سهرة أخيرة برفقة الموت


كثيراً ما فكّرتُ في التغيّر السريع الذي حدث لعاطفة هذه الزوجة الشابة (باولا) وحملها في النهاية على ارتداء الثياب السوداء بعد وفاة زوجها. أكثر من هذا، السهر طوال الليل قرب جثمانه، بعد أن هدّدت بأعمال شنيعة إذا فُرض عليها المبيت معه الليلة الأخيرة التي تسبق الدفن.

"إذا أدخلتموني بالقوة، سوف أمزق جثمانه إلى عشرين قطعة بسكين المطبخ!" قالت والعزم يلوح مثل القدر في عينيها السوداوين.

أعرف أنجلو أيضاً، إنه مسالم، قليل الكلام، وطيب في دخيلته، يتحوّل إلى ابن كلب لا يطاق عندما يسرف في الشراب، وهو يسرف فيه كل ليلة، فيمسك المحراث القديم الذي يؤججون به الحطب المشتعل في موسم غلي صلصة الطماطم، أو أية أداة غليظة، ويروح يوجه الشتائم الجارحة والبذيئة لباولا من جلسته المعتادة في المطبخ، إلى أن يذوي من النعاس، وتنتهي فصول الرعب بعد ساعة أو أكثر من منتصف الليل. مع ذلك فإن البقاء ليلة واحدة إلى جانب جثمانه لن يكلّف الضحية الكثير، بعد أن تخلّصت في النهاية من الحياة القاسية معه.

كنت آخر من قال هذا الكلام، بينما تجلس باولا وقد ركبها العناد، محاطة بوالدتها ووالدها وأختها، وبدا كل طرف مصرّاً على موقفه لكن بلا أمل، والمساء يطوّق الأحياء المبعثرة جنوب روما، والأقرباء والجيران عادوا إلى بيوتهم لفترة العشاء، وأنجلو غير عارف بما يجري، ولا يسمع الكلمات الموحية بالشرّ التي ردّت بها عليّ:

"لكنك أنت! أنت نفسك تعرف!"

الارتياح الخفي، العميق، مدّ خيال باولا بقدرة كبيرة على للردّ على حجج وأسباب الآخرين.

قالت بعد فترة من صمت وحيرة الموجودين:

"لن تجبروني على شيء لا يستحقه، وتكرهه نفسي! ليسهر من يحبّه إلى جانب تابوته!"

ربما لا يستحقه، قلتُ في سرّي، إلاّ أنه لم يضربها يوماً، ورغم بذاءته في معاملتها وترويعها، فقد مات في منتصف العمر نتيجة ضعف إرادته حيال سرّها الذي اكتشفه بعد الزواج، ويستحق الشفقة على ذلك.

والدها، الأكثر غضباً في كلامه، يقول إن الواجب واجب، ليس أمام الله فقط، إنما في عيون البشر أيضاً. كان يعني الأقرباء والجيران الذين يسلقون المرأة بألسن حارقة إذا قصّرت في واجبها نحو زوج قضى نحبه.

كان الاتفاق أن تجلس مع الآخرين في الغرفة التي تضمّ نعشه، وما إن يخرجوا بعد ساعة أو أكثر، تترك الغرفة وتقضي الليل في أي مكان من البيت.

كانت المسألة تخصّ واجباً يلزم الناس به أنفسهم إزاء أشخاص من داخل البيت، مهما حملوا لهم من كراهية سابقة. إنه واجب تجاه الموت بالدرجة الأولى، وليس تجاه الشخص ذاته.

الآن، بعد مضي سنتان على الحادث عدتُ إلى التفكير في سبب تراجع باولا! في سرّ قضائها الليل بطوله بعد خروج الآخرين، في غرفة ضمتها مع وجه زوجها الذي يذكّرها بالعذاب والإهانة، من دون أن تتركه لحظة واحدة! وكنتُ أقف داخل سوق الخضار أراقب باولا المنهكة في الشراء، أشاور نفسي هل ألقي عليها التحية لأستشفّ منها الحقيقة، أم أبتعد فلا أثير بوجودي ذكرى ما، لا أعرف إن كانت سيئة أم طيبة بالنسبة إليها!

أواخر كل صيف، كنا نشترك في موسم قطاف الخضار والفواكه السريعة العطب، نذهب مع جماعات من الشبّان إلى مزارع الجنوب القريبة من روما لكسب القليل من الأجور، أكثر من ذلك تجذبنا متعة قضاء أيام بين الحقول المفتوحة، تمسي لياليها مهرجانات ساحرة للغناء والرقص.

هناك تعرّفتُ على أنجلو، الوحيد بينهم في سنّي، سنّ الثلاثين، منذ ذلك اليوم غدونا صديقين.

في الصيف التالي حملنا القليل من الملابس الخفيفة وتوجهنا إلى مزارع الفراولة في إقليم (إبولي). هناك تعرّف أنجلو على ابنة صاحب المزرعة، باولا، وبعد أشهر تزوجا في حفل جميل، بَيدَ أن الكآبة سرعان ما تمكنت منه، وتعوّد الشرب بإفراط، إذ علم أنها كانت تعاشر شاباً آخر، غرّر بها ثم فرّ من الزواج ليختفي في إحدى بلدان أمريكا الجنوبية.

لم يكشف أنجلو الأمر لأهلها ولا لأهله، غير أن السرّ، وتفاصيله، تحوّلا إلى دمل صار يتضخم في الداخل ويسمّم حياته.

أثناء زياراتي المتباعدة، اشتكتْ من سلوك أنجلو قالت إنه لا يريد الانفصال بالطلاق، ولا يكفّ عن ترويعها كل ليلة. المرّات القليلة التي حضرتُ فيها الشكوى، يلزم أنجلو مكانه على الكرسي داخل المطبخ، يتابع الكلام المرير بنظرات صامتة يسلطها على باولا من تحت حاجبيه، ويظلّ على هذه الحال إلى أن أخرج مثقلاً باليأس من جدوى كلامي، أنا الآخر، معه.

كان يسمع وانفعالات الحقد والغضب المخيفة تتلوّن على وجهه. لا يردّ على الشكوى، والغليان في نظراته يقول: "سوف أشهّم وجهك بالمدقّ آخر الليل!"

"صباح الخير باولا!" حيّيتها أخيراً، بعد أن طغى الفضول على تردّدي السابق.

"صباح الخير أحمد، كيف حالك؟" ردّتْ بلطف، وبدت سعيدة برؤيتي، مما حفّزني على متابعة هدفي.

لم تعد أسرار قلبها القديمة التي حطمت حياة أنجلو تشغلني، إذ اندثر الموضوع بموته، لكن السهر إلى جانب جثمانه بعد ذاك الرفض الصاخب والتهديد، هو الذي نهض داخلي يبحث عمّا ورائه من أسباب!

كان ارتياح هادئ يستقر على وجه باولا، والتخلّص من أعباء الماضي القريب أعاد إليه جزءاً من نضارته القديمة، إلاّ أن خمس سنين من الحزن والمرارة ما برحت تظهر وتختفي على سمته في لحظات الصمت، مثل أضواء بعيدة وسط مدار مظلم.

"ما هي أخبار المواسم؟ هل الوالد راض عنها؟"

"دائماً أسمعهم يشكون من الضرائب" قالت باسمة، ثم: "بالنسبة لي، نادراً ما أذهب هناك"

كنا نعني المزرعة دون ما حاجة إلى ذكر أسمها.

"وأنتَ! كيف يجري العمل؟"

"كالعادة، مرّةً جيد، ومرّة سيئ" أجبت، وبدأنا ننتقل سوية على دكاكين الفواكه. كنت أزن حماسها للشراء لكي لا أفاجأ بكلمتي وداع ترحل بعدها. ومن خلال الكلمات القليلة التي نتبادلها شعرتُ أنها تتحاشى التطرّق إلى العائلة وحياة البيت، وتبعد يدها عن الخيوط الناعمة التي تقود إلى الماضي أو إلى أمورها الشخصية في الحاضر.

"باولا!…"

"نعم!…" ردّت من غير أن تدير أنظارها نحوي.

"لا أريد الحديث عن الماضي، لكنني كثيراً ما أحببتُ معرفة شيء واحد فقط، إذا سمحتي!"

"ما هو؟" سألتْ، مبقية أنظارها بعيدة.

"أعرف كم خيبكِ ذلك الزواج، لكنني دائماً أتساءل لماذا غيّرتِ رأيك تجاهه بعد ساعة واحدة من الجلوس قرب الجثمان؟"

"وجدتُ وجهه خالياً من الحقد، خالياً من الكراهية والتهديد والشرّ"

لم نذكر اسمه، ولم أطلب المزيد. قالت باولا كلماتها ببساطة، لفظتها وانتهت منها بسرعة عادية، مثلما كلمتني عن المواسم الأخيرة في مزرعة الوالد، ثم افترقنا بكلمات وداع لطيفة. لكنني بقيت أفكّر طوال اليوم في حقيقة الإنسان، وفي اليوم التالي نسيت كل شيء.

"الشرق الأوسط" 15-2-2005

http://www.asharqalawsat.com/view/art/art.html