(في
ثلاثة فصول)
الشخصيات: وصال (الزوجة)
منصور (الزوج)
خديجة (الخادم)
الفصل الأول:
في
الصالون، وقد انقلب الأثاث وتبعثر وعمّت الفوضى كل جزء منه، على الجدار تتدلى من طرف
واحد لوحة رسمت بالزيت والخيش.
[وصال تجلس على مقعد كبير مقلوب]
وصال : كل شيء انهار، كل شيء أصبح بلا
فائدة (تنظر إلى الفوضى من حولها) ولكن...على الأقل كل الأشياء واضحة الآن، هذا أريح (تتنفس
بارتياح) كل شيء واضح (بعد فترة من التفكير) ..لا، هذا الوضوح مخيف، من كل
جهة أنظر إليه فهو مخيف. (ترفس مصباح مائدة
قريب منها، ثم تتلمس وجهها وكأنها تريد التأكد من عدم وجود جروح أو خدوش على
جسمها، تسمع حركة في الداخل).
ماذا تراه يفعل؟. منذ
ساعة وهو يتحرك بين الغرف، يبحث عن شيء، أو يهيئ نفسه لشيء، أو يفكر بأقدامه! (تبتسم). أمي تقول الرجال يفكرون بأقدامهم،
فإذا وضعتِ قشة في طريقهم تلخبط عقلهم (تضحك). ما أطرفها، أمي، ولكنها تحب
والدي، تقول إنها تحملت الكثير، ولكنها تحبّه، لأنها تعرف حقيقته، في البداية لم
نكن نفهم ماذا تعني، ثم لم نفهم أي حقيقة تعني، حتى الآن لا تريد أن تخبرنا.
لو أن الخادمة تأتي
ساعة واحدة أبكر، لأصبح لحضورها فائدة في هذا البيت. تقول أنها توصل ابنها إلى
المدرسة، كل النهار تتحدث عن اِبنها، تعليم ابنها، ملابس ابنها، وشيطنة ابنها في
البيت، تظلّ تذكّرني بابنها بين كل ضربة مكنسة وأخرى، طيب، وماذا بعد؟.أحتاج قدح
ماء أرطب به ريقي. تقول إن زوجها يعبدها، يعبدها؟ لا، لا أصدق هذا، أصبحت تستعمل
كلماتنا (تنتبه إلى ساقها) آه، هل بدأت أسمن؟ نعم، لا... ليس كثيراً، يجب أن أنظم
أكلي. في كل الأحوال لن أكون ببدانة ليلى، أو حتى مثل هناء. هناء تقول السمنة
الخفيفة محبّبة للرجل، لا أحب هذا. تقول الولادة تترك أثرها على الجسد، لا أحب، ثم
يخفيّن بدانتهن بالملابس العريضة.
[صوت منصور من الداخل]
منصور : وصال..
وصال : نعــم
منصور : لماذا الحمام بدون ضوء؟
وصال : (بودٍ مصطنع)
اللمبة احترقت يا حبيبي.
منصور : (بعد
فترة) الطباخ لايشتغل أيضاً (لا ترد عليه) قلت الطباخ لا يشتغل..
وصال : تعرف أنني أكره الحديث من بين الغرف، فلماذا لا تقترب
وتتكلم؟ ..الطباخ التهب، شبت فيه النار وتحوّل إلى رماد... كما ترى بعينك (تفتح راديو مقلوب على الأرض فتنبعث موسيقى كلاسيكية).
منصور : هل يمكن أن توقفي هذا الضجيج من فضلك!
(تغلق
الراديو وتلوي وجهها تعبيراً عن الاستياء)
[ يدخل منصور]
منصور : لم أجد في الخزانة قميصاً واحداً يمكن
ارتداؤه.
وصال : الغسالة توقفت عن العمل.
منصور : دائماً الغسالة متوقفة عن العمل.
وصال : كما تعرف هذه الآلات لا تعيش
طويلاً، ولا تصمد لأي رجّة، إنها مثل.. مثل.. مثل البشر يا حبيبي، تلمع وتبتسم
بأشكالها الجميلة، ولكنها تغدر بك في اللحظة التي تشتهي فنجان قهوة، أو تحتاج
قميصاً مكويّاً تخرج به إلى الشارع.
منصور : (ينظر
إليها بارتياب، ثم) أنت على حقّ، أصبحنا لا نستطيع القيام بأي عمل بدونها.
اليوم لا أشعر برغبة في الذهاب إلى العمل، غداً أخرج مبكراً وأنجز الأعمال
المتأخرة.
وصال : كيف نمتَ ليلتك البارحة؟
منصور : لماذا تسألين؟
وصال :(ساخرة) تبدو روحك مشرقة.
منصور : نمتُ ما يكفي (يحرك ذراعه ويتحسّس كتفه) إلاّ أن الأرض سحقت ذراعي. كان جدي يقول،
عندما تجد نفسك في وضع غريب، حاول أن تأخذ منه ما تقدر عليه، ولا تشغل نفسك
بالباقي (وصال تهزّ رأسه موافقة ولكن بتهكم)
وأنتِ، كيف كان نومك؟
وصال : الصداع أقلق نومي عند الفجر،
فتركت الفراش وجئت إلى الصالون، جلست أفكر (منصور
ينظر إليها كأنه ينتظر منها بوحاً) في إحدى اللحظات أردت الاتصال بالتلفون
بأختي، أو أمي، أو أية صديقة لأتحدث معها، لكنني وجدت الفكرة مجنونة، لأن الوقت
كان مبكراً، والجميع ينامون بهدوء، وربما في تلك اللحظة كانوا ينعمون بأحلام
الصباح الأولى.
منصور : في تلك الفترة، كنتُ يقظاً أنا الآخر،
أحسّست ذراعي ملّوية تحت ظهري وظلّت تزعجني لفترة.
وصال : سمعتك تتقلّب، وتقول بعض
الكلمات.
منصور : هذا يذكّرني بالليلة التي قضيناها في
الريف، عندما تعطل الباص السياحي، وبقينا ننتظر وصول ميكانيكي الشركة فغلبنا
النعاس، ونمنا على المقاعد.
وصال : أين كان هذا؟
منصور : في البرازيل، أثناء الإجازة التي
قضيناها هناك، هل نسيتِ؟
وصال : (تسرح بعيداً) إجازة البرازيل؟ (ثم
تعود إلى الواقع وتردّ بجفاف) يوم ضيعتَ الحقائب في المطار.
منصور : (يبتسم)
صحيح، وقبل ذلك كنتِ نسيتِ تذاكر السفر في البيت، فانتظرنا عشر ساعات لنأخذ
الطائرة التالية.
وصال : هل نسيتُها حقاً؟ لا شكّ إني
كنتُ مرتبكة (تسرح) يومها كنتُ سعيدة
بالسفر، سعيدة بأفكار كثيرة عن الحياة كانت تملأ رأسي (تعود إلى الواقع) لكن الأيام الأخيرة من السفر تحوّلت إلى جحيم، عندما
اختلفنا حول طريق العودة، هل نعود عن طريق روما، أم عن طريق باريس.كانت المرة
الوحيدة التي سافرنا فيها سوية، أليس كذلك؟.
منصور : الوحيدة. تذكرين يوم أجّرنا زورقاً
بمجدافين.. وقمنا بنزهة في النهر؟ وسألتك، عندما ابتعدنا قليلاً عن الشاطئ، ماذا
تفعلين لو اكتشفنا أن القعر مثقو ب والماء يتسرب إلى الزورق؟ هل تذكرين
جوابك وقتها؟
وصال : لا..
منصور : قلتِ "سوف تنقذني إذا غرق
الزورق"..
وصال : إمـ مـ مـ م..
منصور : وحين قلتُ إنني لا أعرف السباحة
أنتابكِ الخوف، كنت خائفاً أنا أيضاً، قم قدرنا المسافة
وقلنا في وقت واحد.. "إذا أمسك كل منا بمجداف، سنبلغ الشاطئ قبل أن يمتلئ
الزورق بالماء".
وصال : كانت سفرة البرازيل في السنة
الأولى من زواجنا. لكن، لماذا تذكّرني بهذا الحادث؟
منصور : (ينظر
إليها للحظة، ثم بلهجة يتضح فيها الأمل) دعينا نرتب هذا الأثاث، بدلاً من انتظار
الخادمة ، تعالي نعيد القليل من النظام إلى الصالون، نخلق جواً بسيطاً ومريحاً،
ربّما يتغير شعورنا،
ثم أنا لا أثق بهذه الخادمة، أشعر أن فيها شيئاً غريباً، ولا أستبعد أنها ترتب
الأشياء بطريقة، كيف أقول... تجعلها قابلة للسقوط والانهيار بسرعة، لنرتب بيتنا
بأنفسنا، هذا أفضل (يبدأ بتنظيم الأثاث)
أنهضي وساعديني، ما رأيك أن نوزع هذه الأضوية بشكل جديد؟ كأن نضع مصباحين في كل
زاوية؟ [وصال تهزّ كتفها أن لا فرق
لديها، بينما يواصل منصور الترتيب والكلام]
ثم نضع الكنبة قرب النافذة، هناك، هـه؟
وصال : لا أدري.
منصور : لماذا ؟
وصال : هذه الرياح ستهب غداً أو بعد غد،
وتقلب الأشياء من جديد.
منصور : هل نتركها كما هي؟ غير معقولّ تعالي،
على الأقل نزيل هذه الفوضى، حتى نستطيع تحريك أقدامنا بحرّية.. ثم، ماذا نقول إذا فاجأنا
صديق أو قريب بزيارة؟ لا يجوز أن تبقى حالة البيت على هذه الصورةّ. (تنهض وصال وتساعده من دون رغبة كاملة) هل سمعتِ ما يقوله الناس هذه الأيام
عن وليد؟ ابن عمي؟
وصال : لا..
منصور : يقولون إنه منشغل في صفقة تجارية
كبيرة، غريب هذا الرجل، يوماً ما سيسقط من الإعياء، ولن تنقذه الأموال التي
يجمعها، يبدو أننا سنحتاج المزيد من المصابيح، لأن هذا الركن سيظلّ معتماً، ما
رأيك؟
وصال : هذا الركن فيه ضوء أكثر من بقية
الصالون!
منصور : زيادة مصباح هنا سيكون أفضل، والديكور
سيكون أجمل، نحتاج بعض الطاولات الصغيرة أيضاً (ينتبه إلى أنها توقفت عن العمل) لماذا توقفتِ؟
وصال : أريد أن أفكر قليلاً .
منصور : لماذا ؟
وصال : دعني أفكر،
منصور : أهو التفكير أم شيء آخر؟
وصال : هناك إحساس غامض يقول لي أنْ لا
فائدة من كل هذا.
منصور : كيف؟
وصال : أعتقد.. المشكلة في مكان آخر.
منصور : في مكان آخر، ماذا تقصدين؟
وصال : أعني أبعد من هذا الترتيب الذي
نقوم به.
منصور : هذا سخف؟
وصال : أرجوك.
منصور : أوشكنا أن ننتهي، والآن تتحدث عن مكان
آخر، هل تعرفين. أنت بارعة في إيجاد التبريرات للتراجع.
وصال : هذا غير صحيح.
منصور : وخلق الأسباب لتدمير أي فكرة تخطر
ببالي.
وصال : لا تبالغ..
منصور : كل ما تحلمين به هو كنبة عريضة ،
تتمددين عليها وتقضين النهار في الكسل.
وصال : أنا...؟
منصور : وتفضلين العيش في الخيال، دائماً
تركّبين اجنحة وتحلقين في الفضاء، كلما تطلب الأمر النظر إلى الأرض (يضرب الأرض بقدمه) هنــا...على الأرض.
وصال : هذه أنا؟ (تضحك بقوة) أرجوك ...
منصور : لا تجدين فائدة في هذا، لا تجدين فائدة
في ذاك... فقط لأنني أرى العكس.
وصال : غير صحيح، لدي إحساس أن المشكلة
أبعد، هذا كل ما في الأمر.
منصور : لا يهمك إن كانت المشكلة أبعد أو أقرب،
الذي يهمك أن تقولي لا عندما أقول نعم.
وصال : آه... (تمسك رأسها إذ
تبدأ أوجاع الصداع)
منصور : أنهض من النوم فلا أستطيع أعداد فنجان
قهوة، ألاّ يكفي هذا حتى نقوم بعمل ما؟ أن نفكر في وضع هذا البيت؟ أن نعيد ترتيب
هذه الفوضى مثلا؟
وصال : يكفي من فضلك، أعصابي لا تتحمل
نوبة جديدة من الصداع.
منصور : طبعاً، ما أن يبدأ الحديث عن مصير هذا
البيت، حتى يظهر التعب على أعصابك، ما أن أسأل عن زوج جوارب نظيف حتى تعود نوبة
الصداع، ما أن أطلب لقمة آكلها...حتى يحتل الصداع كل البيت... وعندما ينتابك
الصداع يجب أن تتوقف القطارات والطائرات والسفن والبشر عن الحركة، يجب أن لا يفكر
أحد بشيء، لا يسأل عن حاجة، لا يعترض على حالة إلى أن يختفي الصداع من رأسك، بعدها
تعود الحركة إلى العالم.
[يرفع صوته] تعبت من
هذه الحياة، سأمت منها (يرفس طاولة بقدمه فتتقلب
على الأرض بينا تمسك وصال رأسها من
جديد) إنني أعيش على المعلبات، وأنظف ملابسي في محلات الغسيل، وأعمل طوال
النهار لأنفق على هذا البيت، وفي الصباح لا أجد ماءً ساخناً أحلق به ذقني (يصيح
قرب رأسها فتتألم بوضوح)
تعبت..
[يتصاعد غضبه]
لم أطلب سعادة كبيرة،
بل القليل من الراحة، لم أسأل عن حياة عائلية مدهشة، بل بعض الهدوء، مع ذلك أنا
مُلام، متهم بالتقصير، بعدم الفهم، بعدم الشعور بالمسؤولية (يضحك)
المسؤولية..! (يدفع قطعة أثاث أخرى بيده ويقلبها) هل
نسيتَ كم سفرة ضيعتِ علينا في البرازيل؟ كل الناس ينهضون في الصباح، يتناولون
فطورهم وينتظرون سعداء أمام باب الأوتيل، بينما تنهضين من الفراش ثم تعودين إليه،
ترتدين الفستان الأصفر ثم تعودين إلى الأحمر، وتمسكين الأخضر وتفكرين بالأزرق،
وعندما ننزل من الغرفة نجد الباص السياحي قد رحل منذ نصف ساعة. أنت امرأة فاشلة (يرمي إبريق من الخزف على الجدار) منفوخة بالغرور، غير قادرة على إدارة
بيت بثلاث غرف، وعاجزة عن تدفئة فراش زوجك... عن تقديم قدر بسيط من العاطفة (يشير بيده إلى اللوحة المدلاة على الجدار) وهذه الألواح التي تلطشين
عليها القماش والزيت لا قيمة لها، مجرد تفاهات، مضيعة للوقت، انظري إليها، تأملي
فيها جيداً، سخف فوق سخف (يفرك سطح
اللوحة بيده ثم يرميها على الأرض) بدل تلصيق الأشياء من دون معنى... كان
الأفضل أن تحيكي بلوفر لزوجك من هذه الخيوط.
وصال : يكفي ..أرجوك
(يشتد صداع رأسها، بينما
يزداد منصور قسوة وغطرسة ويرفس قطع
الأثاث أثناء تحرّكه)
منصور : تعبثين بالفلوس، تلهين بالوقت، بينما
لا أجد دقيقة واحدة للاهتمام بنفسي، وها أنا بسبب المشاكل والفوضى إنسان عاطل...
لم يحقق جزءً بسيطاً من طموحاته. لقد حُرمت من الفرص وانشغلت في هموم البيت
الصغيرة، وفي مساعدة أهلك.. مرة أحل مصاعب أخيك، مرة أعالج مشاكل أختك، وفوق ذلك
يجب أن أهتم بصحة والدك، أو تحمّل نوبات
الجنون التي تصيب أمكِ.
كان يمكن أن أصبح
وزيراً، أو طبيباً يحقق ثورة في أسلوب العلاج، أو رجل قانون يغيّر كل مبادئ
العلاقات الدولية، مهندساً يبني مدناً عظيمة... فقط لو توفرت لي الفرصة وراحة
البال، لكن كيف تدخل راحة البال إلى بيت ليس فيه عاطفة، لا توجد فيه حرارة، ولا
يعثر المرء فيه علىمن يفهم حاجاته.
[ما زالت وصال تمسك رأسها]
خذي مثلاً ابن عمّي
وليد، شخص بسيط، يكاد يكون عادياً في ذكائه، مع ذلك توسعت أعماله في مكتب
الاستيراد، وجمع ثروة طائلة خلال سنوات، وحده الأوتيل الذي اشتراه في الجبل يدرّ عليه
أرباحاً تكفيه بقية عمره... هل تعرفين سبب نجاحه؟ راحة البال، راحة البال التي
يجدها في بيته (يصرخ قرب أذنها) راحة البال.
[تنكمش على نفسها فزعاً من صراخه، ثم تنهض وتبحث
عن علبة حبوب الصداع، تعثر على الحبوب
ولكنها تجد إبريق الماء فارغاً، فتذهب إلى المطبخ]
[منصور يواصل كلامه أثناء غياب وصال]
كان جدي يقول عني، هذا
الصبي سيحقق شيئاً مهماً، والجميع يشاركونه هذا الشعور، في البيت، في الشارع، في
المدرسة. لم أعرف صورة هذا الشيء المهم، لكنني كنت أحس نفسي جديراً بكلامه، وهيأت
حالي لذلك الشيء المهم، جربت كل الصعاب، وعملت مع كل الأجناس، سلكت كل الطرق،
السهلة والشائكة، وفي النهاية
قادتني قدماي وسوء حظي إلى هذا البيت، إلى هذه الفوضى، إلى هذا البئر الجاف
(فترة) أصعب شيء على الإنسان، أن لا يجد من يفهمه.
[تدخل وصال وتقف في الباب، ضعيفة وحزينة، تتوجه
نحو اللوحة وترفعها عن
الأرض، تتلمس التلف الذي أصاب مادتها، ثم تعيدها إلى الجدار كما كانت في وضعها الأول]
وصال : لا يمكن الاستمرار على هذه
الحال، لقد فكرت، فكرت طويلاً وتوصلت إلى أن الحلّ... الحلّ هو أن ننفصل.
منصور : (باستخفاف ) ننفصل..!
وصال : نحن لا نستطيع الاتفاق على شيء،
ولا يمكننا التفاهم، أصبحت الحالة لا تطاق.. من الأفضل أن ننفصل.
منصور : افعلي ما تشائين.
وصال : نعم، إذ لا يوجد أي أمل.
منصور : سيكون مثل قراراتك الأخرى في الحياة.
وصال : ليس في هذه المسألة.
منصور : بعد يومين تغيّرين رأيك، وتكون الفرص
قد ضاعت للتراجع.
وصال : فكرت جيداً، حسبت كل شيء (فترة) قبل أسبوع شاورت أهلي، وقال الجميع الأمر يعود لك في النهاية (ينتفض منصور قليلاً) لم أحدثك وقتها لكي أترك فرصة أخيرة، محاولة
جديدة، الآن أصبحت مقتنعة إن المزيد من الفرص يعني المزيد من اليأس، المزيد من
الأذى... ولا شيء آخر (وهي تهمّ
بالخروج) أنا ذاهبة لأعدّ حقائبي.
منصور : لستِ جادة فيما تقولين!
وصال : (تتوقف عند
الباب) كل الجد...
منصور : (يبدأ عليه
الارتباك) هل من حقك اتخاذ هذا القرار لوحدك؟
وصال : ما أقرره يعنيني أولاً، وها أنا
أعلنه لك: علينا أن نبدأ إجراءات الطلاق منذ اليوم.
منصور : (يبتسم) لا
شكّ إنك تمزحين..
وصال : لا أمزح حينما يتعلق الموضوع
بمصيري.
(تهم بالخروج مرة أخرى ثم يعيدها الحوار بالتدريج
إلى الصالون).
منصور : يجب أن نعطي أنفسنا فكرة للتفكير.
وصال : فرصة؟ (تضحك)
أعطيت الكثير من الفرص.
منصور : (في حيرة كبيرة،
ثم يصيح) هذا جنون..
وصال : (بصوت أعلى من
صوته) لا تصرخ، الجنون أن نستمر.
[تزداد عناداً وقوة، بينما يظهر الضعف والارتباك
على منصور]
منصور : يمكننا إصلاح الأمور (تلزم وصال الصمت) أعترف أن بعض الأخطاء حدثت..
وصال : بعض..!
منصور : طيب، حدث الكثير من الأخطاء، شارك كل
واحد منا بنصيبه فيها، ولكن، هذا لا يعني أن نحطم زواجنا.
وصال : زواجنا تحطم، وانتهى الأمر.
منصور : كل الناس يمرّون بظروف صعبة، أو
يتعرضون إلى المشاكل لفترة، ثم تستقر أحوالهم...
وصال : (تقاطعه)
ليست الظروف، ولا المشاكل، حياتنا ذاتها مضطربة.
منصور : لا تبالغي.
[يزداد موقفها قوة]
وصال : انظر حولك.
منصور : هذه الفوضى! إنها خارج إرادتنا، نحن
غير مسؤولين عنها.
وصال : أنا أتكلم عن حياتنا التي تغوص
يوماً بعد يوم في الاضطراب.
منصور : (يمسك يدها)
يمكننا أن نبدأ من جديد، ليس من الصعب تنظيف حياتنا من الشوائب، يمكننا صنع جنتنا
الخاصة، يمكننا تحقيق سعادتنا الجميلة.
وصال : (تزفر بيأس عميق)
كم سمعتُ من هذا الكلام..!
منصور : ضعي ثقتك بي.
وصال : لا أستطيع.
منصور : تستطيعين، إذا أردتِ.
وصال : لا أستطيع..
منصور : سبق أن وضعتِ ثقتك بي.
وصال : (نظرة مليئة
بعدم الثقة) الآن لا أستطيع.
منصور : (بشيء من
المرارة) لماذا ؟ حياتي لا تختلف عن حياة أي رجل آخرّ
وصال : (تبتعد عنه)
بأي معنى؟ وأي جانب من جوانبها؟!
منصور : بكل جوانبها.
وصال : لا، أنا لا أكاد أعرف من أنت،
أنا أعيش معك تحت سقف واحد، وننام على نفس السرير، نأكل على نفس المائدة، ولكنني
لا أعرف بالضبط من أنت. لا أعرف لك وجهاً حقيقياً حتى أتعلم كيف أعيش معك.
منصور : (باستنكار)
أووووه..
وصال : تقول إنني زوجة فاشلة، وأتلفتَ
لوحتي (تتلمس سطح اللوحة) إنها بسيطة، ربّما لا
تكون قيمتها كبيرة، لكنني عملت فيها شهراً بكامله، قضيت أمامها لحظات جميلة، كانت
تسليني... حينما تكون أنت مشغولاً في التلصص على حياة ابن عمّك وليد، ماذا أشترى
وليد! أين سافر! متى يعود! الغيرة منه تأكل قلبك، والحسد، تحقد عليه بسبب فشلك.
منصور : أنــا..؟
وصال : (بهدوء ولكن
بتحدٍ، وتشعر أنها سيطرت على الموقف بأكمله) أنت..
منصور : إنني أدير معملاً بموظفين وعمال
وعلاقات مع السوق..
وصال : معمل صنع الفطائر؟
منصور : نعم.. معمل الفطائر، صحيح إنه صغير،
لكننا نعيش منه برفاه، ولا ينقصنا شيء .
وصال : هذا المعمل شيدتَه بأموال أهلي،
ارتضيت أن تكون خادماً لهم، تنافق لهذا وتمتدح ذاك، إلى أن أغريتهم بفكرة المعمل،
وفي الأخير أصبحت تغشهم في الحسابات التي تقدمها، أنا اكتشفت هذا وسكتُ عليه ..
[منصور يتهالك على نفس المقعد الذي كانت تجلس
عليه، بينما تستمر وصال
في كلامها]
أنا أعرف الطريقة التي
تتلاعب بها في الحسابات (تدور حوله)
عرفتُ كل شيء ، منذ بدأت تجلب الأوراق إلى البيت، تنتظر أن أغفو... ثم تتسلّل إلى
للصالون، هنا، لتمارس لعبتك الذكية مع الأرقام والأسماء... ولكنني أعرف الطريقة (قرب أذنه) أعرفها بحذافيرها.. (تصيح) أنا
أعرف... (ثم تدفع كرسياً بيدها وتقلبه على الأرض).
سكتُ شفقةً عليك، أو
أملاً في أن يصحو ضميرك يوماً ما، كنتُ دائماً أحاول إصلاح الأمور، إنقاذ هذا
البيت، إسناد جدرانه لتقف بوجه العواصف، بينما أنت لا تفكر إلاّ بنفسك، لا تحلم
إلاّ بمجدك، تركض من أجل هذا المجد، تخبط هنا وتخبط هناك، تركض... ولا تريد أن
تتوقف لحظة واحدة لرؤية الدمار الذي يصيب بيتك، لا تلتفت لتعرف الأذى الذي
تُلحِقُه بي، تركض مثل قطار ياباني... (قرب أذنه) جو، جو، جوووو جوجوجو..
منصور : (يغلق أذنيه
ويصيح) كل ما أفعله أفعله من أجلنا، من أجل هذا البيت.
وصال : هذا البيت الذي لا تستقر فيه
الأشياء على حال! (نفس الصوت السابق)
جو، جو، جوووووو. كل زاوية فيه تذكّرني بلحظة يأس عشتها، كل غرفة تذكّرني بساعات
حزن قضيتها، وكل قطعة أثاث تذكّرني بشجار.. (ترفس مصباحاً
بقدمها فيتهاوى هو وقاعدته على الأرض).
منصور : (ينزعج لما حدث
للمصباح، ينهض ويحاول إعادته إلى وضعه الصحيح)...
وصال : سفرة البرازيل، التي تتكلم عنها
كل يوم وتفتح لي جروحاً عميقة، أتعرف لماذا سيطر عليّ الخوف في القارب؟ خفتُ منك
وليس من وجود ثقب في القعر. خفتُ أن تغرقني بيديك، لأني قبل يوم واحد رأيت عنوان ليلى على الطاولة الصغيرة في غرفتنا،
في الأوتيل، هل تذكر؟ لقد نسيتَها.. أو سقطت منك، لكنني عرفتُ أنك كتبت لها. نعم،
فقد سمعت بعض الأقاويل عن عواطفٍ قديمة كانت بينك وبين ليلى، لذلك أصابني الفزع
حين كلمتني عن احتمال وجود ثقب، بدت لي فكرة النزهة النهرية كلها مدبّرة، فخفتُ،
بل بقيت أرتعش في داخلي إلى أن اقتربنا من الشاطئ والناس (تضحك) لكنني
أخفيت عنك شيئاً لا تعرفه حتى الآن، أنا أعرف السباحة أجيدُها بشكل ممتاز، وكذبت
عليك، كان هذا سلاحي الوحيد في تلك اللحظة...إذا ما كنتَ تنوي دفعي إلى الماء.
منصور : كيف يخطر لك هذا؟
وصال : لِمَ لا ؟ بالمناسبة... سمعتهم يقولون، في بيت
أهلي، إن والدي يفكر في بيع معمل الفطائر، وكانوا يردّدون اسم ابن عمّك وليد.
يقولون إن خسائر المعمل صارت كثيرة، وأرباحه القليلة تُصف على المُتع والسهرات.
أنا ذاهبة لأعدّ حقائبي .
[تهم بالخروج ثم تتوقف حين يصيح خلفها]
منصور : لا ... (ينهض ويدور حولها من بعيد، وكأنه يخشى أن تهرب إن اقترب منها) لقد
أخطأتُ، أخطأتُ، أخطأتُ، أهذا ما تريدين
سماعه؟ ارتكبت الكثير من الأخطاء، كنت أسعى لأضيف طابقاً ثانياً إلى هذا البيت،
لألحق به حديقة أوسع، لأجعل باحاته أكثر، وكنت أركض لتكون لنا منزلة مهمّة بين
الناس، ليصبح لنا شأن كبير في المجتمع، اليوم تأكد لي... إن الأخطاء كانت تنخر في
جدران بيتي ذاته، تحفر، مثل فئران شرسة، في أساساته..
[يبدأ يقترب منها]
لقد
تعلمت، وجاء الدرس قاسياً، لن تحدث المزيد من الأخطاء بعد الآن، معكِ حق، ما فائدة
طابق ثاني فوق جدران متهاوية (يمسك يدها)
ماذا أفعل بحديقة أكبر بدونك.. سببت لك
الكثير من الألم، والحزن، لو تعرفين كم يعذبني هذا.
[يضع يده على كتفها]
كنتُ في غفلة عمّا يحدث
لنا، غفلة مريعة، لم أفكر في الضباب الذي يلف حياتنا، لم أنتبه إلى الأشواك التي
نمشي فوقها، وكنتِ وحدِك تتحمّلين المصاعب. آه... ما أقساني (يضع رأسه على كتفها). ماذا أفعل؟ أحاول
السيطرة على غضبي ولكنني لا أستطيع، أشعر نفسي ضعيفاً تجاه هذا الغضب، عاجزاً، بلا
إرادة، وعندما أقسو عليك يعذبني الندم، يمزقني. آه يا ربّي... ماذا أفعل؟ (تتأثر بكلامه فتستدير له) قولي لي .. ماذا أفعل؟ لم أنصفكِ .. وهذا
بسبب غبائي، ولكني أحبك.
وصال : أنا أيضاً أحبك (يحضنها) أنتَ ترتعش.!
منصور : أشعر بالخوف.
وصال : مِمَ تخاف؟
منصور : أخاف أن أفقدك، أن تضيعي مني يوماً،
أنا لا أستطيع العيش بدونك.
وصال : ولا أنا.
[يحضنان بعضهما بعاطفة كبيرة]
منصور : لن أسبب لك أي عذاب.
وصال :
ولا أنا.
منصور : سوف أعوضك عن الكثير، سوف نبدأ حياةً
جديدة، نقوم بسفرة طويلة إلى البرازيل، ما رأيك؟
وصال : (سعيدة) نعـم. ولن تكون أيامنا هناك كئيبة ومليئة
بالضجر.
منصور : لماذا تكون كئيبة؟
وصال : لأنك تختار المطاعم الرخيصة
والساندويتشات والمقاهي، فنبقى نتسكع في نفس الشوارع.
منصور : سوف تكون سفرة ممتعة هذه المرة، أعدُكِ
بهذا، ولكن... يجب أن ننتقل من هذا البيت.
وصال : لماذا ؟
منصور : إلى أي مكان آخر..
وصال : لكن لماذا ؟
منصور : لأننا واجهنا الكثير من المشاكل هنا.
وصال : نفس المشاكل سنجدها في الأماكن
الأخرى.
منصور : (ينسحب منها
بلطف) لماذا لا أعتقد. هذا المكان يبدو لي منحوساً، أو تنجذب إليه المصائب قبل
غيره.
وصال : لن نجد مكاناً أفضل.
منصور : بلى، سنعثر على مكان مناسب.
وصال : (قرب النافذة)
تعال أنظر. في كل مكان خراب، في كل زاوية دُخان، أينمّا تدير نظرك ترى حُطاماً.
منصور : نذهب أبعد..
وصال : أبعد ؟ (تمدّ نظرها
بعيداً) نفس الشيء،
منصور : أبعد كثيراً..
وصال : (تهزّ رأسها أنْ
لا فائدة) الدخان على مدّ
البصر.
منصور : نجد بيتاً في ظلّ مرتفع، هذا ما أفكر
به.
وصال : وتعتقد البيت سيكون بمأمن عندما
تهب هذه الرياح العنيفة؟. لا أظن. أحياناً تبلغ سرعة الريح مائة ميل في الساعة،
وتحدث انهيارات ضخمة في الجبال، يا إلهي... كلما أسمع الراديو يذيع التفصيلات عمّا
يحدث لنا حين تهب هذه العاصفة... أحسُّ بشيء ما يهتزّ داخلي، ثم يسقط.. بُووووم.
ليتهم لا يُذكّروننا
بما يحدث، لو ينذروننا فقط قبل مدة كافية، لقدموا لنا خدمة أكثر فائدة من الحديث
عن الصورة البشعة لحالتنا.
عندما تندفع الرياح
فجأةً نحو البيوت، وتتطاير الأشياء فوق رؤوسنا، فتنخطف وجوهنا من الفزع، ولا يعود
الإنسان يفكر إلاّ في الخلاص بجلده.
منصور : هذا ما قصدته. هذا المكان يذكّرنا
بالكثير من الآلام، والأوقات العصيبة. إذا أردنا أن نبدأ حياةً جديدة.. الأفضل أن
نبدأ بداية كاملة، أن نتخلص من الأسباب التي تثير لنا المتاعب، وننسى الأحزان القديمة.
وصال : أنت تضع أهمية كبيرة على
المسألة.
منصور : طبعاً. تغيير المكان سيكون له اثر كبير
على نفسيتنا، وعلى حياتنا القادمة.
وصال : هنا أو هنا:، يمكننا أن نبدأ
حياةً جديدة.. دعنا ننعم بالراحة أولاً. هل أعدُّ لك فنجان قهوة؟
منصور : لكن الطباخ لا يعمل..!
وصال : أعرف طريقة أُغلي فيها القليل من
الماء.
منصور : إذا كنتِ تقدرين.
وصال : هل تريد شيئاً آخر؟
منصور : ماذا؟
وصال : شيء تفتح به الريق قبل الفطور.
منصور : لا. سوف أكتفي بالقهوة.
وصال : (تجلس) قهوة
إذن؟
منصور : نعم.
وصال : (تضغط على قدمها
عند الكاحل) أشعر بألم هنا، في الأسفل. أتعتقد الأعصاب هي السبب؟
منصور : ألم قوي..؟
وصال : لا ، خفيف.
منصور : هذا شيء عابر، لا تخافي (يجلس إلى جانبها).
وصال : تكشف عن ساقها) هل تعتقد وزني
زاد قليلاً ؟
منصور : لا أظن..
وصال : إذن كيف يبدو لك؟ (يرن جرس الباب)
منصور : من؟
وزني..
منصور : أقصد الباب، من يكون؟
وصال : خديجة، من يكون غيرها ! (تنهض) إذن قهوة؟
منصور : نعم (يتبعها) أنا قادم معك.. (تبتسم له)
إذا توفر القليل من ا لماء الساخن، سوف أحلق ذقني.
[يخرجان. بعد فترة تدخل الخادمة، بيدها المكنسة
والجردل التقليدين، تبدأ العمل
مباشرة، تكنس الأرض من بين قطع الأثاث
المقلوب والشظايا المبعثرة من
دون أن تعيد ترتيب أي شيء.]
الخادمة : دائماً نفس الشيء. من بين كل
البيوت...كل يوم هذا البيت أثاثه مقلوب وزجاجه مكسّر. غريب، وتقول لي، الست وصال،
لماذا تكنسين زكزاك وتتركي الأغراض مقلوبة؟
طيب
يا ستي، ما فائدة أن أرتبها ما دامت كل يوم تنقلب. أحسن تبقى على حالها، وأنا أنظف الغبرة ما بينها.
وإذا تكلمنا بصراحة،
ومن دون لف ودوران، هذا البيت لا يمكن تنظيفه، لأن العَفْش لا يستقر بمكان،
والأشياء لا تقف على أقدامها. أسحب الطاولة هنا... أجدها في اليوم الثاني هناك،
مقلوبة على ظهرها وسيقانها مرفوعة. أضع الكنبة تحت النافذة... أجدها قرب الباب
ووجهها إلى الحائط. إذا أردتم كل شيء مرتب ونظيف... اتركوني أتصرف لوحدي، وإلاّ لن
يكون بيتكم مثل بقية بيوت الخلق. بصراحة... لا أعرف ماذا يريد هؤلاء الناس!
[يدخل منصور]
الخادمة : صباح الخير أستاذ منصور.
منصور : أهلاً (فترة). أمس
وجدت المصباح البلاتين قرب الباب، بينما مكانه المعتاد هنا، على يمين الكنبة.
الخادمة : لم أحرّكه من مكانه.
منصور : كيف غيّر مكانه.
الخادمة : أنا لا ألمس الأشياء بيدي، كن على ثقة
استاذ منصور. أنظفُ الأرض فقط، ولم أجد حتى الفرصة لأعرف الأماكن الحقيقية للأثاث،
في الصالون أو في بقية الغرف.
منصور : لو تتأخرين كل يوم ساعة واحدة، لأمكنك
تنظيم الصالون، ومعرفة مكان كل قطعة فيه. ولكنك تأتين بسرعة وتخرجين بسرعة.
الخادمة : لا يمكن أن أتأخر، عليّ أن أهيْ الأكل
لزوجي، والأركيله، لأنه يحبّ يأخذ رأسين تنبّك بعد العشاء، وأهتم بملابسه وأنظف
أدوات عمله، حتى تكون جاهزة لليوم التالي.
منصور : لا شكّ إنكم تقضون أغلب أمسياتكم في
البيت .
وصال :نعم. نتحدث ونشرب الشاي ونشاهد
أفلام السهرة.
منصور : جميل. وهل تستمعون إلى الموسيقى؟
الخادمة : الموسيقى؟ طبعاً، كل أفلام السهرة رقص
وموسيقى.
منصور : لا ، أعني الموسيقى الكلاسيكية.
الخادمة : فريد الأطرش؟ لا، لا نحبّه.
منصور : الموسيقى الكلاسيكية، بيتهوفن مثلاً،
موتسارت، فاغنر.
الخادمة : لا نحبّهم أيضاً.
منصور : هذا ما ينقص حياتكم، الموسيقى، أعني
الموسيقى الكلاسيكية. يجب أن تستمعي إلى الموسيقى
الكلاسيكية، ويجب أن تتعلمي كيف تفهمينها. لأن الموسيقى شيء ضروري لحياة الإنسان،
إنها مثل غذاء روحي، وهي علاج مهم للاضطرابات التي يعاني منها الناس.
الحياة العصرية، كما
تعرفين، تضغط على أعصاب الإنسان وتسبب له توترات كثيرة، فمن الموسيقى... ماذا نفعل
لتخفيف هذه التوترات والاضطرابات ؟
الخادمة : نعمل حجاب.
منصور : ماذا ؟
الخادمة : حجاب. مرّة واحدة اضطربت أحوال زوجي،
فعملتُ له حجاب، من يومها ما عادت أحواله تضطرب. يوجد حجاب للعصبية، وحجاب للحسد،
وحجاب للضغينة، وحجاب للأحلام الوحشة، كل شيء له كتاب؟
منصور : كتاب..؟
الخادمة : الكتاب يعني الحجاب استاذ منصور.
منصور : (يضحك)..
الخادمة : (تضحك هي أيضا)
الست وصال تضحك أيضاً، عندما أقول لها أجلب لكِ حجاب يريحك من الصداع.
[صوت وصال من الداخل]
وصال : منصور.. الماء يغلي.
[يخرج وما زال يضحك. الخادمة تضحك هي الأخرى)
الفصل
الثاني:
نفس
المكان. الأثاث وقد أُعيد ترتيبه، اللوحة مثبتة على الجدار المواجه. منصور وحده،
مستغرق في قراءة جريدة.
منصور : شيء غريب، لا أفهم ماذا يحصل لهذا
العالم (فترة). لا أفهم لماذا يحصل هذا للعالم (يترك الجريدة ويفكر بعمق)
هل وصلت إلى بيت أهلها الآن ؟.
قالت إنها ذاهبة لزيارة
أمها. من سيكون هناك أيضاً ؟ أخوها وأختها، عن أي شيء يتحدثون؟ عن المعمل، وعني.
عندما تجلس أمّ مع ابنتها يجري الحديث عن الزوج، وعندما تجلس المرأة مع زوجها يكون
الحديث عن مشاكل البيت، مطالب، ولا شيء غير المطالب، وهذا الجلف، أبوها، بدأ يفكر
بوليد، مُعجب بنجاح أعماله، طبعاً، أمّها تنق في رأسه، في آخر أيامها وعينها على
ثروة وليد، لا يهمها أن "وليد" يكسب بالغش والاحتيال.
[يصلح من وضع مظلة المصباح]
أنا أنفق نصف ثروتي في
إصلاح وترميم الأثاث، وحين أقول هذا الكلام تبتسم وتردّ: "عن أي ثروة تافهة
تتحدث؟". تقول: "لقد وضعنا الله في مرتبة بين الفقر والغنى، وسنظلّ في
هذه المرتبة". لماذا نحن في هذه المرتبة؟ (يفكــر)
هل ذهبتْ سيراً على الأقدام، أم أخذت الباص؟ مع ذلك هي سعيدة هذه الأيام، تضحك
كثيراً، وتمرح. عندما تنقلب الكراسي والكنبات أشعر بأن البيت يصبح مثل عش للعناكب،
وعندما تترتب يبدو مثل جحر لعقارب. هذه الجدران ينقصها شيء ما حتى تصبح بيتاً. لا
أدري ما هو (يفكر) أين ستذهب بعد أن تنتهي من زيارة أمّها؟
كان المفروض أن أعود
إلى المعمل. المهندس يحتاج إلى تغيير بعض الأدوات القديمة، لا يوجد من يوقع له على
طلبات الشراء، فبقيت الخلاّطة معطلة يومين،
المحامي وعدتُه بدفع أتعابه بعد الظهر، ولكنني نسيت متى سيحضر. (يفكر) هل تتأخر إذا عادت
في الباص؟ أم ستذهب إلى مكان آخر قبل أن تتذكر البيت؟
[يسمع
الباب الخارجي يُغلق بقوة، فيعرف أنها زوجته، أثناء تحرّكه يقلب قاعدة فوقها آنية
خزفية فتنكسر. ينحني ليجمع الشظايا)
ستجد حجة ممتازة للّوم
والشكوى. إلاّ إذا هجمت عليها كلاب الجيران ومزقت ثيابها.
[تدخل وصال بروح مرحة، تحمل عدداً من الأكياس،
ولا تكترث للآنية المكسورة]
أخيراً وصلتِ، كنت أزيل
الغبار عنها فوقعت من يدي. كيف حال أمّك ؟
وصال : لا أدري (منصور ينظر
إليها باستغراب) لم أذهب إليها. ذهبت إلى السوق، سوف أتصل بأمي في التلفون.
كنتُ في طريقي إلى بيت أهلي، فرأيت الناس يمشون بأعداد كبيرة في الشارع، كلهم يذهبون في اتجاه واحد، يمشون
مثل الزرافات، شيء مدهش ومثير، فقلت أمشي معهم لأرى أين يذهبون، ومشيت. هل تصدق!
...وأخيراً وجدتُ نفسي في السوق، إذ كان هذا الحشر من الناس ذاهب إلى السوق وليس
إلى مكان آخر. قلتلنفسي: طيب، ما دمتِ أصبحتِ بين الدكاكين، إشترِ لنفسكِ بعض
الحاجات.
أنظر ماذا جلبتُ لك (تخرج قميصاً من
أكياسها) هذا القميص يناسبك تماماً، خُذ وأنظر. أليس جميلاً؟ لا تقل انه لا
يعجبك، حرير أصلي. (منصور يأخذ القميص من دون حماس) يجب أن أتصل بأمي، من ناحية القياس
أطمئن، ولحسن الحظ كان الوحيد الذي يناسب قياسك.
منصور : كان جدي يقول "لا تسأل النصيب كيف
أتيت؟"
وصال : هل تحبّه كثيراً ؟
منصور : مــن؟
وصال : جدك، لأنك تتحدث عنه أكثر مما
تتحدث عن والدك، رغم أن جدك مات قبل أن تولد، كما أخبرتني.
منصور : صحيح، والدي هو الذي يحكي لي عنه. منذ
الصغر وهو يحدثني عن شهامته، عن كرمه، عن شجاعته، عن الأمجاد التي صنعها في حياته.
جدي كان رجلاً لا مثيل له، لهذا السبب يرد
على خاطري باستمرار.
وصال : لا أعرف كيف نحبّ أناساً لم
نرَهم في حياتنا ولا مرة واحدة، والدتي أيضاً تحدثني عن أبيها وجدها، ولكنني لا
أحب سماع هذه الأحاديث.
منصور : لماذا ؟
وصال : ما أدراني إن كان ما يقولونه
عنهم صحيحاً أم لا ! (تبتسم) لذلك، عندما تبدأ قصتها وحكايتها
أفتح التلفزيون، فتغلقه بغضب، وتقول: "اصعدي حضري دروسك أحسن". هل
تغديتَ؟
منصور : نعم.
وصال : كيف وجدت اليخنة؟
منصور : لذيذة.
وصال : حقاً (ترفع سماعة
التلفون).
منصور :لكن ملحُها كثير.
وصال : حبتين زيادة، لا أكثر.
منصور : حبتين أيضاً لها تأثيرها.
وصال : لا أعتقد، ثم أنت لا تعاني من
الضغط، فلا داعي لهذه الوساوس. أحياناً أجد كل هذه الكتب والمجلات التي تقرأها عن
الغذاء لا معنى لها.
منصور : أنت تقولين هذا، معرفة الغذاء... ما
نأكل وما لا نأكل، مسألة مهمة، أنت تسمينها حبتين زيادة، بينما العالم الآن يشن
الحرب على الملح. هذا هو الفرق.
وصال : (مازحة)
مسكين الملح، على كل حال، العالم يريد أن ينوّع حروبه (تترك التلفون)
هل تعرف من قابلت اليوم في الطريق؟ .. ندى وزوجها وفيق، كنت خارجة من الصيدلية
عندما شاهدت سيارة فخمة تقف على الرصيف، وإذا بي وجهاً لوجه مع وفيق.
منصور : ما نوع السيارة التي كانت معهم؟
وصال : جاكوار. يبدو أن أحوالهم أصبحت
ممتازة.
منصور : لا أحب هؤلاء الناس.
وصال : لماذا ؟
منصور : (يرد بحركة
غامضة من رأسه)..
وصال : لو تعرف كيف فرحت ندى عندما
رأتني، وفيق أيضاً، قالت إنهم يسكنون في الحارة الجديدة. طبعاً كانت مناسبة
لأدعوهم إلى زيارتنا.
منصور : لا أدري لم تتسرعين في تصرفاتك!.
وصال : لماذا ؟ كنتَ تمتدح وفيق
باستمرار، وعملتم لمدة طويلة في الجمعية، كنتَ تحبّه حسب علمي.
منصور : أكره هذا الإنسان. لم يكن يفهم دوره في
أي يوم من الأيام.
وصال : كنتُ أسمع منك العكس تماماً. على
كل حال، سوف أتصل بأمي. (ترفع السماعة
من جديد)
منصور : كيف عرفتِ أن أحوالهم ممتازة؟
وصال : كيف عرفتُ! العقد الثقيل في عنق
ندى، ثم... لا أظنهم استعاروا سيارة الجاكوار حتى يشتروا علبة أسبرين من الصيدلية.
إذا كنتَ لا تريد زيارتهم، لن أتصل بهم وينتهي الأمر. هل انتهت الخادمة من
التنظيف؟. (تنظر إلى الأرض).
منصور : لم أجد خادمة عندما وصلتُ.
وصال : هذه المرأة ترعبني عندما تحضر،
تدخل مثل القطة، لا تسمع لحركة أقدامها أي صوت.
منصور : مساكين هؤلاء الناس، ما زالوا يؤمنون
بالأشياء القديمة، لهذا ظلّت أفكارهم بائسة، وطريقة حياتهم أيضاً.
وصال : (تتذكر)
آه..أمّي (تعود إلى التلفون) لدي رغبة في فنجان
قهوة، في مقهى، داخل حديقة، ثم نتمشى إلى أن يحلّ المساء.
منصور : منذ دقائق عدتِ من الخارج!
وصال : لا أدري لماذا غلبتني هذه الرغبة
الآن. ربما لأننا لم نخرج سوية منذ فترة طويلة، أو ربّما لأننا نشاهد الحدائق في
التلفزيون فقط، متى ذهبنا آخر مرة إلى المقهى؟ منذ مدة طويلة.
منصور : الوقت هو السبب.
وصال : (بتهكم)
أعرف، إنه الوقت (ثم ممازحة) لستَ وحدك يا حبيبي، كل
الأزواج يعثرون على سعادتهم في مقهى، ثم يحملونها إلى البيت ويغلقون عليها الباب. (تضحك)
منصور : قلتِ جاكوار!..ولكن أي موديل؟
وصال : كيف لي أن أعرف، فاجأني ظهور
وفيق، فجأةً أصبح أمامي، ثم ..كيفكم، كيف حالكم.. إلى آخره. بيني وبينك، الجلوس في
المقهى أصبح لا يريح النفس هذه الأيام، الناس اختلفت
كثيراً عن السابق. ألقِ نظرة، نظرة سريعة فقط أثناء مرورك في الشارع، سوف تلاحظ
زبائن المقاهي لهم مظهر مختلف، وجوههم كئيبة، يشفطون دخان السجائر وينظرون ببلادة
إلى وجوه الناس، تلك الضحكة القديمة، والأحاديث المرحة، ما عادت في المقهى. المزاج
اختلف، بصراحة مقاهينا أصبحت تقبض النفس، وضحكات الناس حزينة.
منصور : لا أستبعد على الإطلاق أنه استأجرها.
وصال : من ؟
منصور : وفيق، الجاكوار.
وصال : أوووه.. ما زالت الجاكوار تزمّر
برأسك (تفكر) ماذا كنت أريد أن أفعل؟ آه...
التلفون (قبل أن ترفع السماعة يرن جرس التلفون)
آلو.. نعم نحن، ماذا، لا، لا، طبعاً متأكدة، أبدأ.. عن أي عقد تتكلم؟ لا..لم نشاهد
أي بيت معروض للإيجار، يبدو أن هناك خطأ ما..
منصور : بلى، بلى.. أعطني التلفون (ينهض ويأخذ السماعة من يدها) آلو، نعــم أنا، سوء فهم بسيط، بالتأكيد،
بعد الظهر؟ سأكون عندكم بعد الظهر، مع السلامة.
[يدور في
الصالون وهي تراقبه عابسة]
وصال : عن أي عقد إيجار يتحدث؟
منصور : (متلعثماً) إنه بيت حديث، وكبير، الصالون فيه..
وصال : (مقاطعة) أي عقد؟
منصور : طيب، صدفة وجدت بيتاً للإيجار، فطلبت
من مكتب العقار هذا.. ترتيب الإجراءات، أعني.. العقد..
وصال : تختار وتتفق وتوقّع من دون أن
تخبرني..؟
منصور : كنتُ أنتظر منهم هذا التلفون لأتأكد
أولاً.
وصال : يقولون إنك تتردّد عليهم منذ
شهر..!
منصور : في الواقع، ألقيت كلمة على الماشي.
وصال : وكنت تخرج معهم لتشاهد البيوت..
منصور : إنه بيت لُقطة، هذا كل ما في الأمر.
وصال : ووقّعتَ العقد قبل يومين... دون
أن أعلم..!
منصور : قلتُ لك.. على كل حال.. خفت أن تضيع
الفرصة، لهذا السبب..
وصال : آه.. (تضع كفيها على
خديها بين الغضب وعدم التصديق)
منصور : أنا واثق أنه سيعجبك.
وصال : (في سخرية
ومرارة) هـ مـ مـ م..!
منصور : يمكننا إلغاء العقد ..إذا
أردتِ.
وصال : (أكثر سخرية)
حقاً..؟
منصور : كنتُ أنتظر الفرصة لأخبرك.
وصال : يا سلام..
منصور : بيت لُقطة، المكان من حوله هادئ.
وصال : (بحدة) أنا
لا أتحدث عن كل هذا، إنني أتحدث عن قرار يتعلق بحياتي ومكان سكني، تتخذه لوحدك دون
علمي (بصوت أعلى) ما أعمل بالهدوء الذي في الخارج؟ ماذا يفيدني؟ آه...
دائماً نفس البدايات.
منصور : أووف... هل سندخل في خصام جديد؟
وصال : أي عذاب هذا، أن يقضي الإنسان
حياته في حذر دائم، في يقظة كاملة، من الشخص الذي يعيش معه؟
منصور : طيب.. إذا كنتِ تصرين على الخصام، قلتُ
لنفسي الانتقال ضروري لحياتنا.
وصال : أنت مدهش عندما تختار وتراً
واحداً تضرب عليه، بينما المقابل يطحن أسنانه من الغضب.
[منصور يبدأ التحدث في هدوء، وهو يعرف أنه يثير
أعصابها بهدوئه هذا]
منصور : يطحن أسنانه! لِمَ هذا الغضب؟ هل يمكن
أن تتفضلي وتقولي لي.. لماذا لا تريدين الانتقال من هذا البيت؟ هه؟ لماذا..؟
دائماً ترفضين ترك هذا المكان، ودائماً تقدمين أسباباً لم أقتنع بأيٍ منها، فوجدت
نفسي مضطراً لاستئجار هذا البيت، حتى نتخلص من أي حجة للبقاء.
وصال : ولا تخجل من قول هذا؟
منصور : أخجل؟ (يضحك)
لماذا أخجل؟ أنا اعرف السبب الذي يغريك في البقاء هنا، السبب الحقيقي الذي لا
تذكرينه على الإطلاق في حديثك.
وصال : (باستغراب)
السبب الحقيقي! ماذا يكون هذا السبب الحقيقي؟
منصور : (يخطو في
الصالون ويؤجل الكلام ليعذبها) طبيب الأسنان..
وصال : ماذا؟
منصور : لاحظتك تقضين أوقاتاً طويلة خلف
النافذة التي تطلّ على عيادته، وتهتمين أكثر من المعتاد بصحة أسنانك.
وصال : هذا سخف.
منصور : واقترحتِ، عدة مرات، دعوته إلى البيت
للعشاء.
وصال : أن ندعوه كجار، وليس لشيء آخر.
منصور : وتتحدثين دائماً عن لطفه وعنايته
بأسنانك..
وصال : (بحدة) لستُ
ممن يقفن وراء النوافذ.
منصور : (بهدوء تام)
نعم.
وصال : (أكثر حدة) لا.. (تتجه نحو الباب) الأفضل أن أتفقد المطبخ، بدلاً من
سماع هذا الكلام.
منصور : لقد عثرت على رسالته..
وصال : (تتوقف)
ماذا تعني؟
منصور : عن طريق الخطأ، فتحت رسالة جاءت
بالبريد، كانت منه.
وصال : (تتأمل طويلاً
في كلامه) لا يهمني كيف تفكر، ولكنني أعرف نفسي. (تتحرك لتخرج)
منصور : (يهرع ويقف في
طريقها ليمنعها) أنتِ تحبينه!
وصال : لا..
منصور : نعــم، سمعتُ الكثير من كلمات الإعجاب
عن كفاءته، إنه بارع في حشو الأسنان،.. إنه سريع في إزالة التسوّس.. يعالج
التهابات اللثة بمهارة. وضعتِ على عمله في تنظيف أوساخ الفم هالة من العبقرية،
أعرفك.، حين تعجبين بشخص تحوّلين أي تفاهات يقوم بها إلى معجزة. أنتِ تحبينه.
وصال : لا... الغيرة هي التي تحرّك في
رأسك هذه التخيلات والأو...هام
منصور : (مقاطعاً)
أعرف إنك ستنكرين.
وصال : الغيرة، الحريق الذي لا تخمد
نيرانه في أعماقك..
منصور : (يضحك ساخراً)..
وصال : هذه ليست أول القصص.
منصور : ربما، ولكنني أمسكت رسالة بيدي هذه.
وصال : هل تريد أن أذكِّرُكَ؟ حسناً،
يكفي أنك كنت تغار من أخيك، ووقفت تتسمع خلف باب الصالون.. عندما جاء يشجعني للتطوع
في الأعمال الخيرية، تذْكُر وقوفك المشين خلف الباب؟ تذكر عندما قلت إن هذه
الأعمال الخيرية شيء غريب على مجتمعنا؟ تذكر؟ (تدور من حوله) كل همومك بسبب الغيرة. كل
حروبك وراءها الغيرة (تضرب على باطن فخذيها) رأسك موجود هنا.
منصور :(ما
زال على هدوئه) ارأيت، لكل منا وتره. (يحرك يده أمام
آلة عود وهمية)
وصال : تذكُر عندما وضعت رأسك على صدري
في ليلة الزفاف، ورحت تبكي وتتوسل كي أقول إن كان مسني رجل قبلك؟ تذكر..! أتحب أن
أُذكّرُكَ بالمزيد؟!... هنـا، (تشير بين فخذيها) هنــأ، لو استطعتَ لوضعت خيمتك
هنا، وقضيت بقية عمرك في الحراسة.
منصور : ولكنك تميلين إليه.
وصال : لا تريد أن ننتهي من هذا
الموضوع!
منصور : وتحملين نحوه بعض الود (يدور حولها) أو على الأقل فكرتِ فيه كرجل. لا تقولي إنك لم تفكري فيه
ولا للحظة واحدة عندما تختلين إلى نفسك، قبل النوم بدقائق مثلاً، أو عندما تقفين
أمام المرآة، أو...
وصال :نعم، فكرت به.. مرة واحدة، إذا
كان هذا يريحك.
منصور : ارأيتِِ؟ لقد لاحظتُ التغيير الذي طرأ
عليكِ.
وصال : الآن ستبدأ أوهامك تفرخ روايات
خيالية.
منصور : لا، لن نسمح للخيال بالتدخل في شؤوننا
العائلية، نحن عصريون نؤمن بالتحضر، بالبصبصة
على الجيران (فترة) منذ سنة
أحسّست بدخان غامض يتصاعد حولي، رائحة غريبة
تملأ بيتي، أشباحٍ عارية تطوف في الغرف والممرات وتعبر الأبواب على مرأى مني. لم
أقل شيئاً، بل سكتُّ، وانتظرتُ، على أمل أن تثوبي إلى رشدك، أو تتصرفي بشجاعة
فتعترفي وتذهبي لتعيشي معه، ولكن.. يبدو أن اللعبة ذاتها كانت تُسحركِ، أجواء
الخيانة كانت تمتعك، التخفي..والكذب..تلفيق أسباب الخروج وأسباب التأخر، الشعور
بغفلة الآخر والخوف من انتباهه، هذا التوتر فيه لذة أسرة، أليس كذلك؟
[تُظهر عدم مبالاتها بكلامه]
لم
يكن فقدانك يعني لي شيئاً، لكن استغلال الثقة التي وضعتها فيك يؤلمني. أن يكتشف
الإنسان..بعد سنوات طويلة إنه كان مُغفلاً، إنه كان يضع ثقته في شخص لا يستحقها،
لا يقدرها، يدوس فوقها من أجل شهواته...هذا هو الذي يجرح القلب، أكثر من التسرع في
التوقيع على عقد إيجار.
وصال : (تنظر إليه
باشمئزاز ومرارة عميقين) آه يا إلهي..
منصور : (يضحك) قبل مدة قال لي محاسب المعمل، إن مصروف بيتكم
تضاعف هذه السنة، فجئتُ أبحث عن كنبة جديدة، أو سرير أكبر، أو طباخ حديث، لم أعثر
على شيء من كل هذا، إلاّ أني وجدت أصباغك قد ازدادت، وخزانة ملابسك امتلأت بالثياب
يضحك) أصباغ..ماذا تُظهر الأصباغ على وجه المرأة، وماذا ُتخفي؟ (فترة) هذه المرة أنا من سيترك البيت.
وصال : لن أقف في طريقك، أو أتوسل إليك.
ولكن..هناك شيء واحد يجب أن تعرفه، فكرت بطبيب الأسنان مرة واحدة، حين شاهدت
الأطفال يلعبون في الشارع، ارتعشَ صدري لمرآهم..وتذكرت عُقمك. لعشر سنين أحلم
بطفل، أرغب برائحة مخلوق يخرج من أحشائي،
عملتُ كل شيء من أجل تحريك دمِكَ، من أجل انتزاع حياة صغيرة من صُلبك.. لكن دون
جدوى، وها أنا في الأربعين، محرومة من الأمومة، من صراخ رضيع يملأ البيت، ولا أسمع
غير صراخك يرنُّ في أذني ليل نهار، مثل طبول أفريقيا.
لعشر سنين أحلم بولد،
أو بنت، أقدمهما للحياة. (تضحك بمرارة إذ
تتذكر) كنتَ تقول لي سوف ننجب إبناً عظيماً، يقتحم القرن الجديد مثل اللهب
المضيء (يسيطر عليها الضحك بينمّا منصور يشعر بالذل)
نقدم للعالم شمساً كبيرة تضيء القرن الواحد والعشرين (تهدأ) آه، ما أسعدني، قضيتُ عمري أسمع
الكلام عن النور والأضواء.. بينما بيتي يغرق في الظلام...والبيوض العقيمة. الآن
يمكنك أن تذهب.
منصور : إذن، فكرتِ به، كما توقعتُ، كما هجست
لي ظنوني!
وصال : نعــم.
[منصور يفقد هدوءه السابق، يقف مشوشاً تسيطر عليه
مشاعر محتدمة، وصال تدير ظهرها لتخرج]
منصور : (يصرخ) إلى
أيــن..؟
وصال : ماذا تريد؟
منصور : (متلعثماً
ومرتبكاً) هل....
وصال : ماذا؟
منصور : (يستوضح بحركة
غامضة من يده) هل.....؟
وصال : قلها. هل تخاف أن تقولها؟
منصور : هل خنتِني؟
وصال : (بغموض)
نعم. خنتك، لا، لم أخنك، أو... لِمَ لا؟ المسألة تعتمد على ما تريده مني، وفي
الحقيقة أول شخص خنته كانت نفسي، عندما وضعت عليك كل أحلام حياتي. كنتُ أعرف جزءً كبيراً منك،
مع ذلك رحت أصدق الكثير مما كنتَ تقول، فكان هذا عقابي.
[يطغي على منصور شعور بالمهانة، يهم بالخروج
ولكنه يتوقف عند الباب ويعود، يدور في الصالون وهو في غضب وحيرة كبيرين. وأخيراً
يرفع طاولة صغيرة ويحطمها على الأرض ويخرج].
[وصال تشعر بالخوف وتمدّ يدها إليه ثم تعيدها إذ
يكون قد خرج. بعد فترة يرن جرس التلفون]
وصال : آلو..نعم، ماذا؟ منذ ساعة؟...سوف
أحضر في الحال. (تغلق الخط. تتحرّك قلقة في أرجاء
الصالون، ثم تتهالك على كرسي ويتحوّل قلقها إلى خوف)
[يدخل منصور. يحمل حقيبة، يلاحظ قلقها فيبقى قرب
الباب]
منصور : من كان على التلفون؟
وصال : بيت أهلي (فترة) أمي
أُغمي عليها (مضطربة) أرجو أن تمرّ الحالة بسلام. إنني
خائفة. المرة الثانية تصاب
بالإغماء خلال أسبوع. هذا يعني إن حالتها خطيرة. ربّما .. آه، لا... ماذا أصابني؟
إذا
حدث لها شيء تنهار صحة والدي، أو يقضي بقية حياته حزيناً. أشعر بالبرد، إنني
أرتجف. أحسُّ كما لو إنني معبأة بالثلج.
[منصور يضع الحقيبة على الأرض ويقف قربها دون
حراك]
وصال : يقولون ربّما ..اوه لا، أحتاج
شيء يدفئني (تنهض قليلاً إلاّ أنها تعود إلى الجلوس إذ
تشعر بالعجز) أحتاج شيئاً يغطيني. أحتاج...أحسُّ أقدامي تتجمد من البرد. ماذا
أصابني؟ شيء أضعه على
أكتافي (ترتجف بقوة)
[بعد فترة يتحرك منصور ببطء، يخرج، ثم يعود بشرشف
خفيف للغاية يرميه إليها دون مبالاة، تأخذه وتحاول تثبيته على أكتافها بيدين
مرتعشتين)
منصور : (من بعيد)
كيف تشعرين الآن ؟
وصال : الثلج يزداد...
منصور : (يمشي ويداه خلف
ظهره، بين فترة وأخرى يلقي نظرة عابرة وغامضة على وصال). فكرتُ أن نتكلم حول
إجراءات الانفصال. لكن هذه المسألة، أعني موضوع أمّك، لا يسمح لنا بالحديث.. سوف
أترك البيت الآن، ثم أتصل بك في وقت آخر لنبحث الأمر.
وصال : لا يبدو أن موضوع أمّي قد همَّكَ
من بعيد أو من قريب.
منصور : إنني آسف من أجلها. هذا كل ما يمكن أن
أقوله.
وصال : طبعاً، وقد تصرفتَ بشكل لطيف
للغاية...تجاهي.
منصور : ماذا يمكنني أن أفعل؟
وصال : بالتأكيد لا يمكنك أن تفعل
شيئاً، مثل أن تُظهر القليل من الحنان.
منصور : لا أعتقد الحنان يُنقذ أمك من الموت.
وصال : (متضايقة)
تعرف كيف تختار الكلمات المناسبة في الظروف المناسبة...
منصور : آسف، قلتها عفو الخاطر، فأنا أيضاً لي
ظروفي. كما تعرفين...الإنسان أناني بطبيعته، عندما ينشغل بهمومه الخاصة..لا يرى
بوضوح هموم الآخرين.
وصال : الذي أعرفه إن البشر يعطفون على
بعضهم في لحظة معينة.
منصور : هذا ما نتمناه، أو نرجوه. لكن الواقع
غير ذلك.
وصال : إذا كان البشر كما تقول، ممن
نطلب ا المساعدة؟ أين نجد الحنان؟
منصور : لن نطلبها من أحد. لأننا إذا طلبناها
لن نجدها، اسأليني أنا، فقد تُركتُ وحدي أكثر من مرة، قي البرد أو في الحرّ، دون
أن تمتدّ لي يد حنون.
[يمدّ ذراعه وكأنه يطلب النجدة فلا يجدها، ويظل
يحركها وهو يعرف أنه يعذب وصال بهذه الحركة]
في
الحرّ بشكلٍ خاص تُركتُ وحدي، في غرفة تحترق، في الطابق العاشر، في أوتيل يطلّ على
النهر، في البرازيل.
وصال : آه...مرة أخرى.
منصور : حرّ الصحراء يقشّر الجلد، وحرّ الصيف
ينشّف العيون، لكن النيران في غرفة تحترق هو الذي يثير الرعب، خاصة عندما تقفز من
النوم، وتجد نفسك محاطاً باللهب، والجميع فكروا بنجاتهم وهربوا، بينما الدخان يدخل
الرأس مثل أنفاس الشيطان، فيربك الذهن والحواس والأقدام، حينها تنسى الحرارة
..ويسيطر عليك الغضب والجنون.
وصال :تعرف إنني لم أترك الغرفة، إلاّ
بعد أن يئست من إيقاظك من النوم...
منصور : في تلك اللحظة..من يعرف كيف يفكر
الإنسان!
وصال : ورحتُ أركض في الرواق أصرخ وأستغيث...
منصور : ولم يعد الباب موجوداً، الباب اللعين
الذي كانت يدي تصله بسهولة حتى في
الظلام اختفى، لم يعد موجوداً رغم أضوية النيران القوية.
وصال : وعندما وصل الإطفائيون وجدوني
فاقدة الوعي...
منصور : والنافذة اختفت أيضاً، الغرفة تحوّلت إلى
جدران فحسب، جدران ولا شيء آخر. قولي لي بصراحة، في تلك اللحظة.. هل تمنيتِ موتي؟
لا،لا... لا تجيبي على السؤال (يتحرك بعصبية
فيصطدم بكرسي ، يعود إليه ويرفسه فيتدهور بعيداً) هذه الأشياء اللعينة، دائماً بين
أقدامنا، ومن حولنا. (ثم يرفعه ويرميه
من النافذة)
[بعد فترة يضحك إذ دارت برأسه فكرة ما]
لماذا
لا نرمي كل الأثاث الذي لا ينفع وجوده؟ نفسح المجال لوجودنا نحن، لكي نتحرك
بحرية..حتى لا نتعثر بالخشب والحديد والزجاج. ما رأيك؟ سوف تتغير الكثير من
الأمور، أنا واثق من هذا.
[يرمي قطعة أثاث أخرى من النافذة ويفكر]
إن
فوضى الأشياء من حولنا...كثرتها...عدم انسجامها مع طبيعتنا، هي التي دمرت حياتنا.
انظري، ما معنى وجود أربع طاولات للقهوة؟ (يرمي طاولة
صغيرة من النافذة). كان جدي يقول: "إذا خسرت النعجة، لا تضيّع الصوف.
وصال : (تنجذب إلى الفكرة
وتتجاوب مع حماسه، فترفع سلة صغيرة) لماذا ثلاث سلال للفواكه؟. (ترميها من النافذة)
[يبدآن تفحص الأشياء والتخلص منها في حماس]
منصور : ما جدوى كل وسائد الظهر هذه؟
وصال : لماذا ثماني منافض للسجائر؟
منصور : لماذا خمس صحف في اليوم الواحد؟
وصال : لماذا أربعة أباريق للشاي؟
منصور : لماذا ثلاثة أجهزة تلفزيون في البيت؟
وصال : لِمَ خمسة مصابيح..؟
منصور : لا. باستثناء المصابيح (يأخذ المصباح من يدها، يعيده إلى
مكانه)
[يرن جرس التلفون. يردّ منصور الذي كان بالقرب
منه في تلك اللحظة]
آلو.أهلاً،
آه... نحن بخير (يلقي نظرة على
وصال) طبعاً بكل خير، وأنتِ؟ كيف حالكِ؟ رائع، تريدين التحدث إليها؟ بالتأكيد. (يمدّ السماعة نحو وصال فتظلّ
تنظر إليه مستفسرة بعينيها) لكِ، إنها هي، هي بنفسها. أمّكِ (يضحك) هي لا غيرها (ويغرق في الضحك، بينما وصال تخفض عينيها ويظهر عليها
الانكسار) الثلج..يزداد.... (يجلس على الحقيبة ويحاصرها بنظراته
) كنتِ بارعة بحيث صدقتُكِ. صدقتك تماماً، لم أشكُّ لحظة واحدة في رعشتك. أنتِ
مذهلة (يصفق لها بيديهِ)
كل مرة أنسى نفسي وأصدق أكاذيبك. (ترك السماعة مرفوعة )
وصال : كنتُ أرتعش بالفعل.
منصور : هل لديك فصل جديد تقدمينه؟
وصال : كنتُ أرتعش وخائفة أن تذهب.َ
منصور : (يشير إلى التلفون) هذه أمك على التلفون، وليست أمي.
وصال : كذبتُ، لكي تبقى. لكنني كنتُ
أرتجف وأشعر بالخوف فعلاً من أن ترحل.
منصور : وبعد؟
وصال : ماذا أفعل، أردت أن أبقيك بأي
ثمن.
منصور : كنت ستواصلين اللعبة لولا التلفون
الجديد (تهزّ رأسها
موافقة. ينهض ويفحص سماعة التلفون ليعرف إن كانت أمها ما نزال تنتظر. ثم يغلق
الخط) ذهبتْ. أغلقت الخط. من تحدث معك قبلها؟
وصال : الحلاقة.
منصور : مـ مـ مـ م...
وصال : فكرتُ أنك ستفهم دوافعي،
وتسامحني.
منصور : إني راحل في كل الأحوال. لقد سامحتك،
لكنني لن أبقى. سوف أبحث عن عالم آخر، وناس آخرين، سوف أعيش حياة مختلفة، حتى لو
اضطرني الأمر الذهاب إلى الغابات. أنا واثق إن الحيوانات ستكون أكثر رحمةً،
القبائل الوثنية أكثر أماناً.
[وصال تزداد انكساراً]
سوف أختار مكاناً
بعيداً، على الطرف الآخر من العالم، لأبدأ فيه حياةً ثانية. ماذا ينقصني لأفعل هذا؟ لا شيء . ماذا
يمنعني؟ لا شيء . (يتنفس بارتياح)
أشعر إنني حرّ، خفيف مثل الغيوم. اليوم أصفي كل الأمور، أنتهي منها بسرعة.. ثم
أرحل، لن أنتظر إلى الغد، لا، لا. (ينظر إلى أرجاء الصالون وكأنه يسترجع بقليل من الحنان
ذكرياتٍ قديمة) مع ذلك، كانت هناك بعض الأوقات الطيبة.
وصال : كانت هناك الكثير من الأوقات
الطيبة، فقط لو أحسنّا تدبير الأمور، لو أشفق كلٌ منا على الآخر. الآن نستطيع أن
نفعل هذا.
[منصور يهزّ رأسه إشارة إلى عدم الموافقة]
وصال : نعم نستطيع. تتذكر أيام الصيف
التي قضيناها في الضيعة، عندما جلسنا على حافة القنطرة، ورحنا نرمي حبات العنب كل
باتجاه الآخر...واحدة لفمك، واحدة للماء...واحدة لفمك واحدة للماء، تتذكر!
منصور : نعــم..
وصال : وعندما كان العم داود يحكي نكاته
الساذجة، ونحن غارقون في الضحك، لأن سيقاننا كانت تتشابك وتتعارك تحت الطاولة!
منصور : نعم...كانت هناك بعض الأوقات الجميلة،
مع ذلك ... بالمناسبة، رسالة طبيب الأسنان كانت عن تغيير موعد الفحص، لم يكن فيها
أي كلام خاص (تنظر إليه بدهشة)
نعم.. لم يكن فيها غير سطر واحد، عن تغيير موعد الفحص.
وصال : إذن كذبت عليّ؟
منصور : كنتُ بحاجة إلى هذه القصة لكي أحملك
على الأعتراف، وها أنا أبرئ ذمتي من الموضوع كله.
وصال : هكذا ؟ (فترة) مرّت
علينا ظروف قاسية، كانت هي السبب. أنا أيضا كذبت عليكَ حين قلت إن والدي يريد بيع معمل الفطائر، لم يفكر ببيعه،
ولن يفكر، بالعكس..والدي فرح، وبقية أهلي.. أخبرتهم إنك وجدت شريكاً يمول كلفة
توسيع المعمل، مقابل نسبة في الأرباح.
منصور : (يبتسم) إمـ
مـ مـ م..
وصال : صديقك الثري الذي حدثتني عنه.
منصور : يا عزيزتي، تلك كانت خدعة صغيرة، يلجأ
إليها رجال الأعمال في ظروف معينة.
وصال : إذن لم تكن حقيقة؟
منصور : لا...ولكن، ما دُمتِ تكلمتِ بهذه الروح
من التسامح، وأنا على أعتاب السفر، فأعلمي أن اللوحة (مع إشارة من
يده) ليست رديئة كما قلتُ لك، بل فيها عمق متقن. هذا ما قاله أحد الأصدقاء
عنها.
وصال : حقاً قال هذا؟
منصور : نعم. قال أيضاً ... (يتذكر) فيها.. تكوين جميل.
وصال : (سعيدة) من؟
منصور : صديق، كان معي في السيارة حين جئت آخذ
بعض المستندات، فدعوته إلى فنجان قهوة سريع. إنه ممن يهتمون بالرسم.
وصال : لا شكّ إنه يفهم كثيراً في الفن.
منصور : كثيراً.
وصال : ماذا قال أيضاً ؟
منصور :تحدث
عن ألوانها، قال إنها متناغمة.
وصال : وماذا أيضاً؟
منصور : قال إنها أعجبته.
وصال : (بعد فترة من
التأثر والتفكير) لهذا السبب أتلفتَها
منصور : لا. كنتُ في حالة غضب.
وصال : لأنك عرفت قيمتها (تلامس اللوحة بحنان) لأنك لا تحبّ أن تسمعَ الناس
يمتدحوني.كنت أحسُّ أنني وضعت فيها كل روحي، وعواطفي (تبكي) كنتُ
أعرف إنني عملت شيئاً مختلفاً. لكنك تصرفتَ معها بدون رحمة، الآن ..لم أعد أشعر
بالندم تجاه ما فعلته معك بالنسبة للأطفال، لن أشعر بالندم في أي يوم آخر.
منصور : ماذا فعلتِ؟
وصال : لا. لم أفعل.
منصور : (بإصرار)
ماذا فعلتِ؟
وصال : لم أفعل شيئاً . إنسَ الموضوع.
منصور : (يحاصرها)
بلى، لا شكّ إنك تخفين عني أمراً ما. ماذا فعلتِ؟
وصال : قطعتُ رحمي في المستشفى..حتى لا أنجبُ
منك.
منصور : حقيرة..
وصال : قطعته ورميته للكلاب.
منصور : تافهة..
وصال : أنت لا تستحق أطفالاً مني.
منصور : كنتُ أتمنى أن تموتي في ذاك الحريق، أن
تتحولي إلى قطعة من الفحم. ما دام الأمر هكذا، خذي إذن... أنا الذي أشعلت النار في
غرفة الأوتيل، أنا، أتعرفين كيف؟ وضعت شمعة قرب أسلاك الكهرباء في الحمام قبل أن
نذهب إلى النوم.
وصال : كنتُ أعرف إن الحريق لم يحدث
صدفة.
منصور : تمنيتُ أن تلتهمك النار.
وصال : كنتُ أعرف. وأنا التي أغلقت عليك
باب الغرفة، لأنني دائماً أشكُّ في نواياك، وفي تلك الليلة بالذات كنتُ أعرف إنك
ستقوم بعمل خسيس، لذلك لم يغمض لي جفن في تلك الليلة، وعندما شممت رائحة غريبة
نزلت من الفراش بهدوء، حتى تبقى غارقاً في أحلامك الوحشية، أقفلت عليك حتى تظلّ
محاصراً بين الجدران، أقفلته ثلاث مرات،
(مع حركة من يدها) تررك، تررك، تررك .. حتى
تنشوي في النيران. ترِرك، ترِرك، ترِرك، وتذوق السعير والقطران، تررك، تررك، (يتبعها وهي تبتعد عنه متراجعة إلى الوراء)
نيران الله الموقَدة.. تررك، تررك، التي تطلع على الأفئدة.. ترِرك، تررك، تررك،
إنها عليهم موصد.. تررك، تررك، تررك، فتذوق جهنم وبئس المصير.. تررك، تررك، تررك،
وتنال حسابك العسير..
منصور : لن تثيرني أكاذيبك الصغيرة هذه، يكفي
إنني حولتك إلى أُلعوبة في تلك السفرة، جعلتك تفقعين من الغيظ.
وصال : تررك، تررك...
منصور : ومن الغيرة،
وصال : تررك، تررك، تررك...
منصور : كنتُ أنا الذي وضع الرسالة المعنونة إلى
ليلى على الطاولة، لكي أسحق قلبَكِ من الغيرة.
وصال : ترك.. ترك..
منصور : وعندما تركتُكِ وحدك في صالون الأوتيل،
كنتُ أتكلم معها في التلفون من غرفة الاستعلامات.
وصال : تر...ترك..
منصور : وبناءً على طلبها قطعنا السفرة وعدتُ
بكِ قبل انتهاء الإجازة.
وصال : ترَ...كْ..
منصور : والبرقية التي أخبرتُكِ إنها من صديق
كانت منها أيضاً.
وصال : كذاب.. لن أصدق كلمة واحدة مما
تقول.
منصور : بلى، وستصدقين إنني تعشيتُ معها قبل
ليلة السفر، عندما تأخرتُ في العودة إلى البيت.
وصال : (تتغير لهجتها
وتعابير وجهها) هل أنت جاد فيما تقول؟
منصور : وأيامك التي حولتُها إلى جحيم في
البرازيل..كانت بسب شكوككِ حول ليلى.
وصال : أترك البرازيل الآن ...
منصور : (يقاطعها)
وعذابُكِ طوال السفرة كان بسبب التفكير فيها..
وصال : (تكاد تفقد
صبرها) هل صحيح إنك تعشيت معها؟
منصور : نعم.
وصال : وكنتَ تلتقي بها خفيةً؟
منصور : نعم. والهدية التي عثرتِ عليها بين
ملابسي في الأوتيل..كانت لها أيضاً.
وصال : (تصيح بوجهه)
قلتُ لكَ أتركْ البرازيل. أريد الحقيقة الآن، هل ما ذكرتُه عن ليلى صحيح؟
منصور : نعم.
وصال : وكنتَ تلتقي بها من دون علمي؟
منصور : نعم.
وصال : وحكاية الشراكة مع زوجها
اخترعتموها، أنتَ وهي..لتكون حجة للقاء بها؟
منصور : نعم. وكان الاتفاق أن نمضي على الشِركة
حالما نعود من البرازيل.
وصال : (تفقد صبرها
وتصرخ) أترك حكاية البرازيل هذه، أريد الحقيقة. أنتَ تعرف إن حكاية البرازيل
كذب في كذب..
منصور : (يفاجأ)
لا..
وصال : (تصرخ مرة أخرى)
كذب. نحن لم نسافر إلى البرازيل..
منصور : (يمنعها من
الكلام) أُشـ أشـ أُش، أسكتي.
وصال : كانت كذبة صنعناها لنوهِم الناس
بها..
منصور : لا تقولي ولا كلمة..
وصال : كانت كذبة..كذبة.. كذبة.
منصور : (يصيح) لا...(ثم في شبه انهيار) لماذا ؟ لماذا ؟ماذا فعلتِ؟
[فترت صمت، الاثنان
متعبان]
وصال : كانت واحدة من خُدعِكَ.
منصور : أنتِ وافقتِ عليها.
وصال : لكنها واحدة من ابتكاراتِكََ.
منصور : أنتِ أيضاً لك ابتكاراتُكِِ، هل نسيتِ؟
العاصفة من ابتكاراتِكِِ. هذه المدينة لم تشهد عاصفة منذ وعينا على الحياة، فلماذا
فعلتِ هذا؟
وصال : لأن كل شيء أصبح كذباً، كل ما
نقوله كذب، كل ما نراه كذب، ما نسمعه كذب، ما نفعله كذب. يا إلهي..أشعر إننا غرقنا
في الكذب حتى لم أعد قادرة على قول أي شيء، أو أسمع أي شيء.
أصبحت
حياتنا مثل كذبة..تكبر تكبر تكبر ولا تريد أن تنفجر. (فترة) لا يمكن أن نستمر هكذا. يجب أن نجد حلاً، ما هو الحلّ؟ لا بدّ
من وجود حلّ، كيف يعيش الناس الآخرون في سعادة؟ كيف يعيشون في صفاء؟
منصور : ليس هناك من سعادة.
وصال : لا بدّ أن بعض الناس يعيشون في
سعادة، أو بالقليل من السعادة، بالقليل من الحنان، أو على الأقل يسود حياتهم
التفاهم، ويقبَل كل منهما الآخر، إننا نعيش في عذاب مريع. (تبكي)
إن جحيمنا هذا لا
يُطاق، لماذا ؟ قل لي لماذا؟ (يهزّ رأسه بأسى)
جربنا كل شيء، حتى الناس انقطعنا عنهم، ابتعدنا عن حياتهم وأبعدناهم عن حياتنا
لأننا فكرنا أنهم السبب. جربنا كل شيء. منصور..قلْ لي ماذا علينا أن نفعل؟ أين
الخطأ؟ لا بدّ من وجود خطأ ما.
في بعض الأيام أحلم
بلحظات من الهدوء، لحظات من الصفاء، أن أمسك فيها يدك بحنان فأحسُّ نبضك
يقول لي أحبّكِِ. أن أقترب منكَ فأشعر أنفاسك تدفئني. أن أمشي إلى جانبك فأطمئن
إلى أن ظلّك يحميني من الأذى، ولكنني دائماً أجد نفسي لوحدي، أين الخطأ؟
مرّت
بي أيام شعرت فيها أن السعادة لم تُخلق لناس مثلنا، وأن وجودنا في هذه الحياة لا
معنى له، بل الأفضل لو نتخلص منها، قل لي أين الخطأ؟ لا بدّ من وجود خطأ..... لا
بدّ من وجود شرخٌ كبير هنا (مشيرة إلى
داخلها) لا شكّ أن الخراب هنا، في الداخل، (تتشبث به)
منصور، إن الخراب هنا. تعبتُ، لا أقدر... (يسندها ثم
يحتظنان بعضهما ويركعان ببطء على الأرض وهما متعانقان) تعبتُ. أحسُّ بضعفٍ
شديد، قلبي يؤلمني، منصور...
منصور : نعم.
وصال : لا يوجد حلّ، منصور،
منصور : ماذا؟
لا يوجد أي
طريق..
[فترة
طويلة من الانهيار والصمت]
منصور : الخادمة، أين الخادمة؟
وصال : الخادمة..
منصور : متى تصل الخادمة؟ الآن تذكّرتُ.
وصال : ماذا تذكرتَ؟
منصور : الخادمة تعرف. (يعصر رأسه
ويفكر)
ماذا تعرف،
الخادمة؟
منصور : قد لا تصدقين، ولكنها ستكون دليلنا.
متى تصل؟
وصال : المفروض أن تصل بين لحظة وأخرى،
ولكنني لا أفهم..
منصور : سنعرف الطريق إلى الحلّ.
* * * *
الفصل
الثالث
نفس
المكان. الأثاث أقل من السابق، مرتب بشكل صارم. اللوحة في مكانها غير أنها مغطاة
بقطعة قماش أسود، والنور قليل.
[وصال جالسة على الأرض، تحني رأسها فوق مجمرة
فيها بخور، وتغطي نفسها
بشرشف أخضر لا يظهر منها أي شيء ، تبسبس بكلمات غير مفهومة وبصوت خفيض وتسعل.
[منصور يقرفص على مقربة منها، يضع إصبعه على آلة
تسجيل في انتظار إشارة
منها ليضغط على الزر]
منصور : بَخور، ضعي المزيد من البخور،
وصال : الآن؟
[منصور يضغط
على الزر فينبعث صوت طبول ودفوف بإيقاع بطئورتيب. وصال ترفع الغطاء عنها بحركة
سريعة فيتصاعد دخان كثيف، وتروح تبسبس
بصوت أسرع]
منصور : (يقرأ من ورقة
كانت بيده) أيتها الروح الشريرة، المختبئة في أعماق الظلمات، الهاربة من أنوار
الحياة، أحضري هنا، إلى بيت منصور، في الهيئة التي تُرى ولا تُؤذي، تخضع ولا تعاند، مجردة من كل قوة ومن دون
أتباع.... مجردة من كل قوة ومن دون أتباع... مجردة من كل قوة ومن دون أتباع.
[ينهض
منصور وتنهض وصال، وينتقلان من جدار إلى جدار يطاردان أشباحاً غير موجودة]
منصور : ها هو..
وصال : (من بين السعال)
هذا ظلّ.
منصور : لا، شبح، انظري.
وصال : ظلّ..
منصور : يشبه طيف إنسان، انظري هناك.
وصال : لا هو شبح ولا هو ظلّ، الجدار
نفسه يتحرك.
منصور : بل يشبه روحاً هائمة. هذا طيف أقدام،
وهنا رأس منفصل عنها.
وصال : لا أرى أي شيء .
منصور : هناك..
وصال : (تركض إلى حيث
أشار) لا يوجد شيء .
منصور : يجب أن يكون لديك الإيمان بما
ترين..انظري هنا.
وصال : ماذا حصل لنا ؟ أنت تشير إلى
النافذة.
منصور : إصبعين فوق النافذة، ماذا ترين؟
وصال : لا شيء .
منصور : تعالي (يعود بها إلى
المجمرة، يضع كمية من البخور ثم يغطي وصال بالشرشف الأخضر) اقرئي..
وصال : لا أستطيع.
منصور : اقرأ... (وصال تبسبس، ثم يرفع الغطاء عنها بنفس الطريقة) والآن، ما الذي يقف
هناك خلف الكرسي؟
وصال : لا أرى شيئاً !
منصور : (يتفحص الجدران مرة أخرى وهو يقترب ويبتعد عن الظلال)
.. إنه طيف.
وصال : هذه غشاوة صغيرة من المصباح.
منصور : كيف تريدين للروح أن تظهر، إن لم يكن
على صورة ظلّ أو غشاوة؟
وصال : ما هذا..؟
منصور : أين؟
وصال : هناك، في الزاوية.
منصور : شيء يتحرك، يكبر، يتمدّد..إنها روح،
تشكّل نفسها ببطء، تدفع حاجزاً ما، أو غلافاً سميكاً يحيط بها..كأنها تريد أن
تتكلم، أو تشير إلى شيء خلفها..إنها ترتفع، تتلوى..
وصال : على مهلك، أنت تذهب بعيداً في
هذه التصورات.
منصور : هذه روح حقيقية تتخلص من قيودها.
وصال : إنها غلالات من دخان البخور،
أنظر.
منصور : أي تخريف هذا..
وصال : لا تصدق إلاّ نفسك. (تذهب إلى الزاوية وتنفخ الدخان) فوووو.. ارأيت!
[منصور يغلق جهاز التسجيل. بعد فترة]
منصور : أعتقد إنك تسرعتِ في رفع الغطاء في
المرة الأولى.
وصال : لا يمكنني احتمال الدخان مدة
أطول.
منصور : لو تأخرتِ دقيقة واحدة..
وصال : لا أستطيع.
منصور : وكمية البخور كانت قليلة..
وصال : كانت كثيرة.
منصور : بهذه الطريقة لن نحقق أي نتيجة.
وصال : في اللحظة الأخيرة شعرت بروحي
تصعد إلى أنفي.
منصور : هل نجرب مرةً أخرى!
وصال : الآن ..؟ هل تريد أن تكتم
أنفاسي؟ لا أدري لِمَ لا تقوم أنت بهذا العمل!
منصور : تعتقدين إنني سوف أتردد لو كان الأمر
عليّ أنا؟ بالعكس.. لكنتُ أتيت بنتائج سريعة، وربما مذهلة، لكن خديجة تصرّ أن تقوم
الزوجة بالتبّخير.
وصال : لو كانت خديجة هنا، لساعدتنا
بشكل من الأشكال.
منصور : هل ستتأخر؟
وصال : من يعرف متى تأتي خديجة، أو متى
تذهب!
منصور : تتأخر. إلاّ أنها تأتي إذا قالت سآتي.
وصال : معك حق.
منصور : لا تبدين راضية عنها؟
وصال : أنا..؟ لا أدري.
[فتــــرة]
منصور : كان طيف إنسان، لم يكن ظلاّ كما قلتِ،
طيف إنسان عاري، لو نزيد النور قليلاً.
وصال : لن تقبل خديجة ، تقول الأشباح
والأرواح تهرب من النور، اللصوص أيضاً يهربون من النور. (تبتسم)
منصور : لِمَ تبسمين؟
وصال : لا شيء ..
منصور : لا شيء .. ولا أدري.. اليوم مزاجك
متعكّر. (يضع المزيد من البخور في المجمرة)
وصال : أصبحت أشعر بالضيق من رائحة
البخور. كنتُ، حين أشم رائحة البخور من بعيد تنتعش حواسي، الآن ..تبخير في الليل،
تبخير في النهار، تبخير في الصباح، تبخير بعد الظهر. بدأـ أحسّ كأن سمكة ميتة
معلقة بشعري. (تشم خصلة شعرها تلقائياً)
منصور : عندما تبدئين بالتذمر، لن نصل إلى أي نتيجة. هل نجرب الآن ؟
وصال : أريد ألتقط أنفاسي. لِمَ هذا
الإلحاح؟
منصور : اهدئي، اهدأ، قلت ما دُمنا بدأنا...
وصال : طيب، منذ الصباح ونحن نجرب.
[يُسمع صوت باب يفتح ويغلق]
منصور : خديجة .. (يذهب
لاستقبالها ولكنه يعود بعد فترة لوحد).
وصال : مــن؟
منصور : الريح.. (وصال تسحب كرسياً إلى الخلف لتجلس عليه) ماذا فعلتَ؟
وصال : ماذا ...؟
منصور : الكرسي..!
وصال : أريد أرتاح قليلاً، تيبست رِكَبي
من هذا الوضع.
منصور : (يأخذ الكرسي من
يدها ويعيده إلى مكانه) هل نسيتِ إن الأثاث يجب أن يبقى في مكانه، كل كرسي في
مكانه، كل طاولة في مكانها، كل قطعة في مكانها..لا تتحرّك شعرة واحدة عن مكانها.
وصال : آه.... (تتهالك على
المقعد الكبير).
[فترة، يبدو منصور قلقاً ومتلهفاً]
منصور : لدي أمل كبير، في أن نصل إلى نتيجة
تغيّر كل الوضع. وأنتِ؟
وصال : بعض الأمل. منصور... هل كانت لك
أحلام في أيام صباك، أو أيام شبابك؟
منصور : أي سؤال هذا! طبعاً كانت لي أحلام.
وصال : بماذا كنتَ تحلم؟
منصور : بأشياء كثيرة.
وصال : هل تتذكرها، تلك الأشياء التي
كنت تحلم بها؟
منصور : ليس جميعها.
وصال : أحكِ لي عن واحدة منها.
منصور : مثلا..كنتُ أحلم أن يكون لي بيت كبير،
على ضفة النهر، أقضي بعض الأوقات هناك، أجلس..خاصة بعد الظهر، فوق كرسي مريح، أدخن
وأنظر إلى المياه، والأشجار، وأنا ممتلئ بالإحساس أن ورائي، في البيت، امرأة
أحبها، ويمكن أن تظهر في أي لحظة ووجهها مشرق بالحب... وهكذا.
وصال : إذن نحن مثل بقية البشر !
منصور : من قال لا؟
وصال : (تجهش في البكاء)....
منصور : لماذا تبكين؟ ماذا حدث؟
وصال : (تتمالك نفسها)
لا شيء ، لا شيء . كنت بحاجة إلى هذه الدموع، لا شيء .
منصور : هذه الرقة التي فيكنَّ، لا نعرف متى
تظهر ومتى تختفي !
وصال : لا تشغل نفسك بهذه المسألة (منصور يضع المزيد من ا لبخور) دع البيت يتنفس قليلاً.
منصور : القليل فقط، حتى لا تنطفئ النار.
وصال : أنت تخمدها بهذه الطريقة.
منصور :
توجد أشياء لا نفهمها، هل نتصل بخديجة؟
وصال : خديجة تتطير من التلفون.
منصور : أنا واثق إن ما قالته صحيح، وهذه
الجهود التي نقوم بها ستكون فائدتها عظيمة، ونتائجها نهائية.
وصال : كم أخاف من حماسك للأشياء.
منصور : هذه فرصتنا. ألم نقتنع بالدلائل التي
سمعناها؟
وصال : أنا خائفة.
منصور : خائفة، مِمّ أنت خائفة؟
وصال : لا أدري.
منصور : آه... لا أدري من جديد!
وصال : ألا يحق لي أن أتحدث عن خوفي؟
منصور : (بحزم) لا،
إذا سمحتِ. لأن الخوف يفسد كل شيء ، عدم الثقة يبطّل الأثر. منذ البداية حذرونا من
الخوف. ثم...لننتظر وصول خديجة فنرى ماذا تحمل لنا معها.
[فترة من الصمت والانتظار]
وصال : منصور، لا تقل لي، يوما ما، إنني
اقتنعت كل القناعة بكلامها.
منصور : ولكنك اقتنعت، ووافقتِ.
وصال : لا. كنتُ خائفة منذ البداية،
تذكر هذا.
منصور : هل تتراجعين ..؟
وصال : لا أريد إثارة خلاف معك الآن،
ولكنني لم أقتنع كل الاقتناع.
منصور : سوف آخذ المسألة على عاتقي، سأكون وحدي
مسؤولاً، هل يرضيك هذا؟
وصال : لا أريد خلافاً الآن .
[فتــرة]
منصور : أعرف إن هذا التبخير يضايقك، ولكنها
مرّة واحدة صعبة وننتهي، مرّة واحدة تخوضينها بتحمل وشجاعة... ونصل إلى هدفنا.
وصال : (تضحك بمرارة)
من كان يصدق أن كلامي وحياتي وخلافاتي تصبح كلها حول البخور والتبخير؟ من كان
يتصور أن أيامي سيغطيها دخان الينسون والصمغ والأعشاب؟ . أحتاج فنجان قهوة يمسك
رأسي.
منصور : لا يجوز. بعد نصف ساعة يجب أن تتناولي
نقيع الحّلبوب، بعدها تأكلين وتشربين كما يحلو لك.
وصال : هذا الحلبوب، كلما أشرب منه أكاد
أقذف أمعائي إلى الخارج.
منصور : يجب أن نتحمّل.
وصال : (بتهكم)
نعم...هل تعرف أنك لم تذهب إلى المعمل منذ مدة طويلة.
منصور : أعرف.
وصال : ماذا حصل الآن للمعاجن
والأفران،؟
منصور : لن يحصل لها شيء ، غداً أقوم بزيارة
سريعة.
وصال : أنا متأكدة إن الموظفين والعمال
أهملوها، والفئران تمرح الآن في مخازن الطحين.
منصور : علينا أن ننتهي أولاً من هذه المسألة،
بعدها أنصرف إلى المعمل. (يشير إلى رأسه)
توجد هنا أفكار كثيرة، ومهمة، لتطوير الإنتاج، وإضافة مشاريع جديدة. ستكون الأرباح
عشرة أضعاف.
[يُسمع صوت الباب الخارجي يفتح ويغلق بقوة]
منصور : هذه خديجة ..
وصال : بالتأكيد هي، أصبحت تهزّ البناية
عندما تدخل.
[تدخل الخادمة، حول عينها اليسرى كدمة زرقاء]
خديجة : البخور قليل في البيت.
منصور : (نظرة لوم إلى
وصال) نسيتُ البخور بسبب أحاديثك. (ينفخ المجمرة
ليوقد نارها ثم يضع كمية من البخور)
خديجة : (تخرج كيساً
صغيراً من حقيبة يدها) يقول إنه ما زال يعمل، ولكنه أعطاني خلطة جديدة من
البخور. (تضع الكيس قرب المجمرة وترفع البخور القديم)
وصال : آ.....
منصور : ما زال يعمل حتى الآن ؟
خديجة : يحضّر، ويعمل على المواد الجديدة
التي معه قبل أن يكتب لكم (تنشغل في تحريك
طاولة لتكون في مكانها الصحيح) يقول
إنه يحتاج وقتاً أطول، لأنكم واقعون تحت تأثير عمل قام به قوي، أقوى منه، لهذا
فالأمر يتطلب جهوداً مضاعفة حتى يتغلب على الساحر.
منصور : (نظرة
سريعة باتجاه زوجته، ثم إلى خديجة) هل قال متى ينتهي؟
خديجة : يوم.. اسبوع.. شهر، لا يوجد شيء
واضح حتى الآن ، ولكنه بدأ يحضّر مواده، أمس حصل على أذن هُدهد، دفنها في قبر
مهجور، ستظلّ هناك لمدة أسبوع، والآن يحتاج زراً مكسوراً
من أحد قمصانك.
منصور : ماذا يفعل به؟
خديجة : المفروض أن لا نسأل.
منصور : لا أدري إن كان في أحد قمصاني زرٌ
مكسور.
خديجة : تكسره بيدك، بعد أن تشرب من هذا
الماء الأزرق (تناوله قنينة صغيرة) يقول هذا الماء ممزوج
بالفَوفل الهندي.
وصال : خديجة، كم سيطلب مقابل أتعابه؟
خديجة : لا أدري، بعد أن ينتهي يقدم لكم
الحساب.
منصور : كيف يُشرب هذا؟
خديجة : جرعة واحدة، وبنفس مقطوع، ثم
تكسر الزرّ.
منصور : (وهو يستدير
ليخرج) لا أدري إن كان في البيت كلاّبة أكسر بها الزرّ!
خديجة : استاذ منصور.. الزرّ يجب أن يكون
أبيض.
منصور : أبيض.. (ثم يخرج).
وصال : خديجة، ماذا حصل لعينكِ؟
خديجة : لا شيء .
وصال : هذه الكدمة الكبيرة تسمينها لا
شيء ؟
خديجة : آ...الكدمة؟ الكدمة... وقعتُ
فأصابت الأرض عيني.
وصال : هذه ضربة كف وليست ضربة الأرض،
هل يضربك زوجك يا خديجة؟
خديجة : يضربني؟ لا يضربني أبداً.
وصال : خديجة، هذه صفعة، لا تنكري، هل
يضربك عندما يزعل منك؟
خديجة : أحياناً.
وصال : وتخجلين أنه يضربك!
خديجة : لا، المهم أن لا يعرف الناس.
وصال : ولكنك تكذبين لتخفي هذه الحقيقة!
خديجة : هذا ليس كذباً.
وصال : ما هو إذن؟
خديجة : ما دام لا يعرفون، فلماذا نسميه
كذباً؟
وصال : نخفيه عنهم..!
خديجة : بالضبط، ولماذا نقول لهم ما
نفعل؟ أو ما يحدث لنا؟
وصال : (مصدومة)
هذا يعني إنك تكذبين في الكثير من الأمور يا خديجة. كنتُ أتصور العكس، كنتُ أعتقد
حياتك تختلف.
خديجة : هم أيضاً يكذبون، ولا يخبروني
بكل ما يفعلونه.
وصال : من ؟
خديجة : الناس، صدقيني...يقومون بالكثير
من الأعمال، ويخفونها.
وصال : (في خيبة) أصدقك.
كثيراً ما أسأل نفسي، وأقول: إذا أخفينا أخطاءنا بحق أنفسنا، أو بحق الآخرين، هل
تتخلص من بشاعتها؟ هل يصبح الأذى الذي ينتج عنا بلا ذنب؟
[يدخل منصور]
منصور : هذا الزرّ المكسور.
خديجة : (تأخذ الزرّ)
هل شربت الماء الأزرق قبل أن تكسره؟
منصور : نعم، شربته كله.
خديجة : (وهي تهمّ
بالخروج) ست وصال، لا تنسي البخور الجديد.
وصال : (كأنها تحدث
نفسها) متى سينتهي هذا التبخير!
خديجة : إلى أن تخرج روح الساحر، وتحضر
إلى بيتكم.
وصال : كلما أتدثر بالشرشف والخان تخرج
روحي ولا يظهر الساحر.
خديجة : هذا البخور سيجلبه من آخر
الدنيا، لأن خلطته قوية.
وصال : (بمعنى آخر) هل أنت واثقة يا خديجة..!
خديجة : (بسذاجة)
هذا بخور بري ست وصال، مخلوط بحوصلة زاغ أسود، وعظام غجري ميت.
وصال : (تصرخ بفزع)
لا، لن أستعمله.
منصور : (يأخذ خديجة من
يدها إلى الباب) اذهبي أنتِ.
[تخرج الخادمة. بعد فترة تذهب وصال خلفها ونسمع
الباب الخارجي يُغلق بالسقاطة
ثم تدخل)
وصال : لن تعود خديجة إلى البيت مرة
أخرى.
منصور : ماذا تقولين؟
وصال : لن تدخل بيتي.
منصور : والكتاب، والبخور، والعملية كلها؟
وصال : لن أتبخّر، انتهى الموضوع.
منصور : هكذا، بكل بساطة؟
وصال : قرفت، بدأت أشعر بالمهانة.
منصور : سوف نستمر.
وصال : قلتُ لن أتبخّر، ولن أتبخّر.
منصور : تقولين لا أريد الخلاف، وها أنت تسعين
إليه.
وصال : إذا أرتَ مواصلة هذه اللعبة،
تبخر أنتَ (ترمي نحوه الشرشف) هاك..
منصور : كنت أعرف، كنت أتوقع أن تخربي كل شيء
قبل أن نصل إلى النتيجة.
وصال : لن أحتمل أكثر.
منصور : بعد كل ما قمنا به!
وصال : لن أحتمل. عظام رجل ميت! لا...
لن أقبل.
منصور : ما الفرق إذا كانت عظام رجل، أو عظام
عصفور، إنه بخور!
وصال : بخور؟ آه، ماذا يحدث لنا؟
منصور : اسمعي، مرة واحة وننتهي، مرة واحدة
ويتغير كل شيء في حياتنا.
وصال : من قال هذا، خديجة؟
منصور : ليس من العقل أنن نتراجع الآن .
وصال : من فضلك، عن أي عقل تتكلم، تبخر
أنتَ.
منصور : (يمشي مغضباً في
الصالون ولكن في حذر من الأثاث) لِمَ وافقتِ في البداية؟
وصال : كانت فكرتك.
منصور : وفكرتكِ أيضاً .
وصال : تعرف إنني لم أكن متحمسة لها.
منصور : أصغِ لي، لا يمكن أن نتراجع الآن ،
ربما ينقلب السحر ضدنا، ربّما يكون الضرر أكبر.
وصال : من قال..؟
منصور : إنه سحر، ربّما نخسر كل شيء .
وصال : كيف تريدني أن أتنشق رائحة هذه
العظام؟ يا إلهي ماذا يجري لنا! ماذا نفعل بأنفسنا؟
منصور : اهدئي، اهدأ، ارتاحي قليلاً ، ثم تكون
آخر تبخيره، بعدها لن أطلب منك أي طلب، اهدأ. [فتــرة] أنا نفسي لم أكن أصدق.. أن نلجأ يوماً
إلى هذه الأساليب، لم أكن أفكر أن تكون
سبيل خلاصنا، ولكن....ما دام هناك أمل ما، ولو كان صغيراً، لِمَ لا نتمسك به؟
وصال : أنا خائفة.
منصور : لا تخافي.
وصال : نعم خائفة، خائفة لأن الصداع
اختفى من رأسي وحلت محله الكوابيس. منذ مدة وأنا أرى أحلاماً غريبة تزعج نومي.
منصور : الأحلام المزعجة جزء من حياة الإنسان.
وصال : لا، لم أكن أرى أحلاماً بهذه
الكثرة من قبل، خاصة هذا الحلم المخيف، الذي يغيب ثم يظهر في منامي.
منصور : لم تكلميني عن هذا الحلم!
وصال : لأنك لا تصغي باهتمام إلى ما
أقول، عندما يتعلق الأمر بمشاكلي الخاصة تغلق أذنك. منذ فترة وأنا أحلم إننا نغرق
في نهر، نغوص ولكن بحركات صاخبة وعنيفة من أيدينا وأرجلنا. الغريب... وكان هذا سبب الرعب الذي
يثيره الحلم، إن المياه كانت ضحلة (تفتح نصف
المسافة بين السبابة والإبهام)
هكذا، المياه التي كنا نغرق فيها لم تكن عميقة، لا تكاد تكفي لغرق دجاجة، مع ذلك
كانت تأخذنا إلى غرق صاخب ومريع، وأظلُّ أتشبث بالماء وأصرخ، إلى أن أصحو فأجد
يديّ تمسحان العرق عن وجهي.
منصور : هذا لا يعني أي شيء .
وصال : تعتقد..؟
منصور : لا تخافي، ثقي بي، فقط ضعي ثقتك بي.
وصال : (تهزّ رأسها
بغموض)..
منصور : ما نقوم به ليس فيه ضرر لأحد.
وصال : ولا لنا؟
منصور : ولا لنا.
وصال : ماذا تفعل؟
منصور : أضع القليل من البخور الجديد.
وصال : لا.
منصور : حفنة صغيرة.
وصال : (تصرخ) لا،
أرجوك (تتراجع إلى الخلف).
منصور : نجربه . (يصعد الدخان من
المبخرة)
وصال : لا... (تهرب من ركن
إلى ركن في الصالون ثم تسعل وتكاد تتقيأ) لا...رائحته بشعة، فظيعة.
منصور : اهدئي.
وصال : فظيعة، فظيعة.
منصور : (يصيح بها)
اهدئي...
وصال : لا أستطيع، أمعائي تنقلب (على وشك أن تتقيأ فتقرفص على الأرض)
منصور : لا يختلف كثيراً عن الأول، اهدئي. (يرنّ جرس الباب) من يكون؟...لن أفتح. (يرنّ مرة أخرى)
وصال : افتحْ الباب.
منصور : لا.
وصال : ماذا تعني؟
منصور : لن نفتحه لأي كان.
وصال : ماذا تريد بهذا؟ قد تكون مسألة
مهمة.
منصور : لا أريد أن يدخل أي شخص الآن .
وصال : قد يكون واحداً من إخوانك أو
أخواني!
منصور : لا يهم.
وصال : تخجل أن يشاهدوا ما نفعل، هـه؟
منصور : لا أخجل مما نفعل، ولكن لا أريد دخول
أحد قبل أن ننتهي.
وصال : هل جُنّنت!
منصور : أصبحت أشك بكل الناس. من يعرف ماذا
يخفون في أيديهم، أو جيوبهم، أو حتى في قلوبهم! جن..عفاريت..سحر شرير، من يعرف!
وصال : (تتحامل على
نفسها، تنهض وتذهب لتفتح الباب)..
منصور : (يمنعها)
لا. لن تفتحي، أحذرك.
وصال : لماذا ؟
منصور : ارجعي إلى الوراء، اذهبي هناك (يأخذها من كتفها بعيداً) قفي هنا .. (يغلق النافذة) اِياكِ أن تتحركي.
[يخرج بسرعة
ثم يعود بمطرقة ولوح أسود كبير، يسمّر اللوح على النافذةويغلق باب الصالون]
وصال : ماذا تفعل بحق السماء والأرض؟
[يرنّ جرس الباب رنّته الأخيرة. ثم يسود الصمت]
منصور : بخور..المزيد من البخور (يضع بخوراً بينما ينتاب وصال الفزع من تصرفاته) سوف نتبخّر سويةً. سوف
أغرق البيت بالبخور... والعالم، بخور، بخور.. (ينتابه الدوار
فيسقط على ركبتيه)
وصال : ماذا حدث لك؟ (تذهب إليه) ماذا أصابك؟
منصور : دوخه في رأسي.
وصال : تعال اجلس هنا.
منصور : لا أقدر على الحركة.
وصال : (تأتيه بقدح ماء)
اشرب.
منصور : لا.
وصال : ماذا فعلت بنفسك؟ بماذا تشعر؟
منصور : رأسي يدور بسرعة.
وصال :أطلب
سيارة الإسعاف..
منصور : لا. بدأت أسترجع تركيزي. (ينهض بضعف ويجلس على المقعد)
وصال : كيف تحسُّ الآن ؟
منصور : أحسن. للحظة شعرت كأنني غبت عن الوعي،
فقدت كل إحساس بأطرافي ورأسي.
وصال : لم تحدث لك هذه الدوحه من قبل،
فماذا حصل لك؟
منصور : لا أعرف.
وصال : أرهقت نفسك بهذا الجنون،
والدخان..
منصور : إنني أفضل الآن .
وصال : (تتحسس جبهته
بيدها) حرارتك طبيعية، مع ذلك يجب أن يفحصك الطبيب. هذه الدوحه غريبة.
منصور : لا تقلقي.
وصال : كيف لا أقلق، إنني أخاف من هذه
المشاكل.
منصور : (ينهض)
انتهت. كانت حالة عابرة.
وصال : في الفترة الأخيرة..هل كنت تصاب
بالدوخه أثناء العمل؟
منصور : لا.
وصال : لِمَ حدثت هذه الدوحه؟
منصور : الآن تذكرت، الماء الأزرق الذي شربته.
وصال : الذي جلبته خديجة ؟
منصور : نعم، ربّما يكون هو السبب!
وصال : بل هو السبب. هل شربته كله؟
منصور : كله.
وصال : قلتُ لك إن قلبي حذرني من هذه
الألاعيب ومن خطورتها.
منصور : بالعكس، هذه إشارة مهمة إن العملية
بدأت تعطي نتائجها.
وصال : لا.
منصور : يجب أن يكون للماء مفعول ما،
وصال : لا، أنا من ناحيتي..لن أستمر في
هذه اللعبة.
منصور : ماذا تقولين؟
وصال : أنا أنسحب من الموضوع كله.
منصور : الآن دورك يا وصال، الآن كل شيء مُعوّل
عليكِ.
وصال : لن تجبرني. اِياكَ أن تجبرني، هل
سمعتَ؟
منصور : هذه فرصتنا، لن تخذليني الآن، لا أصدق أن
تتركيني لوحدي. تعرفين إنني لا أفكر بنفسي وحدها، تعرفين كم أتعذب لأنك محرومة من السعادة،
من بيت كبير، من سيارة خاصة بك، من أشياء كثيرة تجعل لهذه الحياة طعماً آخر،
وتساوينا بالآخرين.
وصال : آه، كم أخاف منك عندما تندفع..!
منصور : لا تخافي.
وصال : في السابق جلبت لي الكثير من
المتاعب بسبب اندفاعك.
منصور : (يقودها من يدها
نحو المبخرة) هذه المرة يختلف الأمر، تعالي، أرجوك.
وصال : لا أطيق هذه الرائحة، إنها
كريهة، ومريعة..
منصور : لا تفكري بها.
وصال : كيف لا أفكر..؟
منصور : سنكون سوية، تعالي (ثم بقسوة) اجلسي.
وصال : دعني أضع قليلاً من العطر على
أنفي.
منصور : عطر؟ لا. بدون عطر، يجب أن يكون
الانغمار في التجربة كاملاً، اجلسي. (يضع المزيد
من البخور)
وصال : لا أستطيع.
منصور : تخيّلي نفسك لا تشمين أي رائحة.
وصال : كيف أتخيّل، وهذا الدخان يتوغل
إلى رئتي!
منصور : تصوري نفسك لا ترين دخاناً. (يستمر في وضع البخور)
وصال : كيف أتصور، وأنا أرى الأشياء
بعيني؟
منصور : تخلصي من حواسك..دقيقة واحدة.
وصال : لا أقدر. (تحاول أن تتملص من يده فيمسكها بقوة)
منصور : سوف ننتهي بسرعة، نتخلص بلمحة عين.
وصال : أرجوك..
منصور : والآن ماذا وراء هذا العناد؟
[ينهض ويحمل الغطاء الأخضر بيده، يقوم بحركات
منفعلة وهو يبحث ويتربص
بالأشباح داخل الصالون، بينما وصال تراقب من مكانها يسير عليها الخوف]
أيتها
الأرواح العفنة، يا قرينة الوطاويط والجرذان، أعرف أين تختبئين، أعرف الزوايا
المعتمة التي تلوذين بها، والأشكال المظلّلة التي تتخذينها...سوف أقتنصك من
آذانك.. وأطرحك هنا وسط الدار، دار منصور التي جلبتِ لها الشر، فتحجبين عنها الحظ،
ودمرتِ حياتي. أعرف إنك تتحركين هنا..فوقي ومن حولي، وهنا..تحت هذا المقعد، أو
هنا..في الأدراج (يحرك الأثاث ويقلبه أثناء بحثه) أو هنا...خلف الطاولة، تعالي، اخرجي..
وصال : منصور..!
منصور : أو في هذا الإناء، أو تحت الكرسي، أو
تحت السجادة. سوف أتبعك في كل مكان إلى أن أحطم
سحرك الخبيث، ماذا ينقصني لأكون مثل وليد..أو أن أجمع ثروة مثل وفيق..لولا الجِنُّ
والعفاريت التي تعشعش في بيتي. تعالوا، اخرجوا، أظهروا لي، لن أخافك منك، أين
أنتم؟؟.. تستعملون قدراتكم الشيطانية في التخفي..! طيب..سوف نرى من الشاطر فينا.
[يغطي رأسه بالشرشف الأخضر]
وصال : (تركض وراءه وهي
تصيح) منصور، ماذا تفعل؟
منصور : تحبين الظلام.. هه! تعالوا إذن،
اقتربوا مني، تعالوا، أستطيع رؤية قرونكم البشعة،وجوهكم القبيحة، تتغامزون عليّ! (يضحك بهستريا) سوف نرى من يسخر من صاحبه، من يَخرَبْ بيته في النهاية! (يتعثر فتمسكه
وصال لتبعده عن المقعد) من هذا؟ الجِنّ؟
وصال : (تصرخ به)
هذه أنا، هذه أنا. ماذا تفعل بنفسك؟
منصور : (يدفعها عنه
ويواصل تخبّطه) اخرجوا من بيتي، ابعدوا عني، لتنصبّ عليكم لعنات السماء،
ليقذفك الله في أعماق الجحيم، ويضربكم بالصواعق والنيران، يشويكم وينزل عليكم
الغضب واللهب..والقطران.. (يسقط).
وصال : منصور... (تنحني عليه وتخلصه من الشرف بصعوبة) منصور. ماذا حدث لك؟
منصور : الدوحه..
وصال : الدوخه مرة أخرى؟
منصور : لا أستطيع السيطرة على نفسي.
وصال : تعال.. (تسند ظهره إلى المقعد، ثم تركض لترفع اللوح عن النافذة) هواء...هواء...تحتاج
إلى الهواء.
منصور : لا تفتحيها.
وصال : يجب أن أخلع هذا اللوح، نحتاج
إلى هواء.. ألا ترى إننا نختنق؟ (تفتحها أخيراً)
منصور : (في ضعف)
لا، دعيها. أشعر إنني أفضل مع دخان البخور، أغلقيها.
وصال : أنت تحتاج إلى هواء نقي.
منصور : أغلقيها، لا تحمليني على الصياح.
وصال : (تهزّ يدها في
حيرة. تذهب إلى النافذة وتغلقها) منصور، يجب أن يحضر الطبيب.
منصور : لا. دقيقة ويمرّ هذا العارض ، دوخه بسيطة لا غير (يزداد ضعفاً) لو كنتِ تحملتِ، لحظة أخرى فحسب..
وصال : (في شفقة)
أهدأ الآن ، سوف أفعل ما تريد، ولكن اهدأ.. ليكن، عظام موتى، عظام ضفادع، سوف أنفذ
ما تطلب، أنفذه كاملاً. اسند ظهرك إلى المقعد (تساعده، ثم
تجلب له قدح ماء وتجلس بمواجهته)
اشرب، سوف ينعشك (يشرب) كيف تشعر الآن ؟
منصور : أحسن (فترة) لا
تقلقي.
وصال : (بغموض) لا.
لن أقلق. أتعرف إننا لم نشرب أو نأكل منذ الصباح. لم نرَ واحداً من البشر
منذ فترة. باستثناء خديجة. (يحاول النهوض
فيشعر بالضعف) لا تستطيع الوقوف؟ ابقَ جالساً.
الآن نحتاج فترة من الراحة.
[تغني]
سهار
بعد سهار..تـَ يحرز المشوار. منذ سنين طويلة لم أغنِ لنفسي (تغني)
كتار هَو زوار..
شوي
وبيفلو..
وعِنا
الحَلا كله..
وعِنا
القمر بالدار..
ورد
وحَكي وأشعار..بَس سهار..بَس سهار.
هذه
العادة شاخت في قلبي أيضاً. كنت أدندن في البيت حين
أرتب السرير، أو انظف الفواكه والخضار.
[منصور يمدّ إليها قدح الماء فتأخذه، تريد وضعه
على الطاولة الصغيرة ولكنها تجدها بعيدة عن يدها]
انظر
إلى هذه الطاولة، ما فائدتها إذا كانت بعيدة كل البعد عن المكان الذي نجلس فيه؟
لقد وضعتها خديجة هنا، لا أفهم لماذا. ليتنا نرفس قطعة الأثاث، ثم نقلبها على
رأسها، كما كنا نفعل في السابق... أو نرمي كرسياً من النافذة، ونضحك.الصالون يبدو
وكأنه فارغ من الأخشاب والأواني، مصابيحك...لم يبقَ منها إلاّ مصباحٍ واحد، وبدون
لمبة (تضحك). واللوحة.. كنت أفكر في إصلاحها، ولكنني لم أفعل شيئاً، ثم جاءت
خديجة وغطتها.
[تنهض وتضع القدح على الطاولة، ثم تمشي بين
الأثاث وهي تحيطها بنظرة استهجان]
منصور..نحن
لا يمكن أن نكون أي شيء إلاّ أنفسنا، هذه كارثتنا، وكل هذا الذي نقوم به لا فائدة
منه، إنه..إنه مثل ركض فوق البحر، لا أكثر ولا أقل.
منصور : ولكنكِ وعدتني.
وصال : ماذا ؟ آه، طبعاً، ما زلتَ تفكر
بالبخور؟
منصور : نسيتِ إذن، كم نختلف أنا وأنتِ!
وصال : نختلف؟ لا. صحيح كل واحد منا
ينظر إلى الأمور بطريقة مختلفة..ولكننا لا نختلف كثيراً.
منصور : لا أفهمك.
وصال : لا تتحرك، ابقَ في جلستك، استرخِ
لكي ترتاح. يقولون إن المرأة خرجت من ضلع الرجل، إذا صحّ هذا الكلام فأنا من ضلعك
يا منصور، من ضلعك وعلى القياس المضبوط. هل أضع وسادة خلفك ليرتاح ظهرك؟
منصور : لا أحتاج..
وصال : بلى، اسند ظهرك بهذه، الآن أحسن،
هه؟
منصور : أحسن.
وصال : عندما قالوا لي، في البيت، هذا
الشاب امتدحَكِ كثيراً، ويبدو أنه يفكر في خطبتك، قلت لهم هذا الشخص سيكون محنة
حياتي (تضحك) لا تتضايق، هذا الكلام انتهى زمانه
منذ فترة طويلة، ثم ماذا تقول شابة مغرورة، عندما يدخل بيتها رجل يفيض وجهه
بالعافية، والثياب الأنيقة والعطور، سوى كلاماً طائشاً، تخفي به سرورها بإعجاب
الرجال!.كنتَ كل الوقت تنظر بعيون شرهة إلى محتويات بيتنا، وليس إلى وجوه البشر
الذين يعيشون فيه، فأحسّستُ، من بين مشاعر
الفرح والغرور التي كانت تسيطر عليّ، برجفة غامضة
تخترق قلبي، خوف...مثل خيط الحرير عندما يلامس الجلد، ولكنني لم أقل لا، لأن هذه
الـ "لماذا" هي أيضاً مخيفة، بالنسبة لفتاة ضيعت الكثير من فرص الزواج بسبب
خيبتها الأولى في ا لحب.
منصور : هل تشعرين بالندم الآن ؟
وصال : يا له من سؤال!
منصور : لماذا ؟
وصال : لأن بعض الأسئلة لها طابع غريب،
فأنت كمن يمدّ حبلاً قصيراً إلى إنسان في بئر ويسأله: "هل ترمي نفسك مرة أخرى
إذا أنقذتك؟...منصور إنني أتكلم عن ا لماضي، عن الجزء الميت من حياتنا، فلا تَخفْ
مني.
منصور : أنا غير مرتاح من هذه الوسادة.
وصال : هل تريد الجلوس على الأرض؟ انزل (تساعده لينزل) مدَّ ساقيك واسند ظهرك إلى المقعد. هكذا أفضل.
منصور : لِمَ تنظرين إليّ بهذه الطريقة؟