7

 

"وز، وز، وز" صوّتَ الكرسي القديم في الغرفة الزجاجية المطلّة على الحديقة.

آوتْ الصبية وأخوها إلى غرفة نومهما، بينما حافظ إبراهيم على صمته منذ انتهاء العشاء، منطرحاً على كرسي هزاز من الخيزران، يدفعه بقدمه على فترات متباعدة ليتأرجح إلى الأمام والخلف ضمن حركة بطيئة، ما تلبث أن تستنفد طاقتها على التذبذب فيستقر، لحظات قصيرة، في الهدوء والصمت، من دون أن يتوقف الاهتزاز في رأس نورا.

انتظرت نورا ثلاثة أيام لتواجه زوجها بنفس السؤال: "ما الذي يشغلك؟"

أمضت الأيام الأخيرة في الزعل غير المعلن، وإذ لاحظ إبراهيم العبوس يلازم وجهها، لم يوله اهتماماً جاداً، لأنه سمح له بالغرق في تساؤلاته عن الحياة والموت، عن مصير ابنته وابنه الصغير، والكبير المفقود أيضاً، إذا ما انتقل العنف الديني إلى بلده!

مشهد الدم الذي رآه في صحف وتلفزيونات أوربا لم يبرح تفكيره، بل ثبّتَ مخاوف حقيقية في وعيه ووجدانه، وشكوكاً قوية حول نثار المعلومات والحكايات والأقوال الذي يملأ خزان ذاكرته.

عندما وضعت زوجته فنجان القهوة المرّة التي يتناولها بعد العشاء، لاحظ تعبير وجهها العابس، فأمسكها من معصمها قبل أن تستدير، سحبها برقة وأجلسها على ركبتيه.

"هذا الصباح فهمت سبب زعلك، إلا أنني لم أكن في مزاج يسمح لي بالكلام. تعرفين أنني لا أحب رؤيتك زعلانه مني!"

طبع قبلة طويلة على خدها، اهتزّ لها الكرسي وأزّ، أضاف:

"إن الشكوك تحفر في قلبي وعقلي، ويجب التفكير في حمايتكم، حمايتنا كلنا!"

"ما الذي يشغلك؟" سألت، ترمي ذراعها خلف ظهره، وصعدت العَبرة لتخنق صوتها.

"لم أعد أؤمن بشيء!" قال دفعه واحده.

"ماذا يعني هذا؟" سألت.

"إنها مشكلة، لا يمكنني شرحها الآن"

"من حقي أن أعرف. منذ ثلاثة أيام وأنت سارح وراء أفكارك كما لو أنني غير موجودة!"

"بل أنتم الثلاثة دائماً موجودون في ضميري" قال.

"ماذا تعني عندما تقول أحميكم؟" سألت بشيء من الخوف، ثم: "هل وجودنا هنا وضعنا في خطر؟"

"بالتأكيد لا. نحن هنا في أمان تام" ردّ إبراهيم.

جرّها إليه بقوة ورفس الأرض قليلاً، فتذبذب بهما الكرسي وأزّ "وز، وز، وز"

"ماذا تخفي عني؟" عادت تسأل بإلحاح.

قال بعد تفكير:

"نورا، هل تذكرين الصور التي شاهدنا في صحف وتلفزيونات أمستردام؟"

"أذكرها!" أجابت.

"منذ تلك الليلة لم أعد أثق أو أؤمن بشيء، أعني، لقد اضطرب تفكيري عندما تساءلت: هل يمكن أن يطلب الله من هؤلاء الناس أن يفعلوا ما فعلوا؟"

"هؤلاء قتلة، لا دخل لله فيما يفعلون!" أجابت نيابة عنه وعن الله.

مرّة أخرى فكر قبل أن يقول:

"المشكلة أبعد من هذا يا نورا، لم أكن أريد إقلاقك بأسئلتي وتفكيري، مع ذلك ها أنا آخذك إلى نفس الشِباك!"

" لا يجوز أن تفقد الثقة، أو تشكّك، هذا كلام خطير، لأن الله، تعالى، لا يرضى عما يقوم به البشر من أخطاء وأعمال سيئة، بل يعاقبهم عليها"

"كيف يعاقبهم؟ البشر هم الله" قال إبراهيم.

ارتدت برأسها إلى الخلف بانزعاج، فقام الكرسي بارتجاجه كبيرة وأزّ بقوة لتحوّل ثقلها إلى الطرف، سألت:

"ماذا تعني؟ لا أفهم ما تقول!"

سحب إبراهيم نفساً طويلاً ليقول:

"نحن نصنع الله كما نريد!"

راحت تنظر إليه بفزع، تريد تفسيراً ينقذها من صدمتها.

"ليتنا لا نزيد في الموضوع" أجاب إبراهيم.

نهضت واقفة، والخوف، ممتزج بالغضب، يطلّ من عينيها، فتأرجح الكرسي وأهتزّ مرتين وثلاثا.

"أنت تفكر بأمور غريبة، وهذا لن يحمينا كما تقول، بل سوف يعرضنا للخطر أنا وأولادي عندما نرجع إلى تونس!"

لم يجد إبراهيم ما يردّ به على كلامها، خاصة بعد أن تركته على جلسته وصعدت إلى الطابق الثاني حالما أنهت كلماتها الغاضبة.

انتابه الضيق من الحقائق التي أدت مكاشفة زوجته بها إلى إخافتها بدل مراضاتها، ومن دون شعور راح يدفع الأرض بقدمه فينغمر الكرسي في اهتزازات متتابعة، رتيبة، عادت به إلى المحطات الكبيرة من أفكاره الجديدة، وإلى وقفات مهمة في حياته، إذ عزّت عليه الدموع المترقرقة في عينيّ نورا وهي تفصح عن خوفها وغضبها.

فكّر، أن الصعود وراءها لإضافة المزيد من الشرح والجدل لن يهدئ روعها. اعترف لنفسه أنه أخطأ بمكاشفتها، مثلما أخطأت مبالغته في إظهار انشغاله بعيداً عنها وعن الأولاد. إن إيمانها، قال في سريرته، أمر مبثوث في التعاليم التي تعودت على سماعها، ولا مجال لمناقشته بأية حال! وإن بثّ الاطمئنان في نفسها لن يتحقق إلاّ بالكذب عليها، أي إنكار كل ما قاله، وكل ما فكر به وتوصل إليه!

الشيء الثابت في ذهنه الآن عدم السماح للموضوع بتدمير عائلته، بعد أن قلقل روحه!

تابع الكرسي، "وز، وز، وز"

لعل أصعب ما في مواقف نورا أنها تفكر بعقلية فتاة، رغم ولادتين، وعشر سنين من الزواج. عدا أنها تحبّ التدليل.

عندما توفيت زوجته الأولى، وظل ابنه الصغير ناصر في عهدة جدّته، أغراه أهله بالزواج من نورا، القريبة وابنة العشرين، المتعلمة قليلاً، لكن الجميلة كثيراً، فوجد في تدليلها، آنذاك، متعة حسيّة منذ الشهر الأول للزواج. كانت بعيدة عنه، حزينة وغامضة في البداية، ثم استجابت لواجبها الزوجي على الفراش، لكنها ما لبثت أن حوّلته إلى رجل شهواني في الخامسة والثلاثين من العمر، وعندما اصبح يضيق بالأسفار وراء أعماله التي تسلمها من والده، وجد الحلّ بأخذها معه في السفرات الطويلة، يغلقان الباب بعد الانتهاء من لقاءاته وصفقاته التجارية، وينهمك في ملامسة جسدها الأسمر، الطازج، على أنوار الغرف الخافتة، وموسيقى الليل المدغدغة للحواس، فتتفتح له باشتهاء، وتلتهم قضيبه لتمصّه بلذة جنسية عارمة، ثم تنقلب وتحيط رأسه بفخذيها ليصبح فرجها الرطب بمتناول فمه، ليمتصا، في آن واحد، عضويّ بعضهما، ولا يلجها إلاّ بعد ساعات من الالتذاذ البطئ، الممتع، أو حين تطفح الشهوة من مساماتها، فتتوسل أن يدخلها، لأنها لم تعد تحتمل المزيد من التأجيل. ثم تقول: أبقه داخلي! وتذهب في إغفاءة من السكون والإلتذاذ.

بعد كل واحدة من تلك الليالي كان يتذكّر الرتابة واللذة المقتضبة مع زوجته السابقة، يتذكر أنه لم يأخذ منها أكثر مما تعطيه أية واحدة من بائعات الهوى في تونس أو أوربا، فيشعر بالامتنان لما يمنحه جسد نورا من نعيم حقيقي. لقد علمته أن الزواج لا يعني السعادة إذا لم يكن الجسد قادراً على العطاء، جسدا المرأة والرجل. وإذ تتوارد الخواطر الجميلة على خياله في هذه اللحظة، قال لنفسه إنه لن يخسرها، غداً يراضيها بطريقة ما من دون التطرق من جديد إلى الموضوع.

عاد بالتفكير في الماضي، وتخيل نفسه يسأل:

"أين سيدتك؟"

"تستحم يا سيدي" أجابت الخادمة.

تعرى على صوت المياه تنهمر عليها من الدوش، رفع الستارة ودخل معها فأطلقت صرخة من المفاجأة، سارع إلى وضع قلادة يتدلى منها حجر فيروز حول جيدها، ثم جرّها ليلتصق بجسدها.

"سيدي! بوجود الخادمة في البيت؟" بوجود كل خادمات العالم. قال، وانغمرا في أنواع مختلفة من البلل اللذيذ، غسل آثار الخلاف من قلبها الشاب.

اهتزّ الكرسي بأزيز خافت، واهتزّ إبراهيم بارتياح للفكرة، ولذكريات جميلة من لحظات آسرة معها. عزم على جولة غداً في أسواق برايتون لالتقاط هدية ثمينة تفاجئها، تنسيها المخاوف العابرة، "اهي عابرة؟" تساءل.

"أفلم تمسّ الجوانب المهمة من عاطفتها وتربيتها؟ الخطأ أنني لم أكن أقدّر أهمية هذه الأمور، لأنها كانت على هامش حياتي، تلقيتها وظلت نائمة في مشاعري لا تظهر إلا في حالات نادرة، وعلى صورة كلمات لا ثقل لها. الناس الذين حولي كانوا مثلي، أو في الأقل هذا ما أتذكره الآن عنهم، ليسوا ممن تشغلهم أمور الدين، إنهم مشغولون بالتهام الحياة، أو الصراع معها. أنتَ علمتَني الحياة، قالت نورا، وقال الوالد: الحياة أن نعرف كيف نتعامل مع الآخرين أثناء غضبهم ورضاهم. لكن أحداً لم يقل إن الحياة لا تفعل سوى أن تقربنا من الموت. مرّت خمس وأربعون سنة! كما لو عشتها في غفلة عن جريانها السريع!"

عاد الكرسي يأزّ بعد هدوء قصير، "وز، وز، وز"

"كنا نركض في أيام الأعياد، صبياناً، غير مكترثين بالسنين، نغري الفتيات بالنظرات، العيون الجميلة تجذبنا، لا نعرف شيئاً عن بقية أجسادهنّ، الطويلة مثل القصيرة، والنحيفة مثل الممتلئة، ولا نفهم كيف تقرأ نظراتُ الرجال المرأة من كاحلها! كيف يفرقون بين الجسد المثير والآخر الذي لا يعد بشيء على السرير، كل الفتيات يصلحن للمستقبل ما دمن يقعن في غرام نظراتنا، على جاذبية العيون نبني القصور التي تجعل السهر مثيراً، إلاّ أن الإثارات تتعرض للموت أيضاً، قبلة الشفاه، انحناءات الجسد، دفء اليد وعرقها المهيّج للأحاسيس والشهوة، كلها تهرم مثل العمر، ويبقى الفرج وحده مصدر اللذة، ثم تشيخ إثارته هو الآخر. متى ضاجعتها آخر مرّة؟ في هلسنكي! كلا، في امستردام، قبل أربعة أسابيع، ربما خمسة! الآن لا أتذكر الفترة التي استغرقناها، خمس دقائق! أو عشر! الإنسان لا يعرف أشكال الحياة من حوله إلاّ عندما يعرف حقيقة الموت، موته هو. لهذا تلحّ عليّ الأفكار السوداء، لهذا أتذكر بحسرة ما مات، لأن كل الأشياء قتلت قتلاً، كما قُتل الأطفال والشيوخ في القرية الجزائرية!"

ساد الاهتزاز بعض القلق والاضطراب، "وز... وز، وز"

"أين سأجد ناصر، لأجمعهم وأذهب بهم إلى مكان لا يوجد فيه غير الموت العادي! لتمت الأشياء في حياتهم الواحدة بعد الأخرى، كما جرى لي، لكن من دون ذبح السكاكين والفؤوس. تقول إن الله يعاقبهم! من شاهد الله يعاقب شريراً في إحدى الساحات العامة؟ كيف أبعد الصور البشعة عن خيالي؟ لماذا ينفصل رأس ابنتي الصبية عن جسدها ويتمرغ شعرها بالدم والتراب كلما سهوت عن نفسي؟ ماذا أفعل لإبعادهم عن هذا المصير؟ قالت إنك لا تنقذنا بأفكارك الجديدة بل تعرضنا للخطر! لا تفهم حجم الدمار الذي ألمّ بي! هل من واجبها أن تفهم؟ أيجوز إقحام مشكلتي على إيمانها المرتبط بالتقاليد والعادات؟ ماذا عن الأولاد حين يكبرون؟ هل أقول لهم الحقيقة أم أخفيها عنهم؟ المشكلة أنني لا أعرف الحقيقة الأخرى، الحقيقة الكبرى! هل يمكن التوصل إليها أم سأبقى معلّقاً في الفراغ؟ كم هو مخيف، الفراغ! إنه مثل الموت. وأنا ممدد، وجهي إلى الرمال، على شاطئ تونس، تساءلت إن كانت الديدان تعيش داخل الرمال كما في التراب! حياة والدي انتهت إلى كومة صغيرة من العظام، هذا ما ستنتهي إليه حياتي! كومة من عظام منخورة! عنق نورا الذي تستثيره القُبل، فخذيها الجميلين اللذين تلتهب بينهما الشهوة لن يبقى منها غير العظام! أبنائي الأحباء هم أيضاً! ألهذا نولد ونكبر ونحلم؟"

وز، وز، وز..!

"وإذا كان الله قد سترَ على النبي محمد وأصحابه الذين دخلوا غار ثور بشبكة عنكبوت مهلهلة، فكم من الخرافات تطلب الدين ليستقر في وجدان الناس؟"

وز، وز، وز، وز، وز، وز...!

 

 

 

 

 

 

8

 

تحت ضوء خافت، جلس بضعة أشخاص أمام مائدة مستطيلة تظهر رؤوسهم بهيئة أشباح. فوق المائدة جثمان يغطيه قماش أبيض رقيق، يلوح من خلفه أن الجسد يحتفظ بملابسه كاملة، بما فيها حذائيه.

لم يمض وقت طويل حتى دخل من باب وراء المائدة رجل مهيب، وقف أمام الجثمان فاشتعلت القاعة بالأنوار، أنوار كبيرة وصغيرة، على الجدران، والسقف، وعلى الأرض وضعت على حوافي القاعة. لم تعد من زاوية لم يبسط عليها النور سطوعه، وشعت وجوه الرجال والنساء فظهر جيفري من بينهم. كان الثاني من اليمين يحيط به ثمانية، وبقية الكراسي ظلت فارغة تكاد تتلاشى من قوة النور المسلط عليها.

لم ينبس الرجل المهيب حتى استتب النور في القاعة، حينها قال:

"ديفيد باركر رحل اليوم، فوافقت أرملته أن ندفنه بطريقتنا. لقد جلبته هنا لنتكلم بشأنه، ولكي يخيم الظلام قليلاً على الشوارع، لأن الناس لا يرغبون في تغيير طريقتهم، سواء فيما يتعلق بوداع الجثث، أو أماكن دفنها."

كان جيفري يجلس بين شباب وشابات تقريباً من عمره، وبدت الجثة مع انتشار النور أصغر حجماً، وبانت بعض ملامح صاحبها من خلف القماش الأبيض الذي وضعت فيه. إنه في حوالي الخمسين، والقاعة التي تعود لكنيسة وجمعية (صداقة الدين) تخصص مرة في الشهر لجماعة (الفناء السعيد) ليجتمعوا فيها ويبشروا بديانتهم، فيشعلوا فيها أنوارهم، في الليل أو في النهار، ويناقشوا قضاياهم، ثم يحملون مصابيحم ويرحلون بهدوء.

إنها النعمة الإلهية كيفما نظر إليها.

واصل الرجل كلامه: "لقد أنهى حياته، بسيئاتها وحسناتها، ومنذ اليوم يبدأ جثمانه بالتلاشي. التلاشي الكلي، ولن يبقى منه شئ يذكر. قبل خمسة آلاف سنة، أو عشرة، مات الكثيرون، فهل نعرف عنهم شيئاً؟ لقد انمحوا من الكون والذاكرة، الكون الذي يسعى نحو فنائه، والذاكرة التي لا تعمر طويلاً. وبعد خمسة آلاف سنة لن يذكرنا أحد، ولا يبقى منا شئ يذكر، فما نحن إلا وقود ضئيل في طاحونة الزمن الهائل، الذي يسحق في طريقه الأرض والنجوم والكواكب والمجرات ليفنيها، حينها يسود الظلام ليبدأ الخلق دورة جديدة، صناعة من نوع آخر تعم الفضاء، أو يصمت، فيكون ظلام، ويكون صمت، يغرقان في الأبدية.

"من نحن؟ من نكون لنجعل الخالق على هيئتنا؟ وعلى صورتنا الغبية؟ خمسة تعاليم أرضية ويكون وراءها خالق ونار وجنة! ولكل شعب صغير خالق ولغة وأساس لديانة!

"ديفيد باركر مات اليوم، توقفت فيه ماكنة الحياة اللعينة فمات معها الوعي، كما يحدث لملايين الطيور والأبقار والقرود والتماسيح والحشرات والفيروسات وينتهي وعيها، فهل يتعين أن نذرف الدموع على فنائها؟

"لعل الإنسان يتميز بالإدراك، غير أن المكنة واحدة. قلب وأعضاء هشة لم يُحسن صنعها لدى البشر وجميع المخلوقات الأخرى. تنبض لفترة ثم تتوقف، فترحل بالتتابع، وينمحي ذكرها. ملايين السنين على هذا المنوال. في غضون ذلك جاءت الديانات كل يفسر على هواه، ولم يتوقف الموت، لم يكف أحد عن الرحيل. الإنسان مثل الطيور، مثل الخراف والأفاعي، مثل أصغر مخلوق يزحف في الطين، الكل يولد ويموت ويفنى، وكل مليون أو مليونين سنة يضعف جنس من المخلوقات ويقل عدده ثم ينقرض.

"آلاف الحشرات انقرضت وظهر غيرها، آلاف الأسماك انقرضت، النمور والدببة والعضايا تنقرض تحت أنظارنا، والإنسان الذي تتكاثر عليه الأمراض سوف ينقرض بعد ألف أو ألفين سنة، وتبقى الأرض تدور بمن فيها ثم تنسحق بفعل نيزك يصدم بها، أو تسحبها الشمس إليها في عناق مريع.

"الإنسان مخلوق سيئ الحظ، جاء مع مجموعة كبيرة من الحيوانات والحشرات وتفرع عنها وكوّن له وعياً مميزاً، ولو عاشت الدلافين أو السحالي بقدر عمر الإنسان لتطور وعيها وتفوقت على ذكائه. إلا أنه وسط هذا المحيط الغريب، والممل، سيبقى ينتظر مصيراً عابثاً.

"ماذا نفعل؟ كيف نتصرف حيال ذلك؟

"لن نستطيع شيئاً. لن نقدر على شيء.

"لقد جرب البشر في مسيرة الحماقة والجنون هذه كل شيء، لم يبق أمر لم يلجئوا إليه، قسوة ووحشية وحروب وديانات تقاتل باسم السلام، ثم حروب ووحشية وأيدلوجيات وأفكار تذبح بعض ليستتب العدل ويقوم السلام، لكنها تذهب وتتغير ويجيء بعدها من يشعل الحروب من أجل السلام والعدالة.

" البشر لن يتخلصوا من الوحشية لأنها في جيناتهم، في دمهم. التغلب على الآخر جزء من طبيعتهم. ضع اثنان في قفص وسيظهر أحدهم رغبة في السيطرة على الثاني.

"لن نستطيع تغيير التركيبة الدموية للإنسان وبقية الأجناس! ما دام هناك دم يجري لن يمكننا إيقاف هذا التطاحن. علينا أن نقضي الحياة بهدوء، ونذهب مع من ذهبوا، لكن بدون دم على أيادينا. بلا غشّ، ونتجنب الفساد، ويكفي أن نعرف الفناء الذي ينتظرنا، ونسعد به، لأنه يريحنا من الصراع الذي تفرضه الحياة علينا في كل خطوة. إننا نصارع لكي نعيش، ونصارع لكي لا نموت، ولكننا نموت، ونتلاشى، فما جدوى أن نتطاحن فيما بيننا؟

"السيد ديفيد باركر مات هذا الصباح، وماتت الحياة فيه، ولن تعيدها أية قوة في العالم. فانظروا إليه، إنه جثة وديعة، ليس بمقدوره هشّ ذبابة صغيرة من فوق أنفه، إنه مستسلم تماما وقد هدأت ذراعه ورأسه وساقاه اللتين كان يرفس بهما.

"قالت زوجته: خذوه وادفنوه كما تشاؤون، فقط أبعدوه عني. كانت تخشى أن يعود إلى الحياة فيركلها بقدمه! كانت تخاف أن يبقى لسانه حيّاً فيكيل لها الشتائم!

"انظروا إليه، كل شيء ساكن فيه. لا حول ولا قوة له. لقد رحل عنا بسيئاته الكثيرة قبل أن ينضم الى مجموعتنا، وبحسناته القليلة بعد أن التحق بها، الآن ماتت معه سيئاته وحسناته.

"ماذا نفعل حتى يكف شبح السيد باركر عن مطاردة زوجته؟

"هل ندفنه في مدينة بعيدة! لا فائدة من هذا لأن الأشباح تعبر المسافات!

"هل نحرقه ونسلم لها رماده في جرة! ولكن الأشباح تنبعث من الرماد.

"إذن لا جدوى من أي إجراء بحق جثة السيد باركر لكي تتوقف عن مطارة زوجته المسكينة سوى أن تموت هي الأخرى، بعد شهر أو بعد خمس سنوات، حينها يتوقف هذا الوهم!

"هكذا هي الحياة، حياتنا كلنا، هي وهمٌ، وزمن يضع حداٌ لهذا الوهم!

"السيد باركر قضى نحبه اليوم، فانتهى بذلك هذا الوجود العابر، الذي يستغرق أقل من لحظة، لحظة واحدة، منذ أن يفتح عينيه إلى أن يغمضهما، وهو لا يختلف عن أي وجودٍ آخر. هل اختلف وجود السيد باركر عن وجود غيره؟ كلا، الموجودات كلها تمرّ بنفس الحالة، صراع من أجل البقاء، طموح، عمل، حلم، عثرات، أخطاء، جميعها ممزوج بالرغبة والألم، حتى اللحظة التي يموت فيها، فيرتاح، وتنتهي هذه اللعنة المفروضة علينا.

"الآن لنتخلص من هذه القمامة التي خلفها السيد باركر ولم يعد يرتبط بها، وسنكون نحن الشهود الذي يُشهد على فنائنا حتى آخر السلالة!"

نهض الجميع من أماكنهم. كوَم قسم منهم الجثمان في كيس من البلاستك الأسود السميك، المخرٌم في الوسط، وأحكموا ربطه من الأعلى، في نفس الوقت تولى الباقون إطفاء الأنوار وجمع المصابيح في صندوق مخصص لهذا الغرض، ثم حملوا الاثنين، الكيس والصندوق، وخرجوا بصمت.

عند باب (كنيسة وجمعية أصدقاء الدين) تنتظر سيارتان، توزع عليها الجميع بعد أن رموا الجثة في الصندوق الخلفي مع المصابيح، وانطلقت الأولى باتجاه الشاطئ، بينما سارت الثانية إلى قلب المدينة.

كانت مجموعة "الفناء السعيد" تعتقد أن الكون خلق بشكل عشوائي، وتعتبر الضوء رمزاً لها، لأن الضوء الذي صنعه توماس أديسون بشقاء وألم قد مات هو الأخر، بينما الشمس، الكتلة المشتعلة التي تبلغ حرارتها ألف وخمسمائة درجة، تدور حولها الأرض فتضئ في النهار وتعتم في الليل، وتغطيها الغيوم أغلب أيام السنة، ومصباح أديسون يتفوق على الشمس، الملتهبة، لأنه يبقى مشتعلاً بمخزون قليل من الوقود من دون أن يحرق أحد.

تهادت السيارة الأولى نحو دوار مركز المدينة ومنه اتجهت إلى اليسار بمحاذاة الشاطئ، حيث القليل من السياح يعودون إلى فنادقهم وقد خلخل توازنهم النعاس والسكر. بعد نصف ميل خلى الشارع من المارة، فزادت السيارة سرعتها قليلاً واندفعت وسط ليل يخلو من المصابيح. بين فترة أخرى تنكشف أمامها أضوية سيارة مسرعة، تقترب وتشعّ ثم تختفي.

عادت الأنوار حين مرٌوا بـ (سالتدين) فتذكر جيفري الشيخ، تذكر الخط الذي يرسم أرداف زوجته من خلف البنطلون، ثم تذكر مستر سميث، قال في دخيلته: "سوف أنال منه!"

بعد أن أنهت السيارة (سالتدين) عرجت على طريق ضيق، وعر، إلى اليمين، انحدر بها نحو الشاطئ في هبوط قوي، هناك وقف قارب صيد ينتظر وصولهم.

كان البحر هادئاً، والقارب يتأرجح قليلاً بفعل مويجات صغيرة تحركها دفعات من ريح خفيفة تعبث بتوازن الجانبين. صعد الجميع إلى القارب ووضعوا كيس السيد باركر في الوسط ثم انطلق الزورق بسرعة عشرين عقدة، مخلفاُ شقّاً من الزبد الفضي والفقاعات ترتفع خلف المحرك، ثم تتحول إلى أمواج تصطخب وتتسع عشرين متراً وتتلاشى مع اليمّ.

قال الكابتن للرجل المهيب الذي يقف إلى جانبه:

"قل لي عندما نبلغ المسافة المناسبة!"

 

وافق الرجل برأسه. أضاف الكابتن:

"اللعنة عليّ إن كنت أعلم بهذه الطريقة من الدفن ولم أوصي بها! لقد أمضيت خمسين سنةً في البحر ولم تخطر على بالي.

"من نحن غير أسماك برمائية يجب أن نعود للماء. خمسين سنةً في هذا القارب من الخشب الطافي على السطح.

"يمكنني أن أقول لك عمق المياه على مسافة ميل، وخمسة، وعشرة، وعشرين ميل حتى الجانب الفرنسي، وأعرف نوع الصخور في كل بقعة من البحر، وأين يكثر الكات فش، ومكامن البريل، والطرق التي تتبعها أسراب الماكريل، والطعم الذي يجذب إليه البلاك بريم مثل الأعمى!

"ركبت سفن الشحن، وعابرات المحيط، ومراكب صيد الكرامب في بحر الشمال، وأعرف أعماق الموانئ من دنفر حتى بورتسموث في الغرب، لكنني انتهيت على هذا المركب التافه الذي يدفعه موتور بقوة نصف حصان!

"لم أدخل مدرسة في حياتي، لكنني أعرف أن البشر الذين يفنون في الأرض تتحلل أجسادهم، يتحولون إلى ملايين الديدان واليرقات في أسبوع ثم ترحل عن عظامهم، أما في البحر فإن السمك يتغذى بها، ينهش آخر قطعة منها، ويترك العظام لتصبح مرجان أحمر وأزرق وأصفر يزين البيوت ويباع بثمن غال.

أعترف أنني كذبت على الجميع، وتحايلت على الآخرين، وتنصلت عن وعودي، وسرقت ما وقعت عليه يديّ، وخدعت أقربائي، ووشيت بأصدقائي، ولم يبق إثم على الأرض لم ارتكبه، مع ذلك لست نادماً على شيء، ولا أجد تربة تستحق قبري!

"لقد بقيت في الماء حتى خرجت زعانفي، وبين أصابع قدمي نمى غشاء يساعدني على العوم، وأقسم أنني لم أنزل اليابسة إلا لشراء طُعم أصيد به وأتغذى منه. ما أنا في النهاية سوى صيد بحري، ارمِ صنارة في طريقي وسأعلق بها.

عندما أموت ادفنوني بطريقتكم، منذ الآن اعتبروني عضواً في جماعتكم، من الماء وإلى الماء ترجعون، سوف أخدمكم كثيراً، أطيع أوامركم، أمتثل لما تطلبون، ولا أملك غير هذا القارب أضعه تحت تصرفكم.

"اسمي جيرميا، ما هو اسم ميتكم...؟

 

 

 

 

 

 

 

9

 

عندما انتهت من زينة الوجه، تناولت قبعة خوص عريضة وضعتها على رأسها، وتراجعت قليلاً لتناشد المرآة رأيها في الهيئة التي ستخرج بها.

كانت ترتدي جرسيه يضيق في الأعلى فتبرز فتنة الصدر، ثم يشدّ بقوة على الخصر ليُظهر تفاصيل البطن الدقيقة، وتلوح طرّة الصرّة خفيفة من وراء قماش الموسلين. ثم استدارت قي لفتة جانبية لتراقب انسداله الجميل على الخلفية البارزة، المشدودة باناقة، ومسدّت بيدها على الشقّ أعلى الردفين فارتاحت أنه يرسم ملامحها الخفيفة، حينها قالت لنفسها: لو أن بوحميد قابلها في الطريق لما عرفها!

نادت وهي تنزل السلم:

-       هل أنتم جاهزون يا أولاد؟

صاحت البنت من غرفتها:

-       نعم ماما!

وقال الابن كمن يخاطب نفسه:

-       نعم!

-       إذن قولوا (باي) لوالدكم وتعالوا نخرج.

قالت البنت التي ظهرت عند الباب:

-       بابا نائم على الكرسي... أو هكذا يبدو عليه.

-       إذن تعالوا لنذهب.

خرجت وأطبقت الباب بعد أن أصبح الجميع في الخارج، ثم سارت في الشارع باتجاه موقف الباص كأنها الملكة زنوبيا.

اقتربت الصبية منها وقالت:

-       متى اشتريت هذه القبعة؟

-       هل تبدو جميلة على رأسي؟

قالت الصبية وهي تبتسم لامها:

-       نعم!

-       اشتريتها قبل أسبوع من السوق. هل أشتري لك واحدة منها؟

عادت الصبية تبتسم وردّت بحياء: "لا!.."

إنها زنوبيا، برفقة ابنتها وابنها. تساءلت في سرها إن كانت زونوبيا تضع قبعة عريضة على رأسها، وترتدي جرسيه يبرز كل انحناءات جسدها!

قرقع حذائها العالي على إسفلت الشارع الفارغ، وأحست أنها حرّة، بجسدها وروحها. إن زوجها يغفو على الكتب التي جلبها من المنطقة، وكانت أخبرته أنهم سيذهبون إلى المدينة بالباص، فلن يقلق عندما يصحو. لم يعد يهمها إن كانوا سيبقون هنا أو يرحلون، إنها منطلقة بالريح الخفيفة التي تحرك أوراق الدالية وسيقان الروزماري والورد المنتشرة في حدائق البيوت على جانبي الطريق.

عند موقف الباص وقفوا ينتظرون. إنها المرّة الأولى تنزل فيها إلى المدينة بالباص. لا توجد مخاطرة أن يضيعوا الطريق، ففي (سالتدين) يوجد باص واحد يستخدمه السكان، يبدأ قبل بيتهم بموقفين، ثم يتجه إلى المدية مباشرة، ويعود بهم بنفس الطريق. لاحظت البنت تختلس إليها النظر كما لو أنها معجبة بزينتها، أو معترضة عليها.

تساءلت في سرها: "هل تزينت أكثر من اللازم؟"

رأوا الباص مقبل من الالتفاته أخر الشارع، كان يتهادى في سيره في الطريق الضيق، فتهيأوا للصعود.

قالت: "نحن الثلاثة نريد الوصول إلى المدينة، كم يترتب علينا من فضلك؟"

قطع السائق ثلاثة تذاكر وهو يقول: باوندين ونصف!"

اختارت مقعداً وسط الباص، أمامها جلست البنت وأخوها في مقعد. عندما استقروا تحرك الباص كأنه ينتظر أوامرهم.

كان فارغاً، يسير ببطْ، لأن البيت الذي استأجروه يقع في أطراف (سالتدين) همست لنفسها: "أين تراه يعيش الآن الحافي؟ لقد جلسنا وبكينا كثيراً حين أخبروني بالزواج، بكينا حتى لم تبق في عيوننا دموع. قررنا أن نهرب. قال أن ابن عمه يعيش في أوربا، لا أتذكر أين. قررنا أن نهرب إليها. قال سأقتل من يتزوجك. وبكينا"

وقف الباص في الموقف التالي، صعدت امرأة عجوز وجلست في أول المقاعد. كان الصبيان يلعبان في مقعدهما، وتحرك الباص من جديد.

"بكينا، ولم نعرف ماذا نفعل، حتى أنني قلت سأقتل زوجي في ليلة العرس. لو كنت أعرف اسم المدينة لكتبت له الآن، لن يعرفني لو قابلني في الطريق، أقول له تعال، مالك، هل نسيتني، سيندهش أول الأمر، أصبحت سمينة الآن، لا، ليس كثيراً، سأقول للأولاد هذا جارنا. هل تراه تزوج الآن؟ تزوج أوربية عيونها زرق! سيأتي بها معه، الأوربيات لا يمانعن، لو تزوجنا لأخلصت له كل العمر"

اهتزّ الباص وهدر وهو يتوقف، صعد مجموعة من الأولاد ودفعوا بضجة، ثم تراكضوا على المقاعد الخلفية وهم يتنافسون على المقاعد. صعد خلفهم رجل بدين أقسم أنه سيتركهم في مركز المدينة إذا واصلوا العراك، جلس قريباً منهم وصعد الباص الطريق العام فأسرع في السير.

"قالت عمتي الزواج قسمه يا ابنتي، حتى بالنسبة للمتعلمات"

كان الصبيان يتابعان حديثهما الهادئ، عندما التفت الصبي ليسأل:

- ماما، هل نذهب إلى السينما؟

- "السينما؟ نعم، سوف أضعكما في السينما.

تذكرت أيام السينما: "ما أحلاها أيام السينما! نخرج من الدرس ونذهب إلى السينما، عندما يضع بوحميد يده على فخذي يتخدر كل جسمي وتصعد النشوة إلى رأسي. يا لها من أيام جميلة! يد إبراهيم ليس لها نفس المفعول والأثر العذب. ربما لأننا نذهب مباشرة إلى ذاك الشيء! لماذا يخطر (الحافي) كثيراً على بالي اليوم؟ لعله تزوج واحدة شقراء!"

حين أشرف الباص على بناية (المتحف المائي)، وكانت تنتظرها من بعيد، قالت للبنت وأخيها عليهم أن يتهيئوا للنزول.

عبروا ساحة الميدان في الوسط واتجهوا إلى شارع كنكزرود، ومنه عرجوا على اليمين إلى بناية (ثيستلز.بي) Thistle.B حيت تقوم مجموعة من الدكاكين الكبيرة بينها سينما الأوديون.

سألت أي الأفلام مخصصة للأولاد، ثم اشترت ثلاثة تذاكر.

-       ماذا تأخذان للداخل؟" سألت.

-       البوب كورن" أجابت الصبية.

-       والكولا... أضاف الصبي.

دخلوا ثلاثتهم إلى الصالة رقم 3 وأوصتهما أن لا يخرجا قبل الرابعة، قالت: "سأنتظركما عند الباب" وحين تأكدت من جلوسهما تسللت خارجة يغلبها شعور أنها تحررت من تبعية العائلة.

كان الطقس جميلاً هذا النهار، والشمس تكشف الساحل المزروع بالأجساد العارية، المنطرحة على الرمل والحصى، والأطفال وحدهم يلعبون في المياه الساكنة، وفي مقهى يرمي موائده ومقاعده على الممرّ الأسمنتي، شبه المكتظ بالسياح المنهمكون على صحون السمك والبطاطا المقلية، جلست على المائدة الوحيدة التي تخلو من الزبائن. وضعت ساقاً على الأخرى فظهر سحر جمالها الأسمر، وبالتدريج ارتفعت الوجوه عن الصحون، وهي تمضغ هبرات السمك المعجونة بالبطاطا، لتختلس، المرّة بعد الأخرى، النظر إليها.

"شاي من فضلك!" قالت للنادل الشاب، وانتظرت.

كان النسيم خفيفاً يسمح بالاحتفاظ بالقبعة، والشمس تضرب الجزء المكشوف من الجسد دون أن تؤذي، وراح العابرون على الممر الأسمنتي يتلكأون ليخطفوا نظرة سريعة من جانب فخذها الممتلئ، بعضهم كان يطلق تعليقات الاستحسان، وهي تبتسم من دون أن تخصّ أحد، وتشعر بالسعادة لهذا الإعجاب، الصامت أو المثرثر، وبدت الأجساد العارية على الشاطئ لا تثير أحد، ولا تستوقف النظر، لأنها ضمن أفخاذ وسيقان كثيرة لا تستطيع العين التركيز عليها، بينما القسم الصغير المكشوف لفخذ هذه المرأة يخفي في الجزء المغطى منه كنزاً من العري المثير، الموحي بشتى الصور الجنسية التي يشتهيها الرجل.

جاء النادل بالشاي، فشكرته ومنحته الثمن، ثم أخرجت من حقيبة يدها عرق نعناع جلبته من البيت وضعته في الكوب وصبت عليه الشاي، فاستنشقت النفحة العطرة تتصاعد مع البخار، وهي تتابع بطرف عينيها مظاهر الإعجاب العابرة والجالسة.

- هل يمكنني مشاركتك الطاولة؟ وقف شاب يسأل بجرأة.

- نعم! ردّت باسمة، وكانت رأته يمرّ ثم يتوقف على بعد خطوات ليعود إليها.

- اسمي باتريك، هل تؤمنين بالحب من النظرة الأولى؟ أقسم أن هذا ما حدث معي.

قالت:

- أنت لا تضيع وقتك!

- بصراحة ضيعنا الكثير من الوقت. ما اسمك؟

قالت:

- وردة.

- اسم جميل، رغم أنني لا أعرف معناه.

قالت:

- وردة تعني روز.

- آه، كدت أخمن! أنت تتحدثين الإنكليزية بوضوح كامل. هل أنت من أمريكا اللاتينية؟

قالت، وما زالت تبتسم:

- من البرازيل.

- قلت أن هذا الجمال لا يوجد إلا في بلد الكاريوكا!

سألت:

- ألا تطلب شيئاً لكي يهدأ لهاثك؟

- كابوتشينو ثم راحت عيناه تفتش عن النادل. لكنه سأل: "هل من الضروري الكابوتشينو؟"

أجابت:

- في كل الحالات أنت من سيدفع!

- ما رأيك أن نخرج من هذه الضجة؟

سألت:

- أين مثلاً؟

- لا عليك! أنهي مشروبك أولاً!

كان باتريك يرتدي بنطلوناً أسفل الركبة (برمودا) وقميص صيفي ضيق يبرز صدره العريض، بشعر أشقر حنطي، ملامحه حلوة التفاصيل، عيناه زرقاوان، وهو مفتون بنفسه لا يكاد يستقر في مكان.

صعدا السلالم إلى شارع كنكزرود، هناك بدت أقصر منه والفرق في ثيابهما يجذب الانتباه. إنه شاب جاء يصطاف على البحر، وهي بالقبعة العريضة والجرسيه في طريقها إلى حفلة، لذلك عندما أراد أن يأخذها من مرفقها امتنعت بأدب، وقالت إشارتها التي بثت في نفسه الاطمئنان:

- لا، ليس هنا!

"لا، ليس هنا!" ذكرتها بلحظة أخرى، مع السيد الأنيق، الذي تعرفت عليه في بلدها، أسمر، سمار صاف، وقد مدّ يده إليها في الشارع، قالت لا، ليس هنا!

سارا في طرق ضيقه لا يطرقها السياح، أعلنت أنها لا تريد التأخر كثيراً، فأجابها أنهما على وشك الوصول، وعرفت أيضا أنه سيعود إلى لندن هذا المساء، فارتاحت لهذا الأمر في سرها، وحين وقفا أمام فندق متوسط بلافتة صغيرة كان كل منهما مثار تجاه الآخر.

كانت المرّة الأولى التي تستسلم فيها إلى رجل إنكليزي، وتحركت فيها الرغبة تجاه ذراعيه العاريتين، بيضاء يشوبهما احمرار خفيف. فكرت في غلفته، هل تغطي الغلفة القضيب عندما ينتصب؟ في هذه الحالة ستمثل إعاقة، كيف يتخطاها؟ شعرت بخدر خفيف بين فخذيها، ثم كيانها كله حين أخذها بين ذراعيه وقبّلها من فمها قبّلة مشوشة وهو ينضو الفستان عنها.

كانت تشعر أنها حرّة في غرفة الفندق الصغيرة، وبإمكانها أن تخلع ملابسها الداخلية من دون حياء يذكر، التصق بها، وقد تحرّر من ملابسه الضيقة، في قبلة طويلة أحست خلالها بجسده الحار وقضيبه على حافة عانتها دون أن يتاح لها مشاهدة غلفته، ثم مدّ يده إلى فرجها يداعب بأصابعه المدخل الندي ففارقت قليلاً بين فخذيها ليتمكن منها، وراحت يده الأخرى تعصر على ردفها المكور وتصعد إلى قفاها الصلب، وحين انطرحا على الفراش داعب نهديها وقبلهما بأطراف شفتيه فاستغلت الفرصة لتمدّ يدها إلى أعضاءه وتضغط عليهما وشعرت، في غمرة الإثارة، بحجمهما الكبير، ثم تلمست قضيبه فوجدت أن الغلفة قد انكمشت إلى الأعلى وأصبح طليقاً وجاهزاً للولوج، فأدنته من فرجها الملتهب ووضعته على الفتحة التي اتسعت وأفرزت بللاً كثيفا وأحست به ينزلق داخلها فيتضرج وجهها من اللذة العارمة، وأغمضت عينيها وهي تردد: "آه..." سَكرى بقوة اندفاعته.

قال إنها لن تضيّع الطريق إذا سارت في خط مستقيم حتى دائرة البريد، ومنها تنتهي إلى اليسار بشارع كينكزرود. خرجت من الفندق وراحت تسير في الاتجاه الذي وصفه لها، خفيفة، مرتاحة للطريقة التي تمت بها الأمور، ما زالت تشعر الإلتذاذ الذي حصلت عليه يتردد صداه في جسدها. أدركت أن الإنكليزي لا يختلف في هذا الأمر عن زوجها، وأن قضيب الرجل إذا غاص في الداخل لا يختلف في حجمه كثيراً باستثناء شهقة الولوج الأولى حيث تحسّ بكبر رأسه، وأن الإنكليزي لا يقل في حرارته وشوقه وإقباله على الجنس من الرجل الشرقي، وأن الغلفة تصعد إلى الأعلى ولا يبقى لها من أثر، وأن قبلته كانت حارة مع نفحة قليلة من شخبة حليب لأنهم يشربون الحليب إلى فترة متأخرة من العمر!

حين بلغت دائرة البريد أدركت أنها تعرف بقية الطريق، فشعرت بالارتياح يضاف إلى المشاعر الأخرى فيهدهد جسدها. وقدرت الوقت الازم لوصول السينما بخمسة عشر دقيقة، أي أنها تصل الأولاد قبل الموعد. تمهلت في مشيتها وأصداء الإنكليزي والفندق واللقاء السريع على الشاطئ تتردد بعذوبة في نفسها.

عادت بالتفكير إلى زوجها، فتعمقت الرغبة للانتقام منه، لقد أهملها ثلاثة أسابيع لمحاسبة الأنبياء على أخطائهم، وتمتمت: "أستغفر الله العظيم. كيف نحاسب النبي نتيجة ما يراه هفوة في حياته؟ وإذا كان الله قد أمر العنكبوت بإقامة شبكته على مدخل غار (ثور) ليوهم الكفار بعدم وجود الرسول في الداخل، هل يصح التشكيك في قدرة الله على ذلك؟" واستغفرت الله مرّة أخرى، لأن التشكيك في تلك القدرة تحوّل المسلم إلى كافر، وقد جرته هذه الفكرة إلى أفكار أخرى، ولو أنه لم يخبرها بها، إلا أنها جميعاً تؤدي به إلى الكفر!

قررت أن تتبرأ منه بصمت وحذر، وحين تعود إلى أهلها تخبرهم عن التغيّر الذي طرأ على حياته، ويشكل بالتالي خطراً على حياتها وحياة أولادها. ولعل إشارته إلى أن البشر صنعوا الله ستودي بالجميع إلى الهلاك، ولن تسمح بذلك، فليكن هلاكه هو إن أصرّ على رأيه.

أحسّت خيط دافئ ينز من ملابسها الداخلية ويتوقف أعلى فخذها، فعضت على شفتها السفلى وهي تبتسم بحياء، قالت لنفسها: "إنه الإنكليزي!" وشعرت خيالها يمتلأ بشقرته، وبنعومته الصلبة تملأ راحة يدها الصغيرة. غمرتها رعدة خاطفة امتدت إلى أنحاء جسدها، بعدها همست لنفسها: " الحمد لله أنه سيذهب إلى لندن ولن تراه مرّة أخرى".

تباطأت في مشيتها ووقفت أمام فاترينة تعرض فساتين أنيقة، اختارت ثلاثة ألوان قريبة من ذوقها وراحت تفاضل فيما بينها، الأخضر الزيتوني، الأحمر الغامق، والبيج. ترددت بين الأخضر والبيج، ثم رست على البيج لأنه يناسب بشرتها السمراء، لكنها كشرت في داخلها ضد زوجها، ورفضت الطلب منه شراء الفستان حتى لا يفسر طلبها بالرغبة في إنهاء الخصومة. قررت الإصرار على موقفها والتزام الصمت حيال الأفكار الجديدة التي غرق فيها. نعتته بالكافر للمرة الثانية، وقررت التصرف معه بناء على ذلك، وسارت في شارع الأمير ألبرت وهي تنظر في ساعتها، ولفت انتباهها عنوان "جمعية أصدقاء الدين" على مدخل الكنيسة، فتساءلت كيف يقبل الدين الصداقات وليس الأشياع الملتزمون؟ هل يجوز أن يكون المسلمون أصدقاء الجامع وليسوا أبناءه الذين يؤدون الصلاة في أوقات محددة؟

خرجت بنتيجة أن المسيحيين سيأتون للإسلام بالملايين لو عرفوا "ديننا" وسمعوا قصص الرسول والصحابة، وقالت هم ليس لديهم صيام "مثلنا" وتذكرت أيام الصيام، قالت لنفسها: "ما أجمل أيام رمضان، البقلاوة والحلويات والأكلات اللذيذة والآذان يغرد عند الفجر حتى يأكل الناس آخر وجبة "وكنا نركض على البيوت نجمع منها الحسنات ونغني والفرح يأخذ بألبابنا، وكل جوقة لها أغنياتها، ثم نجمع المحصول ونشتري به الملبس ونكاد نطير من الفرح. وتقول عمتي: لقد كبرت يا نورا وفي مثل سنك تبدأ الفتيات بالصوم والصلاة ليرضى الله عنك وعن أبويك وتضمنين مكاناً في الجنة، وقد صمت في اليوم التالي ونهضت معهم في الإفطار وأكلت الحلويات وشربت كميات كبيرة من الماء، وحين نادى الطبال امسك يا صائم توقفت وغرقت في النوم، لكنني لم أستطع المقاومة في اليوم الثاني، دسست ثلاث فطائر مع الكتب ورحت آكلها في طريقي إلى المدرسة، وقلت للطالبات إنني صائمة"

 

 

 

 

 

 

 

10

 

لا يوجد أي احتمال من بين الاحتمالات الثلاثة تؤكد أن سميث هذا هو بغيته! فماذا يفعل؟

جلس جيفري أمام طاولة المطبخ العريضة، الممسوحة للتو، يعيد قراءة أوراق وهمية، يقلّبها، ويعيد ترتيبها، ليستخلص منها نتائج تقوده إلى هدفه هذا اليوم.

- لو كان صادقاً، لما تأخر كل هذا الوقت!

قالت السيدة إسبن، ترمي على الطاولة صحن السبت المعتاد، البيض المقلي وشريحتي خبز محمرة.

- كل القطط تتشابه في الظلام. أضافت، وهي تضيف كوب القهوة بالحليب أمام جيفري وعات إلى وقفتها أمام الطباخ.

ظل جيفري شارداً وراء أفكاره، يده تعجن الخبز بالبيض ثم تدفعه إلى فمه بهدوء، بينما تقف الوالدة، يدها على الطباخ والأخرى تدفنها في خاصرتها، تنتظر تعليقاً من ابنها الساهم.

-       كأنك تقع على أذن طرشة! قالت.

-       آه، لعله لم يجد أحد منهم لدى القصاب! ردّ وهو ينهض من استغراقه.

-       ماذا يجد لدى القصاب؟ سألت تنظر إليه بدهشة.

-       القطط! ردّ عليها ببلاهة وبدون اكتراث.

-       وهل كنت أتحدث عن القطط يا فرحة أمّك؟

-       عمّن إذن تتحدثين؟ سأل وهو يبتسم وقد عاد ينتبه إلى والدته.

-       إذن طرشه! ردّدت وهزّت رأسها بيأس. كنت أقول إنه خرج منذ الصباح ليجلب الأرنب المسلوخ من القصاب.

-       آه، الأرنب المسلوخ! كيف إذن فكرتُ بالقطط! قال.

-       لأنني أتكلم لوحدي! هل تريد المزيد من الخبز؟ سألت بنبرة حانقة.

-       لا شكراً. القليل من القهوة من فضلك.

صبت له القهوة وأضافت إليها الحليب، وعادت إلى مكانها قرب الطباخ. دائماً تقف بمريلتها النظيفة كمن يتهيأ لإعداد وليمة تطعم عشرين شخصاً، تتذمر ولا تجد صدى لتذمرها.

قال جيفري، تجاوباً مع تذمرها:

-       تعرفين الوالد، يتسكع في كل السوق ثم يعود للقصاب.

-       وأنا أتقلى هنا أمام الطباخ، اللورد بوب إبسن يقوم بجولته على الرعية، هلو جون! كيف الحال مارك، ودكان أشلي وحده يجلب منها يوم السبت، وعندما يصل إليه تكون الأرانب قد بيعت لمن يأتي مبكراً!

وما دامت الوالده ذكرت، اعتباطاً، وهي تسخر من عادات زوجها، اسم جون، فإن جون هيكلي، وهو ينقل الطرود إلى سيارة البريد قال لجيفري أمس، إذا أراد معرفة عنوان سميث فعليه بكتاب من هو Who is who هناك سيجد كل طير اسمه سميث وعنوان ورقم تلفونه. وبالفعل قصد المكتبة، ولم يجد في الكتاب غير مائة وعشرين سميث فقط، فدهش، فغر فاه وتساءل أين ذهب الستمائة ألف سميث المسجلين في دوائر الدولة؟ وهل كان المائة وعشرين سميث في الكتاب يمثلون العوائل العريقة والأصلية لحاملي اللقب، بينما أكثر من نصف مليون يعدون من المزيفين ومنتحلو ألقاب وهمية؟ وبعد البحث وجد في كل برايتون عائلة واحدة تحمل اسم جي. سميث، فهل يكون هذا جوليان، أم جون، أم جوناثان، أم اسم أخر؟ وكيف يسأل، هل يمكن لرأس العائلة أن يتورط في عملية احتيال صغيرة كهذه؟

- "الحصان البري لن يأخذك إلى أي مكان!" قالت الأمّ، تحدث نفسها وترمي زبدة كلامها على أسماع ابنها. "ما دمت اعتمد عليه، فيجب قبول أين يأخذني بطراده. الساعة الآن تجاوزت العاشرة، وإذا تأخر أكثر عليّ أعداد شيء آخر للغداء، مرقة بالبصل والماء، يثرد فيها ويأكل حتى يخرج الثريد من أنفه. سوف يأتي لي بحكاية جديدة، كل يوم حكاية، يروح يحكيها على من في السوق وينسى القصاب، ولن أكون مسؤولة إذا عاد ويداه في جيوبه. أمس كانت القصة عن ظهور السيدة العجوز وأقوالها التي روعت القاضي والجمهور وجرمت المدعو ديفيز، وقبل ذلك عن صانع الأقفال الذي وجد دكانه منهوباً، حكايات لا أول لها ولا آخر، وأنا أتقلى أمام الطباخ".

نهض جيفري من الطاولة ووضع كوب القهوه الفارغ على المغسلة. قال:

- ماما! شكراً!

- هل تحضر للغداء اليوم؟ سألت.

- ماذا، مرقة بصل؟ أجاب ضاحكاً.

- وحق مرقد العذراء، إذا عاد بدون أرنب اليوم أحوّل يومه إلى جحيم. قالت متوعده.

- هوني عليك، سيأتي بما وعد به. مع السلامة.

قرر جيفري في النهاية الذهاب إلى بيت جي. سميث، ليعرف الحقيقة، وإذا كان ربّ البيت، أو من يسأله من الخدم، لجوجاً فأراد معرفة سبب المجيء والسؤال، عليه أن ينبهه إلى وجود شخص ينتحل اسمه ويلعب مع شيخ جاء يبحث عن ابنه، وهذا بحد ذاته خطير وجدير بالاهتمام، ومعه الوثائق يعرضها، لأنه قد يلعب مع آخرين بمبالغ كبيرة.

وضع هذه الاحتمالات في ذهنه وتوجه إلى محطة الباصات العامة، يسأل عن الرقم المتجه على الشمال الغربي، سأل أيضاً عن الدار رقم (1) لمزرعة جي. سميث، قيل له تنزل قبل نهاية الخط بموقفين، تمشي خمس دقائق وتشاهد قدامك الرقم (1) الذي لا يوجد غيره.

نزل حيث وصف له، وسار خمسة عشر دقيقة في طريق لم تطرقه السيارات، ولا عربات الخيل منذ زمن، تتدلى فروع وأغصان الأشجار عليه حتى تكاد تلامس الأرض، في نهايته وقف أمام باب حديدي مزعزع تقشرت لوحة الرقم عليه وانمحى أثره. من خلف الباب ينتصب بناء شامخ في الوسط من الطراز الفكتوري، بشرفة فخمة للمدخل يحف بها عدد كبير من النوافذ وتتسع على الجانبين وترتفع ثلاثة طوابق عن الأرض.

وقف متهيباً، مترددا، مفكراً في إنهاء مهمته عند هذا الحدّ والعودة من حيث أتى. قال لنفسه: "حتى لو كان الاسم جوليان، فلا طائل من بحث التفاصيل الباقية التي جئت من أجلها!" وكانت عيناه تفتش عن أثر للجرس على جانبي الباب، ثم انتبه إلى أنه منزوع ويكفي دفعه قليلاً، إلا أن السكون الذي يخيم على المكان، وتناثر أوراق الأشجار على الأرض الفسيحة أكدت له أن سكانه قد رحلوا عنه، أو ذهبوا في إجازة طويلة، أو أي شيء آخر يجعل مهمته قد انتهت.

والخدم! لا بد من وجود خادم أو اثنين يرعيان القصر. عندئذ عاد الفضول يتحرك في داخله ويطرد الهواجس عن قلبه. السؤال لن يكون صعباً مع الخدم، قال في نفسه. سوف يلقي منهم الأجوبة المطلوبة.

شعر بقلبه يدق بسرعة، بينما يده تدفع الباب بحذر، وفكر في وجود جرس للإنذار، سيكون في الداخل، وهذا أفضل لأنه يبعد عنه تهمة التسلل. أعاد الباب إلى وضعه الأول، وسار نحو القصر يدوس على أوراق كثيفة للأشجار، إلى اليمين ظهرت بناية مفصولة، خمن أنها الإسطبل ودار الخدم، فتعززت لديه فكرة الخدم، لكنه قطع الفسحة الواسعة وتوجه إلى مدخل القصر. هناك فسحة كبيرة من الحشيش غير المجزوز في محيطه تجعل القصر أكثر فخامة. خلفه، ومن مسافات بعيدة، غابة من أشجار الشربين والقيقب والسنديان، بينما الشرفة تستند إلى ستة أعمدة، بمقرنصات قوطية. لكن حتى هذه اللحظة لا يبدو أثر لإنسان يعترض طريقه ويسأله ماذا يريد، وكلما اقترب من الباب ازداد غموض الحالة من حوله، واستهوته بالتالي المغامرة التي دخل فيها.

إنه هذا العراء المحيط به، لا يوجد خدم، ولا جرس إنذار، وهو في سبيله إلى القصر ليفك مغاليقه. لقد تبددت كل مخاوفه الأولى، وإذ أنهى الدرجات القليلة للعتبة، وقف أمام الباب العريض، المتين، وبحثت عيناه عن الزرّ الكهربائي، وقال قلبه اضغط، فضغط!

انتظر اللحظات المطلوبة فلم يأته ردّ، من الخادم، أو من سواه. ضغط مرة أخرى، فانتبه إلى أنه لم يسمع صوت جرس في الداخل، فعادت إليه مخاوفه، وتراجع إلى الوراء، وقف ينظر إلى هذا القصر الكبير وإلى نوافذه العديدة، ثم شاهد إعلان رسمي على جانب الباب يقول إن القصر وأثاثه وألف دونم من الأراضي تحت الرهن لا يجوز المساس بها. "هكذا إذن!" قال جيفري لنفسه، ثم استدار نحو غرف الإسطبل، ونزل متقدما منها، وهو يأمل أن يجد الخدم هناك.

كل الأبواب مغلقة، وكلها تتكون من مفصلين موصدين، أعلى وأسفل. وقف ينتظر، لكنه أدرك أنه يجب أن يقول شيئاً أو تراودهم الظنون. "هالو...!" صاح بأعلى صوته، ثم قال: "ألا يوجد أحد هنا!"

فجأة ردّ عليه كلب بنباح متواصل، شرس، كما لو أفلت فجأة من عقاله. تجمد في مكانه أمام الباب، وهمس لنفسه "يوجد أناس هنا!" بينما ظل النباح مستمراً. عرف من صوت الكلب أنه من نوع جواوا الصخاب، ومن خلف الباب صرخ بالكلب صوت مخنوق "اخرس أيها النفاية!" ثم فتح المفصل الأعلى من الباب مقدار شقّ وصاح الصوت، وهذه المرّة كان واضحاً: "لا تتحرك! قف مكانك وإلا أرديتك قتيلاً!"

لم يكن على جيفري، بعد هذا النباح والتهديد، أن يلزم مكانه، كان قد تسمر من المفاجأة فعلاً، ودهش لهذا الموقف الذي لم يعرف حتى اللحظة مصدره. وكان الجواوا يزداد صخباً وينبح بنفس واحد لا ينقطع، ثم ازداد الشق اتساعاً، فظهر رأس الكلب من النافذة تحمله يد رجل وفي اليد الثانية مسدس متوسط الحجم مصوب نحوه.

- قلت لك لا تتحرك! توجد أربع رصاصات جحيمية ستخترق رأسك! ماذا تريد؟ سأل الصوت ثم تقدمت رأس إلى الضوء، كانت لشاب صغير، وقفت بين الكلب واليد التي تحمل المسدس، وهو بين النوم واليقظة، كررت من بين النباح. من أنت؟

قال جيفري:

- اسمي جيفري إسبن، لا أضمر تجاهكم أي شر. هلا أسكت هذا الكلب لنتكلم بهدوء!س إلى الضوء وقفتأس إلى

 

- سوف يكمل دورته من النباح ثم يسكت. ماذا تريد؟

قال صاحب الصوت وقد بدت هيئته الأرستقراطية، والكرافته التي تتوج قميصه الوسخ، ولاح لجيفري أنه في الخامسة والعشرين أو حوالي هذا العمر، وكان يحمل الكلب الصغير بيد ويصوب المسدس بالأخرى.

-       جئت أسأل عن السيد جي. سميث. وكان النباح قد تقطع.

-       السيد جي. سمث صعد إلى السماء بحافلة، تحيط به جوقة من الملائكة. قال الشاب.

-       آسف لهذا. قال جيفري.

-       سوف نسجل أسفك في دفتر التشريفات. هل كان مدين لك؟

أثناء ذلك فتح المصراع الأسفل من الباب وتقدم الشاب من جيفري ويده تخفض المسدس.

نفى جيفري بهزة من رأسه، وقال: "لا.."

- إذن أول زائر لا يسأل عن ديون!

قال جيفري مفسراً:

-       في الواقع أنا ساعي بريد، جئت أستفسر إن كان اسم الراحل جوليان سميث!

قال الشاب وهو يرمي الكلب على الأرض:

-       أين الحقيبة، وأين الرسائل إذا كنتَ...!

ردّ جيفري:

- لست في نوبتي اليوم. هل اسم الراحل جوليان؟

قال الشاب:

- جوزيف، إذا همك أن تعرف. الموقر، والمكلل بالديون جوزيف هنري سمث! هذا المسدس يخلو من الطلقات. قال ذلك وهو يشاهد قلق ساعي البريد. أضاف. أمس أطلقت أربعة طلقات على أرنب بري، هي كل ما تبقى معي، لكن الأرنب أفلت، والطلقات راحت هباء، كانت آخر الذخيرة. هل معك رصاص؟ أعني هل تزود الحكومة السعاة بطلقات يحمون بها أنفسهم؟

قال جيفري باسماً:

-       لا، إنها لا تفعل حتى للشرطة!

-       شِت! قال الشاب ووضع المسدس في وسطه.

كان الجواوا قد هدأ الآن، اقترب من جيفري يتشمم طرف بنطلونه، فانحنى عليه يريد التربيت على رأسه الصغيرة، لكن الكلب نبح وحاول أن يهمش اليد المدودة حتى كاد يأخذها بأسنانه. سحب جيفري يده بسرعة وتراجع إلى الوراء.

- لا تخف، هذه طريقته في الترحيب بالغرباء! الآن، من هو جوليان الذي جئت تسأل عنه؟

- قال جيفري. إنه يعمل مخبر استلم مبالغ كثيرة من شيخ جاء يبحث عن ابنه في برايتون، ثم اختفى.

- قصة احتيال! قال الشاب، ثم أضاف، لو لم يمت والدي منذ سنتين لقلت إنه ضالع في هذه القضية أيضاً!

ردّ جيفري:

- آسف لم أكن اعني ذلك!

- أنت تكثر من الأسف! لا عليك، تعال، ستكون ضيفي اليوم، لم أجرب هذه العادة من قبل. قال وهو يعود إلى الإسطبل، ثم التفت إلى جيفري وأضاف. اسمي جَيمس، إذا كنت تهتم بالشكليات. ثم صاح على الكلب. تعال يا نابليون! فركض الجواوا خلفه.

قال جيفري:

- لكنني لم آت لهذا! ووقف في الباب يعتذر.

ردّ جيمس دون أن يلتفت خلفه:

- لا تهتم، ليس في قدورنا غير البطاطا. لو أصبت الأرنب أمس لتناولنا وجبه ملكيه، اغلق الباب وراءك!.

كان الثلاثة قد دخلوا غرفة ذات طول غير اعتيادي، جزؤها الخلفي فارغ إلا من القش، بنافذة على الجدار الخلفي، وفي الجزء القريب من الباب عمت الفوضى، ثياب فوق بعضها على كنبة قديمة، وكرسي، وطاولة تتراكم فوقها الأشياء، ووابور غاز على الأرض، وسرير فوقه فراش رثّ. وضع جيمس المسدس على الطاولة وهو يقول: "إنه بلا فائدة، عملياً" ثم وجه كلامه لجيفري "تصرف كما لو كنت في بيتك. في المرة القادمة اجلب لي بعض الطلقات لأن الأرانب تتقافز مثل الذباب. سوف نحظى بشواء لذيذ"

تذكر جيفري أرنب والدته.

_ لو لم يكن القصر غير مرهون من قبل ثلاثة بنوك، لاستقبلناك في غرفة الضيوف ذات الثريات!

كان جيفري قد أذعن للدعوة الغريبة، لأن جيمس يصدر الملاحظات مثل الأوامر، يقول الشيء ثم ينتقل إلى غيره، وكانت الثياب المكومة على الكنبة لم تترك له مكاناً يجلس فيه، لذلك ظل واقفاً بينما انشغل جيمس في إشعال وابور الغاز وهو يقول:

- سوف نعد القهوة أولاً، وإذا تبقى غاز نطبخ البطاطا. ذرتين من الملح البحري وذرة من البهار الهندي وستأكل الطبق بشهية عظيمة!

- شكراً! ردّ جيفري.

- عندما يفقد الإنسان إرثه، فإن أول شيء يهتم به هو الارتفاعات في أسعار الغاز. ارتفاعين في شهر واحد، مثل صاروخ الفضاء، ولا يتبقى لك شيء لشراء الخبز! حكومات لا تقهر في مجال الخداع، أسعار غالية للغاز تدفع الناس للسوبرماركات يشترون الطعام الجاهز، وبذلك تحصل الدولة على ضريبتين، هل فهمت اللعبة!

قال جيفري باسماً:

- أوه... نعم! لم لا تستعمل هذه الأغصان الكثيرة لإيقاد النار؟

- الأغصان وكل الزبالة المحيطة بي خاضعة لقانون الرهن. هذا الإسطبل لا أعرف كيف أفلت من قبضتهم، لذلك اتخذته مأوى، أعني مؤقت. إذا اكتشفوا أمري سيجبرونني على الرحيل. (بسخرية) القوانين هي القوانين، طز! أمضيت ثلاث سنين في أوكسفورد لكي أتعلم أنه لا يوجد قانون واحد في إنكلترا يحمي المواطن، جميع القوانين تضع الدولة في الاعتبار الأول، وعليك، لكي تكون واحداً من الخراف الإنكليز الممعمعين، أن تضع هذا نصب عينيك!

قال جيفري:

-       اعتقد أن الماء يغلي في الإبريق!

-       يجب أن يغلي ثلاث دورات، لقد جلبته من الساقية. لو عرف القدماء غلي الماء قبل استخدامه لتجنبوا البلهارزيا، والكوليرا والأمراض الجلدية، ووجع القلب، وحصى المرارة. أنت لا تتصرف كما لو كنت في بيتك! أزح هذه الثياب جانباً وستجد مكاناً تجلس فيه. (جيفري ينفذ ما طلبه جيمس ويجلس على طرف الكنبة) بعد قليل تحصل على كوب قهوة من النوع الممتاز. سأل وهو يعد القهوة. هل سبق لك أن عشت في إسطبل؟

ردّ جيفري:

- لا.

- إنه يحملك على التربيت على الأشياء قبل حملها، كما لو كنت تربت على كفل حصان.

ساد العلاقة بين الاثنين ود طارئ. فجيمس الذي علق في ظرف جديد، غير معتاد عليه، يجد في ظهور جيفري متنفساً للتعبير عن سخطه، وجيفري الذي يملك الوقت الكافي ينقاد إلى ضيافة فكاهية ليطلع على المزيد من حياة هذا الشاب في ورطته مع مشاكل خلفتها له عائلة ثرية مفلسة، يتصرف تجاهها بروح عالية، وفي زاوية هجع نابليون، ينقل نظراته بين الاثنين.

كانت القهوة فد أعدت بصورة مرتجلة، إذ استخدم إبريق قديم وجده في المكان، واشترى بوتاغاز يكاد ينفذ الغاز منه، ولا بملك غير كوبين يتمعج قصديرهما. يتذوق القهوة من كوبه الخاص ويقدم الثاني لضيفه ويقول: "إنها رائعة!" لا ينقصها غير الحليب وقليل من القشدة!"

- ماذا بشأن شيخك؟ سأل جيمس.

- ماذا بشأنه؟. تسائل جيفري.

- هل جاء يرتدي الـ ...! يشير بيده حول رأسه.

قال جيفري وهو يبتسم:

- أوه، لا، هذه صورة تقليدية حتى بالنسبة لهم.

- إذن نحن ندرس صور تقليدية؟ قال جيمس، ثم أضاف. هل تعمل مخبر خاص؟

ردّ جيفري:

- لا. أنا ساعي بريد، أساعده في البحث عن ابنه.

- آه، نعم. فقدت اثنين بالمائة من ذاكرتي بسبب هذا الفوضى المحيطة بي. ذاك البيت فيه عشرون غرفة نوم بمرفقاتها، مع ذلك كان الوالد المبجل يقضي كل وقته في الأوتيلات، لكي يلعب الورق. الأملاك مسألة نسبية، لذلك وجدت نفسي بلا غرفة وسرير نوم! إذا كان الرهن لا يشمل الإسطبل، سأبيعه مقابل تذكرة ومصاريف سفر إلى استراليا.

ثم، وهو يمدّ ساقيه على الكرسي باسترخاء:

- قبل رحيلها بسنة، لأنها تنبأت بمصير البيت، كتبت لي الوالدة: لا تحمل أحجار هذا القصر على كاهلك. وهي في الواقع على حق، إنه كومة هائلة من الأحجار، ليس لي فيه موقع سرير! هناك أنصرف إلى دراسة ظواهر الفيضانات الطبيعية. خذ مثلاً خط الزلازل في المحيط الهادي، إنه يهتز بمعدل موقعين إلى ثلاثة، فينتج تسونامي يضرب ساحل الفليبين واليابان والجرف القاري لآسيا الشرقية، إذا زاد معدل الاهتزاز إلى ستة هزات إلى الجنوب يطفح الكيل ليمتد إلى شمال استراليا والهند في الشمال، فتكتسح الأمواج الهائلة عشرين بالمائة من الأراضي المنخفضة، وتبدأ علامات الطوفان الحقيقي بالظهور رغم أنف تقديرات الجيولوجيين.

سأل جيفري:

- هل يعني الطوفان كما جاء في العهد القديم؟

قال جيمس:

- الفيضانات في العهد القديم كانت لعب أطفال، فيضان هنا وفيضان هناك، كانت موضعية يفزع لها الناس ويسمونها الطوفان، الخط المشتعل الذي يقسم الأرض قسمين بصورة أفقية أصبح نشطاً الآن، وعميقاً، النار تشتعل فيه طوال مدار السنة، يمكنك مشاهدته إذا غصت على مسافة ثلاثة آلاف قدم تحت الماء، إنه ينفث ناراً شيطانية من باطن الأرض. الجحيم موجود على الأرض، وليس في السماء، كما تقول تخريفات الأديان، الأرض ستلتهم نفسها قبل بقية الكواكب!

- كم هو مخيف تصور هذه الأمور، أليس كذلك! قال جيفري.

ردّ جيمس:

- لا تقلق، لن يكون هذا في زماننا.

أوضح جيفري:

- أعني أن مجرد تصور النيران تلتهم الأرض بمن فيها، أمر مخيف!

قال جيمس:

-لكنه سيحدث، في نهاية المطاف، وعلينا أن نفهم ميكانيكيته!

_ أرجو أن يحالفك الحظ.

أضاف جيمس:

- لن يكون الأمر سهلاً، في الفترة الأولى سأقتات على القواقع والأصداف وصغار السرطانات وكل ما يقذف به البحر إلى الشاطئ، وعندما أنتهي من دراستي أقيم مكتباً لنشر الحقائق الطوبغرافية للفتق الأرضي الملتهب، يكون مصدراً لكل التنبؤات الزلزالية المستقبلية.

- إذن لن يكون الأمر سهلاً؟

ردّ جيمس:

-عزمت أن تكون فرصتي!

يقطع حديثهما طرق على الباب، مرتين، وبعد فترة واحدة. يهب نابليون من مكانه ويصخب بالنباح، بينما يذهب جيمس نحو الباب ليفتحه وقد عرف الطارق من الإشارة المتفق عليها. عندما يفتح مصراعي الباب تظهر فتاة ببنطلون الجينز وقميص أزرق، شقراء، شعرها طويل معمول كيرلي، تحمل بيدها أكياس، يطبع جيمس قبلة على خدها ويقول:

_ لقد تأخرت كثيراً!

-لا تنسى، اليوم سبت والباصات تسير مثل السلاحف!

جيمس يقدم الضيف للقادمة:

- جيفري، كاترين صديقتي!

ينهض جيفري ويصافحها ويقول:

- كيف الحال؟

-ليست سيئة! ثم تلتفت إلى جيمس وهي تضع الأكياس على الطاولة. هذا بعض الخبز والأجبان! تنتبه أخيراً إلى نابليون الذي تعلق بها برأس مشرئب. هالو! ثم تحمله بين ذراعيها. كيف حالك أيها الحبوب! هه! تخرج بسكويتاً من الحقيبة وتطعمه فيروح يلتهمه بنهم.

جيفري، الذي ما زال واقفاً ويشعر بالحرج، يضع كوب القهوة على الطاولة وهو يستأذن.

-أعتقد أن عليّ أن أرحل. أتمنى لك النجاح فيما عزمت عليه. مع السلامة. يخرج.

كانت الشمس قوية في الخارج، شمس منتصف النهار، والريح تحرك أوراق الأشجار على شكل دوامات صغيرة بين أقدام جيفري، وعندما وصل البوابة الرئيسية التفت إلى الخلف يلقي نظرة أخيرة على القصر الكبير بغرفه الكثيرة، وعلى يمينه الإسطبل. ثم أطبق الباب وسار باتجاه الباص في الشارع المكلل بالأشجار، وراح يفكر في جيمس ذي الخامسة والعشرين الذي لم يتبق من ثروة أبيه موقع سرير ينام فيه، وعزيمته على السفر إلى استراليا من دون أن تؤثر هذه الظروف فيه.

إن الإنكليزي المتعلم، قال في نفسه، حتى لو أدارت البلد ظهرها له، يستطيع أن يشق طريقه في الحياة بدون معونة من أحد. لقد قرر أن يأكل المحار والسرطانات التي يرمي بها البحر إلى الشاطئ لفترة من الزمن، سنة أو سنتين، حتى يبلغ غاياته النهائية!

فكر أيضاً في سميث هذا، فوجد أن العثور عليه في السجلات، سواء كانت مائتين وعشرين أو ستمائة ألف كما في إحصائيات الدولة، عبث لا طائل منه، بل يتوجب أن يختلط بالناس ويسأل عنه، يترصده في الأماكن المشبوهة ليمسك به، وأنه لو كان يملك الخبرة اللازمة لتمكن منه بسرعة، لكن بما أن الشيخ ينوى الإقامة هنا لفترة طويلة، فسيقع جوليان سميث، أو أي كان اسمه، في قبضته.

لذلك، جلس في مطعم ومقهى النمر الأسود، مكانه الأثير، يحتسي بيرته اللآجر، ويراقب بعينين شاردتين الرصيف المقابل، حيث الشمس ترمي إهابها المشرق على المارة، وهم يتوجهون إلى البحر ورصيف برايتون، يمشون متمهلين بملابس الصيف الخفيفة، سياح أجانب وإنكليز، شباب وشابات تفيض وجوههم بالصحة، وأزواج في منتصف العمر، ومسنون أو معوقون في عربات يدفعهم أقارب لهم أو متطوعون يعملون من أجل الخير، وأطفال يمشون بين سيقان آبائهم، كلهم سعداء بهذا النهار الصيفي الذي انكشف بعد يوم من الغيوم والأمطار الغزيرة.

ظل يناقش في طرف تفكيره الأسباب التي تحمل جوليان سميث على الظهور في يوم جميل كهذا! أي الأماكن يرتاد؟ هل يتحرك ومعه مجموعة من الأتباع تحيط به وتحميه؟ أم يعمل بمفرده!. ثم تخيل اوتيل بأربعة نجوم يدخل إليه سميث، يتجه إلى البار محاطاً بهيبة خاصة، يرحب به النادل، يفردون له مكاناً بارزاً، يقدم أحدهم الويسكي، بينما الثاني يشعل سيجاراً في فمه، بعد فترة يدخل شخصان، أحدهما بعين واحدة، يجلسان إلى مائدته، يستمع إليهما من أسفل عينيه وهما يتحدثان، ثم يدفع إليه أحدها مظروف فيه مبلغ من المال فيهزّه بيده يقيس وزنه، يعيده إليه، يخرج مسدساً ثقيلاً من جيب جاكتته ويطلق النار على الأول والثاني يولي الأدبار.

"لا..." قال لنفسه. لن يتم هذا على طريقة عصابات المافيا كما في السينما.

يدخل إلى صالة رقص بأنوار خافته، عدد من الشباب والشابات يرقصون في الوسط على موسيقى صاخبة، آخرون مكتظين أمام المشرب، يشق طريقه بينهم بصعوبة، يجد مكاناً قريب من الصوان ويطلب كونياك، يسأل الساقي إن كان جوليان سميث موجوداً، يشير له إلى طاولة يتحلق حولها عدد من الزبائن، بينهم المطلوب بحلة بيضاء ورباط عنق أحمر، يذهب نحوه بيده كأس الكونياك، يقف فوق رأسه ويسأل: هل أنت جوليان سميث، فيجيب هذا بوقاحة: لا، أنا جوليا سميث، ويغرق الجميع في الضحك.

- هل وجدت أثراً ما لمخبر الشيخ؟ كان الذي يسأل هو النادل فرانك بعد أن وجد فرصة يقترب فيها من جيفري لأن المقهى تغص بالزبائن.

- ليس بعد! أجاب وقد انتزع من خيالاته.

الصعوبة في أمر جوليان سميث أنه قد يعمل على الإنترنت. خاطب نفسه بعد أن ابتعد فرانك عنه للانشغال مع الزبائن. يعني أنه يجلس أغلب الوقت على جهاز كومبيوتر، أي يبقى أطول وقت في البيت، فكيف يمكن الوصول إليه إذا لم نعرف عنوانه!

تناول من بيرته اللآجر جرعة صغيرة ليلتقط أنفاس تفكيره، ثم قال: لو افترضنا الذهاب إلى ثلاثة مكاتب في المركز، وستة في ضواحي المدينة، أسأل الموزعين كل على حدة إذا كان جوليان سميث على قائمة توزيعهم، فهذا يتطلب اللقاء بحوالي أربعمائة موزع بريد، يخرجون كل صباح بحقائبهم الحمراء وينتشرون في عموم برايتون، مما يضعنا أمام مهمة تستغرق شهرين أو ثلاثة! وكان يجب البدء بهذه الطريقة منذ اليوم الأول، أما الآن، فلم يعد في الوقت متسع للاختبار!

أما الابن ناصر، استطرد في حساباته، إنه الآخر يعمل باسم مختلف تهرباً من الشرطة، وتوجد الكثير من المطاعم الخفية التي لم أفتشها. أخرج الصورة من جيب قميصه وراح يتأمل فيها، ثم قال: إن ناصر يشبه جيمس في ورطته، كلاهما في نفس العمر تقريباً، كلاهما أدارت بلدهما ظهريها لهما، وكل منهما بطريقة مختلفة، وقد فضلا العيش على الكفاف بحثاً عن فرصة جديدة للحياة. هنا يخنق الفساد بريطانيا وتتسمم أنهارها، وهناك يقتل الأصوليون الأبرياء لدخول الجنة كما تكتب عنهم الصحف، فكيف يتحول مفهوم الجنة، الذي لم يعد يؤمن به أحد هنا، إلى سبيل لتفجير النفس والناس بالقنابل هناك؟

راح يتأمل التفاصيل في الصورة، الظلال السمراء على الوجه الشاب، وشعره الأعكش الذي يغطي جبهته العريضة. إنه لا يختلف عن الإنكليز المولدين من أمهات كاريبيات، ممن يفدون بالمئات على برايتون في فترة الصيف. ترى، في أي مطعم أو مقهى يعمل هذا الشاب؟ أم تجده منزوي في مطبخ يغسل الصحون فلا يلفت إليه الانتباه؟

ثم تساءل، وهو يعيد الصورة إلى جيب قميصه:

-هل يؤمن أبوه الشيخ بالجنة مثل بقية شعبه؟

 

 

 

 

 

 

 

11

 

إذا كانت الدابة، التي أقل من البغل وأكبر من الحمار، ووبرها أبيض، هي اللاما، فإن الجزيرة العربية لم تكن تعرف هذا الحيوان الذي يعيش في أمريكا اللاتينية، ولم يسمع به العالم قبل اكتشاف أمريكا! وإذا كان النبي محمد قد طار من مدينة مكة إلى مدينة أورشليم ليصلي في المسجد الأقصى، فقد أراد القول إن الله خصّه بحيوان غريب لينقله في غمضة عين في الوقت الذي نفى فيه القيام بالمعجزات، فكيف وفق بين هذا العهد وذلك الفعل؟

كان إبراهيم يجلس على مائدة الأكل، الممتلئة بالكتب الدينية التي طلبها من المنطقة، وقد أهمل نفسه وطال شعر رأسه ولحيته، يقرأ ويناقش ويحلل ليطلع على حقيقة ما ورد عن الدين وعلاقته بالأديان الأخرى والأنبياء والفتاوي والأحاديث التي نقلت على لسان النبي، والقصص التي جاء بها القرآن ليقنع الناس.

كان المسجد الأقصى فيه معبداً لليهود والنصارى وبقية الأديان الوثنية، وكان لفخامته ذلك الوقت ما حمل محمداً على التفكير في إيجاد موقعاً للإسلام بين بقية المعابد، إلا أن بُعد المسافة، وخوفه من استغلال خصومه لغيابه عن مكة والانقلاب عليه، جعله يفكر في معجزة تعفيه من الذهاب، وفي نفس الوقت تؤكد حضوره، لذلك كتب آية تقول إنه ذهب وصلى وعاد في نفس الليلة.

"ولماذا في الليل وليس في النهار؟" عاد يتساءل وقد اعتراه الغم الشديد، ودسّ أصابعه في شعره وهو ينظر أمامه شارداً وراء أفكاره. كانت زوجته وأولاده ذهبوا إلى المدينة منذ الصباح ليشاهدوا فيلماً في السينما، وكانت قد نظفت البيت ورتبت أثاثه وتركت مائدة الأكل على حالها من الفوضى، تتراكم فوقها الكتب، يجلس إبراهيم مثل الشبح على رأسها، يقرأ في كتاب ضخم أمامه ثم يرفع رأسه لتسرح أنظاره بعيداً، متوسلة في مرارة وعذاب عن معنى ما يقرأ وعلاقته بالواقع والمنطق.

"إذن، كانت رؤيا في المنام! جلس من نومه في اليوم التالي ويبدأ ينسج حولها القصص! أو جاءته أثر نوبة صرع، وهو مصاب به كما تورد الحكايات، واختار دابة بلون غريب وحجم على قده لتطير به، لكي لا يسأله القوم في اليوم التالي أين ذهبت تلك الدابة بعد الإسراء؟"

ثم قال، يومئ ويحرك يده أمامه: "وزيادة في الإيهام، قال إن الأنبياء من الموتى صلوا وراءه، ولم يذكر أشخاص أحياء ليشهدوا له! وأطلق على المكان اسم المسجد الأقصى، أي الأبعد، بينما كان المجمع يسمى (إيلياء) ولم يذكر أورشليم وهو الاسم المتعارف عليه، فهل كان هذا بداية الاستحواذ على المدينة التي تغصّ باليهود والمسيحيين؟"

نهض من الكرسي دون وعي، وطفق يذرع الصالون الزجاجي، يديه خلف ظهره وعيناه على الأرض، تدور به الأفكار، تأخذه بعيدا ثم تعود به، يقوى ثم يضعف، يستطرد ثم يستدرك، يوشك أن يصل إلى يقين في هذه اللحظة لكنه يتراجع في اللحظة التالية، يعرف أن الخوف من الجحيم فكرة مجردة، إلا أنه تلقنها في صباه، وأن الهول فيها جاء بسبب تراكم الوهم، والتشبع بالفزع منها في وقت مبكر، مع ذلك يتردد الخوف داخل نفسه، يختفي ويظهر، يموت وينبعث، يتلاشى ثم يلف شباك الوهم حوله "من جهة أخرى" قال مستدركاً "لم يكن محمد يأمر جماعته أن تصلي في الكعبة، لأنها كانت حجراً أسود جلبه نبي اليهود إبراهيم، بل جعل قبلته أورشليم، فهل كان نصرانياً في البداية؟"

ساءل نفسه في الأخير، وانتظر منها الجواب، واسترجع الكتب والتاريخ الذي قرأه، ثم قال:

"نعم كان نصرانياً، وكانت السنوات العشر التي أخفاها المسلمون من سيرته تؤكد ذلك! نعم، كان من أتباع المسيح، كان واحداً منهم! وقبيلته قريش، التي تريد زعيماً منها، هي التي أقنعته بالإعلان عن ديانة جديدة غير المسيحية واليهودية، وإلا لماذا ادعى النبوة وهو في سن الأربعين، بينما الأنبياء يولدون وهم أنبياء؟

"إن خالق هذا الكون العظيم" استطرد يقول "لا يمكن أن يهتم بإنزال الآيات عن الزوجات القاصرات والجواري والإماء والعشيقات وسبايا الحروب، إلا إذا كان يريد تبرير نزوات محمد الجنسية! هذا التاريخ كله كذب، كذب وتشويه! لا يوجد عاقل يصدق مثل هذا الكلام! لا يوجد إنسان واعٍ تمرّ عليه هذه الأكاذيب دون أن يتوقف عندها، ويسأل عن حقيقتها. القرآن نصفه نقل لحكايات اليهود والمسيحيين وقصصهم، ونصفه الثاني عن الزوجات، فهل كان الخالق معني بالحياة الجنسية لمحمد؟ وهل أصبح الخالق بهذا الحجم الصغير ليسب ويسخط ويغضب من ناس عاديين فقط لأنهم عارضوا محمداً؟"

عاد من جديد يغرق في تأملاته وأسئلته وهو يذرع الصالون، يؤشر بيده كمن يخاطب شخصاً يتنقل أمامه، يهرش شعر رأسه ويحك لحيته بحثاً عن الأجوبة، فقد انكشفت له حقائق مهمة ويطلب المزيد، الوقائع الكبيرة التي توصل إليها باتت توضح الصغيرة، تنيرها، وتلقي الضوء عليها، فيسعى إلى غيرها، وهي تأتي بسهولة. "إن الخالق لا يعقل أن يكون ألعوبة بيد أحد. هذه القوة العظيمة التي لم يسبر غورها أحد، لن يكون غموض سرها الكوني وسيلة للديانات التي ظهرت في فترات التخلف والجهل، ولا في إقناع الناس بالشهادة للحمير والبغال على تحركاتهم الأرضية"

"هذه استهانة!" قال مؤكداً وبغضب "استهانة عارضها العقل في تلك الفترة القديمة، فهل يقبل بها الوعي الآن؟"

عاد إلى الكرسي متعباً، مرهقاً، تحيط بعينيه هالة رمادية، وتغمر أعماقه لذة الارتياح لليقين الذي توصل إليه، كان سعيداً ومنهكاً. أسبل جفنيه وفتحهما، ثم أغمضهما ليسرح في غفوة خفيفة أثقلت رأسه بالتدريج، ليسقط على صدره ويستقر بلا حراك وسط صمت البيت، وإشعاعات الشمس تنزل عليه من ألواح السقف الزجاجي.

جاءه ابنه ناصر يهزه من كتفه برقة، انهض فالنار تشتعل في الدار فتح عينيه ووجد الأثاث يحترق واللهب دوامات تحاصره وأصوات وزعيق نسوة حوله وشق طريقه وسط نيران تتلاطم على الجدران وكان باب المطبخ يستعصي عليه وداخله عدد من النسوة يغطين رؤوسهن ويزغردن ويمنعنه من الدخول فقاومهن بيدين مرتخيتين والفزع ينهش قلبه ويأخذه ضمن تيارات جحيمية إلى الطابق الأعلى وشاهد الصبيين ينزلان من النافذة وهما يمسكان اللعبتين الإلكترونيتين وقفز وراءهما فاصبح في الشارع لكنه لم يعثر عليهما والتفت وراءه وكان الابن ناصر قد اختفى واختفى معه البيت وراح يفتش بين صف طويل من البيوت عن واحد يلتهمه الحريق وقلبه تعصره المرارة وسار في طريق طويل وتسبقه من بعيد زوجته نورا وهي تمشي على مهل فركض وراءها وهي تبتعد في مشيتها المتمهلة والطريق مغلق فعرّج على مدرسة عربية للأطفال وراح يفتش عن الصبيين والأطفال يتعلقون به ويسدون عليه الدرب وصاحت به إحدى المعلمات ماذا تريد وراح يتخبط وينزل سلماً طويلاً معتماً وجد في نهايته دابة تشبه الدجاجة تعثر بها فوجدها مرضوضة لا تستطيع الوقوف على ساقيها وشعر بالتقزز واشتدت عليه الحرارة وضاق بها وأراد التخلص من ثيابه ووجدها ملتصقة به وجاءت زوجته القديمة بكوز فيه ماء ليشرب منه لكنه لم يجد فيه ما يشربه ولاحظ أن ثيابها ممزقة وابنه ناصر في العاشرة يسير في أثرها ومشى وراءهما وهو يخوض في مستنقع سئ الرائحة تكثر فيه حنكليس البحر ينهش صدره وهو يصرخ ليزيله ويصرخ دون أن يَسمع صوته ثم صحا من النوم فوجد نفسه غارقاً في العرق والشمس تكويه بحرارتها الشديدة.

مسح صدره اللزج وقام من الكرسي ليرتمى على الكنبة في الظل. هدأت نفسه بالتدريج، لم يبق أثر للحلم إلا صورة الحنكليس الضخم العالقة بكلاباتها، ثم تذكر ابنه ناصر الصغير يسير وحيداً، وفي خلفية تفكيره شعور جميل بالحنان، وكان البيت هادئاً، وحاراً، فتذكر أن الصبيين وأمهما خرجا منذ الصباح.

عاد إليه الاطمئنان، وتراجعت تفاصيل الحلم عن ذهنه، فنهض وصعد السلالم ليدخل الحمام "لن تخيفني هذه الأضغاث!" قال لنفسه، وراح يرمي الصابون ويغطي به ذقنه الذي أهمل حلاقته، وبدأ يكشط الشعر عن لحيته الكثة إلى أن نظفت تماماً، ثم خلع ملابسه ووقف تحت الدوش فهبط رشاش الماء عليه، بارد ثم دافئ، وغمرته وأنعشته واستسلم لتياراتها القوية فترة طويلة، ثم صبّ كمية من الصابون السائل على جسده وراح يدعكه باسفنجة، قال: "سنعثر عليه!" وهو يعني ابنه ناصر "هنا أو في مكان آخر!"

أحسّ أعضاءه قد نقعت بالصابون والماء، وعاد إلى مياه الدوش من جديد يتلذذ بالدفء، صبّ المزيد من الصابون ودعك نوبة ثانية وغطت الرغوة عينيه، قال: "يستطيع المرء أن يكشف الوهم وهو مغمض العينين!" وانسكبت المياه وهي تغرد فوق رأسه وتجرف الرغوة وخرافات السنين.

أغلق الصنبور حتى نزلت آخر قطرة، ثم توزر بالمنشفه إلى وسطه، وهبط السلالم حافي، تلامس قدماه السجاد ويتجفف الماء منها. فتش في المطبخ، على الطباخ بقايا من عشاء الأمس، مخلمة بالصلصة جمد الزيت فوقها، وضعها على العين وفتح الغاز. عادت إلى خياله صورة النسوة الزاعقات فطردها من فكره في الحال. كان يشعر بالجوع، اشتد عليه الجوع عندما رأى المخلمة باللحم والصلصة الحمراء، تناول قطعة من الخبز البارد وغمسها في بالمقلاة وبدأ يمضغ بتلذذ، تناول الشطة الحمراء وسكب منها بالملعقة وراحت تطرطش لأن سخونة النار العالية تصاعدت من القعر، وظل يأخذ بقايا قطع الخبز ويغمسها ثم يلوكها ومسحوق الفلفل الأحمر المجبول بالزيت يمنح الطعم لذعة قوية في حلقه.

عندما اكتملت سخونة المقلاة كان قد أتى على ما فيها من اللحم، ومسح القعر بآخر قطعة خبز ثم دفع المقلاة بعيداً وأطفأ الغاز. مسدّ وجهه الحليق بيده وشعر بالراحة العميقة. كان يجلس على الكنبة في الصالون بعيداً عن الشمس، ذكرته الكتب على المائدة بالأسابيع الثلاثة التي أمضاها يدقق ويبحث، تذكر حكاية الدابة والعنكبوت والزوجات والموتى الذين شبعوا موتاً ولم يعد أحد منهم ليحكي ما شاهده من جنة أو نار! "أربعة عشر قرناً راكم خلالها رجال الدين الخرافات!" قال "وأضافوا منهم حتى بهت المنطق ولم يتبق غير المديح والتبريك، واشتقوا من الأساطير أساطير جديدة!"

من خلف الباب الرئيسي، اختار بنطلون وقميص من بين كومة ثياب علقت على المشاجب، ارتداهما، وحمل حذائيه وعاد إلى الكنبة. فكر في الصبين، ثم في زوجته "ما زالت زعلانة! تترك الأكل وتخرج بهما إلى المدينة" قال لنفسه "سوف ألحق بهم" ظل يمسك بالحذاء الثاني دون أن يضعه في قدمه يفكر في طريقة يرضيها بها، لم تعد تكلمه إلا في النادر، ودائماً تسأل متى سيعودون! هو ما زال ينظر إليها كطفلة مدللة، تكفي هدية جميلة لتعود إلى أحضانه، أحس الرغبة فيها، شاهدها في خياله تنضو عنها الملابس الداخلية وتنقلب على ظهرها. جسد أسمر تفوح منه العطور. حتى عضوها تغمره بالعطر تحسباً.

"هل بدأت أشيخ في نظرها؟"

وضع قدمه في الحذاء وترك الأخرى، عادت إليه صورة زوجته القديمة، تسير في ثياب مهلهلة، وتساءل عمّا يعنيه هذا في الأحلام. "القبر!" قال، ثم: "الموت يبلي أجسادنا على مهل فلا يبقى غير العظام. وهذه التي يسمونها الروح أين تذهب؟ أليس لها مكان ترحل إليه؟ تتكدس فوق بعضها في مكان ما. لكن أين تذهب؟"

فكر أننا إذا ألغينا الدين، ألغينا الروح معه. وتساءل عن المشاعر والعواطف المتراكمة لدينا، أي ما يطلقون عليه الوجدان، هل ينمحي أثر ذلك ويغدو تراب في القبر؟ إذن، هل كان محمد يعرف هذه الحقيقة ويخفيها عن الناس؟ وهل كانت الجنة طعماً يجذب به المؤمنين، واستمرت كل هذه السنين؟

ظل يمسك فردة الحذاء بيده، وعيناه جاحظتان تتشبثان بهذه الفكرة، فكرة الروح العالقة في ذهنه ولم يجد لها مخرجاً. "لن نذهب أبعد من القبر" قال أخيراً لنفسه الكربة "كل شيء ينتهي فيه. نصف طن من التراب فوقنا ونحن بلا حراك تحت. هذا المسعى، الجهد والعمل والأرباح والأولاد هو للحياة فقط، ثم نرحل كما رحل الآلاف من قبلنا، الملايين، المليارات، الرحيل الأخير! ولن يأتي من يقول انهضوا هذا يوم النشور. لن ينادي على رميمنا أحد!"

تعكر مزاجه من جديد، كزل على ساقه الحافية نحو مائدة الأكل والحذاء بيده، وأصبح في دائرة الشمس، تأمل في الكتب المكدسة من وقفته والحرارة تلفح وتضئ صدره الذي لم يزرره بعد، ثم عاد إلى الكنبة وهو يقول: "لتكن النهاية في القبر!" قال وارتدى فردة الحذاء وتهيأ للخروج. قال: "أغلب التاريخ العربي مبني على الخرافات!"

قطعت السيارة مشوارها على الطريق (52) وكانت الريح تصفع وجهه وتعيد إليه الانتعاش. أشارت الساعة إلى الثانية، اليوم أربعاء، حيث غاب الموظفون في دوائرهم وسياح برايتون وصلوا في دفعات قليلة، لذلك لم يجد صعوبة في الحصول على مكان يركن فيه السيارة على الساحل.

"أين يكون الأولاد وأمهم؟" تساءل عندما مرّ على رصيف برايتون، الذي لم تؤثر أيام العطل أو العمل على اكتظاظه المعتاد بالأولاد. ثم عبر باتجاه مركز المدينة، قرر أن يحلق شعر رأسه أولاً. على ناصية أحد الشوارع وجد دكان كبير يهتم بالتزيين، دخل وانتظر دوره بين عدد من الشباب. بعد فترة قدمت إليه فتاة جميلة تسأل إن كان يرغب في كوب قهوة، أجاب: "نعم من فضلك!"

جلس ينظر من الواجهة إلى المارة، نساء وأطفال وشباب وشيوخ والكل متجه إلى مكان ما، تعلو الابتسامات وجوههم، تذكر جلسة مشابهة في بلده، ثم في بلدان عربية أخرى، حيث تمرّ النسوة محجبات، وبعضهن لا تظهر إلا عيونهن، مجلببات، في القيظ، بكومة من الثياب أذيالها تكنس الأرض، مثل خفافيش متجهة إلى الجنة. طوابير ذاهبة إلى الجنة بعد أن ينهين مشوار السوق، ثم يعيدهن محمد "آه... ليس الآن!" العرق يسيل من آباطنهن ويلتقي بعرق البطن والسيقان، في ذلك الحر الخانق! ينجبن شهداء يسبقونهن إلى الجنة بتفجير الأحزمة الناسفة بالأبرياء من أبناء جلدتهن، علىّ وعلى أعدائي يا ربّ.

جاءته الفتاة بكوب القهوة، شكرها وراح يشرب على مهل. هذه الفتاة لن تذهب إلى الجنة، قال مفكراً، لأنها تسفر عن ساقين رشيقتين، تكشف للعيان عن مفاتنها من صدر ووجه باسم، وهناك يتزوج الشاب من فتاة مقمطة بالثياب، ملفوفة مثل المومياء بالأقمشة "آه... إفسحوا الطريق، المحجبات أولاً!"

- هل تحب أن تتفضل على الكرسي. قال له أحد الحلاقين.

- نعم. أجاب إبراهيم واتجه إلى الكرسي والكوب بيده، وجلس.

تذكر ساعي البريد، لم يتصل به منذ فترة، إنه مخلص، ومتعاون، لكنه كمن يبحث عن إبره في القش. فكر باللجوء إلى الشباب العرب، يسأل بنفسه عن ناصر. شاهد منهم العديد في برايتون، مقيمين ولاجئين وهاربين، وهو يعرف كيف يتعامل معهم.

حين انتهى منه الحلاق شعر بالانتعاش. نظر إلى وجهه في المرآة وقال لنفسه: "صرت بعمر نورا!" ثم ابتسم، إذ كان طلب أن يشذب شعره ويقصره ودفع ثم خرج.

عاد إلى الرصيف، طاف على المطاعم والملاعب والمقاهي فلم يعثر على الصبيين وأمهما. كان يحسّ شوقاً قوياً للالتقاء بهم. نزل إلى الساحل الجنوبي ومشى متباطئاً باتجاه السيارة، وكان يلقي على البحر نظرات طويلة، إنه يشبه بحر تونس، لكن أمواجه أكثر صخباً، وعندما تشتد الرياح يغدو عكراً، يتلاطم مثل مياه الأمطار وتختفي زرقته. إذا لم يكن خالق هذا الكون من الذي يرعى مياه البحار ويجعلها في مستوى واحد، وطعم واحد؟ لقد أساءوا إليه حتى جعلوه مُنزل آيات في التوافه من الأمور. شعر أنه حرّ الآن من الخرافات، لكن من الذي يرفع ويقلب هذه الأمواج؟ من الذي يسوق الرياح العاتية في السماء ويضرب بها الأرض؟ إنها ظواهر طبيعية، قال، البرق والرعد والأمطار والزلازل يعرفها الإنسان ويتحدث عنها مذيعو الطقس ويتابعون نشوءها توجهها وانحرافاتها، لم تعد عمل الخالق اليومي كما يصورها المتدينون ويبنون عليها آراء خرقاء يخيفون بها الجهلة!

كانت الأفكار قد ابتعدت به عن مكان السيارة، والنوارس تزعق على ارتفاع شاهق، وأصبح الكورنيش يقترب من الساحل، فشاهد شابين يعملان على صنارة واحدة ويتضاحكان، عبارة عن عصا بطرفها خيط، يرميه أحدهما وينظران للحظة ثم يسحبانه. من أطراف حديثهما سمعهما يتبادلان كلمات عربية، دقق في وجهيهما فعرف أنهما من العرب، نزل على سلالم تؤدي به الشاطئ واقترب منهما.

- كيف حال الصيد معكما؟ قال ووقف قريباً منهما.

- لا يغني ولا يشبع البطن! أجاب أحدهما باسماً، فقهقه الثاني.

- يجب أن تبقي الخيط في الماء مدة أطول.

- إنه ثلاثة أمتار، لا يكاد يتجاوز المياه الضحلة. رفع الخيط عن الماء فبان قصره، وفي نهايته تتعلق قطعة كبيرة من اللحم.

قال إبراهيم بنفس الابتسامة:

- إذن لن يغنيكم من جوع، إذا جئتم لهذا السبب! من أي بلد أنتم؟

- من المغرب.

- أخير الناس، قال إبراهيم. منذ متى تقيمون هنا؟

أجاب نفس الشباب:

- ستة أشهر، نحن لاجئون غير شرعيين إذا أمسكنا البوليس يعيدنا إلى المغرب.

- وكيف وصلتم إلى هنا؟ سأل إبراهيم.

- تسللنا إلى أحد لوريات النقل، ردّ الشاب وأعاد الصنارة إلى الماء.

- وكيف الشغل هنا؟

- يوم عمل واسبوع بلا عمل، البوليس يقوم بكبسات على المطاعم والمقاهي وأماكن العمل الأخرى.

مرت فترة من الصمت، ظل الشاب يرفع الصنارة ثم يعيدها إلى الماء، قال إبراهيم أخيراً:

- هل تعرفان شاب تونسي اسمه ناصر إبراهيم؟ لعلكم التقيتم به في مكان ما.

- ناصر إبراهيم؟ ردّد الشاب ليستذكر وجوه يعرفها، ثم قال: لا. هل هو شرعي؟

- لا أظن، أجاب إبراهيم.

قال الآخر بعد أن سكت طويلاً.

- البعض يتوغل إلى الداخل، لندن وغيرها، إلا إذا جاء في الزوارق.

- ربما! ردّ إبراهيم.

- هؤلاء لا يعرف عنهم إلا الشيخ محمود، في دوفر.

- الشيخ محمود! استفسر إبراهيم وقد تعلق بهذا الأمل.

قال الشاب الآخر:

- نعم.

- هل تعرفون عنوانه؟ سأل.

- في دوفر يرعى جامعاً في دكان صغير، أضاف الشاب الآخر.

- أين يقع هذا الجامع، أو الدكان؟ استفسر إبراهيم.

- يقولون إنه في شرق المدينة، على البحر. قال الشاب الأول الذي يمسك الصنارة.

ثلاثة أرباع الساعة تبعد دوفر عن برايتون، وكانت الشمس مالت إلى الغروب، لكنه الصيف، حيث يبقى الضوء في الأفق حتى ساعة متأخرة، لذلك قرر إبراهيم التوجه إلى الميناء الإنكليزي. إنطلق بسيارته الجديدة، القوية، يفكر في الاحتمالات الكثيرة للحصول على معلومات عن ابنه، لأنه بالتأكيد سلك طريق البحر، ولم ينسَ أن ينفح الشابين ورقة من الخمسين جنيه، سلمها إليهما بإصرار، لكي يجعل "صيدهما مجزياً" لم يصدقا هذا السخاء ورميا الصنارة في الماء وصعدا إلى المدينة.

كان الزحام في هذا الوقت يعيق السير بسلاسة، فكر القيام بالرحلة صباح الغد، لكن انفراج الطريق بعد (سالتدين) شجعه على متابعة السير باتجاه الشرق، وبدا البحر على يمينه ساحراً، ولن يكون عن تأخره عن البيت يبعث القلق، وبين زحام وانفراج وصل دوفر بعد ساعة ونصف، ولزم الكورنيش حتى الجانب الشرقي، هناك البيوت منخفضة، وبينها بعض الدكاكين المتناثرة، فأوقف السيارة وترجل منها، وكانت الشمس قد آوت في مغربها، وخلفت وراءها مساحات شاسعة من المياه الفضية، مسطحة تعكرها ريح خفيفة.

سار على الرصيف وعيناه تبحثان عن منارة وجامع، إلا أن الدكاكين كانت للحاجات المنزلية والصحف، ومكتب للإيجار، ثم توقف أمام دكان يضع في الواجهة سلال فاكهة قديمة، وراءها أرفف فارغة، ولمح في الخلف رجل لا تخطئ العين هيئته العربية بلحيته الكثة، كان يتحدث في جهاز موبايل، نظر إلى الزبون بعين متفحصة دون أن يتوقف عن الحديث.

وقف إبراهيم ينتظر، وكان بالمقابل يتفحص الرجل، وتساءل في نفسه ماذا يبيع وكيف يشتري الزبائن من شكل مخيف كهذا؟

حين أطبق الجهاز ووضعه في جيبه، تقدم من الزبون، الذي عرف من شكله أنه من الشرق أيضاً، ولم يقل شيئاً، كان ينتظر من الزبون المبادرة بالكلام.

- سمعت أن هناك جامع في هذه المنطقة! قال إبراهيم.

- أنت أمام الجامع، والصلاة يوم الجمعة! ردّ الرجل بجفاف.

لم يصدق أنت أمام الجامع إدعاء الرجل، وتراجع للوراء يبحث بعينيه عن ملامح جامع في هذا المكان، قال:

- هذا إذن الجامع!

لم يحرّ الرجل جواباً، وظلت عيناه تتفحصان إبراهيم بريبة.

- وهل أنت الشيخ محمود؟ سأل إبراهيم.

- لا، أنا أخوه!

إذن هناك شيخاً آخر، قال إبراهيم في سريرته. لنترك هذا الشيخ وشأنه، ونسأل عن الأخ.

- متى سيكون الشيخ محمود هنا؟

- بعد نصف ساعة، أجاب الرجل دون أن يخفف من جفاف لهجته، وبدا أن الرجلان على وشك الاشتباك بنظراتهما. ثم سأل. ماذا تريد منه؟

- جئت أسأل عن مسافر شاب اسمه ناصر جاء من أوربا.

- نحن لا نعرف المسافرين الذين يأتون إلى هنا. قال ليحسم الأمر عند هذا الحدّ.

- هل يمكنني انتظار عودة الشيخ محمود؟ سأل إبراهيم دون مبالاة بأسلوب الرجل في الردّ.

- كما تشاء!

قدر إبراهيم أن الفضوة داخل الدكان لا تسع أكثر من ستة مصلين، يتجمعون يوم الجمعة ليؤدوا الصلاة وليضيفوا على المكان صفة الجامع، ولاشك أنه تغطية لأعمال أخرى، تهريب غير الشرعيين أحدهما.

ذهب نحو السيارة وقادها لتكون على الجانب الثاني من الكورنيش، مواجهة للدكان.

في الأفق وقفت ثلاثة مراكب صيد، يبعد بينها مسافات كبيرة، وهبط الظلام على الخط الفاصل بين المياه والسماء، بينما بقى الغرب ساطعاً، مغطى بالغبش. فكر أن الصبيين وأمهما سيقلقون عليه نتيجة التأخير، لو كان لديهم موبايل لاتصلت بهم، قال، لكن نورا ضيعت ثلاثة أجهزة لأنها لا تحب حمل الموبايل. وعاد بالتفكير إلى الدكان، وفسر جلافة الرجل باحتمالين، أنها جزء من طبيعته، أو حسبه من رجال البوليس بملابس مدنية، إلا أن وضع الدكان يثير الريبة على كل حال، بأصابع الموز القليلة والتفاح المتفسخ، وأمور أخرى تالفة. سيكون هذا العمل لدعم جهود ساعي البريد، فالحديث إلى العرب صعب عليه، ربما أقوم بالاستفسار منهم بين فترة وأخرى، قال، وكان يسير على الكورنيش.

مضت ساعة دون أن يظهر أحد، وكان ضوء ضعيف اشتعل في الدكان، وبدا الرجل قلقاً، يجلس ثم ينهض بلحيته، يتكلم بالموبايل بلا توقف. وأصبحت السيارة معتمة في الداخل، إذ انتشر الظلام بسرعة. قال في نفسه إنه لا يعنيه أمرهم، كل ما يطلبه معلومات عن الزوارق وركابها، ثم أضاءت المصابيح على امتداد الكورنيش، الواحد بعد الآخر، لأن حساسيتها تستجيب للظلام.

اغمض عينيه وراح يفكر في زوجته، كيف يقنعها بالتخلص من أوهام الدين، التي تسيطر عليها وتجعلها عمياء لا ترى إلا ما يردّده الآخرون من خرافات! إنها ساذجة، تتمسك بالمعتقدات مثلما تسمعها، ومحيطها يتوارث الخرافات ويضيف إليها، سعيد بالأمان الذي تقدمه له، يأخذ ولا يناقش، كما كنتُ أفعل، كما يفعل آباؤنا وأجدادنا، إنهم محاصرون بطبقة سميكة من الإسمنت، طبقة إذا أردت تفتيتها يدهش الجميع وينقلبون عليك، فكيف أقنعها أن هذا الإسمنت فوق عيوننا، وفوق عواطفنا ويمثل أكبر عائق لفهم الحقيقة!

"الأفضل أن اكتم الأمر عنها في الوقت الحاضر" استطرد في التفكير وهو مغمض العينين "أن أهمله حتى تنساه، ونعود إلى حياتنا العادية، نقضى الأيام الباقية كعائلة جاءت للتصييف، أغدق عليها في الهدايا، ونستمتع بالجانب السعيد من الحياة، أطلب منها أن ترمي الكتب في المزبلة، وعندما أدخل عليهم الآن بشكلي الجديد، بعد الحلاقة، ستعود الحياة إلى سابق عهدها، والأولاد أيضاً..."

من بعيد سمع مشاحنة بين شخصين عن يساره، فتح عينيه ونظر إلى الدكان، كان الأخ الثاني قد عاد، وهو يلوح بيديه ويصيح بكلمات عربية وصل إلى أسماعه أطراف منها.

ترجل من السيارة على مهل واتجه نحو الدكان. ما زال الرجلان يتشاحنان، وأصبحت الكلمات تصل إليه دون معانيها، لأنهما كانا يتكلمان اللهجة المصرية، وقف في باب الدكان إلى أن انتبها إليه.

- أهلاً وسهلاً، حضرتك كنت تسأل عني. قال الشيخ محمود، وهو رجل بدين، بقميص مفتوح، ولحية تحاكي لحية أخيه.

- مرحباً، قال إبراهيم. نعم، جئت أسأل عن شاب اسمه ناصر ابراهيم، ربما جاء عن طريقكم.

- أهلاً وسهلاً، تفضل، أجاب وهو يقدم الكرسي الوحيد في الدكان.

- لا، شكراً. قال إبراهيم.

- أبداً والله، يجب أن تستريح! ألح الرجل مبدياً أريحية غير مناسبة، وكان يتصرف بلا كلفة تنم عن نفسية لجوجة.

ظل الكرسي الذي خرج من الدكان إلى الرصيف فارغاً، وأضاف الشيخ محمود:

- قلت اسمه ناصر إبراهيم؟ إنشاء الله تجري الأمور بسلام، وحضرتك والده؟

- نعم، أجاب إبراهيم.

- آه، نعم، قلق الوالد على الابن، مفهوم يا بيه! وعمرو كم المحروس؟

- عشرين سنة، قال إبراهيم وبدا أن في الموضوع سوء فهم عليه توضيحه.

عاجل الشيخ محمود إلى القول:

-       يا سلام في قمة الشباب، ما شاء الله، ثم أسر له بصوت منخفض. إيه رأيك تجي معاي نروح نستقبل الزورقين سوا؟ أصل هم تأخروا شوية، بس حضرتك تعرف اليومين دول البحر مضطرب ناحية السواحل الفرنسة! لكن إنشاء الله بيوصلوا الليلة!

وقف إبراهيم مأخوذا بهذه المعلومات التي كرّها عليه الشيخ محمود، وأظهر تماسكاً وهو يستمع إليه، وقرر بينه وبين نفسه أن يذهب ليتفحص الزورقين، كما ادعى، ويرى كيف تجري هذه الأمور.

كانت الظلمة قد سادت الكون، وبدا البحر كتلة سوداء، صماء، ومدينة دوفر التي لم يعرف منها غير الكورنيش أصبحت شبه خاوية إلا من مصابيح الشارع، وهو يذهب نحو مغامرة سمع عنها لكن لم يرها عن قرب، لذلك أخفى عن الشيخ محمود، الذي كان يقود سيارته ويثرثر طوال الطريق، سؤاله عن ناصر.

سارت السيارة باتجاه الشرق، ينبعث منها صوت مرتفع لا يتناسب مع اندفاعها. ولاحظ إبراهيم أن الله كان معهم كل الوقت، يشاء ويعين ويؤيد الشيخ في كل ما يقوله ويفعله ويخطط له من قضايا الدنيا.

بعد حوالي نصف الساعة انعطفت السيارة على طريق غير معبد، ثم صعدت ربوة مرتفعة عن البحر وتوقفت هناك. نزلا منها، وسحب الشيخ من المقعد الخلفي جاكتة ثقيلة وضعها على أكتافه، وأوصى إبراهيم أن يخفض صوته عندما يتكلم، ولم يكن إبراهيم قد نطق بكلمة واحدة حتى الآن، وتبعه إلى الجرف، يسير أمامه مثل ظل لشبح هائل، وطلب منه أن يختار أحد الصخور ويجلس عليها. جلس الاثنان أمام المياه يبحلقان فيها، وخيم عليهما الليل الصمت والانتظار.

بعد فترة اخرج الشيخ من جيبه مصباح يدوي، وجهه أمامه وبدأ يعطي إشارات بحرية متقطعة، بينما أذناه تصغيان بحذر لصمت المياه.

انسلخت ساعة كاملة وهما على هذه الحال، إشارات وصمت إصغاء، والشيخ يؤكد بين فترة وأخرى أن موعد وصول الزورقين سيكون هذه الليلة بعد أن فقد الأمل في وصولهما ليلة أمس، لأن أجواء البحر أعاقتهما، وإنشاء الله يصلون بين لحظة وأخرى. وكشف أن دوريات البوليس تطارد الزوارق حين تدخل المياه الإنكليزية، وقد تقصى الموضوع في بورتسموث وساوثمبتون ودوفر من خلال أصحابه، فتأكد أن لا زورق قد أمسك ليلة البارحة والحمد لله، فسأل إبراهيم منذ متى انطلقا من مكانهما، قيل له منذ أسبوعين، فجزع لهذا الخبر، "أسبوعين وهما في البحر؟" عاد الشيخ يؤكد أن بعض الرحلات تأخذ ثلاثة أسابيع، وتصل بعون الله، "ومن أين تنطلق؟" عاد إبراهيم يسأل فقيل له من شمال أفريقيا، أو غربها.

اسقط في يد إبراهيم حين سمع هذا، وشعر أن جهوده ذهبت أدراج الرياح. كان يتوقع أن تأتي الزوارق من أوربا حيث يمكن أن تحمل أخباراً عن ناصر، فعلم أنها قادمة من أفريقيا.

احتفظ بسر خيبته لنفسه. ما جدوى أن يخبر الشيخ محمود بالخطأ الذي ارتكبه، كان عليه أن يسأل منذ البداية، أن يوضح هدفه ويحدد سؤاله. كان النسيم البارد يتسلل عبر قميصه ويلذع صدره وذراعيه، فشعر بالسخط على الشيخ الزائف، مهرب اللاجئين، تمنى أن يرفسه ويقلبه في الماء، لأن ثرثرته وتعويذاته وتشوشه هي السبب، لم يكن يعطيه فرصة للاستفسار بوضوح، وهو يجلس إلى جانبه مثل الدبّ بجاكتته المبطنة، يطلق الإشارات الضوئية دون أن يفكر فيما لو شاهدتها واحدة من دوريات الشاطئ، ستكون فضيحة، تخرج بها الصحف في الغد، ماذا سيقول لزوجته عن هذا التأخير، أول شيء يخطر لها أنه كان يقصف في بيت للدعارة، حتى لو أقسم على رأس ابنته وابنه، سوف تسكت، لكنها تحتفظ لنفسها بالانتقام لدى عودتهم إلى البلد.

أثناء انشغاله بالتفكير سمع دوي بعيد على سطح الماء، كان يقترب نحوهم ببطء ولكن بلا توقف. التفت إلى الشيخ فوجده انكمش على نفسه وحث مصباحه على إعطاء إشارات متلاحقة.

ظل الدوي يقترب من الشاطئ، وبالتدريج تجسد في صوت موتور زورق يمخر المياه، وكمن يتحدث في منامه نطق الشيخ بكلمة "هاهم!" وراح يستحث المصباح على المزيد من الإشارات الضوئية، ويخبر إبراهيم بإن الزورقين "وصلا بعون الله!" وإضاف "الحمد لله"

من نقطة سوداء، تحول الزورق إلى هيكل يتقدم في الظلام، وينشر الصوت الأخرق على مسافات كبيرة من الشاطئ. تخيل إبراهيم الصحف البريطانية في الصباح تحمل العناوين التالية: "تاجر عربي يترأس عمليات تهريب غير الشرعيين! ستكون فضيحة!" ولام نفسه أنه انصاع للشيخ في دعوته الحضور، وظل يتلفت وراءه قلقاً من هجوم السلطات، واندفع الزورق، بسبب الظلام، ليصدم الجرف الملئ بالحصى، وتستقر مقدمته على مسافة متر من اليابسة.

حين توقف الموتور عن الهدير، سمعت صيحات الركاب ضعيفة، واهنة، يتخللها صراخ أطفال، وولولة نسوة انقلبت على الرجال، ورجال داستهم الأقدام وتراكم فوقهم الآخرون، واعتقد الجميع أن الزورق صدم صخرة في البحر وأنهم غارقون لا محالة.

كان الشيخ محمود يهدئهم، يناشدهم السكينة والكلام بصوت منخفض لئلا يسمعهم حراس الشواطئ، وحين أدرك بعض الركاب أنهم على الساحل الإنكليزي، بدءوا يتسلقون حافة الزورق ويرمون أنفسهم على الأرض وهم بين الحياة والموت، وازداد عويل النساء وصراخ أطفالهن، وشاهد إبراهيم في قعر الزورق صورة من الجحيم في يوم بعث الموتى كما تصفه الديانات في كتبها، ولم يكن يفهم شيئاً من اللغات المختلطة والجميع يتكلم في نفس الوقت، يريد أن يُسمع كلامه قبل الآخر، والجميع بملابس رثة، ممزقة، حولها الماء المالح والشمس إلى أطمار، وظل بعضهم يعتقد أنهم وقعوا في يد الحراس، وكان عدد الأطفال يتضح أكثر كلما انزلوا قسماً منهم، وكلما اعتادت عينا إبراهيم على الرؤية بانت له وجوه ذابلة من الجوع، يضربها البؤس بلا رحمة، ثم أدرك أن قعر الزورق قد طُمر بالماء، وأن السواعد التي كانت قوية للرجال، هزلت وخارت نتيجة العطش، فلم تستطع صعود الحافة إلا بمساعدة يد تمتد إليها، وأخبر شاب بإنكليزية ركيكة الشيخ محمود أن الزورق الثاني غرق أمام الشاطئ الأسباني بسبب الأمواج الكبيرة والريح، ولم ينقذ من ركابه سوى أربعة نجحوا في التعلق بهذا الزورق، وقال شاب يتكلم العربية أنهم ظلوا الطريق فذهبوا إلى شواطئ إيرلندة، ثم عادوا يسيرون بمحاذاة الشاطئ الإنكليزي، وإن الماء نفذ منهم ولم يأكلوا لقمة منذ أسبوع، وأنهم ظلوا عالقين ليومين في البحر يخافون الاقتراب لأنهم لم يتلقوا الإشارة المتفق عليها.

كان الجميع يسأل عن ماء وطعام، وقد انزلوا جميعهم على الشاطئ، وتبعثروا على الحصى وبين الصخور، ووقف الأطفال يرتجفون ويولولون، بينما أمهاتهم منقلبات بين الصخور وكأنهن في حالة وضع من شدة الإعياء، ولم يجد إبراهيم ما يقوم به بعد ان نزل الجميع، فأخذ ينتقل، وهو يتعثر في الظلام، بين ركاب الزورق البائسين، بيدين فارغتين لا تروي ولا تشبع، وهم بين نائم أو جالس أو واقف لا يعرف ماذا يفعل، ثم سمع طرق مكتوم على جانب الزورق، تبين أن المولج بالدفة يحاول فتح ثغرة في الخشب بفأس، وراح يضرب حتى خرق الجانب ثم وسع الثغرة وأزال لوحين منها، بعدها تعاون مجموعة على دفعه إلى الماء، فانساب وهو يغرق على مسافة من الساحل ويخلف دوامات كبيرة.

بعد أن أنهى الرجل المهمة، راح يفتش عن الشيخ محمود والغضب يلمع في الظلام من عينيه، حين وجده انقض عليه كالنسر، راح يضربه ويشتمه بلغة أفريقية، وانضم إليه آخرون حتى تكوم الشيخ على الأرض وأشبعوه رفساً بأقدامهم، ثم انفضوا عنه وهو يولول ويجمع شتات نفسه المهانة.

 

 

 

 

 

 

 

12

 

ينتمي بوب إسبن إلى عائلة جميع أفرادها خدموا في الدولة، يُذكر منهم، على سبيل المثال، فرانك، هامل، ماثيو، وكولن إسبن، كلهم من برايتون، وكان فرانك، الوالد الذي يحتفظ له بصورة في المطبخ، عريف في الجيش، صُفت على صدره الكهل القليل من نياشين التفوق، وصورة أخرى يحتفظ بها في الدرج إلى جانب أربعة جنود (يقول إنه الثاني من اليمين) ينمحي الفرق بينهم في الغبش، أشعلوا سجائرهم للكاميرا وعيونهم تنتظر بفارغ الصبر، وراؤهم مجموعة من البغال محملة بالعتاد الثقيل. وبوب شرطي تقاعد في الخمسين من عمره، اهتم بالأمور الإدارية ولم يرتد الزي الرسمي، وتدرج في المناصب بدءاً بمدون قضايا إلى ناقل إضبارات للمحكمة إلى مسؤول عن السجل العام، وجميعها وظائف داخلية غير ذات قيمة في مجال أعمال البوليس الشاقة، وهو يذكر في فترة الستينات، أول عهد له بتجربة قمع الشغب، حين امتطى حصاناً أشهب ببزة رسمية وشاهد المتظاهرين من على صهوته، قصاراً، لا تظهر منهم إلى كاسكيتات الرأس والقبعات، وكانت الأوامر أن يضرب بالباستون من فوق الحصان على القفا وبدون قسوة، لأن حزب المحافظين خرج إلى الشوارع يطالب بخروج العمال من الحكم بسبب التضخم. قبل أن يرفع الباسطون ضد أحد، جفل الحصان الأشهب لأن متظاهر مرّ من تحت خطمه، فسقط بوب من فوق ظهره الجامح والتوى كاحله، ولم تنجح كل الأدوية في علاجه، لذلك أصبح بوب يعرج قليلاً. ورغم أن كلمة العرج لم تذكر في البيت منذ ذلك التاريخ، إلا أن بوب الأعرج بقيت متداولة في السوق وتغلبت على لقبه.

بوب معروف من قبل أصحاب الدكاكين، السباكون، الجزارون، باعة السمك، دكاكين السجائر، راسمي الوشم، ولا يَعرف أحد من العاملين في فاترينات الملابس والمحلات الحديثة الكبيرة، لذلك بقي جزء من تراث برايتون القديم. ويقال أنه أنقذ ثلاثة أولاد من الغرق عندما انهار رصيف برايتون الأول وسقط على شكل كومة هائلة من الأعمدة والقضبان، وما زالت هذه الأوتاد الحديدية غاطسة شمال الرصيف الحالي، تطل بشخانيبها الصدأة من الماء وتشير على عهد سابق لبرايتون، ويعتبر بوب إسبن، والحق يقال، بطلاً محلياً شهماً، تضاف هذه الحادثة المتسمة بالصداقات العامة بين نمط معين من المواطنين.

وبوب إسبن طويل، نحيف، اتصف سيره بالحركة السريعة، ربما ليخفي أثار الكزل الخفيف في ساقه اليمنى، بحيث يمكنه الطواف على دكاكين أصدقائه المذكورين خلال نصف ساعة: هالو جَيم! كيف الحال سوذرن! طقس جميل اليوم يا وليم، هاي ستيف!

وما يهدد عادات بوب البسيطة هو زحف المؤسسات الكبيرة على الدكاكين لابتلاعها، إلا أنه لم يعد يطمع بأكثر من عشرة أو خمسة عشر سنة أخرى في الحياة، ثم ...تُبْ، ويرحل عنها بنفس راضية، ويكفي الذهاب مرة واحدة إلى الكنيسة ليتلقى الغفران على يد قسّ المنطقة.

ورغم طوافه اليومي في السوق على أصحاب المهن التي في طريقها إلى الانقراض لتبادل الأحاديث السريعة، التزم بوب، ودون معرفة ابنه جيفري، بالبحث عن جوليان سمث والسؤال عن عنوانه كلما سنحت الفرصة بذلك، وظل يتشمم المعلومات عنه منذ اليوم الأول، لذلك غدت حكاية الشيخ العربي الذي جاء يبحث عن ابنه معروفة في كل أوساط السوق، يردّ بها أصحاب بوب على تحياته بالسؤال: "هل من جديد في قصة الشيخ؟" ولذلك، أيضا، جاء اليوم الذي يقف فيه الأب أمام الابن ليقول:

- هل تريد معرفة عنوان جوليان سميث الحقيقي؟

- جوليان سميث؟ ردّ جيفري مندهشاً من المفاجأة، وقال. نعم!

- إنه يسكن لدى العجوز هدسون، رقم 25 في شارع بيدفورد. أكد الأب بنوع من الفخر.

- كيف عرفت هذا؟ سأل جيفري.

- كما أقول لك، الرقم 25 شارع بيدفورد، أجاب بوب. وكانت الأم تشارك زوجها الشعور بالفخر من قرب الطباخ دون أن تفقه شيئاً. هل تريد رؤيته اليوم؟ قال الأب.

- اليوم! نعم، قال جيفري وقد التوى لسانه من الدهشة.

- إذن قابلني في الثانية عند ناصية بنك لويد!

لجأ بوب إسبن إلى عدة طرق للوصول إلى جوليان سميث، وتعهد أن يبقي الأمر سراً عن ابنه حتى يتقين من الشخص وعنوانه، وكان أبرز تلك الطرق المقابلة الحاسمة مع الضابط المتقاعد في الشرطة فانتون، المنزوي في قرية صغيرة قرب برايتون، مع قطعة أرض أيضاً صغيرة يزرع فيها الكروم، يطمر عروقها شتاءاً بالتبن والخث ليحميها من الصقيع، فتبرعم أول الربيع وتحمل عناقيد مكللة بالعنب الأبيض، يعتصره ويخمره في إناء اسمنتي سعة مائة لتر، يتباها بأنه شبيه، في الذوق والجودة، بالنبيذ الفرنسي.

انبعث فانتون مثل ومضة خاطفة من إلهام أنارت سماء ذهنه، فقد تقاعد معه في نفس العام، وهو من الرعيل الأول من الشرطة الذين خدموا بلا ذنوب، وذنوب هنا تعني الرشوة والزيغ. عرفته برايتون القديمة وعرف دهاليزها كما لم يعرفها أحد، وهو مطلع على إضبارات المجرمين وأصحاب السوابق والنشالين، ومدمني الخمور والمشاغبين الذين يدخلون السجن في الليل ويخرجون في الصباح.

- هالو مستر فانتون، قال بوب وأخذ تحية عسكرية له.

- من؟ قال فانتون. مستر إسبن؟

- نعم سيدي! ردّ بوب وهو يبتسم، ثم تحلّل من وضعه العسكري.

- كيف حالك؟ سأل فانتون وكان يشذب أفنان كرومه بمقص. من الذي جاء بك إلى هنا؟

- حاجة بسيطة، قال بوب، ثم أثنى على الكروم. أنت تملك عرائش جميلة!

- إنها أربعة صفوف لا غير! أجاب بتواضع. البقعة المجاورة هناك، وأشار بيده إلى أرض قريبة. معروضة للبيع، وضعوا لها مبلغاً غير قابل للمساومة، إلا أن العمر لم يتبق فيه ما يسمح بزراعة كروم جديدة! كما ترى، والوضع لا يسمح بالشراء! ماذا يمكنني أن أفعل لك يا إسبن؟

- جئت أسأل عن شخص اسمه جوليان سميث. قال بوب.

- ما هي مهنته؟ سأل فانتون.

- يدعي أنه مخبر خاص، أجاب بوب.

- مخبر! فكر فانتون، ثم قال. ليس في برايتون مخبر خاص، إلا إذا كنت تقصد أنتوني ستافور! هذا الثعلب يغير أسماءه بكثرة ويعيش في عنوان واحد، إنه يقوم بحيل صغيرة، هل أنت أحد ضحاياه؟

- كلا، عمل لشيخ عربي جاء برايتون يبحث عن ابنه. قال بوب.

- هذا هو! لقد أرسلته إلى القاضي عشرات المرات، وظل يفلت من العقاب، ربما يشفقون عليه بسبب عاهته. يمكنك أن تجده لدى السيدة هدسون، 25 شارع بيدفورد.

قصد جيفري ناصية بنك لويدز في الموعد المحدد، فوجد والده يتبادل الحديث مع رجل في مثل سنه، كل منهم متعلق بالآخر لكي لا ينفد أسباب الكلام بينهما. بعد أن ودع الرجل، مشى بوب وابنه مسافة عشر دقائق ليغيبا في شوارع المدينة القديمة، ونبه بوب جيفري إلى مفاجأة تنتظره، وعندما سأل الأخير: "لماذا في الساعة الثانية؟" أجاب الأب باسماً: "الموعد الذي يخرج فيه الثعلب من وجره"
وصلا أخيراً إلى ساحة صغيرة بين البيوت رتبت على شكل حديقة، جلسا فوق كنبة مثبتة من الإسمنت، وقال بوب "هاهو الرقم 25" وأشار بيده إلى دار بعتبة كبيرة، انتظرا أمامه.

لم تمض إلا عشر دقائق حتى فتح الباب، وظهر منه كرسي كهربائي للمقعدين، نزل على منحدر قصير رتب له على يمين العتبة، لم ينتبه إليه جيفري، ثم سار في الشارع.

- هاهو جوليان سميث! قال الأب.

- لا أدري...! ردّ جيفري وقد تسمر في مكانه للمفاجأة، ثم نهض وتبعه عن بعد. عندما أحسّ جوليان بأقدام خلفه، زاد من سرعة الكرسي، فصاح جيفري وهو يركض وراءه:

_ مستر جوليان!

توقف الكرسي دون أن يلتفت، وركض جيفري وهو ما زال تحت تأثير المفاجأة، وقف حياله وقال:

- مستر جوليان سميث!

- لماذا تسأل؟

- كنت أبحث عنك، قال جيفري.

- هل يمكن أن أخدمك بشيء، ردّ جوليان ساخراً.

كان جوليان يحتفظ بشارب رفيع، فوق شفة عريضة، وشعر رمادي مرتب بعناية. وهو في حوالي الخمسين، بملابس أنيقة، جاكيتة زرقاء في عروتها قرنفلة بيضاء، وفيونيكا حمراء غامقة فوق قميص أزرق فاتح، ، يدثر ساقيه ببطانية خفيفة داكنة، ظل ينظر مباشرة في عيني محدثه ينتظر تفسيراً لهذا الاعتراض.

- إنه بشأن الولد، ناصر إبراهيم، أجاب جيفري يريد مفاجأته.

- ماذا بشأنه؟ سأل جوليان.

- لقد عملت مخبراً لوالده مدة سنة، وقبضت أموالاً، ثم اختفيت! قال جيفري.

- من أين لك بهذه المعلومات! تتكلم وكأنك في قاعة محكمة تسوق الدلائل والجمهور يصغي إليك! قال جوليان ليحبط من عزيمة جيفري.

- إن والده موجود هنا، في برايتون!

- وهل تقدم خدماتك كمخبر؟ سأل جوليان باسماً.

- من الأفضل التكلم إليه بنفسك وتكمل مهمتك، أو تعيد إليه نقوده! قال جيفري وقد تجاوز صدمة المفاجأة.

- لم تجب على سؤالي، قاطعه جوليان. هل أنت مخبر؟

- كلا، أنا ساعي بريد. أجاب جيفري.

- إذن اهتم برسائلك وطرودك يا ولدي! قال جوليان وضغط على زرّ في مقبض الكرسي فسار به إلى الأمام بحركة عادية.

سار جيفري إلى جواره ليتابع كلامه:

- ليس من العدل ترك الأمور عند هذه النقطة، فهو يستطيع مقاضاتك!

ضحك جوليان للتهديد، وقال دون أن يوقف الكرسي عن السير:

- لا يمكنه مقاضاة أحد يا ساعي البريد، لأنني لست جوليان سميث، بل توني هيل! وحتى لو عرضت تسجيلاً لحديثنا، لن تثبت شيئاً.

- والرسائل التي كنت تتبادلها معه في الإنترنت! سوف يفحصون جهاز كومبيوترك. ردّ جيفري بثقة.

- ليس لدي كومبيوتر، يمكنهم تفتيش غرفتي. أجاب جوليان.

- لكن ما الذي يمنعك من مقابلة الرجل، لتخبره عن نتائج بحثك؟ قال جيفري مستغرباً.

- لست معني بمن تسميه جوليان سميث، قال جوليان. عليكما بالبحث عنه لعله يقول لكما ما تودون معرفته!

ظل الرجل مصراً على كلامه، ويبدو في اطمئنان، وظل الكرسي يسير حتى نهاية الشارع ثم انعطف على شارع آخر. التفت جيفري خلفه، فلم يجد أثراً لوالده، وتابع السير إلى جانب جوليان الذي قلب جلده وكأنه توني هيل، فبدى له كثعلب حقيقي كما وصفه له والده، لذلك فكر أن يلين معه، أن لا يهدده بساحة هو ضليع في الإفلات منها بشتى الطرق.

- مستر جوليان، إن الوالد لا يفكر بشيء مما قلت لك، قال جيفري. إنه لا يريد إلا معرفة الحقيقة عن ابنه!

- هذا الكلام يجب أن توجهه إلى جوليان سميث وليس لي! أجاب، وكان الكرسي يشق طريقه على رصيف يكثر فيه المارة، والحديث يشوبه التقطع، يصعد ويهبط، ويحاول جيفري السير قريباً من الكرسي، أو خلفه.

- هل عثرت على دلائل تشير إلى وجوده في برايتون! هذا كل ما يود معرفته! قال جيفري، فسأل جوليان متجاهلاً سؤاله.

- من الرجل الذي كان يجلس إلى جانبك في الحديقةّ؟

- والدي، قال جيفري.

- إنه يشبهك، باستثناء النحافة. قال جوليان، ثم عاد يسأل. هل هو الذي قادك إلى هذا الخطأ؟

قال جيفري وهو يبتسم:

- ليس تماماً. واستغرب أن جوليان قد لمحهما بطرف عينه وهو ينحدر من الباب إلى الشارع، وأنه يقيم مسافة عشر دقائق عن خط التوزيع المكلف به "كان تحت أنظاري ولم أره!" همس لنفسه. "وربما التقيت به عدة مرات دون أن يثير انتباهي!" وأخيراً "من كان يتصور أنه مقعد يجره كرسي!"

وقف الكرسي أمام دكان لبيع الصحف، وبينما كان يخرج النقود من محفظته، جاء البائع برزمة من الصحف المحلية والمجلات وسلمها له. ناوله ثمنها فشكره وهو يعود إلى دكانه، كانت عملية تسلم وتسليم يومية اعتاد عليها البائع مع المقعد، ثم تابع الكرسي سيره.

- لقد رأيته عدة مرات في السوق! قال جوليان.

- من؟ سأل جيفري.

- والدك! ردّ جوليان، ولاحظ جيفري أن الكرسي خفف سيره ليتماشى مع حركة أقدامه على الرصيف.

- إنه متقاعد، يقضي النهار هنا وهناك، قال جيفري، ثم سأل. هل تعتقد أن الولد موجود في برايتون؟

- كيف لي أن أعرف؟

ساد الصمت بينهما، وواصل الكرسي سيره ثم عرج على شارع آخر، فعلم جيفري أنه متجه إلى الشمال، حيث يقل عدد المارة، ولم يبدر عن جوليان أي اعتراض على بقائه إلى جانبه، وكان اليوم أحد، فليس أمامه ما يفعله، فقرر أن يتبعه إلى النهاية.

- ما رأيك بتصوير الكرة الأرضية من الفضاء؟ سأل جوليان.

- تصوير الكرة الأرضية من الفضاء! كرر جيفري السؤال مستغرباً. لا أعرف ماذا تقصد!

استل جوليان إحدى الجرائد من حضنه وقدمها إلى جيفري.

- هاك أقرأ!

أفرد الجريدة على حجمها العادي وراح يقرأ في عنوان كبير وهو يمشي، قال.

- فكرة جيدة. ولكن كيف يستفاد منها الإنسان؟

- يعرفون البيوت والشوارع عن قرب، دون القاطنين فيها، ردّ جوليان، وأضاف. ولا أسماءهم.

انتبه جيفري إلى ما يعنيه بأسمائهم، فأعاد الجريدة إليه بعد أن رتبها، وفكر أنه حتى لو تمكنوا من تصوير العالم من الفضاء، لن يستطيعوا التوصل إليه، فهو جوليان سميث، وتوني هيل، وقائمة لا نهاية لها من الأسماء، ليس من السهل الإمساك بأي منها! قال جيفري متجاهلاً المعنى الذي قصد إليه:

- فكرة ممتازة، إذا أمكن الناس الإفادة منها بشكل أو بآخر!

- في المدرسة، كنت أقود مجموعة من الأولاد، قال جوليان. علمتهم أن يكونوا أوغاداً حقيقيين، كانوا يغزون أدوات التلاميذ ووجباتهم وخرجياتهم اليومية، وعندما يشتد عليهم الحصار يضعون اللوم على المُقعد، الذي هو أنا، حينها أروح أعول وأبكي وأقول لا أدري من يدسّ هذه الأشياء في جيب مركبتي، وكانت (مركبتي) تثير ضحكهم وينسون الجاني، وهم لا يدرون أنني أطير كل ليلة في الكرسي واحلق فوق مدن ومزارع وجبال جميلة، ولا أنزل على الأرض إلا عند الصباح!

- وهل ما زلت تحلق فوق المدن الجميلة في الليل؟ سأل جيفري بشيء من التعاطف.

- نعم، إنها حلمي المفضل. أجاب جوليان، وأضاف. من يستطيع العيش بدون أحلام. هل تستطيع؟

- كلا، قال جيفري، يشعر تجاه الحلم، وصاحبه، شفقة خفية، إذ فهم حاجته إلى حلم ينتقل به إلى صور ساحرة، تعوضه عن الركود في هذا الكرسي طوال حياته.

قبل أن يصلا إلى مجموعة دكاكين منعزلة بينها مقهى وضع طاولاته على الرصيف، قال جوليان:

- هل لديك مانع في مشاركتي كوب قهوة؟

- بكل سرور، أجاب جيفري وقد تضرج وجهه من المفاجأة، وقال. بشرط أن أدفع عنك!

- ليست هناك شروط على كوب القهوة! ردّ جوليان، وكان الكرسي وصل إحدى الطاولات، وأسرع جيفري يفسح مجالاً له، فاستقر بدلاً من كرسي أزيح عن مكانه ليتقدم جوليان من الطاولة، جلس جيفري أمامه وهو سعيد بالدعوة.

- هل تشم الرائحة! إن المكان يقدم قهوة ممتازة، علّق جوليان، ووضع رزمة الصحف على الطاولة.

- إن المكان يفوح برائحة البن المطحون، قال جيفري وهو ينتبه للمرة الأولى للرائحة، فأدرك أنه ما زال داخل نفسه، مرتبك، يهيئ ما يجب أن يقوله أو يردّ به، بينما ظل الآخر على سجيته.

جاء النادل وسأل ماذا يرغبان، فقال جوليان: "اثنان قهوة بالحليب، من فضلك!" ثم وجه حديثه إلى جيفري.

- قل لي، لماذا أنت مهتم بقضية الولد؟

- وجدت والده وحيداً، هو وعائلته، ينشد العون ويعرض المال مقابل ذلك، فتطوعت مجاناً لمساعدته، قال جيفري يفسر موقفه، أضاف. ربما لأنه غريب عن برايتون!

- فعل الخير! سأل جوليان.

- يمكنك قول هذا! أجاب جيفري.

- لكن، قد يكون الخير على الجانب الآخر! قال جوليان، وأخرج سيجار صغير من جيبه، وواصل كلامه.

- ماذا تعني؟ سأل جيفري.

- لا عليك! قال جوليان، وأشعل السيجار. لكنك غير مطلع على المهمة التي تقوم بها، التقصي والبحث والاستفسار! هل كنت تعتقد أن وظيفتك كساعي بريد تتيح لك في ذات الوقت القيام بكل هذا!

- اعرف أن الأمر صعب، وسهل في نفس الوقت! ردّ جيفري، مدركاً أن جوليان يصور الأمر أشبه بالمستحيل، وهو ليس كذلك.

وضعت أكواب القهوة والحليب أمام الأثنين، ثم انسحب النادل، أثناء ذلك أشعل جوليان السيجار ونفث منه دخاناً كثيفاً برائحة لطيفة هيمنت على الجلسة، قال:

- سوف تشكرني لأني عرفتك بهذا المقهى، رغم أنني لا أتردد عليها كثيراً.

ارتشف جيفري من الكوب، وعلق:

- إنها مدهشة بالفعل! ثم أضاف باسماً. شكراً!

- لا تهتم لذلك، ردّ جوليان ولأول مرة لاح على وجهه شبح ابتسامة.

ارتشف من قهوته رشفة قوية، وسحب قدر طاقته من السيجار، ثم نفث ببطئ، فاندفعت الغلالة، متصاعدة في نفس واحد إلى الأعلى متراً ونصف، واحتفظ في فمه ببعض الدخان وهو يرتشف مرة أخرى، وبدا لجيفري أنه يمضغ القهوة والدخان سوية ويستمرئ طعمهما.

سأل جوليان بعد أن انتهى من العملية:

- هل تعمل مع جيش الخلاص؟

- لا. أجاب جيفري.

- أمقت الخير وأعماله، قال جوليان. لا أظنني قمت بعمل يمكن أن تسميه خيراً على الإطلاق، وكنت سعيداً بهذا. لذلك، قل لهذا الوالد أن ينسى ابنه، أن يتركه لحاله، سواء كان هنا أو في مكان آخر!

- لماذا؟ سأل جيفري مستغرباً.

- كل البشر أنانيون، ونحن كذلك بشكل أو بآخر، إلا أن هؤلاء الناس أنانيون بشكل كريه، إنهم لا يملكون غير الأنانية، قل له أن يدعه وشأنه، وليس لدي ما أضيفه!

لزم جيفري الصمت لفترة، كان خلالها ينظر في عيني جوليان ينتظر تفسيراً لكلام لم يتوقعه.

- لا أعرف من الذي دفعك في طريقي اليوم بالذات! استطرد جوليان. ولم أكن أنوي عمل الخير لأحد، لا لك، ولا للأب الذي ينفق الأموال لمعرفة مكان ابنه، إلا أنني، ولا أعرف لماذا، قررت أن أتلطف معك في الحديث، لأنك ساذج، نوعاً ما، إذ تتطوع لتساعد في مسألة لا تعرف أبعادها!

- كيف ذلك؟ سأل جيفري وهو يبتسم لمحدثه.

- لأنه سوف يهرب منه مرة أخرى، ويعود ينفق الأموال ويهرب الولد من جديد! الأموال لا تصنع الأبوة، وحين تصرخ العاطفة في قلوب هؤلاء الناس يصرخ معها الجهل والقسوة في نفس الوقت، ولا يمكنهم التمييز بين الأثنين! إنهم يخلطون الأشياء ببعضها!

لم ينبس جيفري بكلمة من الدهشة، بينما ارتشف جوليان من قهوته وسحب الدخان ثم نفثه إلى الأعلى.

- أمقت الخير وأعماله، قال أخيراً. وأنا سعيد بهذا. قضيت أيامي أنصب وأحتال على المغفلين لتسديد فواتير حياتي، وقد تعقبتني الشرطة مئات المرات، حتى غدت إذا وصلت بابي تنكمش وترتد، كما لو أن ثعبان برأسين يحرسه، وأنا سعيد أيضاً بهذا، لأنني أصبحت متساوياً مع الناس، لكم عملكم ولي عملي. أن تمتهن الاحتيال يعني أن تفتح عينيك أكثر من الآخرين، وستجدهم مشتتو الذهن وسارحون وراء خيالات لا تتعلق بالحياة ذاتها، وهذا لصالحي، ونقطة ضعف الإنسان أنه أناني، كيفما تقلّبه سيظهر لك عن جانب أناني، مما يسهل مهمتي.

بقي جيفري يزم شفتيه ويهز رأسه موافقاً، متفهما وضع جوليان في اعترافاته غير المتوقعة، إذ أن الحياة غدرت به، أقعدته عن الحركة وحرمته نعمة الوقوف على قدميه، فأصبح لا يرى فيها إلا صفحة مظلمة.

- الأنانية موجودة في قلوب كل البشر، استطر جوليان. لا يخلوا قلب إنسان منها، لا أقول هذا بسبب علتي، دعك من هذه المشكلة الآن، فقد تعودت الكرسي منذ صغري، وفي كل أسبوع تأتي عاهرة إلى غرفتي، إنني أتحدث عن الوجه السيئ للحياة.

دهش جيفري، لأن جوليان قرأ أفكاره، وردّ عليها مباشرة، فجرده من سلاح التعاطف معه بالنسبة للجانب المكشوف من أزمته، فكفّ عن الموافقه برأسه، ظل يصغي فحسب، بينما واصل جوليان.

- يقول لي الطبيب لماذا تدخن بهذه الشراهة؟ يجب أن تفكر في السرطان! سؤال مضحك! ألا يفهم هذا العالِم أن السرطان يولد معنا في الرحم، ولكن الأنانية نتنفسها في الجو، نستنشقها في الهواء المحيط بنا، فهل فعلوا شيئاً تجاهها؟ وهل فكروا فيها أصلاً؟ كلا، إذن لماذا يخشون السرطان ويتجاهلون الآفة الظاهرة للعيان؟ لأنهم يشتركون فيها جميعاً! قال ذلك مشدّداً على الكلمات.

ظل جيفري مصغياً، منجذباً إلى حديث جوليان بآذان مشدودة، سعيداً بأنه اصطفاه ليكشف أمامه مكنونات نفسه.

- كنا ثلاثة، سوف أحكي لك القصة التالية، قال جوليان. أيام الشيطنة التي كلمتك عنها، نلعب في الحديقة العامة، وكانت فتاة شابة تلعب مع كلبها وابنها بعيداً عنا، وهناك عدد لا بأس به من الناس، حين ظهر شاب وراح يطعنها بسكين، لم نفهم السبب ولكنه ظل يطعن وهي تصرخ، خمسة، سبعة، عشر طعنات إلى أن انهارت مضرجة بدمائها، وبدأ الطفل يصرخ بينما الكلب تجمد في مكانه من الخوف، ثم استدار، أعني القاتل، وذهب بين دهشة الموجودين وفزعهم، وركضنا، يدفعني أحد الأولاد، نحو المكان، كانت قد لفظت أنفاسها، والطفل ما زال يبكي والكلب انحلت عقدة خوفه وراح ينبح قرب الجثة، لم يكن نباحا، بل عويل طويل مثل عويل الذئاب، يرفع رأسه نحو المكان الذي ذهب فيه القاتل ويعول، ثم جاء رجل البوليس وسأل من الذي فعل هذا؟ يا إله السماء، لم يكن أحد غيرنا نحن الأربعة هناك، أين اختفى الناس الذين شهدوا الحادث، كيف انشقت الأرض وابتلعتهم؟ أية صاعقة كنستهم من الحديقة؟ قلنا إن شاباً قام بالجريمة، وهو يرتدي كنزة سوداء وبنطلون كحلي، وكنا نتسابق في وصف الحادث، كل منا يقول ما رآه في نفس الوقت وبصوت واحد، وأخيراً قال رجل البوليس: اذهبوا انتم إلى بيوتكم! لا تقفوا هكذا! إذن، لماذا سأل من الذي فعل هذا؟ ولمن وجه السؤال، هل كان يسأل نفسه، وأين ولى الناس الذين كانوا موجودين؟

سكت جوليان بعد ذلك الحماس الذي أبداه في سرد الحكاية، ولجأ إلى سيجاره يسحب منه نفساً طويلاً، وينفث بطريقته، قال:

- بعد أن كبرنا وأصبحنا نفهم جلية الأمور، عرفنا ما تعنيه الأنانية بوجهها البشع. اقتل واسرق ولا تتدخل فيما لا يعنيك، لكي لا يتدخل الآخرون في شؤونك. هذا المبدأ القبيح هو الذي يربط بيننا. فلماذا تتدخل في مسألة لا تعنيك، وبدون مقابل أيضاً؟

سكت جيفري لفترة قصيرة، ثم أجاب كمن يعتذر:

- أردت مساعدته، كما أخبرتك. يجب أن نقيم علاقاتنا على شيء من التفضيل، أن نتخلص من الأنانية! صحيح أن الحادث المروع الذي شهدته في طفولتك لن يفارقك أبداً، لكن يجب أن نفعل شيئاً مختلفاً!

- من ناحيتي، لن أفعل غير ما اعتدت عليه، ردّ جوليان. هذا مبدأ عادل! ثم بعد فترة. سأكشف لك أمراً خاصاً، لك وحدك، وسيكون سرنا المشترك، هل توافق؟

- نعم. قال جيفري.

- في أي يوم نحن؟ سأل جوليان.

- الأحد، الأول من اكتوبر. أجاب جيفري.

- منذ أربع سنوات أرتدي هذه الثياب، التي تُعد أنيقة بشكل ما، وأقف على آخر نقطة من رصيف برايتون، الساعة الواحدة بعد منتصف الليل، أهم بالقفز بكرسيي إلى الماء. اليوم أيضاً سأحاول، وأرجو أن لا تطغي حسابات الحياة، كما في المرات السابقة، على إرادة الموت، فأقفز وينتهي كل شيء!

يهم جيفري بالكلام فيوقفه جوليان بيده:

- لا تقل ولا كلمة!

يسود الصمت بينهما، وينظر جيفري إلى أصابع جوليان الغليظة، الممسكة ببقية السيجار باناقة، فيشعر أنه مثل طفل في حظرة مقعد داهية، حتى في اختياره للموت! يطرق إلى الأرض، ويستمر الصمت، ليعب جوليان من سيجاره.

فكر جيفري أنه لم يكن صادقاً كل الصدق في كره الحياة، إنما ملّ الكرسي، ملّ أحلامه في الطيران بهاتين الخرقتين التي لا فائدة منهما. ملّ، منذ الصغر حتى اليوم الجثة الملتصقة أسفله، إنه، حتى دون أن يعلم، عضواً في جماعة (الفناء السعيد) إذ واتته الشجاعة اليوم على القفز إلى البحر بكرسيه، سيكون أول عنصر يقرر، وبإرادته، تحقيق الراحة الأبدية.

لقد شاهد المرارة المزروعة على شفتيه الجافتين، ويستطيع الأن استحضار صورتهما دون النظر إليه، إنها رمز لعذابه الطويل، لأحلامه الضائعة، لغدر الحياة به، للطفل الذي شهد على أنانية البشر، وكان يعتقد أنه الوحيد الذي يُحاسب عليها بسبب عاهته، فاكتشف أن النفس تميل إلى الهرب من المسؤولية سواء كانت سليمة تركض على أقدامها، أو مقعدة مغلوب على أمرها، لا استثناء يعفيها، ولا حرج في هربها. الكل يريد سلامته وراحته الشخصية.

 

 

 

 

 

13

 

- هل تود رؤية ابنك؟

سأل جيفري، وفوجئ السيد إبراهيم بالسؤال. بقي صامتاً، يقلّب السؤال في ذهنه لفترة، بينما الشمس تلقي بشعاعها الأخير على جزء من شارع الأمير البرت والجدار المقابل، وتمرح طيور النوارس في الأعلى، ثم تقترب من الأرض لتقصف براميل القمامة التي امتلأت إلى النصف، فيفرّ السياح من الدائرة المحيطة وهم بين خائف وضاحك.

- هل ترغب في رؤيته؟ كرر جيفري السؤال وانتظر.

- قلبي يقول لي نعم، لكن عقلي يردعني عن ذلك! أجاب إبراهيم بعد أن انفكت عقدة لسانه.

قبل أن يترك جوليان، انتزع جيفري منه الموافقة على رؤية إبراهيم لابنه، إلا أنه فوجئ بالتحول الذي طرأ على الأب، ووجده مهيئاً، من نفسه، لهذا الأمر.

كانت الساعة الرابعة حين اتصل جيفري بالسيد إبراهيم ليعلن له النبأ، ووجده في برايتون مع العائلة، لذلك وافق على اللقاء به في مقهى (النمر الأسود) في شارع الأمير البرت، وقال إبراهيم أيضاً إنه كان يريد رؤيته قبل رحيلهم، فانهالت المفاجآت بلا حساب على جيفري.

اختار إبراهيم طاولة ثانية لينفرد بجيفري، وبقيت العائلة على طاولة بعيدة. كانت الزوجة في أبهى الثياب، تكشف عن ساقين جميلتين صيغتا من المرمر الأسمر، إلى جانبها الصبي والصبية يضحكان ويتستران على ضحكهما، ينظران إلى امرأة بدينة تقعي على الأرض لتعالج حذاء ابنها الصغير، فينخرط بنطلونها إلى الأسفل ليكشف عن مؤخرة بيضاء والشقّ أعلى الردفين.

- الحياة تشوه ما بنيناه، لأننا بنيناه على العاطفة وحدها! قال إبراهيم وهو ينظر بعيداً عن أنظار جيفري. شيء غريب هذا الإله الذي نعبده، إنه يتولى كل صغيرة وكبيرة عنا، الشر والخير، الفقر والغنى، المصائب واليسر، ثم يرسلنا إلى يوم الحساب، لذلك نحن مشدودون إلى الحياة بالعاطفة وحدها، نسعى وأبصارنا على الجنة.

فوجئ جيفري بكلام إبراهيم، باعترافه بدور العاطفة في حياتهم، وعندما عادت أنظاره من الشارع واستقرت على وجهه، وجد فيه شخصاً آخر، وعي مختلف وهو يقول:

- أنا غير متأكد ممّا سأفعل، لو رأيته!

إنه يتكلم بلسان جوليان، قال جيفري لنفسه. هذا الرجل الذي فارق ابنه لمدة سنتين، وكنت أظنه سيفرح بالعثور عليه، مع دمعة صغيرة تنحدر على خده، فما الذي تغيّر؟

كانت الحياة تجري ببطئ، بتؤدة، ولا يحسب للأيام حساب على جريانها الكسول، الآن تسرع على جيفري، ولا يكاد يلحق بالمفاجآت التي تزخر بها، وإبراهيم يجلس أمامه مثل أبي الهول المصري، يوشك ثم يتردد في فكّ ألغازه، والنوارس تضاعف قصفها، فتسقط في قلب الشارع وفوق الزبالة بالعشرات، وكأنها عثرت على شيء ثمين تريد انتشاله، ويهرب المارة في كل اتجاه، ويتصاعد الضحك، يفلش انتظار جيفري وتركيزه على الفمّ الأسمر ليتلفظ ببقية الحقيقة.

- عندما بلغ ناصر الخامسة عشر، قام بأول عملية هرب، كسر إبراهيم صمته ليكشف أول اعتراف، قال. في الواقع كنا نجهل كيف نتعامل معه، لم نفهم وطأة فقدان الأمّ على نفسيته، قلنا ماذا يحتاج غير الأكل الجيد والملبس المميّز؟ لقد أهملناه، وأصبحنا نلومه على انفجارات قلبه الصغير. كان يجد الاهتمام، غير الأكل والملبس، لدى خالته، فقلنا بصوت واحد، النساء والرجال، إنها سبب فساده، ومنعناه من الذهاب إليها، ثم سأل إبراهيم، كما لو كان يوجه كلامه إلى جيفري. كيف يمكنك العيش بين طوق حديدي، توشوش فيه النساء بالأحقاد والوشايات، ويستمع الرجال إليهن؟

لم ينبس جيفري، راح يستوعب الكلام الذي قيل له، ينظر في العينين السوداوين ثم يرتد نظره إلى سطح الطاولة.

- جئنا نودعك، قال إبراهيم. نشكر الجهود التي قدمتها بدون مقابل، فتفاجئني بمعرفة مكان ناصر، هذا الإنجاز الذي نقدره لك ونعجز عن تثمينه وضعني في مأزق، كيف سأقابله؟ كيف أنظر في عينيه؟ وماذا أقول له؟ لو كان هذا قبل شهر لفرحت، لفرحنا كلنا، وذهبنا إليه كمنتصرين، نهلل والدموع في عيوننا، نقبض عليه ككبش فداء ونعيده لحظيرتنا!

يصمت لفترة، ثم يستطرد وهو ينظر مباشرة إلى جيفري، ويضيف بهدوء:

- لقد اكتشفت أن الربّ، ربنا، بدون أنياب، وستبقى هذه القبائل الجاهلة بلا عقاب، كما سيبقى وهم الجنة السائبة يلعب بضمائرها. اسمح لي بقول هذا الكلام الذي لا يقصدكم من قريب أو من بعيد!

- أفهم! ردّ جيفري يهزّ رأسه موافقاً.

عاد الصمت بين الاثنين، بينما سيل المارة ودوي حركتهم يمسّ آذانهم دون أن يدخلها.

قص إبراهيم حادث الجزائر وذبح الأطفال، وانعكاس الحادث على نفسيته، الأحلام التي كان يشاهدها عن ابنته وابنه، والدم الذي يطارده في اليقظة والمنام، وقال إنه لم يعد يتكلم عمّا يثقل قلبه من همّ إلا لشخص أجنبي مثله، وفي بلده سيبتعد عن الناس لفترة طويلة، لا يعرف مداها، وإنه سيكتم التحوّل الذي طرأ على أفكاره حتى لا يعرض أبناءه للخطر، فالمجتمع لن يتساهل معه "وأنا..." قال أخيراً "كلما راجعت نفسي، أكتشف وضوحاً جديداً في الظلام الذي كانت فيه!"

أدرك جيفري حقيقة التحول الذي أشار إليه، وتفهم سبب قلقه، إلا أنه لم يستوعب عدم رغبته في رؤية ابنه. فكر، إذا كانوا أخطئوا معه في السابق، يمكنهم الاعتذار إليه وتسوية الأمور على الوجه الأفضل، بدل إهماله وكأنه غير موجود! وتساءل في سريرته عن جدوى المبالغ التي تكلفوها، سواء ما دفعوه لجوليان سميث، أو تلك التي ينفقونها في السفر بين دول أوربا! والآن، إذ يعرفون مكان الابن، يديرون له ظهرهم ويتقاعسون عن رؤيته، هل هو ابنهم في النهاية؟

- لن أتنصل عنه! قال إبراهيم يريح جيفري من التساؤلات التي تدور في صمته. ربما أعود إليه فيما بعد لألتقيه، سنكون على انفراد، أشرح له الأخطاء التي ارتكبناها بحقه، أما الآن، فأرجو أن يبقى الأمر سرّاً، بيني وبينك.

عادت الألغاز من جديد، والتبس تواترها على جيفري، لقد غدا، فجأة، شريكاً في سرّ لا يربط تسلسله منطق، وبدت له العائلة أشد غرابة مما يعتقد، وكان عليه، في النهاية، أن يصمت ليسمع المزيد.

التفت إبراهيم إلى زوجته ليتأكد من انشغالها مع الأولاد، وعاد يقول:

- المرة الخامسة التي هرب فيها ناصر كانت إلى أوربا. ماذا عنت له أوربا؟ تساءل ثم أجاب. أوربا تعني الخلاص منا، وتعني الحرية له، واكتشفنا أن خالته دفعت نفقات السفر والتسجيل في الكلية البحرية. لم نكن نعرف ذلك صدفة، بل شكوناها للقضاء، دخلنا معها في مشاكل كثيرة إلى أن اعترفت بمكانه، فازدادت رغبتنا في أن نعيده لنبقيه أسيراً لإرادتنا، ولحقنا به إلى ألمانيا، لكنه فرّ من ألمانيا ما إن عرف بمجيئنا، واختفى.

سكت إبراهيم لفترة، وهتف جيفري لنفسه، إذن لقد تحدث إليه جوليان، تحدث معه وجرّه إلى الكلام عن أهله، ومطاردتهم. جوليان يعرف كل شيء، أكثر مما أعرف، لذلك قال يجب أن يتركه وشأنه.

عظّ إبراهيم على شفته السفلى ندماً، وواصل كلامه:

كنت أتصرف برعونة، كنت أنساق لإلحاحهم دون وعي، أستمع للومهم، وأتأثر بتلميحاتهم عن تمرد الابن على إرادة الأب، فلا أرى منه غير العقوق، هكذا جعلته ينفرّ مني، ولهذا السبب قبلت مساعدتك دون مقابل، فمنذ وصولي إلى برايتون بقيت منقسماً على نفسي، قسم يتمنى أن تعثر عليه، والقسم الثاني أن لا تجد له أثراً، وخيّل إليّ إنك لن تؤدي هذا العمل كمحترف، بل يقتصر على أوقات فراغك، سؤال هنا وسؤال هناك ثم ينتابك الملّل وتنصرف إلى حياتك الخاصة.

انكشفت لجيفري حقيقة الدور الذي كلّف به، واعتذر إبراهيم لأنه، بشكل أو بآخر، استغله فيما أسماه انقسام ذاته وترددها بين معرفة مكان الابن وبين إهماله، ولم يردّ جيفري على الاعتذار، لم ينبس بكلمة تجاهه، لأن غرابة هذه العائلة ودسائسها الصغيرة تستعصي على التفسير، وتفلت عن الملاحظة. إنه يريد معرفة المزيد، كل ما يدور في الأذهان وتخفيه النظرات، صحيح إنه بذل الجهود بإخلاص ثم جاء من يسخر منها، إلا أنه يريد الاطلاع على النقطة التي يرتكز عليها هذا الهيكل المبني من الخارج بكل حزم، والمنخور في نفس الوقت!

شعر أن مساعيه كانت طوال الوقت ضحية للتلاعب، المقصود أو البريء، المخطط له أو الذي فرضه التسلسل المرتبك والمريض، إلا أنه يسعى الآن إلى معرفة ما يضمره الرجل الذي أمامه حيال ابنه! لا تعنيه الأسرار المشتركة، ولن يشترك بها مع أناس مترددين! من قال إنه سيبقى هنا! ماذا لو أمسكت به الشرطة ورحلته؟ إنه حتى لم يره بعد! ولم يتعرف على شكله! ماذا لو كان صورة ثانية لوالده، عاصفة من التردد والانقسام! لقد تخلّص من أوهام الدين، لكنه لم يتخلص من تعقيدات الحياة! فلماذا لا يحسم قراره إزاء ابن له مرمي في إحدى شوارع برايتون؟

بينما الخواطر تتوارد على ذهن جيفري، أطرق إبراهيم يفكر فيما يتعين عليه قوله، حين فاجأه الأول بالسؤال:

- لن أفرض عليك شيء، لكنني أود معرفة قرارك النهائي بشأن ابنك، هل ترغب في رؤيته؟

- دعه يعيش حياته! أجاب إبراهيم، ثم أضاف وهو يشير بأصبع معكوس إلى زوجته. لو عرفتْ لأصرت على عودته. إنها تعتبرني مرتد عن الدين، لأنني تفوهت أمامها بكلمات توحي بالكفر، وستؤلب عليّ أهلها وأهلي. لقد أخطأت، ما كان يجب فعل هذا!

أسقط في يد جيفري، الاعتراف الأخير جعله ينظر إلى الأرض، ثم يتراجع بظهره إلى آخر ما يسعه مسند الكرسي. تطلع إلى إبراهيم ثم أدار رأسه إلى المارة. عاد ينحني على الطاولة ويداه متشابكتان، ينظر إليهما وكأنه يريد فكّهما ولكنه يعجز عن ذلك. عاد يراقب ذراعيه الواحد بعد الأخر، وحين وجه نظره إلى إبراهيم برزت أمامه صورة أبي الهول، فارتدت أنظاره إلى المارة.

في إنكلترا عدد لا حصر له من العائلات تعاني واحدة، أو اثنتين، من المشاكل، وليس كلها دفعة واحدة. كان إبراهيم ملاماً، وأصبح الآن ضحية، وسيعود إلى بلده محملاً بالخوف والقلق وضياع الابن، وإذا استمر في الكلام سيظهر بصورة أخرى يرتجّ لها عقله (جيفري) وفرانك النادل يراقب الحوار من بعيد فلا يعرف ماذا يدور.

اليوم، بعد منتصف الليل، يدفع جوليان سميث بنفسه هو والكرسي إلى البحر، وترحل هذه العائلة إلى بلدها مثقلة بالهموم وتحت رحمة الخوف، ويبقى وحده، مع باينت البيرة، باينت يأتي وباينت يذهب، ونحن نعد الأيام والسنين، فكر جيفري. بعدها نرحل، ترحل صديقته ليندا، ويرحل الأب، والأم ترحل، والنادل، واحد يجرّ الأخر، سعداء كانوا أو محملين بالحزن والأسى، كلهم يرحلون ولا يخلفون وراءهم غير عظام تتفتت ثم تختلط بالتراب، وتستمر الولادات تترى، والكبار ينمحون من الذاكرة، إلى أن تنمحي بهم الذاكرة، فتختفي مرحلة ملأها هذا المخلوق المسكين بالضجيج ولم يكن يريدها لنفسه.

- رجاء أخير، مستر جيفري! قال إبراهيم، ثم أخرج من جيبه حزمة مما تبقى لديه من النقود ووضعها على الطاولة. سلمها لناصر، قد تساعده على ترتيب أموره!

 

(انتهت)

2010

 

 

7

 

"وز، وز، وز" صوّتَ الكرسي القديم في الغرفة الزجاجية المطلّة على الحديقة.

آوتْ الصبية وأخوها إلى غرفة نومهما، بينما حافظ إبراهيم على صمته منذ انتهاء العشاء، منطرحاً على كرسي هزاز من الخيزران، يدفعه بقدمه على فترات متباعدة ليتأرجح إلى الأمام والخلف ضمن حركة بطيئة، ما تلبث أن تستنفد طاقتها على التذبذب فيستقر، لحظات قصيرة، في الهدوء والصمت، من دون أن يتوقف الاهتزاز في رأس نورا.

انتظرت نورا ثلاثة أيام لتواجه زوجها بنفس السؤال: "ما الذي يشغلك؟"

أمضت الأيام الأخيرة في الزعل غير المعلن، وإذ لاحظ إبراهيم العبوس يلازم وجهها، لم يوله اهتماماً جاداً، لأنه سمح له بالغرق في تساؤلاته عن الحياة والموت، عن مصير ابنته وابنه الصغير، والكبير المفقود أيضاً، إذا ما انتقل العنف الديني إلى بلده!

مشهد الدم الذي رآه في صحف وتلفزيونات أوربا لم يبرح تفكيره، بل ثبّتَ مخاوف حقيقية في وعيه ووجدانه، وشكوكاً قوية حول نثار المعلومات والحكايات والأقوال الذي يملأ خزان ذاكرته.

عندما وضعت زوجته فنجان القهوة المرّة التي يتناولها بعد العشاء، لاحظ تعبير وجهها العابس، فأمسكها من معصمها قبل أن تستدير، سحبها برقة وأجلسها على ركبتيه.

"هذا الصباح فهمت سبب زعلك، إلا أنني لم أكن في مزاج يسمح لي بالكلام. تعرفين أنني لا أحب رؤيتك زعلانه مني!"

طبع قبلة طويلة على خدها، اهتزّ لها الكرسي وأزّ، أضاف:

"إن الشكوك تحفر في قلبي وعقلي، ويجب التفكير في حمايتكم، حمايتنا كلنا!"

"ما الذي يشغلك؟" سألت، ترمي ذراعها خلف ظهره، وصعدت العَبرة لتخنق صوتها.

"لم أعد أؤمن بشيء!" قال دفعه واحده.

"ماذا يعني هذا؟" سألت.

"إنها مشكلة، لا يمكنني شرحها الآن"

"من حقي أن أعرف. منذ ثلاثة أيام وأنت سارح وراء أفكارك كما لو أنني غير موجودة!"

"بل أنتم الثلاثة دائماً موجودون في ضميري" قال.

"ماذا تعني عندما تقول أحميكم؟" سألت بشيء من الخوف، ثم: "هل وجودنا هنا وضعنا في خطر؟"

"بالتأكيد لا. نحن هنا في أمان تام" ردّ إبراهيم.

جرّها إليه بقوة ورفس الأرض قليلاً، فتذبذب بهما الكرسي وأزّ "وز، وز، وز"

"ماذا تخفي عني؟" عادت تسأل بإلحاح.

قال بعد تفكير:

"نورا، هل تذكرين الصور التي شاهدنا في صحف وتلفزيونات أمستردام؟"

"أذكرها!" أجابت.

"منذ تلك الليلة لم أعد أثق أو أؤمن بشيء، أعني، لقد اضطرب تفكيري عندما تساءلت: هل يمكن أن يطلب الله من هؤلاء الناس أن يفعلوا ما فعلوا؟"

"هؤلاء قتلة، لا دخل لله فيما يفعلون!" أجابت نيابة عنه وعن الله.

مرّة أخرى فكر قبل أن يقول:

"المشكلة أبعد من هذا يا نورا، لم أكن أريد إقلاقك بأسئلتي وتفكيري، مع ذلك ها أنا آخذك إلى نفس الشِباك!"

" لا يجوز أن تفقد الثقة، أو تشكّك، هذا كلام خطير، لأن الله، تعالى، لا يرضى عما يقوم به البشر من أخطاء وأعمال سيئة، بل يعاقبهم عليها"

"كيف يعاقبهم؟ البشر هم الله" قال إبراهيم.

ارتدت برأسها إلى الخلف بانزعاج، فقام الكرسي بارتجاجه كبيرة وأزّ بقوة لتحوّل ثقلها إلى الطرف، سألت:

"ماذا تعني؟ لا أفهم ما تقول!"

سحب إبراهيم نفساً طويلاً ليقول:

"نحن نصنع الله كما نريد!"

راحت تنظر إليه بفزع، تريد تفسيراً ينقذها من صدمتها.

"ليتنا لا نزيد في الموضوع" أجاب إبراهيم.

نهضت واقفة، والخوف، ممتزج بالغضب، يطلّ من عينيها، فتأرجح الكرسي وأهتزّ مرتين وثلاثا.

"أنت تفكر بأمور غريبة، وهذا لن يحمينا كما تقول، بل سوف يعرضنا للخطر أنا وأولادي عندما نرجع إلى تونس!"

لم يجد إبراهيم ما يردّ به على كلامها، خاصة بعد أن تركته على جلسته وصعدت إلى الطابق الثاني حالما أنهت كلماتها الغاضبة.

انتابه الضيق من الحقائق التي أدت مكاشفة زوجته بها إلى إخافتها بدل مراضاتها، ومن دون شعور راح يدفع الأرض بقدمه فينغمر الكرسي في اهتزازات متتابعة، رتيبة، عادت به إلى المحطات الكبيرة من أفكاره الجديدة، وإلى وقفات مهمة في حياته، إذ عزّت عليه الدموع المترقرقة في عينيّ نورا وهي تفصح عن خوفها وغضبها.

فكّر، أن الصعود وراءها لإضافة المزيد من الشرح والجدل لن يهدئ روعها. اعترف لنفسه أنه أخطأ بمكاشفتها، مثلما أخطأت مبالغته في إظهار انشغاله بعيداً عنها وعن الأولاد. إن إيمانها، قال في سريرته، أمر مبثوث في التعاليم التي تعودت على سماعها، ولا مجال لمناقشته بأية حال! وإن بثّ الاطمئنان في نفسها لن يتحقق إلاّ بالكذب عليها، أي إنكار كل ما قاله، وكل ما فكر به وتوصل إليه!

الشيء الثابت في ذهنه الآن عدم السماح للموضوع بتدمير عائلته، بعد أن قلقل روحه!

تابع الكرسي، "وز، وز، وز"

لعل أصعب ما في مواقف نورا أنها تفكر بعقلية فتاة، رغم ولادتين، وعشر سنين من الزواج. عدا أنها تحبّ التدليل.

عندما توفيت زوجته الأولى، وظل ابنه الصغير ناصر في عهدة جدّته، أغراه أهله بالزواج من نورا، القريبة وابنة العشرين، المتعلمة قليلاً، لكن الجميلة كثيراً، فوجد في تدليلها، آنذاك، متعة حسيّة منذ الشهر الأول للزواج. كانت بعيدة عنه، حزينة وغامضة في البداية، ثم استجابت لواجبها الزوجي على الفراش، لكنها ما لبثت أن حوّلته إلى رجل شهواني في الخامسة والثلاثين من العمر، وعندما اصبح يضيق بالأسفار وراء أعماله التي تسلمها من والده، وجد الحلّ بأخذها معه في السفرات الطويلة، يغلقان الباب بعد الانتهاء من لقاءاته وصفقاته التجارية، وينهمك في ملامسة جسدها الأسمر، الطازج، على أنوار الغرف الخافتة، وموسيقى الليل المدغدغة للحواس، فتتفتح له باشتهاء، وتلتهم قضيبه لتمصّه بلذة جنسية عارمة، ثم تنقلب وتحيط رأسه بفخذيها ليصبح فرجها الرطب بمتناول فمه، ليمتصا، في آن واحد، عضويّ بعضهما، ولا يلجها إلاّ بعد ساعات من الالتذاذ البطئ، الممتع، أو حين تطفح الشهوة من مساماتها، فتتوسل أن يدخلها، لأنها لم تعد تحتمل المزيد من التأجيل. ثم تقول: أبقه داخلي! وتذهب في إغفاءة من السكون والإلتذاذ.

بعد كل واحدة من تلك الليالي كان يتذكّر الرتابة واللذة المقتضبة مع زوجته السابقة، يتذكر أنه لم يأخذ منها أكثر مما تعطيه أية واحدة من بائعات الهوى في تونس أو أوربا، فيشعر بالامتنان لما يمنحه جسد نورا من نعيم حقيقي. لقد علمته أن الزواج لا يعني السعادة إذا لم يكن الجسد قادراً على العطاء، جسدا المرأة والرجل. وإذ تتوارد الخواطر الجميلة على خياله في هذه اللحظة، قال لنفسه إنه لن يخسرها، غداً يراضيها بطريقة ما من دون التطرق من جديد إلى الموضوع.

عاد بالتفكير في الماضي، وتخيل نفسه يسأل:

"أين سيدتك؟"

"تستحم يا سيدي" أجابت الخادمة.

تعرى على صوت المياه تنهمر عليها من الدوش، رفع الستارة ودخل معها فأطلقت صرخة من المفاجأة، سارع إلى وضع قلادة يتدلى منها حجر فيروز حول جيدها، ثم جرّها ليلتصق بجسدها.

"سيدي! بوجود الخادمة في البيت؟" بوجود كل خادمات العالم. قال، وانغمرا في أنواع مختلفة من البلل اللذيذ، غسل آثار الخلاف من قلبها الشاب.

اهتزّ الكرسي بأزيز خافت، واهتزّ إبراهيم بارتياح للفكرة، ولذكريات جميلة من لحظات آسرة معها. عزم على جولة غداً في أسواق برايتون لالتقاط هدية ثمينة تفاجئها، تنسيها المخاوف العابرة، "اهي عابرة؟" تساءل.

"أفلم تمسّ الجوانب المهمة من عاطفتها وتربيتها؟ الخطأ أنني لم أكن أقدّر أهمية هذه الأمور، لأنها كانت على هامش حياتي، تلقيتها وظلت نائمة في مشاعري لا تظهر إلا في حالات نادرة، وعلى صورة كلمات لا ثقل لها. الناس الذين حولي كانوا مثلي، أو في الأقل هذا ما أتذكره الآن عنهم، ليسوا ممن تشغلهم أمور الدين، إنهم مشغولون بالتهام الحياة، أو الصراع معها. أنتَ علمتَني الحياة، قالت نورا، وقال الوالد: الحياة أن نعرف كيف نتعامل مع الآخرين أثناء غضبهم ورضاهم. لكن أحداً لم يقل إن الحياة لا تفعل سوى أن تقربنا من الموت. مرّت خمس وأربعون سنة! كما لو عشتها في غفلة عن جريانها السريع!"

عاد الكرسي يأزّ بعد هدوء قصير، "وز، وز، وز"

"كنا نركض في أيام الأعياد، صبياناً، غير مكترثين بالسنين، نغري الفتيات بالنظرات، العيون الجميلة تجذبنا، لا نعرف شيئاً عن بقية أجسادهنّ، الطويلة مثل القصيرة، والنحيفة مثل الممتلئة، ولا نفهم كيف تقرأ نظراتُ الرجال المرأة من كاحلها! كيف يفرقون بين الجسد المثير والآخر الذي لا يعد بشيء على السرير، كل الفتيات يصلحن للمستقبل ما دمن يقعن في غرام نظراتنا، على جاذبية العيون نبني القصور التي تجعل السهر مثيراً، إلاّ أن الإثارات تتعرض للموت أيضاً، قبلة الشفاه، انحناءات الجسد، دفء اليد وعرقها المهيّج للأحاسيس والشهوة، كلها تهرم مثل العمر، ويبقى الفرج وحده مصدر اللذة، ثم تشيخ إثارته هو الآخر. متى ضاجعتها آخر مرّة؟ في هلسنكي! كلا، في امستردام، قبل أربعة أسابيع، ربما خمسة! الآن لا أتذكر الفترة التي استغرقناها، خمس دقائق! أو عشر! الإنسان لا يعرف أشكال الحياة من حوله إلاّ عندما يعرف حقيقة الموت، موته هو. لهذا تلحّ عليّ الأفكار السوداء، لهذا أتذكر بحسرة ما مات، لأن كل الأشياء قتلت قتلاً، كما قُتل الأطفال والشيوخ في القرية الجزائرية!"

ساد الاهتزاز بعض القلق والاضطراب، "وز... وز، وز"

"أين سأجد ناصر، لأجمعهم وأذهب بهم إلى مكان لا يوجد فيه غير الموت العادي! لتمت الأشياء في حياتهم الواحدة بعد الأخرى، كما جرى لي، لكن من دون ذبح السكاكين والفؤوس. تقول إن الله يعاقبهم! من شاهد الله يعاقب شريراً في إحدى الساحات العامة؟ كيف أبعد الصور البشعة عن خيالي؟ لماذا ينفصل رأس ابنتي الصبية عن جسدها ويتمرغ شعرها بالدم والتراب كلما سهوت عن نفسي؟ ماذا أفعل لإبعادهم عن هذا المصير؟ قالت إنك لا تنقذنا بأفكارك الجديدة بل تعرضنا للخطر! لا تفهم حجم الدمار الذي ألمّ بي! هل من واجبها أن تفهم؟ أيجوز إقحام مشكلتي على إيمانها المرتبط بالتقاليد والعادات؟ ماذا عن الأولاد حين يكبرون؟ هل أقول لهم الحقيقة أم أخفيها عنهم؟ المشكلة أنني لا أعرف الحقيقة الأخرى، الحقيقة الكبرى! هل يمكن التوصل إليها أم سأبقى معلّقاً في الفراغ؟ كم هو مخيف، الفراغ! إنه مثل الموت. وأنا ممدد، وجهي إلى الرمال، على شاطئ تونس، تساءلت إن كانت الديدان تعيش داخل الرمال كما في التراب! حياة والدي انتهت إلى كومة صغيرة من العظام، هذا ما ستنتهي إليه حياتي! كومة من عظام منخورة! عنق نورا الذي تستثيره القُبل، فخذيها الجميلين اللذين تلتهب بينهما الشهوة لن يبقى منها غير العظام! أبنائي الأحباء هم أيضاً! ألهذا نولد ونكبر ونحلم؟"

وز، وز، وز..!

"وإذا كان الله قد سترَ على النبي محمد وأصحابه الذين دخلوا غار ثور بشبكة عنكبوت مهلهلة، فكم من الخرافات تطلب الدين ليستقر في وجدان الناس؟"

وز، وز، وز، وز، وز، وز...!

 

 

 

 

 

 

8

 

تحت ضوء خافت، جلس بضعة أشخاص أمام مائدة مستطيلة تظهر رؤوسهم بهيئة أشباح. فوق المائدة جثمان يغطيه قماش أبيض رقيق، يلوح من خلفه أن الجسد يحتفظ بملابسه كاملة، بما فيها حذائيه.

لم يمض وقت طويل حتى دخل من باب وراء المائدة رجل مهيب، وقف أمام الجثمان فاشتعلت القاعة بالأنوار، أنوار كبيرة وصغيرة، على الجدران، والسقف، وعلى الأرض وضعت على حوافي القاعة. لم تعد من زاوية لم يبسط عليها النور سطوعه، وشعت وجوه الرجال والنساء فظهر جيفري من بينهم. كان الثاني من اليمين يحيط به ثمانية، وبقية الكراسي ظلت فارغة تكاد تتلاشى من قوة النور المسلط عليها.

لم ينبس الرجل المهيب حتى استتب النور في القاعة، حينها قال:

"ديفيد باركر رحل اليوم، فوافقت أرملته أن ندفنه بطريقتنا. لقد جلبته هنا لنتكلم بشأنه، ولكي يخيم الظلام قليلاً على الشوارع، لأن الناس لا يرغبون في تغيير طريقتهم، سواء فيما يتعلق بوداع الجثث، أو أماكن دفنها."

كان جيفري يجلس بين شباب وشابات تقريباً من عمره، وبدت الجثة مع انتشار النور أصغر حجماً، وبانت بعض ملامح صاحبها من خلف القماش الأبيض الذي وضعت فيه. إنه في حوالي الخمسين، والقاعة التي تعود لكنيسة وجمعية (صداقة الدين) تخصص مرة في الشهر لجماعة (الفناء السعيد) ليجتمعوا فيها ويبشروا بديانتهم، فيشعلوا فيها أنوارهم، في الليل أو في النهار، ويناقشوا قضاياهم، ثم يحملون مصابيحم ويرحلون بهدوء.

إنها النعمة الإلهية كيفما نظر إليها.

واصل الرجل كلامه: "لقد أنهى حياته، بسيئاتها وحسناتها، ومنذ اليوم يبدأ جثمانه بالتلاشي. التلاشي الكلي، ولن يبقى منه شئ يذكر. قبل خمسة آلاف سنة، أو عشرة، مات الكثيرون، فهل نعرف عنهم شيئاً؟ لقد انمحوا من الكون والذاكرة، الكون الذي يسعى نحو فنائه، والذاكرة التي لا تعمر طويلاً. وبعد خمسة آلاف سنة لن يذكرنا أحد، ولا يبقى منا شئ يذكر، فما نحن إلا وقود ضئيل في طاحونة الزمن الهائل، الذي يسحق في طريقه الأرض والنجوم والكواكب والمجرات ليفنيها، حينها يسود الظلام ليبدأ الخلق دورة جديدة، صناعة من نوع آخر تعم الفضاء، أو يصمت، فيكون ظلام، ويكون صمت، يغرقان في الأبدية.

"من نحن؟ من نكون لنجعل الخالق على هيئتنا؟ وعلى صورتنا الغبية؟ خمسة تعاليم أرضية ويكون وراءها خالق ونار وجنة! ولكل شعب صغير خالق ولغة وأساس لديانة!

"ديفيد باركر مات اليوم، توقفت فيه ماكنة الحياة اللعينة فمات معها الوعي، كما يحدث لملايين الطيور والأبقار والقرود والتماسيح والحشرات والفيروسات وينتهي وعيها، فهل يتعين أن نذرف الدموع على فنائها؟

"لعل الإنسان يتميز بالإدراك، غير أن المكنة واحدة. قلب وأعضاء هشة لم يُحسن صنعها لدى البشر وجميع المخلوقات الأخرى. تنبض لفترة ثم تتوقف، فترحل بالتتابع، وينمحي ذكرها. ملايين السنين على هذا المنوال. في غضون ذلك جاءت الديانات كل يفسر على هواه، ولم يتوقف الموت، لم يكف أحد عن الرحيل. الإنسان مثل الطيور، مثل الخراف والأفاعي، مثل أصغر مخلوق يزحف في الطين، الكل يولد ويموت ويفنى، وكل مليون أو مليونين سنة يضعف جنس من المخلوقات ويقل عدده ثم ينقرض.