الغبار والخداع والإكراه، العناصر التي لا توفرها سوى بغداد.
زيت شديد السخونة ينقلب على رؤوس أصحابه، أكّد لنفسه من جديد. لأن تقديراتنا هوجاء، ورغباتنا تعتاش على الخداع.
بحثَ عن عيون صبحي في المرآة، لم يجدهما، فتذكّر العيون التي تمرّ عليه في المكتب، البريئة منها والخبيثة. سيطر عليه شعور بأن لبنان صُنع على قدر اللبناني، على قياسه، والذين يطالبونه بأكثر من نصيبه في العطاء، هم أنفسهم فشلوا في أن يعطوا أكثر من قدرتهم، وقدرتهم ذاتها هزيلة، مكبّلة بالعجز والاضطراب، فتلك العيون التي تدخل المكتب وتخرج وهي في انهماك عظيم، لن تستطيع شيئاً حيال أزمة الإنسان، ومصائر الشعوب كلمة جد كبيرة بالنسبة لوعيها وتفكيرها، لذلك هي تلعب بالألفاظ وتستعمل تعبيرات لا تفهم حجمها الحقيقي، لا تعرف أن عمالقةً كباراً مثل نابليون، لينين وهتلر،، احترقوا، هم ودوافعهم الذاتية بنيران تعبيراتهم الصالية.
لماذا تأخرتْ نشرتنا؟ يسأل أحد الحالمين في غضب، غضب صغير، لا يحرّك رَزةً واحدة في باب المكتب، مع ذلك يشعر بأننا أخرنا مصير الشعوب نصف نهار، وهو، المكلَّف والمولج بمصائر الشعوب يغضب، كونه يعرف، لا يعرف شخص آخر مثله، قيمة نصف النهار على حركة التاريخ، وخطورة توقفها عن التقدم نتيجة تأخر نشرته في المطبعة، عربته المقضقضة، التي آلتْ على نفسها أن تقود حركة البشر والتاريخ بحصان أعجف، كسيح، إلى غايتها القصوى!
في البداية كان يخشاهم، يخاف منهم حين يدخلون، يخالهم مثل براميل معبأة بالبارود تكاد تنفجر في أية لحظة فتنسف المكتب وتطيح بالبناية وترتجّ القارات الخمس لقوة انفجارها، لكنه بمرور الأيام، بانسحاق الزمن بين دواليب نشراتهم وبياناتهم وذهابهم وايابهم الصاخبين، بدأ يأمن جانبهم، أصبح يتعايش معهم، إذ لاحظ أن بعضهم كان يترقى بسرعة، ويتضاعف راتبه حتى قبل أن تبدأ الثورة الجحيمية التي يهدد بها الطغاة والمستغلين! البعض الآخر حصل على وظيفة صغيرة، أو مكسب بسيط فتنحى ثم اختفى من الجوقة الهائجة الأعصاب، قسم ثالث، ممن لا يستطيعون التغلب على مشاعر الغيرة، أجّج وزاد من تعهداته النارية وركبه جنون التطرف، ثم اختفى فجأة من ساحة (النضال) ليظهر بعد فترة في ساحة البيع والشراء والاستيراد والتجارة، أما الذين لم يصبروا على تجاهل الحظ والآخرين لهم، فقد سارعوا إلى تفجير القنابل الصغيرة قرب جدران السفارات، أو على وجوه الناس المارين في الشارع، فحصلوا على هيبة كبيرة وامتيازات لا يحلم بها حكام المستعمرات البريطانية في جزر آسيا وبحر الكاريبي.
ثم جاء آرام، صاحب مكتب التصميم، ليحطم، في نظر جلال، ما تبقى من صورة هيكل سليمان الثوار وأعمدته الخاوية، عندما حدثه عن رحلته إلى تخوم آسيا البعيدة، والصدمة التي أدارت رأسه ثم غيرت حياته من الأساس.
الإنسان يقدس الأشياء من خلال تدنيسها، تمريغها بالقذارة، قال له آرام وشرارات الغضب تطلّ من عينيه الصغيرتين ثم ظلال الخيبة على التوالي. كانا يعملان في وقت متأخر من الليل، يوحّد بينهما التعب، وشعور خفي بالغربة، عندما أشار جلال إلى ملاحظته عن تحسن أوضاع بعض زبائن المكتب قبل أن تبدأ ثوراتهم الموعودة، ابتسم آرام، ثم بدأت دواخله تنفض أسرارها، تتحدث عن سفرته الطويلة الشاقة إلى الفيلبين، للحاق بشخص يجلّه، يعتبره مثالاً للإخلاص والنزاهة في عمله من أجل قضية الأرمن.
لقد اكتشف آرام، بصدفة غريبة، أن خاتشيك، الشخص الذي قصده، وهو المسؤول عن تنظيم وجمع التبرعات في آسيا، يعيش حالة من الفساد والبذخ يستحيل معرفتها لولا عودة آرام متأخراً في الليل، والتباس عنوان البيت عليه، وهو بيت خاتشيك الذي استضافه عنده.
كان يعيش في بيتين اتنين اخو شرموته، قال آرام وهو يضرب الطاولة بقبضته الثقيلة. ضغط آرام زر الجرس ظاناً أنه بيت خاتشيك، إلاّ أنه كان يقف أمام بيت آخر في نفس الشارع، مع ذلك فتح خاتشيك نفسه الباب، ولم يلاحظ آرام شيئاً غريباً، بأستثناء الرعب الذي أصاب وجه المسؤول وهو يقول: ما الذي جاء بك إلى هذا المكان؟ حينها دُهش آرام، للسؤال، وللرعب الذي يلازم وجه خاتشيك.
جُرّ آرام من يده إلى الداخل، فأنتبه للمرة الأولى إلى جدران وأثاث وغرف مختلفة، وفي النهاية صالون كبير تتكوم فيه ثلاث صبايا فلبينييات شبه عاريات، متجمعات على بعضهن في صمت، بانتظار ما يسفر عنه رنين الجرس، ابتسمن ما إن دخل الضيف، الذي تحوّل الرعب والدهشة من وجه خاتشيك إلى وجهه.
اعترف خاتشيك أنه يعيش حياةً ثانية لا يعرف عنها الأرمن الذين يقطنون البلد شيئاً، مع ذلك فهي حياته الخاصة، ينفق عليها من أمواله الخاصة، وهو اشترى هذا البيت في نفس الشارع، لكي لا تؤثر تصرفاته، الخاصة، على سمعته بين اخوانه الأرمن، وما إن ذكّره آرام أن الحركة تنفق عليه ليتفرغ إلى خدمتها في القارة، قال، ابن الشرموته، انه يقوم ببعض الاعمال الصغيرة ويربح من ورائها. ثم عرض على آرام أن يشاركه المتعة، بعد ذلك عرض عليه مشاركته هذا النوع من الحياة، بما في ذلك كمية من المال.
الصدمة التي تعرض لها آرام الشاب هزّته من الأعماق، بلبلت فكره، جعلته يهيم على وجهه في بحار وبلدان آسيا، يعيش حياة الشحاذين القدامى، يحمل الوسخ والقمل والحكاك في جسمه، تختفي عيناه الضيقتان وراء لحية حمراء، كثة، تبعث الرعب حتى في قلوب الكلاب السائبة، ولم يكتشف الحقيقة الكبرى، الحقيقة التي أعادته إلى الصواب إلاّ في الهند، وعلى نهر الكنج المقدس بالذات.
الإنسان يقدس الأشياء، والآلهة، والأفكار، والقضايا، والمبجلين، والأنهار، والأيديولوجيات من خلال تمريغها في القذارة، ويعبّر من خلالها عن أعماقه، يُخرج ما فيها من أحقاد وغيرة وشرّ وحسد عَبر هذه المقدسات.
جلس آرام على ضفة الكنج، تلتصق جدران معدته ببعضها من الجوع، يراقب الهنود يدخلون الماء إلى وسطهم، يغطسون فيه ثم يرفعون رؤوسهم ليتلوا الصلوات، يرشّون وجوههم بمياهه ويتمتمون بالأدعية وكلمات التقديس، وعلى مقربة منهم تطوف جثث الأبقار المتفسخة، والقطط الميتة، والحيوانات المتعفنة، تطوف قذاراتهم هم أيضاً في مياه النهر الذي يقدسونه، يرمون فيه أكبر كمية يتصورها العقل من الأوساخ والجثث، يغسلون فيه ملابسهم وحفاضات أطفالهم ثم يغطسون قريباً من الجرف ليتطهروا بمياهه، حيث تنبعث في الجو رائحة مريعة، خليط من الرطوبة والعفن، وقد خلصت عينا آرام الخاويتان إلى الرمز الأبعد من وراء ذلك، الرمز الذي أعاده إلى بيروت ليبدأ حياة جديدة، لكن بنور مختلف، نور يكشف الأمور أمام عينيه بحجمها الحقيقي، من خلف أقنعتها السميكة، فلن يهمني هؤلاء الزبائن ، قال آرام في النهاية، يريدون نشرات ثورية؟ أعمل لهم، يريدون ملصقات كاذبة؟ أطبع لهم. ليبقوا في خداعهم أو عماهم كما يشاءون، إنني أعيش بجهد ذراعي، قال بلهجته الركيكة، أكسب من عرق جبيني، والإنسان الشريف هو من يثبت قدرته وبراعته من خلال العمل لا من خلال قضايا وحركات أخو شرموته، أنا هلأ أقدر أجيب عشرين فلبينيية، لكن من عرق ايدي هَيدي!
(قرنايل). أعلنت لوحة كبيرة زرقاء، نحو اليمين ينطلق سهم رفيع يحدّد الاتجاه إلى: (سلوان عينطورة زحلة)، وبنفس التأكيد يشير سهم آخر إلى: (صليما أرصون بيت مري).
(صليما). أول مرّة يشاهد جلال الاسم، يتعرف على شكله وصلابة حروفه، لم يفكر من قبل أنه سيقترب من الموت بهذا القدر من خلال كلمة.
الكلمات التي يعبث بها كل يوم، يخترعها في ذهنه ثم يرشقها على الورق، كما يرشق الطين على جدار ليرسم بها أفكاره، لا تحمل أيٌ منها المعنى المتفجّر، ولا اللهب الحارق الذي تبعثه هذه الكلمة في خياله، لا يفهم معناها، مع ذلك ترعد في داخله، تهبُّ، ترتعش، تنقلب على نفسها، تنطفئ وتومض، تصغر ثم تكبر، وتكون في عشرة أماكن في آنٍ واحد.
الآن فقط فهم سرّ الكلمات وأسباب فشله في الكتابة، الآن اكتشف الفرق بين الطين والنار. كلمة منغلقة على معناها، مع ذلك تبعث هذا القدر الهائل من الأحاسيس. لقد تطلبت هذه الشحنة سنتين من الحب والسعادة والآمال والخوف والاقتراب من الموت! إذن على أي شيء كان يتكئ حين يصوغ انفعالاته وصوره الشعرية؟
الآن يحسّ الفشل الكاسر يرجّ أعماقه، يهطل علي رأسه ببرودة ينابيع الجبال وشلالاتها، ليُغرق حصون الثقة التي استرخى وراءها طوال السنوات الماضية.
أن نضع الكلمات إلى جانب بعضها شيء، أما أن نوقد النيران في معانيها فشيء آخر، قال لنفسه. شيء مختلف، لا يقدر عليه كل إنسان.
استدارت السيارة الصفراء حول ساحة صغيرة في أول المدينة، ثم توقفت تحت اللوحة الزرقاء. صمتَ موتورها مخلفاً أنيناً طويلاً يرافقه وهج من الحرارة الشديدة. إلى الخلف ينتظر صف صغير من السيارات في محطة بنزين للتزود بالوقود.
ـ أريد أن أشرب من هذه المياه المعدنية.
قال صبحي وترجل. بدا غامضاً أكثر من أي وقت آخر، في كلامه وطريقة نزوله، بينما ظلّت (صليما) ترقص في خيال جلال، مثل ساحر أفريقي يتطاير من جلاجله الشرر.
لم توضح الأسهم المسافات، اكتفت بتحديد الاتجاهات، وعليه انتظار اللوحة القادمة ليعرف الأميال الباقية، إلاّ إذا اختارت السيارة اتجاه زحلة. كان المصير في هذه اللحظة يعبث بمشاعره من على مفترق طرق.
كان أهالي قرنايل يحتفلون بالغروب على طريقتهم، يتمشون مع أولادهم متنقّلين بين الساحة وعبّارة صغيرة تمرّ عليها السيارات حين تفيض مياه الثلوج فتغمر أنهر وجداول الجبل الصغيرة، بعضهم تجمّع حول صهريج يقوم بالدعاية لإحدى شركات المياه المعدنية الجديدة، يحمل على كل جانب صورة لقنينة هائلة، إلى الخلف برميل على شكل قنينة، يتدفق منه شريط رفيع من المياه يرتفع على هيئة قوس، يفتح الأولاد والكبار أفواههم فيتغرغر الماء في حناجرهم إلى أن يرتووا، نفس الطريقة التي تعود اللبنانيون شرب الماء فيها من الأباريق الزجاجية في المطاعم التي تقدم الفول والحمص والفلافل.
تمهّل صبحي ينتظر انفضاض الأولاد عن الدفق، ثم تقدم، أفرج ما بين ساقيه القصيرتين ثم أحنى جذعه فانسكب الماء في فمه، راح يقرقر في حنجرته إلى أن ارتوى بعدها تراجع إلى الوراء.
ـ عذب، قال، وأشار إلى وداد لتحتل مكانه.
قالت:
ـ لا أريد،
ـ مياه معدنية! اشربي،
هزّتْ رأسها بإصرار، تقدم جلال، منساقاً وراء خفة طارئة اجتاحت قلبه وروحه المشوشين، أطول من صبحي بقليل، إلاّ أن نحافته تُبدي الفرق بينهما كبيراً، ارتوى ثم انسحب، تتطاير المياه على يديه ووجهه.
ابتعدت وداد، تتمشى لتحرّك الدم في ساقيها، أحسّتهما باليتين مثل خرقة، وكانت بحاجة إلى التفكير، إلى التحرّر من التهديد لمدة ساعة فقط، لتفكر وتراجع الأمور بذهن صافٍ. الوقت يدهمها، وصليما على مبعدة عشر دقائق، أو خمس عشرة دقيقة، ما إن يعبروا الوادي حتى يصبحوا على مشارفها، المشارف التي يكمن الخطر في طريقها الضيّق، كثير المنعطفات، المفتوح على منحدرات سحيقة، وصخور يبعث مرآها الهلع في الذاكرة.
يمكنها السير إلى ما لا نهاية في هذه البلدة الجميلة، التي تعيش في سلام، ويناقش الناس فيها خصوماتهم بلا ضجيج، بلا سيارات تتدحرج فوق المنحدرات.
يسعدها أن تختفي فيها، تدخل واحداً من بيوتها وتغيب فيه بقية عمرها “تكفي غرفة واحدة..” تنزل إلى بيروت بين فترة وأخرى، تشاهد فيلماً جديداً، تشتري المجلات والكتب، ثم تعود إلى بيتها الخفي لتنعم بالسلام. لكن، هل تقدر على العزلة الكاملة؟ كيف يقبل هؤلاء الناس عزلتهم؟ إنهم ليسوا معزولين، ردّتْ على نفسها، قابلين ومختارين سعادتهم في هذا المكان “أهل بغداد لا يتصورون السعادة تتحقّق خارج بغداد، أهل بيروت يعتقدون كل مدن العالم الأخرى تنقصها سعادتهم، ربّما أهل قرنايل أيضاً، يسخرون من حياة الناس في بيروت والقاهرة وعمان، لكنهم على حقّ، إذا قارنا صخب وأوساخ وحرارة تلك المدن بهذا السلام والطقس الجميل! ”. صخب وأوساخ وحرارة تلك المدن بهذا السلام والطقس الجميل! ”.
قرنايل! ماذا تعني قرنايل؟
لقد مرّت بهذه البلدة عدة مرّات، غير أنها جاءتها بعد أن أهملتْ عاداتها القديمة، أفراحها التي يحققها ألبوم تجمع فيه صور الممثلين والممثلات الجميلات، أو دفتر صغير تدوّن عليه أسماء المدن ومعانيها “الدفتر موجود في حقيبة السفر الكبيرة، شاهدتُه قبل فترة طويلة بين وثائقي الشخصية، لستُ متأكدة، على الأغلب تركتُه في بغداد”سنتان من البهجة فقط، ثم اكتسحت مشاكل الزواج تلك العادات الصغيرة لتطمرها إلى الأبد.
لا يكاد الذهن، الآن، يسع الحروب اليومية بينها وبين صبحي، لا تكاد تقدر على مجابهة الاتهامات، الطعن، الزوغان، الخطط الجديدة.
"لن تنتهي الأمور معه بسهولة، لو عدنا إلى بيروت بلا مشاكل سأكون معه أكثر حزماً.
"حتى عمّتي وفيقة لم تخلص من حروبه، يقول عمّتكِ هي السبب. يكرهها، ويضع اللوم عليها في كل ما يحدث الآن، يصيح هي التي أفسدتكِ كلما شعر الطريق مسدوداً بوجهه، ظلّ يكرهها منذ أخبرتُه عن رأيها في الزواج من رجل يكبرني بعشرين عاماً، يشتمها بمناسبة وبلا مناسبة، يقول عنها متصابية، تركض وراء الرجال. سخيف، لا يعرف أنها لا تشتري الرجل بعقب سيجارة.
"قلتُ أخبرها عمّا انتهى إليه زواجنا، لكنني تردّدتُ، ستقول عيناها ألم احذركِ...”.
من أول شارع صغير ظهر كهل ينقل خطاه ببطء، فكرتْ إن كان يليق بها إيقافه للسؤال عن قرنايل، انتابتها رغبة ساهية، انبعثت فجأة من الماضي لمعرفة معنى هذا الاسم المركّب بصورة غريبة، ظلّت تنتظر، متردّدة، اقترابها منه، بَيدَ أن الرجل ذاته توقف حين شاهدها ليسأل عن الوقت.
ـ السابعة والنصف، أجابت.
ـ شكراً لك يا مدام.
الرغبة الدائمة لدى كبار السن في متابعة سريان الوقت، فكرتْ في خاطرها، عندما تحرّكَ ليتابع طريقه سألتْ:
ـ العمّ من قرنايل؟
ـ نعم، لزم مكانه ينظر إليها بود، متهيئاً للإجابة عما تريد معرفته، طريق معين، أو شخص تبحث عن عنوان بيته.
قالت:
ـ مدينة جميلة، قرنايل،
ـ إرنايل، جنة بعبدا، من حيث طقسها في الصيف،
ـ فعلاً، ماذا تعني كلمة قرنايل؟
اشرقت السعادة على وجهه المسنّ، بدا عليه الانشراح لسؤالها، قال وهو ينظر إلى المدينة، يستعين بمشهدها وتأريخها لصياغة الجواب:
ـ إرنايل، تعني رأس جبل اللّه، نحنا مِنْقول قمة اللّه، كلمة قديمة، بيقولو آرامية، هذه الجبال التي أمامك، الكثير منها يحمل أسماء قديمة، الضيع كمان، والمدن الكبيرة، بيقولو الأرباب كانوا يسكنو هون، بـ هـ الجبال والقمم، أضاف وهو يبتسم، هيك بيقولو،
قالت:
ـ الآلهة القديمة؟
قال:
ـ نعم، منذ آلاف السنين، هيك بيقول التاريخ،
سألتْ:
ـ ولم يتغيّر اسم قرنايل منذ ذلك التأريخ؟
أجاب:
ـ لم يتغيّر، الأسماء تبقى، نتداولها أباً عن جد فتبقى مثل ما هيَّ، الناس بيروحو والأماكن بتتغيّر، حتى الحجر بيتغيّر، لكن الأسماء تبقه.
ـ هذا صحيح، علقتْ، ثم قالت وهي تشاهد صبحي يقترب منهما. وحمانا شو تعني؟
ـ حمانا كلمة فينيقية، تعني عمود من حجارة كانوا يعبدو فيه الشمس، وفي ناس بيقولو اسم إله فينيقي قديم.
ـ حظرتك تعرف كل هـ الأشياء!
ـ بعرفها، اشتغلت بالتدريس من زمان...
ـ هون بقرنايل؟
ـ لأ، كنت أدرّس ببيروت، بس أنا بالأصل من قرنايل.
ألف شكر يا عمّ، قالت عندما أحسّتْ صبحي يصل ويقف إلى جانبها.
ـ تكرم عينك، ردّ الرجل، ثم تابع سيره حينما شاهد اهتمامها بالرجل القادم.
مشى صبحي خلفها. يملك جميع المفاتيح، إلاّ أنه مشتت الذهن، النيران تغلي وتفرقع داخله على الرغم من الهدوء الذي يصطنعه، يحسّ بوداد جزءاً منه، تنتمي إليه وحده، يعرف ذاتها، جسدها، رائحة ملابسها، عاداتها، جميعها ذائبة في كيانه وأحاسيسه.
جزءٌ من حياته أصابه الجنون فجأةً، تمرّد لينسلخ عنه، ولا يعرف أي السبل ينهج، أي مبلغ ينفق، أي علاج يصلُح، أي معجزة يضعها اللّه بين يديه ليسترجعها مثلما كانت، مثلما أقبلتْ عليه قبل عشر سنوات، مفعمة بالحب والوفاء والآمال!
شاهدها تقف وتتحدث إلى رجل كبير في السن، بِمَ تحدّثه؟ ماذا تقول له؟ تساءل وهو يقترب منهما، لكنها أنهت الحديث ما إن لاحظتْ وصوله.
فضّل جلال البقاء في الساحة، قعد على سياج منخفض، يتطلع إلى البيوت والمارة بعيون مقلوبة إلى الداخل، يختلس النظر بين فترة وأخرى إلى اللوحة الزرقاء علي يمينه، ثابتة في الأرض، حدّدتْ اتجاهاتها إلى الأبد، لن تعيد النظر فيها، ولن تبوح بألغاز المسافات.
قال صبحي، وقد غدا الآن على يمينها:
ـ ماذا أراد؟
ـ لا شيء، كان يسأل عن الوقت، فتحدثت معه عن البلدة.
لم تشعر أي رغبة في إخباره عن حديثها مع الرجل، كانت تحسّ به ينتظر المزيد من التفسير، غير أنها لزمتْ الصمت.
قال:
ـ ما رأيك بمجلة شهرية تهتم بالأدب؟
التفتّتْ إليه، تستقصي بعينيها الجانب الآخر من السؤال.
أضاف:
ـ منذ يومين خطرتْ لي الفكرة، مجلة أدبية، فكرية، يمكنني الحصول على الامتياز في غضون أسبوع، أقوم أنا بإدارتها، وتتولين رئاسة التحرير.
"يمكنه إبرام الصفقات وهو على مسافة عشر دقائق من القبر الذي يأخذني إليه”
قال مستطرداً، غير محبط من صمتها:
ـ إن وجودك في بيروت يسهّل لكِ الاتصال بالكتّاب والأدباء، ويكفي مجيئك إلى بغداد مرّة في الشهر، أثناء فترة الدراسة، لإصدار العدد، بينما أتولى الشؤون الإدارية وأعمال الطباعة من بغداد.
قلقلتها الفكرة، رغم معرفتها بالهدف الجوهري الذي يكمن في خلفية عقله. رئيسة تحرير مجلة أدبية، تنشر فيها كتاباتها، وتتعرّف من خلالها على أكبر الأسماء في لبنان، تبني لها علاقات متميّزة، تجالس الكتّاب والشعراء، تدخل بيوتهم وتتعرّف على زوجاتهم، فكرة تهزّ الرأس. لكنها مخيفة، إذ كيف تستطيع بثقافتها المحدودة، قدراتها البسيطة في الكتابة، شخصيتها المجهولة، الظهور على الأوساط الأدبية والفكرية كرئيسة تحرير؟
ـ لن تكون مهمتك صعبة، قال كأنه يجيب عن تساؤلاتها الصامتة. يمكن تعيين شخص في بغداد ينظم المراسلات والاشتراكات، يجمع لك المقالات والقصائد أيضاً حتى عودتك.
"لن يجيب عن السؤال الأهم”، قالت لنفسها. “مع ذلك، كيف تُربط الأمور ببعضها، لماذا يطرح المشروع الآن؟”
قالت له:
ـ لا يمكنني القيام بهذا العمل.
ـ ليس صعباً، أجاب بحماس. يمكن تعيين محررين يساعدونك في البداية، ثم نطردهم، أضاف يهيمن عليه شعور مباغت بأن أبواب الأمل تنفتح بوجهه. لا تتصوري أن مجلة أدبية مسألة في غاية الصعوبة!
قالت: “أمس تحدثنا عن الانفصال عند قاضي الشرع، أنسيت هذا؟ ”.
انصفقتْ الأبواب على نفسها، انغلقت وتهشّمت مصاريعها، وعاد الوجوم يكتسح وجهه، يغيّب الدم والحياة منه.
ـ ما زلتِ مصرّة؟ سأل بغضب مكتوم.
لم تنبس بكلمة، ظلّت تمشي، وهو يراقب وجهها المطرق. كانا ابتعدا عن الساحة، راحا يخبّان على الإسفلت، في الطريق المتجه إلى زحلة، الطريق الذي يضمن خلاص الجميع، إلاّ أنه يمثل، له وحده، الخسارة، ويكون طويلاً، مزروعاً بالوحدة والعار والآلام.
قال:
ـ إذن اخترتِه، وانتهى الأمر؟
ـ لم أختَر أحداً، قالت، تعرف من يعني بكلامه، أضافت. وصلنا إلى طريق مسدود، ألا تريد الاعتراف بهذا؟
ـ مسدود لمن لا يرغب في إصلاح الأمور.
ـ جربنا كل شيء، لم نعد نحتمل بعضنا، هذه هي الحقيقة، أنتَ نفسك تهدأ يومين، وفي اليوم الثالث تنفجر لأي سبب.
قال:
ـ أنفجر لأنني أشعر بابتعادك عني، أحسّ بكِ تسعين وراء شيء في رأسكِ، حتى صمتكِ الذي تعتبرينه هدوءاً يعذبني ويزيد يأسي.
ـ هذا لأننا، بدون وعي، أصبحنا لا نحتمل بعضنا، لماذا تتهرب من هذه الحقيقة؟
ردّ بشيء من الاحتداد:
ـ دائماً تصرين على هذه النقطة بالذات، تركّزين وتدورين حولها من دون غيرها، تتهربين من الاعتراف ومناقشة الأمور الباقية.
قالت، تلتفتْ إليه مثل أمّ تراقب ببرود صراخ طفلها:
ـ انظر إلى نفسك كيف تغضب وترفع صوتك!
تدرك أن قدرته على المناورة تعتمد على المغالطة، بارع فيها، لذلك تلوذ بسلاح واحدٍ، تنقله من يدٍ إلى يد، وهو التركّيز على جوهر الأمور، وليس أسبابها، حذّرها جلال، علّمها كيف تدير النقاش لصالح موقفها.
قال:
ـ آه، أغضب! بالطبع أغضب، لأنّك لا تريدين مناقشة المشاكل التي تجعلنا لا نحتمل بعضنا، كما تتصورين، أنتِ نفسكِ تتهربين من الحقائق، أنتِ تحبّينه، لذلك تنفرين من حياتنا المشتركة، تتضايقين بسرعة من كلامي، أو أي تصرف يبدر مني، لم تعودي تصدقين أي كلمة أقولها، تفكرين فقط في الشيء الموجود هنا في رأسك.
أكّد كلامه وهو يشير بقبضته إلى رأسه، ثم نقر ببراجمه على صدغه ليوضح معناه، وفي داخله يعرف أن احتدامه يرجع إلى فشله في إقناعها بعدم أهمية حادث نومه مع هناء، إخفاقه في التعبير عن أسفه بطريقة تغسل الموضوع، بشكل حاسم، من ذاكرتها وقلبها في آنٍ واحد.
يعذِّبه أن اعترافه بالضعف الذي دفعه إلى الخيانة لا يكفيها للنظر إلى الحادث بروح متسامحة، يعذّبه أكثر أنه أنكر حصول الخيانة الكاملة، وبحجّة قوية، هي دخولها المفاجئ الذي أبطل محاولة هناء لإغوائه، مع ذلك لا تصدّقْ كذبته التي يريد بها تحجيم الخطأ، ومنع الحادث من التأثير على نفسيتها، وبالتالي تحطيم علاقتهما الزوجية.
أحياناً ينسى أن أعذاره مركّبة من مجموعة أكاذيب، فيشعر بالحنق وبالغضب وبالظلم من عنادها الذي يحملها على تهويل الأمور، يحملها على رفض كذبته المرتبة بصورة جيدة، فيقتنع أكثر بأن إصرارها يكشف عن رغبتها في الانفصال عنه لتعيش مع جلال، فلا يوجد، برأيه، سبب آخر يمكن للمنطق قبوله.
ـ لماذا نعود إلى نقاش مسائل تحدثنا عنها مئات المرّات؟ قالت، تردّ على كلامه الأخير. تعبتُ من الكلام والنقاش يا صبحي، قلت لك إنني لا أحبّ أي شخص، جلال أنتَ تصرّ على إشراكه في حياتنا اليومية، أنتَ تتصل به وتلحّ عليه ليرافقنا في روحاتنا وغدواتنا، لذلك، أرجوك أن تترك مسألة الحب التي تلف وتدور حولها، تعبتُ، لقد تحطمتْ علاقتنا، تحوّلتْ حياتنا إلى جحيم لأسباب أخرى، تحدثنا عنها وانتهينا، ربّما أكونُ ساهمتُ في هذه النتيجة، لكننا انتهينا، وهذا يكفي، وقرارك بالانفصال يكفي أيضاً، وطلبكَ أن نبقى أصدقاء هو الآخر يكفي.
ـ تحطمتْ، أعرف، قال، ثم هزّ رأسه موافقاً. حادث هناء هو السبب، لا تريدين نسيانه، رغم أنني أقسمتُ، أكدتُ أن دخولك أوقف كل شيء عند حدّه.
التفتتْ إليه، ابتسمت وهي تنظر إلى وجهه الهارب، لتقول، من غير أن تنبس بكلمة واحدة: “أخبرتك مئات المرّات إنني حين دخلتُ كنتما ترتديان ملابسكما يا عزيزي، لا تخلعانها!”
رأى ابتسامتها، قرأ معناها، بينما أنظاره هاربة باتجاه الشارع، موزعة بين الأشجار والسماء وصبي قادم نحوهما، يمشي ويرمي كرتي تنس صفراوين إلى الأعلى، ويحاول تلقفهما على التوالي، إلاّ أن يديه لا تسيطران على الحركة، فكّر بسعادة الصبي، خلو قلبه من الهموم، مقبل على الحياة بلا شدوخ وأحزان، بلا خيبات، ولو امتلك قلباً طريّاً مثله، لتجنب الكثير من أخطاء الماضي، لاختار حياةً جديدةً، مختلفةً كلياً، قال:
ـ أنا أيضاً تعبتُ، سنتان من الكلام والتوتر، بذلتُ كل ما أقدر عليه، عنادكِ هو الذي يعقّد المسائل، حتى البسيطة منها، لقد حاولتُ و...
"ستعرفين السبب في الحال، دخل يحمل كيساً كبيراً، ذهب إلى غرفة النوم الخلفية وأنا أتبعه، قلَبهُ على السرير فاندلق البرتقال وأنا أنظر في استغراب، انتشرت الثمار النارية على فراشي، عددٌ منها تدحرج ليسقط على الأرض، ركضتْ كل واحدة في اتجاه حتى ملأتْ المكان، غدا كل شيء برتقالياً، قال سوف نصنع نافذة تطلّ على الجنّة، عرفتُ فكرته فضحكتُ بسعادة، رحنا نعلق البرتقال على الشجرة القريبة من النافذة، اختارها بأغصان مورقة تتدلى من سُرّاتها، قلتُ له اصبر، وسترى برتقالاً طبيعياً في الصيف، لا يمكنني، قال أحبّ مشاهدة الثمار معك وهي تتدلى من النافذة، انهمكنا نسحب الأغصان ونعقد البرتقال بخيوط رفيعة ونضحك، سيندهش الجيران عندما يفاجئهم منظر البرتقال على أشجارهم، سيقولون حدثت معجزة، إلى أن يكتشفوا الخيوط، صحتُ لكن هذه شجرة ليمون، تلك التي خلفها تنتج البرتقال، حقاً؟ انفجرنا بضحك أقوى، قال ستكون معجزتان في ليلة واحدة، غدت النافذة تشع بالألوان، جلسنا نقشر ونأكل ونضحك، ثم وضع رأسه في حضني ووجهه نحو النافذة، فصاح السائق في ذاكرتي: لا تدخلوا بستان البرتقال، سوف يطردوننا من هنا، ما زالت الثمار خضراء فجة وتسلّلنا منحنين عَبر سيقان الأشجار، أطفال البرتقال... قالت إحدى الفتيات وهي تشير إلى الثمار الصغيرة، محاطين بعطر منعش سرنا منحنين ثم تراجعنا على ظهورنا قبل أن نركض ونتوزع بين أشجار النخيل حين سمعنا صياح السائق.
"قلبَ صفُ الفلاحين عيونه نحونا مع صرخة السائق، لكنه لم يحرّك ساكناً، مازال في وقفته يراقب حركات وتصرفات الحضَر، بينما تسمّرنا خائفين، متفرقين خلف جذوع النخيل الليفية، السائق يلعن ويهدد بعدم تكرار السفرة مرّة أخرى، النسوة منشغلات بالأحاديث وترتيب موائد أرضية للمأكولات ومواقد لأباريق الشاي”.
ـ ...مع ذلك لم تعودي، رغم أنني كلمتكِ بالتلفون، طلبتُ منك أن تعودي إلى بغداد بسرعة، هل تنكرين هذا أيضاً؟ دائماً تتحجّجين بالدراسة، بالامتحانات وبعد شهرين تتغيبين...
لم تردّ عليه، كانت تسمع أطرافاً مبعثرة من كلامه، الكلام الذي سمعته آلاف المرّات. الأفكار والمواضيع ذاتها تتكرر، يعثر على كلمة قوية، عبارة مؤثرة، تفسير لم ينتبه إليه من قبل، فيعيد الموضوع من الأول إلى الآخر، يشرب فناجين القهوة ويتكلم، يشعل السجائر وراء بعضها ويتكلم، يلهث ويتطاير الرذاذ من فمه ويتكلم، فكّرتْ: الحبّ هو أن لا نسمع كلام الآخرين، عندما لا يكون عمّن نحبُّ” وتابعتِ الصمت.
ـ ابتعدنا كثيراً عن السيارة، قال أخيرا، متوقفاً عن السير والكلام، استدارا ليعودا، قال مستطرداً بعد لحظة من التفكير. لستِ وحدكِ، أنا أيضاً تعبتُ، أصبحت أشعر بالإنهاك لأقل حركة، مع ذلك يجب أن تنزعي فكرة الطلاق من رأسك، لن أطلّق، أنتِ مخدوعة بحبٍ ستكتشفين في الأيام القادمة أنه أكثر هشاشة من الوهم.
ساد الصمت مشيتهما، خطوهما الثقيل ازداد بطئاً. ما زالت الساحة بعيدة، والكرتان الصفراوان ترتفعان قليلاً عن رأس الصبي ثم تهبطان وهو يقترب من العبّارة.
أكّد من جديد:
ـ لن أطلّق، وبعد فترة أضاف. في الأيام الأخيرة بدأت أحسّ ضباباً كثيفاً يغشي عيوني، حالة غريبة، اليوم تكرّرتْ مرتين، حتى كدّتُ أفقد الوعي أثناء قيادة السيارة.
ظلّت على صمتها، الصمت الذي يزعجه في العادة، إلاّ أنه أحسّ شيئاً يتحرك، بعيداً في أعماقها، قال:
ـ أحياناً يبدو للمرء أن الموت حلٌ مناسب، للكثير من المشاكل، خاصة الموت السريع، والعنيف.
إذا كان الموت المبكر يمثل رمزاً تراجيدياً أخاذاً، عن الشعراء الذين قضوا في مقتبل العمر، فلأن اختفاءهم السريع قرّبهم من صورة الجمرة، تشتعل لتقدم الوهج والحرارة، ثم تخفت وتنطفئ. أمّا موته هو، جلال، فسيكون بلا فائدة، أشبه برماد تذروه ريح صغيرة ولن يخلّف أثراً على الأرض، أو في الأذهان.
ظلّ يفكّر، من جلسته على حافة السياج، يراقب الناس لفترة، ثم يرتدّ بصره إلى اللوحة الزرقاء عن يساره، يتأمل الكلمة التي تثير قلقه، مرسومة بدقة، بَيدَ أنها غامضة، توحي بمعنى واحد، مُهدّداً، فهل فكّر الإنسان حين ابتكر الأسماء، ليستدل بها على الأماكن، أنها ستغدو على صفحات الذاكرة موطناً لمعاني الموت والحب، الأشواق والحزن، الأحقاد والانتقام؟
نهض يتمشى، أخذ الاتجاه المعاكس للذي سارت فيه وداد وزوجها، فوجد نفسه يختار طريق صَليما، مرّ على السيارة جاثمة تحت اللوحة مباشرة، على يمينها محطة بنزين وقف ينظر إلى انهماك العامل في خدمة إحدى السيارات، عندما فرغ من عمله تقدم منه وحيّا:
ـ يعطيك العافية،
ـ اللّه يعافيك، ردّ العامل.
ـ ما هي المسافة من هنا إلى صَليما؟
ـ عشر دقايق، بالكتير.
ـ وهل توجد ضيَع أخرى على الطريق؟
ـ فيك تقول لا توجد غير بيوت قليلة، بعيدة عن الطريق.
ـ شكراً،
ـ أهلاً..
قال والده: أتمنى أن يريحك العيش في لبنان، كما تأمل، لكنني أصبحت كبيراً، والتقاعد لا يكفي لأعالتنا، فمن يبقى لإخوانك وأخواتك إذا أراد اللّه أن يأخذ أمانته في هذه الدنيا؟ حين يسمع أنني متُّ في سيارة تدهورت من قمة جبل، يندهش من خيارات اللّه لمصائر أماناته، قال في خاطره، تمثّل خيبة والده، جحوظ عينيه وهو يتلقى الخبر، دموعه، سيبقى غير مصدق، إلى أن يشاهد الجسد الممزّق في بغداد، حينها يتأكد من إرادة اللّه، وتبدأ أسئلة قلبه حول غرابة هذه الإرادة، أمُّه، تنزل عليها الفاجعة لتسحقها مثلما يُسحق الطير الصغير.
عامل في شركة مصافي النفط بمنطقة الدورة، يسعى ابنه البكر ليصبح شاعراً، ثلاثة أولاد وابنتان، لكن لماذا لا تصبح شاعراً في بغداد؟ سأله والحيرة تنفرش على وجهه الأسمر، المُتعب، حين تكلم جلال أمامه عن فكرة العيش في لبنان.
قرر أن لا يبتعد كثيراً عن الساحة، حتى لا يسيء صبحي تفسير غيابه. نظر أمامه، ما زالت بيوت وشوارع قرنايل تحفّ بالطريق، بعيداً تشمخ حُدَب الجبال ملفعة بغمام المساء، ثابتة منذ بداية الكون، منطوية على صمتها وقدرها في أن يعبر البشر وعواطفهم ورغباتهم وتوتراتهم عليها من دون أن يقلقوا وحدتها.
استدار، أعطى ظهره إلى السكون الغامض ليعود إلى الساحة. بعض النوافذ أنارت مصابيح الكهرباء، وبدا الميدان والعبّارة كأن المساء باغتهما، فتلفعاً بغشاوة رقيقة، والمتجمّعون حول صهريج المياه المعدنية تفرقوا، ليسوا ظامئين، بل العذوبة دغدغت ظمأهم، كما حدث معه، كأن المياه نادته فركضت روحه إليها، الجفاف هاجس الروح المقيم، تعال، نادى صوتها المبحوح، فهرع إلى بيتها ليغرق في بحرها الدافئ، في مياهها الحارة، الشهية، هاجس ينادي وهاجس يستجيب، الخوف من الجفاف، الضيق بالجفاف وراء النداءات التي تطلقها الروح عَبر الجسد، جفاف أيامه السابقة، عطشها إلى الحياة والحب ونيران المرأة حين تشتهي. لن يكون لك نصيب من الجمال أو الحبّ هنا، قال صديقه أحمد، إذا أردت أن تحظى بصديقة جميلة، ومثقفة، عليك أن تصبح مديراً، له شقة خاصة، عندئذ يقدمن عليك العذارى، وأنصاف العذارى، عدا ذلك، ستظلّ تهيّج نفسك بيدك إلى أن تنطرح أرضاً على البلاط.
بغداد، فكّر، بغداد جافة، مثل طقسها، مثل ناسها، لكنها تتحوّل بربتة خفيفة من يد بيروت إلى شهوات وحبّ ونداءات رطبة، تبذخ في نداوتها لفترة، ثم يعروها الجفاف من جديد، لتنبت الزمجرة وصرير الأسنان. بغداد تربة لا يناسبها الوضوح، خيمة للفسق، ما إن يخترقها شعاع صغير حتى تتفجر الأحقاد والرغبة في الدماء.
السيارة الصفراء باركة في محلها أسفل لوحة الاتجاهات، محطة البنزين مكتظة بالزبائن، والعامل ينتقل في حيوية بين آلة الضخ ومؤخرات السيارات. من الجهة الثانية للساحة، شاهد صبياً يرمي كرة صغيرة صفراء أعلى رأسه ثم يتلقفها أثناء سيره، اللون الأصفر يضيء حين يرتفع إلى فضاء الشارع ثم يمحي، وراءه يخبّ صبحي ووداد في سيرهما، مطرقين، شبحين طردا من الجنة من دون أن يعرفا السبب.
أحبطه منظرهما، ذكّره بالنوايا العدوانية التي يضمرها صبحي لها، له، ولكل العالم الذي لا يستسلم لرغباته. اكتشف أن الصبي، حين اقترب أكثر، كان يلعب بكرتين، فكّر أن هذا فوق طاقته، بدأ توتر الصبي وتحفّزه لدى رمي الكرة ينتقل إليه، بينما حدقتاه ترتفعان وتنخفضان مع كل كرة تُرمى، قال لنفسه إن الصبي إذا واصل التمرين يتمكن منهما. في الحال أفلتتْ واحدة من اليد الصغيرة، سقطت على الرصيف، نطّتْ مرتين ثلاثاً بعدها راحت تتدحرج هابطة إلى الشارع، ومنه إلى سياج الساحة، ركضتْ عيناه وراءها إلى أن اصطدمت بالسياج واستقرت هناك. تدحرجت كرات البرتقال في رأسه وراحت تصطدم بقاعدة الجدار وتتوزع على البلاط في غرفة نومها.
راقب الصبي يسار الشارع، خالٍ من السيارات، ثم يمينه. ركض إلى السياج، تفحصت عينا جلال الطريق من الجهتين، تحرس الصبي من السيارات، إلى أن التقط الكرة وعاد إلى الرصيف. قالت له هذه شجرة ليمون وانفجرت بالضحك، برزت أسنانها الكبيرة، المفروقة، يحبّ قبحها، وشاربها الذي أزالته في الصباح أثار رغبته في تقبيلها واقتحامها وهما واقفان. أمس كنت أحبّ أن تقتحمني، قالت لأنه تغيّب عنها، تستعمل هذه الكلمة لتشير إلى رغبتها الشديدة فيه، أو لتؤكد انتماءها إلى الثقافة ولغتها، وقال صبحي هناء معجبة بكَ، لماذا لا تتزوجها، أنتما تصلحان لبعض، كرّرها في مناسبتين، استشف من إلحاحه اهتماماً صادقاً في تزويجه لتستقر حياته، أكثر من ذلك ألمحَ إلى مساعدة في تأثيث بيت صغير، تذكّر أن هناء كانت لطيفة معه، إلاّ أنها مشوشة، سارحة في همومها الخاصة، ظهرت واختفتْ بسرعة غامضة، وحين أخبرته وداد، بعد توطّد علاقتهما، أنها ساحقتها لتكتشف هذا النوع من الجنس، هتف لنفسه أن الكلب يريد توريطي بامرأة سحاقية لا تصلح للرجال، كلب! انطلقت من بين شفتيه وهو يراقب وداد تخرج سيجارة وتشعلها، ظلّت محتفظة بالولاعة والعلبة بيدها الثانية، وحمرة شفتيها داكنة في عتمة المساء الخفيفة، إلى جانبها يمشي صبحي عابساً.
حكَتْ له عن أول مرّة صبغت شفاهها بالأحمر وخرجت إلى الشارع. ظلّت ساعتين مترددة، تذهب إلى الباب لتخرج ثم تعود هاربة، يمنعها الخجل والخوف من مواجهة العالم بفم مصبوغ، مواجهة الجيران، سكان الحيّ، والمارة في الأسواق والشوارع التي تكثر فيها الحركة.
قالت إنها راحتْ تدور في البيت، تنظر إلى وجهها في المرآة، تفكّر، تتخيّل الأزقة والشوارع والأسواق، تدبّ الشجاعة في قلبها فتتجه إلى الباب، هناك يهجم عليها الخوف، يضربها على يدها فتهرب متراجعة إلى الداخل.
كانت في السادسة عشرة، يكشف نحول جسمها حقيقة سنها، لذلك تشعر بالخجل من مواجهة الخارج. داخل البيت وضعت أحمر الشفاه على فمها مرّات كثيرة، قضتْ أيام الجُمع بخدود متورّدة وشفاه حمراء، تضحك وتجابه مزاح وتعليقات عمّتها وصديقاتها بروح شجاعة، غير مبالية، لكنها حين سارت في الزقاق، بعد صراع طويل أمام الباب، بدأت تتعثّر، تسرع وتلتفتْ وراءها، يرتجف قلبها من الخوف وتتمنى أن يخلو العالم من المارة لكي تمشي لوحدها، كلّما اقتربتْ من الأماكن العامة وحركة الناس ازداد ارتباكها، وفي أسواق شارع الرشيد صارت تسمع دقات قلبها العنيفة وحدها، تتصنع الجرأة والقوة إلاّ أن عينيها غاصتا إلى الداخل، لا تبصر الذين يمرون بها لكنها تحسّ نظراتهم الفضولية، تسمع تعليقات الرجال الشهوانية، المُغازلة، والبذيئة، بينما عيناها تحتميان بقلبها الصغير المرتجف “شنو هـ الحلاوة يا ولد!” يصيح أحد المارة بفجاجة “يخليلي هـ العيون الـ تُكتل*” يعلّق ثانٍ وهو يقرّب وجهه حتى يكاد يصطدم بأنفها “وين طالع الكمر اليوم؟” يقول صاحب دكان، ثم يضيف بنبرة مغوية “تعالي جوه أشوّفك القمصان الجديدة”. وعند أول زقاق صادفها هربتْ، ركضتْ كما تركض الصبايا خوفاً من شيء يفوق معرفتهنّ بالحياة، دخلتْ الزقاق لتتخلّص من تجربة يكفيها اليوم هذا القدر منها، لكنها في اللحظة الأخيرة، في الوهلة التي وضعتْ قدمها المرتبكة في المنعطف أحسّتْ بيدٍ كبيرة، يد لها سطوة الذكورة وجرأتها، تمسك مؤخرتها بقوة وتفلتها، ثم شعرتْ إصبعاً غليظة، وحشية، تندفع، عَبر الثياب، إلى شرجها.
"صرختُ بألم” قالت لجلال. “شعرتُ بالألم والفزع يصعقان ظهري ويخرج لهيبهما من عيوني” ومن غير أن تلتفتْ ركضتْ بكل ما في ساقيها من قوة داخل الزقاق. ما إن وصلا حتى نفض صبحي الغيوم عن وجهه في سرعة عجيبة ليقول:
ـ قمنا بجولة طويلة على الأقدام، ماذا فعلتَ أنتَ؟
ردّ جلال:
ـ تمشيت حول الساحة.
لوى صبحي رقبته اسحساناً، قال بحركة حازمة من يده:
ـ لنذهب الآن إلى صَليما، نبحث عن مطعم نتعشى فيه.
بقيت وداد على صمتها، وغيومها، واتجه الثلاثة نحو السيارة. فكّر جلال، وقد انتقلت السحب الكئيبة إلى روحه، أن صبحي لا يعي السرعة التي يجرفهم الزمن فيها، لأن الأفكار تتلاطم في رأسه فلا تشعر بقية جسمه بحركة الواقع، لذلك يتحدث عن جولات طويلة، وسفرات بعيدة، وسهرات ممتعة، لا يستغرق بعضها إلاّ فترات وجيزة، لأن الذكريات والخيارات وظلال الكلمات والتهديدات والمخاوف القديمة والحديثة تجعل كيانه، كله، يدور داخل رأسه، فيتمدّد الزمن في خياله ليشمل مسافات كبيرة، وأماكن عديدة، تأتي موجزة وخاطفة ومشوهة، تجعله يشعر كما لو أنه يخوض فيها بأقدامه، وضمن قياسات الواقع الأصلية، وهذه حال وداد، وحالي أيضاً، قال في خاطره، ثم تساءل: لكن، ألا تمثل هذه الحال صورة لحجم ومغزى حياة الإنسان بشكل عام؟ حلقات متشابكة من الوهم والواقع، يصعب حساب الزمن الحقيقي لإبعادها.
حمحمتْ السيارة ثم هدرت وتحركت مبتعدة عن اللوحة، متجاوزة محطة الوقود، واندفعت تتهادى بين أشجار الصنوبر. مدّ صبحي ذراعه نحو الصندوق على يمين لوحة الإشارات، تلمستْ يده الغطاء أمام ركبتي وداد بحثاً عن المفتاح، بينما أنظاره منصبّة على الطريق، فتحه، وغارت أصابعه تقلّب علباً وأوراقاً ومصابيح وقطع تنظيف وهي تنقب عن شيء ما. هلع قلب وداد ، إذ لمحتْ المسدس الصغير بين الفوضى، المسدس الذي كان يخفيه في الكومدينو في غرفة نومه، اخترقت ظهرها رجفة قوية، فهمتْ أنه يهديه لأنظارها، رغم المظروف الصغير الذي جذبه قبل أن يغلق الصندوق ويعود إلى وضعه الأول خلف المِقود.
فترة وانكشفت السماء وهياكل الصمت العملاقة المواجهة عندما بدأ الثلاثة ينحدرون في وادٍ صغير. اختفى غبش وغْطَيْطة* قرنايل، اختفى الصنوبر، وحجب متن الجبل بساتين وأشجار المدينة، لتعود الصخور الكبيرة إلى الظهور، يتلوى بينها شريط الأسفلت الداكن، منزلقاً بشدة إلى سفح حجري وعر، يضيئه الوهج المتبقي من الغروب.
السيارة الجديدة تحث السير بهدير مكتوم، خفيفة، سريعة، متينة، ومنصاعة، منكبّة على انحدارها لا تلوي على شيء، مثل نعش يشق طريقه بعناد إلى الهاوية.
مقفرٌ، وموحش، طريق الهبوط المؤدي إلى صَليما، وليس هناك من طريق غيره.
عميقاً، في نهاية المنحدر تحجب تضاريس الأرض عتمةٌ خفيفة، كتلة من شواش غامق، تتحدى أسرارُه العيون القلقة. في الداخل يتجمد الصمت والخوف، حيث يسلّم الركاب أقدارهم إلى هذا الانحدار السريع.
ارتجفت وداد، هزّتها رعشة برد، ذكرتها برعشة قديمة “أين؟” تساءلت وأنظارها تهرب من مشهد الصخور وانحدار الطريق بالتركيز على زجاج النافذة الامامية “في المطعم المكشوف في بحمدون، بحمدون الرغبة، اللذة، الرماد، رماد الحب، رماد مواقد الشاي التي تركناها وراءنا في البستان.
"آه، كم أحبّها، عمّتي، أحبّها أكثر من أبي، من سمير، من كل البشر، قالت أيتها الغبية...أتمنى أن أرتمي الآن في أحضانها، أنام على ذراعها وأشم عطرها ورائحة جسمها، إنها مثلي، لا نختلف في شيء، نَمَوتُ على سطح رحمها، مسكينة، وحيدة الآن وتتكاثر الغضون حول وجهها الذي كان نضراً على الدوام، مبتهجاً على الدوام”.
عشرات المرّات عرج بالسيارة من شمال بحمدون، أو جنوبها، إلى بيت مري وبكفيا، أو بقية المتن الشمالي، إلاّ أن غموض المكان، قفره، يبعثان الفزع الآن في قلب صبحي. من الأفضل عدم التفكير في الخطوة القادمة قبل بلوغ المدينة، حدث نفسه، ليبعد الارتباك الذي بدأ يستحوذ عليه كلما راجع خطته وسبب مجيئه، فكّر أن التراجع، وقد فهموا وجهته ونواياه، سيكون مهيناً، ويغدو من الصعب عليه تحمّل نظراتهما، لكن، هل كان وطّد العزم، فعلاً، على الاندفاع بالسيارة بسرعة فوق المنعطف ويترك الباقي للدواليب؟ هل جلب المسدس ليطلق النار عليها؟ هذا ما لم يكن واضحا كل الوضوح في رأسه. إذن، لِمَ جاء بهما إلى هذا الجزء من الجبل، لِمَ تسرّعْ وكشف المسدس لأنظار وداد؟ شعر أنه ورّط نفسه في خيارين خطيرين، وكشف سلاح كلٍ منهما.
إنهما خائفان، يلزمان الصمت ويكاد يسمع ما يدور في خلدهما، ولكن، إذا انتهت رحلة الخوف هذه بنفجان قهوة في منتزه صَليما، فستنقلب اللعبة على رأسه. اتركِ التفكير في هذه المسألة، إلى أن يحين الوقت، وشوش لنفسه، ورمى أنظاره على الطريق.
فترة قصيرة وهجمت على خياله، من جديد، اللحظة التي جمح فيها المِقود بين يديه، تأرجح بعنف وبحركة خرقاء، جعلته يفقد تحكمه بالقيادة، فانحرفت السيارة القديمة، دارتْ على نفسها نصف دورة، ثم اتجهتْ، حرةً، متمردةً، إلى حافة الجبل لترتطم بالصخور.
مع أول فرصة أتاحها أحد منعطفات الطريق الصغيرة خفّف من اندفاع السيارة، ثم راح يخفّفها بالتدريج حتى لا ينتبه الآخران، إلاّ أن الهبوط الذي يفرضه الانحدار، كان القانون الوحيد الذي يسيطر على اللعبة.
جلال يتمنى أن يتواصل هذا الهبوط إلى الأبد، إلى أن يشيخ الزمن، يعمّ الهرم الكون، فتنتهي مشاكل الإنسان بفعل التفسخ وانحلال عناصر الحياة، وقتها لن يطالبه أحد بالنزول من السيارة ليأخذ وداد من ذراعها ثم يصرخ بوجه صبحي أنْ ارمِ نفسك لوحدك إلى الهاوية، كما وعدَ، وهي تجلس في المقدمة بصمت، مطمئنة إلى وعده، واثقة من هبّةٍ يقوم بها في اللحظة الأخيرة تمنع هلاكها على يد زوج يتمسك بغنيمة لشيخوخته، لم يخُض حرباً، يحصل على الغنائم من دون حروب، يصطاد، بلا سلاح، الفتيات المراهقات المندفعات وراء نعيم وحبّ الموظفين الكبار، فهل يقدر، فعلاً، على الصراخ بوجهه، أم أنه قدم وعده في لحظة مرتبكة، امتزجت فيها الرعونة بالخيلاء؟
"الساعة الثامنة إلاّ ربعاً، يراقبني فلن أكشف له اتجاه نظري، لا يتكلم، يريد معاقبتي بتنهداته البغيضة، أن أصرخ وأتوسل ضارعة، هذا كل ما يريده بسفرته المشؤومة.
"هل كانت حساباتي للوقت خاطئة؟ في بحمدون كانت السابعة، وللكهل في السابعة والنصف. سير الزمن هو السبب، بطيء، يتلف الأعصاب قبل أن يصل إلى نهايته، يتلف كل شيء، قلتُ استعملي المستحضرات فتختفي الغضون حول فمك، ضحكتْ، تسخر من الفتاة الصغيرة التي كُنتُها.
"إذا كان حديثه عن الغشاوة التي خيّمتْ على عينيه من باب التخويف، فهذا الانحدار بما فيه من استدارات يكفي لقتلنا إذا ترك السيارة تنزل بهذه السرعة! كيف أصبح شكل أمي الآن في القبر؟ عظام مثل تلك التي نراها في المجلات، مثل والدي، مثلي بعد الموت، عمّتي تتحوّل إلى كومة من العظام، ذلك الجسد الكبير، الأرداف المعطّرة تذوب في التراب، هو أيضاً يتحوّل إلى كومة من العظام يشتعل الغضب والحقد في محجريها.
"اقتلني، هيا اقتلني إذا كان هذا يريحك، لا
"اقتلني، حتى تثبت رجولتك معي، لا.. يثير أعصابه
"ماذا تنتظر، أطلق النار، اقتلني لتؤكد إخلاصك للكلام الذي قلته عن التحضر والصراحة في الحب..لا، طويلة
"هيا اقتلني، حتى تتخلّص مني وتتفرغ لهناء والنساء التي خنتني معهن
"اقتلني، كرهتُ الحياة والزواج والحبّ، كلها كذب وخداع، كلها نفاق، لا "
اقتلني... ”
كيف يمكن إقناع الإنسان بدون قتله؟ استرجاع عواطفه، أو تغييرها، جرّها من شخص آخر إليك؟ مستحيل، أجاب صبحي خياله المضطرب. خاصة عندما تكون امرأة، جسد ينطفئ معك ليشتعل مع رجل آخر، جسد لعين وتافه، روائح وافرازات، مع ذلك يستعبدنا، نتجاهل عيوبه وجوهره ونتعلق به، نرمي أنفسنا في المهالك من أجله.
أنانية، منذ عرفتها، لا تفكر إلاّ بنفسها وحاجاتها وأهوائها، عودّتُها على الاستجابة لكل رغباتها فظلّت تتصرف كفتاة مراهقة، في الثلاثين وتريد هذا الشيء ولا تريد ذاك، الخطأ خطأي، كان يجب أن أتصرف بحزم مع فتاة ربّتها امرأة متصابية تضع الأصباغ على وجهها وتخرج للشارع تبحث عن الرجال. راح يلوم نفسه، يصبّ عليها التقريع، ثم استدرك، أنه لو لم يفعل هذا لما انجذبت إليه، لما وقعت في حبّه، فارق السن، قال، لعن السن والمرأة التي تتعلم في الجامعات وهي في الثلاثين، ثم صاح داخل رأسه: لماذا تريد النوم على سرير منفصل؟ تذكّرها تبتسم، تخجل من الإفصاح وهو يلحّ ويستفسر، إلى أن اعترفت، إلى أن قالت إنها لا تحتمل جسداً آخر إلى جانبها طوال الليل، لا تحتمل، وكان عليه تفسير الباقي، تنسى أنها رحم وأمعاء، قال، ثم تساءل بِمَ تختلف وداد عن هناء، وهناء عن سناء، وهذه عن زنوبة لكي يتحمل الرجال وحدهم! وأظلُّ ألهثُ إلى جانبها نصف ساعة لتهتاج وتبلغ الذروة، ثم أضاجع، وحدي، جسدها الهامد. تنسى هذا أيضاً، أنتِ امرأة بظرية، قال لها في إحدى المشاحنات الصاخبة، أنتزع منكِ المتعة انتزاعاً، ردّتْ أنه يعرف طبيعتها منذ البداية، لم يعترضْ، بل قال الأمر لا يغيّر شيئاً من حبّه، ولا استمتاعه، لكنه صاح بوجهها إن حالتها ليست لها علاقة بطبيعة المرأة في شيء، هذا أيضاً احتملتُه، قال متابعاً تأنيب ماضيه، في الأخير تطلبُ الانفصال في المحكمة عندما تلتقي أول صعلوك، لتجلبَ لي القلق والمشاكل، والأخطار.
كان محاصراً بالانحدار السريع، بأجنحة المساء التي ما فتأت تبسط ظلالها المعتمة على قسم من متون الجبل، بالوقت الضيّق الذي يفصله عن أول منحدرات صليما، وبدون وعي منه راح يتقلّقل في جلسته، ينفخ ويزفر ويطلق التنهدات بصوتٍ عالٍ.
يتنهد ويقول إذا أراد اللّه أن يأخذ أمانته هل تعود إلى بغداد لتهتم بإخوانك وأخواتك، يستحضر جلال هيئة والده وحديثه الدائم عن الأمانة التي يربطها مرّة بعودته من لبنان، مرّة بزواجه، مرّة بحصوله على وظيفة يساعد بها العائلة، الشعر وبيروت ينظر إليهما بغموض حين يرد ذكرهما، رسائله التي يكتبها أخوه عمران يذيّلها بالسؤال التالي: اخبرنا هل نشرت الديوان وستعود إلى بغداد؟
لم أنشرُ غلافاً أبيض، ردّ في خياله على تذييلات أبيه، أغطس في المقعد الخلفي، مستسلماً لتهديدات موظف مخدوع يمكنه تعييني في أي دائرة حكومية أريد، مقابل الكفّ عن حب ومضاجعة زوجته، سوف يندهش الوالد إذا بلغه هذا الكلام، سوف يعرف أن الوظائف يمكن الحصول عليها لأسباب أخرى، ليس من خلال الانتظار والاستجداء فقط، يتنهد ثم يربط رحيل أمانة اللّه عن هذه الدنيا بمطالب حديثة، تلعب أعضاء الجنس فيها دوراً حاسماً، وهذا الكلب الذي ينغّم تنهداته أراد توريطي بالزواج من سحاقية، والآن يأخذني إلى المنحدرات يخاطر عليها في الظلام ليؤكد شجاعته، فيقتلنا جميعاً نتيجة هفوة صغيرة، فبأي دواوين أعود إلى بغداد؟
فترة وانبسط الطريق، ظهرت شتلات الخسّ، متفرقة، ثم كثيفة، ظهرت أشجار الخروب، والتفاح، وكروم العنب الخضراء، الدراق، وعدد قليل من السيارات تمرّ بهم مسرعة، بعضهم أنار الأضوية، البعض الآخر اكتفى بوهج السماء الذي يكشف الطريق بوضوح، إلى اليمين، في الأسفل، تغمق العتمة داخل الوادي، ليخطّ نهر المتين مساراً نحيلاً، مضيئاً، يتلوى بين المزارع والأشجار، أشبه بسيل من الزئبق، يفصل المتن الجنوبي عن المتن الشمالي، ويتجه في حركته اللولبية إلى مصبات مجهولة في أعماق الوادي.
إلى الأمام بدا لهم الشارع مقطّعاً يتلوى صُعداً، يظهر ويختفي بين فجوات الأشجار، ثم تبتلعه ظلمة الغروب عند الحواف الصخرية الوعرة التي تنتهي في قمة الجبل. من الأعلى، تطل على الوادي المتون الشرقية لبلدة صَليما، تحدق بعين نَسر في الذاهبين والقادمين عَبر الطريق الوحيد المتجه إليها.
فكّر صبحي بتخفيف السرعة، غير أن الإبطاء سوف يُفسر ضده، ألقى نظرة على لوحة الأضوية والقياسات ثم ضغط على دواسة البنزين إلى آخرها، انطلق الهيكل الأصفر مثل نيزك يخترق ظهر الجبل، مخلفاً الهلع في قلوب راكبيه، بَيدَ أن ثقلاً مفاجئاً هبط على السيارة، شهق الموتور ثم توقف هديره، فراحت تكرج بصمت وتبطئ إلى أن توقفت تماماً على جانب الطريق مثل كتلة من الرصاص.
ـ ماذا حدث؟ سأل صبحي، ينظر باستغراب إلى لوحة الأرقام.
أحسَّ الآخران خفوت هدير الموتور، يرافقه ثقل مباغت يهبط على سرعة السيارة، ثم توقفت كل حركة.
ـ اللعنة، صاح صبحي،
ـ ماذا؟ سألت وداد،
ـ نفد الوقود، أجاب. يلعن أبو البنزين، قال بحدة وهو يضرب المِقود براحة يده.
أخفى ارتياحه لهذا الحادث، دفن فرحه عميقاً داخل نفسه، وبدلاً عن ذلك تظاهر بالغضب، بالحنق من هذا التوقف غير المحسوب الذي يعيق خططه، يقف بوجه قراراته المهمة، ثم ترجَّل من السيارة.
لأول مرّة تنفرج ملامح وداد، لتظهر على وجهها ابتسامة خفيفة، وعلا صوت جلال، علّق هازئاً وقد شعّ على وجهه الارتياح: لا بأس إذا تأخرنا على العشاء، بينما وقف صبحي على جانب الطريق المقفر، يسند يده إلى خاصرته، ويحدق في غضب بمقدم السيارة التي خذلته.
ـ طبعاً، كيف لا أنسى، وذهني مشتت كل الأيام وراء المشاكل التافهة! صرخ موجهاً كلامه، من طرف خفي، إلى وداد.
لم يكتفِ بالكلمات وعلائم السخط، ركل السيارة بقدمه: اللعنة.. ركلها مرّة أخرى، شعر بالحاجة إلى إظهار المزيد من الغضب، من الكلمات والحركات العنيفة التي تنمُّ عن السطوة، عن تفجّر الأعصاب، والمقدرة الكبيرة على تدمير أي شيء يقف في طريقه، صاح ودار حول السيارة بقامته القصيرة، الممتلئة، يوجه الركلات واللعنات ويشعر إنه يوجهها إليهما، يفزعهما، يشيع الرعب في قلبيهما، ظلّ يسعى وراء المزيد من الاحتدام، كلما فكّر في مفاجأة الوقود التي أعفته من المجازفة.
شعرت وداد برفساته ترجّ السيارة، ترجّها هي أيضاً، يوجهها إليها وليس إلى الأبواب والصفيح، مع كل ضربة تدوي الضجة في رأسها وبدنها فترتجف من الخوف والاضطراب، تحسّ بالإهانة، بأنه غاضب لأن نفاد الوقود يظهر فجأة ليحول بينه وبين تدميرها وموتها وإذلالها.
فتحتْ الباب وهي تصيح:
ـ يكفي، يكفي هذا الغضب، نزلت على الأرض وكرّرتْ. يكفي، وقفتْ أمامه ترتجف. لماذا لا تحترم البشر الآخرين؟
في تحدٍ، ركل السيارة من جديد، ليقول:
ـ انظري ماذا فعلتْ هذه السيارة الحقيرة، نفد البنزين بعد أن عبرنا آخر محطات الوقود! ثم رفع درجة صراخه ليضيف، إذ بدأ يسليه انفجارها الذي يكشف عن الخوف والإحساس بالإهانة. طوال الوقت رأسي مشغول بالمتاعب والمشاكل، أصبحتُ أنسى البنزين، أهمل الزيت، أهمل حياتي نفسها، هل فهمتِ الآن سبب غضبي؟
من غير أن تردّ عليه، سحبت المفاتيح من قاعدتها في التابلوه، ذهبت إلى الخلف وبيد مرتعشة فتحت الصندوق الخلفي.
كان جلال قد نزل، وقف على جانب الطريق مغلوباً على أمره، يشعر بالعجز التام، بالحرج، يراقب، بلا دور، الشجار الذي فاجأته حدّته. منذ لحظات تصوّر أن متاعبه انتهت بانتهاء البنزين، لكنه يجد نفسه الآن في مأزق يجرّه من رقبته إلى حومة الصراع.
أخرجتْ وداد صفيحة من البلاستك وعادت لتقف بها أمام زوجها وهي تقول:
ـ تفضل، هذا بنزين، خذ.. هذا بنزين أحتفظُ به للحاجة، خذ!
كانت تدفع إليه الصفيحة، وهو يقف مسمراً، ينظر في دهشة بكماء إلى السائل الأزرق، معروضاً بلا رحمة، بلا أوهام، يرتجّ بين يديها المتحديتين، يقدم الإجابة الخبيثة لغضبه، الامتحان اللعين لرجولته، يرتجّ هازئاً بخططه وتهديداته، بقممه ومنحدراته، لذلك لم يجد مناصاً من قبول الهبة الجحيمية التي زلزلتْ كيانه وشلّتْ دماغه.
لم يعد قادراً على تلوين تعبيرات وجهه، انتزعتْ بمفاجأتها الماكرة جميع أقنعته، سحقتها على وجهه ليبقى الجلد منكمشاً على الغضب والحقد.
تناول الصفيحة واتجه بها إلى مؤخر السيارة، فتح غطاء الصفيحة، بعدها شدّد قبضته على غطاء الخزان ولواه، إلاّ أنه لم يستجب، شدّد قبضته أكثر، تمتم، لعن، سب ولوى من جديد فانفتح الغطاء لسطوة غضبه.
عبأ الوقود في هياج، قسمٌ يدخل في عنق الخزان وينساب الباقي على جانب السيارة. رفع نظره إليها، ما زالت واقفة، تنظر بتحدٍ، ترتجف من الغضب وتنظر، فكّر في كلمة، عبارة يقولها، تعذّبها وتبعث الرعب، وليس الغضب، في قلبها، كلمة واحدة تشعل براكين الخوف وتجازيها على كل ما فعلته معه، لكن الانفعال وحقد تلك اللحظة القاسية شوّشت الكلمات والمعاني والعبارات في ذهنه، خانته براعته وقدراته السابقة على النقاش وتحلّلتْ اللغة داخل رأسه، رفع صفيحة البنزين إلى الأعلى، من دون أن يحوّل أنظاره عن وداد، وضرب بها السيارة.
انتشر البنزين على غطاء الصندوق والنافذة، وانسابت كمية منه على الجانب فالأرض، رفس الباب بقدمه وهو يشتم ويلعن، مدّ ذراعه من النافذة وتناول الولاعة من فوق التابلوه، عاد إلى طوفان الوقود، مدّ يده بالولاعة في حذر إلى نقطة مناسبة وقدَحَ، فالتهبت خلفية السيارة دفعة واحدة، وامتدت النار إلى الأرض في إعصار من اللهب.
تراجع بسرعة، يلعن ويتوعد، يركل الدعامة الأمامية بقدمه ويلعن السيارات، والنساء، الأخطاء التي يدفع ثمنها الرجال، الحب، نكران الجميل، أوهام السعادة، الإخلاص، بيروت العاهرة، اللبنانيين الكلاب، جامعات الفسق والشرمطة، الفاشلين الذين يغررون بالزوجات، البيوت التي لا تربي بناتها كما يجب، الرهانات التي تنتهي بالفشل، الأصدقاء الذين يتغامز....ثم انحنى، أمسك صدره بيده وانحنى، تشنّج فجأةً، بينما تحوّل الجزء الثاني من السيارة إلى كتلة هائلة من اللهب، وعبرت النيران من حافة الطريق لتمتد إلى قش الصنوبر الجاف.
ازداد تشنّجاً وعيناه تبحلقان في الأرض، ثم تهاوى، ليسقط على خطم السيارة بلا حراك.
انتهت الألعاب، لم تعد الحركات وإشارات العيون جزءاً من لغة التخاطب، هذا ما سطع مع حرارة اللهب في ذهن وداد. كانت السقطة باتة، ثقيلة، ويتعين عليهما، قبل أي شيء، إبعاده عن النار التي تقضم الحديد والكاوتشوك بنهم حيواني مخيف، يجب نقل الجثة الضخمة إلى الجهة الثانية من الطريق، لأن لسان اللهب الآخر زحف على الصنوبرات والسنديان وأشجار الخروب.
تخلّص الاثنان من صفعة الحادث الذي أذهلهما وشلّ تفكيرهما وأحاسيسهما منذ قليل، أحاطا به.
ـ صبحي! صبحي !
نادتْ في فزع، وهي ترفع وجهه عن الصفيح لتتمكن من رؤيته بوضوح، ما زالت أجفانه تطرف بضعف، إلاّ أن ملامح وعضلات الوجه تهدلت، غار الدم منها ليضربها الشحوب. قالت في خوف.
ـ لنحمله،
بصعوبة، كما يحمل طائران سمكة كبيرة، رفعاه قليلاً عن السيارة، أحاطا به، يتصارعان مع كتفيه وذراعيه ليتمكنا من حمله، ثقيل، جبل ثقيل من اللحم والدم بين أيديهم المرتعشة، جرّاه بخطوات مضطربة، متعثرة على الطريق ، شعرت وداد بأقدامه تتسحلل على الإسفلت مثل أقدام لعبة كبيرة من القش، انبعثت في خيالها المشوش صورة السرير، تساءلت كيف كانت تحمل هذه الكتلة الضخمة فوقها بينما تنسحق الآن تحت ذراع واحدة منه؟ وفي السنين الأولى كانت تحمله بحبّ، برغبة، في هذه اللحظة تلهث وتئن من جسامة جزء صغير منه!
خارج حافة الإسفلت المقابلة أنزلاه على الأرض وتهالكا إلى جانبه. تفحصته من جديد، نادته باسمه، لم يجب، إلاّ أن عضلات فمه تحركت من غير أن يستطيع الكلام بوضوح.
ـ يا ربي ابعث لنا سيارة تأخذنا إلى المستشفى.
لم تكن الأزمة قاضية، لكن حالته ما زالت خطيرة، قالت لنفسها، أزمة شريان قوية لم تحصل له من قبل، أرعبها القفر المحيط بهم، والنيران تندفع إلى مقدم السيارة مصحوبة بدوي وفرقعة مخيفين، تنفث أمامها إعصاراً أسود من الدخان. لم تفكر إلاّ بمرور ناس يخلّصونها من الرعب والمحنة التي أوقعها فيها، نهضت وصاحت:
ـ أين ذهب البشر، أين السيارات؟ لا بدّ من وجود بيت قريب، أو قرية لنطلب المساعدة. لا بارقة أمل، لا صوت، إلاّ الشُعل الكبيرة تفرقع من سقف السيارة وتنشر ظلال النيران على مساحة كبيرة من الأشجار والإسفلت.
وقفا كل على جانب من الطريق ، ظلّين من الوهج الأحمر، يرفعان قامتيهما على أطراف أقدامهما، يبحثان بانظارهما الخائفة عن أثر لبيت، أو إنسان، وسط مزارع الخضار وبساتين الفواكه وأحراش يعمّها الهدوء، تتنفس اللحظات الأخيرة، المضيئة، من الغروب، قبل أن يغمرها الظلام.
ـ تحطم كل شيء، قالت، حين اقترب منها جلال.
جاء يبدد خوفها ووحشتها، يدخل على قلبها الأمان من خلال وجوده، غير أنه، بدلاً من ذلك، ارتجف من غموض كلامها.
ـ ماذا تعنين؟
ـ تحطم كل شيء ! كرّرتْ القول، بلهجة يكتنف معانيها شيء من الوضوح.
ردّ، يقترب أكثر من هيئتها التي يخفق عليها اللهب:
ـ من قال هذا؟
ـ فعلها معي، ولن أستطيع شيئاً بعد اليوم.
ـ بل تستطيعين، قال بثقة. عندما يسترجع عافيته تحسمين الأمر معه.
ـ ألا ترى أنه تزوجني من جديد بفعلته هذه؟ ردّت بحدة، وفكرتْ به ينطرح الآن على الأرض بنصف وعي، لكنه مرتاح البال، مطمئن إلى متانة السلسلة التي تشدّ يدها إليه.
ـ لا أدري لِمَ تفكرين هكذا! قالها بشيء من التذمر.
ـ هل تظنني قادرة على تركه بعد الآن، وقد عثر على السلاح الذي يمكن أن يشهره بوجهي في أية ساعة يريد؟
ـ هذا سخف! قال بإصرار، وراح يدور حولها باهتياج، لا يفهم التشويش الذي أصابها، ولا يجد المزيد من الكلمات يردّ بها على أفكارها. كان مجهداً، يضايقه جفاف حلقه الذي ألهبه العطش والتدخين، أضاف. أسبوعاً واحداً ويعود إلى وضعه الاعتيادي.
ـ أعرف، سوف تتحسن حالته، إذا وصلت سيارة ننقله بها إلى المستشفى، وبعد ذلك، ماذا يحصل؟ سوف ألازِم حفرته إلى آخر يوم من حياتي.
عاد يدور حول نفسه وحولها، ، تطيش الكلمات والأفكار الواضحة من رأسه، قال، يحاول مواجهة عينيها الشاردتين:
ـ لا أفهم، ولا أرى سبباً لهذه القرارات الآن!
ـ لا أستطيع قتله، افهم هذا، بإمكاني القيام بأي عمل، المخاطرة بأي شيء، أما أن أكون سبباً في موته، فهذا ما لن أقدر عليه، هل فهمت؟ المشكلة الآن تتعلق بالحياة والموت. لفظت عبارتها الأخيرة بحدّة، ثم لزمت الصمت، بدت أشبه بقلعة يكلّلها الحزن والغموض.
ـ أهذا هو السبب وحده؟ سأل وأحنى رأسه ليواجه نظرتها الغائمة. ظلّ يستجوب صمتها المُغلق، تفحص وجال على سطح وتخوم وجهها، لكن بلا فائدة.
قالت:
ـ تلك أضواء سيارة!
التفتَ جلال، السيارة قادمة من صَليما، ينفرش ضوءها على المزيد الطريق والأشجار كلما اقتربت. في صمت، التحقت وداد بصبحي، قرفصت إلى جانبه وتفقدت حرارة جبهته، الحرارة ضعيفة بَيدَ أنها تعود ببطء، بعد أن كانت أطرافه ورقبته وجبهته قد بردتْ منذ قليل، حتى خُيّل إليها أنه في لحظاته الأخيرة. من أعماق المزارع والأحراش بدأت تُسمع أصوات تتنادى من بعيد.
توقفت السيارة على مبعدة، نزل ركابها الثلاثة وجاءوا يهرولون، إذ أحسّوا، من مشهد صبحي الممدّد على جانب الطريق ، وجود ضحايا يحتاجون المساعدة، رجلان وامرأة، ارتسم الخوف والدهشة على وجوههم لرؤية حجم النيران والوهج الذي يلفح الجلد من مسافة عشرين متراً، بينما تحوّلت السيارة إلى هيكل أسود يحيط به الشرر واللهب والدخان.
استمعوا إلى وداد تشرح بلهجتها الغريبة إصابة زوجها وحاجته إلى إسعاف سريع.
ـ بسلامتو، وسلامتكن يا مدام، قال صاحب السيارة. نِحنا ناخدو، اطمئني.
ـ مَـ يفزع ألبك، هلأ بس يوصل المستشفى بـ تمرّ الأزمة بسلام، قالت المرأة، ثم وجهت كلامها إلى الآخرين. يلّله روِّجو يا رجال، ثم خصت أحدهم بالنداء. ميشيل، أرِّب السيارة نتفه.
توقفت سيارة ثانية، فثالثة، من جهة قرنايل، وازدادت النداءات المنطلقة داخل المزارع والأحراش قرباً، وفجاعةً. انضم عدد جديد من الركاب إلى ميشيل وجماعته، تعاون ثلاثة رجال ليحملوا المصاب، نقلوه بحرص إلى السيارة، تتبعهم وداد، وضعوه على المقعد الخلفي واقترحوا أن تجلس إلى جانبه، يساعدها الرجل الثاني في إسناده من الجهة الأخرى، هزّتْ رأسها موافقة وهي تردّد عبارات الشكر والامتنان، استدارت السيارة بين همهمات الركاب الآخرين، لتنطلق باتجاه صليما في سرعة كبيرة.
عاد الباقون إلى موقع الحادث، يتبادلون كلمات الاستغراب، يجتهدون في إطلاق التكهنات، ويتحسرون على ضياع السيارة الجديدة.
ـ يا حرام، مبين هلأ نازلة للشارع. بس كِيف وصلت النار للحرش؟
في البداية شعر جلال بالغضب من ذهابها، داهمه انفعال مجنون من طريقتها في صعود السيارة وتناسيه، أراد جرّها من ذراعها إلى الخارج ليصرخ بوجهها ثم يدفعها إلى جانب زوجها من جديد، وفي اللحظة التي ابتعدتْ فيها السيارة أحسّ كتلة من نيران الحريق تصفع قلبه وتكوي دواخله، لكنه في اللحظة التالية شعر بالهدوء، انتابه إحساس مفاجئ مريح، إحساس بالخلاص.
لفترة ظلّت زحمة الناس الذين هرعوا من السيارات تجرفه هنا وهناك، يقترب من وداد ثم يجد نفسه بعيداً عنها، كانت منهمكة في وضع يخصها وحدها، تسأل وتردّ على الأسئلة وتشكر وتتفقد صبحي وتشير إلى هذا والى ذاك، بينما يتدافع هو مع الناس ليصل إليها، ليفهم، مثلهم، الطريقة التي تُرتب بها الأمور، وحين جلستْ على يمين صبحي التقت عيناها، صدفةً، بعينيه، فقالت من خلف الزجاج، بحركة مستسلمة من يدها ورأسها، ماذا أستطيع، هكذا الموقف! ثم انطلقت السيارة ليبتلعها الظلام.
راحت السيارات تنزل إلى الأرض الزراعية، لتتجنب النيران ثم تتخذ وجهتها. سأل جلال أحدهم إنْ كان يتفضل بنقله إلى قرنايل، فرحب الرجل، وطلب من أولاده أن يفسحوا له مكاناً في المقعد الخلفي.
انتابه إحساس هادئ بالارتياح وهو ينحشر داخل السيارة، انتهى الخطر، انتهت اللعبة كلها، تخلّص من التوتر والانفعالات التي سيطرت على نهاره، وابتسم في دخيلته لتلك التي سادت حياته في العامين الماضيين.
بعد فترة راحت السيارات ترتقي المنحدر الذي مرّوا به منذ ربع ساعة. التفتَ وراءه، ما زالت النيران هائجة، تلتهم المزيد من الأشجار والمزارع وبساتين الفواكه لتوسع رقعتها، وعدد كبير من السيارات يتوقف، يتحرك ركابها مثل الأشباح على مقربة من اللهب، يهمهمون ويشيرون بأيديهم، يتساءلون عن سبب اشتعال السيارة، وكم من الوقت يتطلب إخماد الحريق؟

إنتهت