لطباعة النصّ أو القراءة على الشاشة، انقر على الصفحات التالية:

    1    2    3

أغلب الإعلانات التي تدخل على النصّ ذات هدف إنساني خيري

 


محطة النهايات

 

عن هذه النسخة المنقحة من الرواية

حين جمّعت أقسام وفصول وقصاصات "محطة النهايات" للبدء بتنضيدها، كنت قطعت شوطاً مع الكومبيوتر، بعد أن تخليت عن آلتي الكاتبة الصغيرة التي أنقلها معي من بلد إلى بلد. لكن خبرتي في السيطرة على هذه الأداة العصرية، المدهشة في تسهيلاتها الكتابية، لم تكتمل وقتها، مع ذلك بدت المتعة في المراجعة والتعديل أثناء التنضيد، تطغي على مشاكل اختفاء الفقرات وتفكك المفردات وضياع الملفات، وهي المصاعب التي تواجه كل مبتدئ. وهنا ينبغي ذكر أن أول من قدمني إلى الكومبيوتر كان الصديق فالح عبد الجبار، عندما عرض عليّ جهازاً قديماً، بلا (ماوس) وبذاكرة تقل عن سعة ذاكرة رضيع، وفوق ذلك ملئ بالفايروسات التي كانت تعبث وتدمر ما أكتبه على الشاشة كما يفعل معتوه بطائر صغير وقع بين يديه. في ذلك الجهاز، الكارثة، أنهيت "باشا بغداد".

مع "محطة النهايات" كان ضبط التشكيل أكثر المصاعب إثارة لقلقي رغم حداثة الجهاز، خاصة تثبيت الهمزة في مكانها الصحيح بالنسبة لحروف التوكيد والشرط والمصدر... (ان)، التي يرفض الكومبيوتر ضبطها إذا خدعتك الخبرة الهشة للإعتماد على عقله الآلي في القيام بهذا العمل نيابةً عنك.

كنت أصحح مرة بيدي، ومرة من خلال(Find and Change) ، فكان الأمر الأخير يدمر كل ما أبنيه، إلى أن زهقت نفسي، وأرسلت النص على الديسك إلى الناشر، وهناك انقلب النص ليتخذ شكلاً آخر من الفوضى لأن الناشر كان أقل خبرة مني، فصدرت الرواية مليئة بالاخطاء.

الآن، وقبل أن تدخل "محطة النهايات" في موقعي على الانترنت، أعدتُ قراءتها، صححت أخطاءها الاملائية والنحوية، وعلى ضوء الآراء النقدية التي كُتبتْ عنها في الصحف، راجعت أيضاً صياغة المعاني، ونقحت عدداً من الجمل التي قد يخفق الكاتب أحياناً في إيصال معانيها للقارئ بوضوح، وعدلتُ الفصل الأخير (السادس) الذي حيـّر الجميع في اسلوبه السردي، وهو في الواقع مكتوب على شكل قصيدة نثر طويلة يتخللها السرد الوصفي، تبدأ بأصوات نواقيس كنائس روما يوم الأحد، وتنتهي على ألحان الفصول الأربعة لفيفالدي، حيث تتقلب مشاعر (نعمان) مع أنغام جملها الموسيقية، بين الحزن واليأس والأمل والإنفراج النفسي قبل أن يقرر الرحيل مع عازفة الكمان الكندية، للطواف من جديد بحثاً عن حلمه القديم.

      عارف علوان

 

 

 

 

محطة النهايات

(رواية في 6 فصول)

 

 

الفصـل الأول

 

1

لم يتبق لهذا الصباح من أمطار الليل الغزيرة سوى بللٍ ثقيل، لزج، يضرب تحت الأقدام، وينشر في رحاب المدينة غشاوة رمداء، تحمل، وهي تجاهد للصعود الى الأعلى، وخامة الأرصفة ونتن السيارات، ثم تقاوم متهالكة دفء الشمس قبل ان تتمزق في اشعاعات طيف سريع، يتلاشى فوق هامات المارة وعند مشارف الطوابق الاولى.

وفي ميدان جينكوجَينتو، بدت باصات النقل وجمهور الصباح يغذَّون السير، للحاق بأهداف ومواعيد عمل لا يرغب أحد في اللحاق بها، ورائحة القهوة المخفوقة بالحليب تنبعث، حارة مشهية، من بارات صغيرة عند مداخل الشوارع المقابلة، تقدم أقوى ذريعة للتمهل، وكسر سطوة للوقت لا تشغل بال أحد.

"لِمَ اختارت هذا الوقت وتلك المنطقة بالذات لموعدها؟". تساءل نعمان في حيرة وهو ينتقل الى رصيف عريض، يحاذي حمامات ديقلديانوس الهائلة، تطلّ على الميدان مثل شبح كثيف من الماضي، ثم أجفل، عندما لطمت أنفه عصفة ثقيلة من دخان السيارات المسرعة، فأنقلب الى ممشى صغير قاده فوراً الى ساحة تظلّلها أشجار بلوط غبراء، قصيرة السيقان، وحث خطاه ليجتاز على عجل أرائك مفكّكة، مالت الى الخلف وغارت قوائمها في الأرض، تهجع فوقها أجسادٌ منهكة، صرعها الفجر والكحول والمخدرات، فتكوّرت على نفسها في غيبوبة معذِّبة، ولوت نحو السماء وجوهاً نحيلة، منطفئة، تستسلم مغمضة العينين لشقائها.

حين انفرجت أمامه ساحة ريبوبليكا، تتلوى وسطها تماثيل آلهة الغابات، عارية، تعتلي طيوراً وحيوانات بحرية هائجة تنفث، لا ينضب معينها، رذاذاً وخرير مياه في حوض عريض يتوسط الساحة، شعر أنه تحرر اليوم من حزنه، وان رعدةً خفيفة قد هزَّت ركود أيامه، ومهما كانت صاحبة الموعد، او ما كان شكلها وما خفيت نواياها، فهو أزمع على التوجه الى هدفه، مرتبكاً بعض الشيء، غير ان بهجةً رقيقة تغمر روحه بالشباب.

عندما رنّ جرس التلفون أمس، حمل نعمان السماعة بيد متلهفة، وردَّ بغضب "نعم.." وهو ينتظر اول كلمة يتفوه بها ماريو لينهال عليه بالتقريع، قبل ان يتيح له الفرصة لتقديم أعذاره المعهودة عن التأخير، بَيد ان صوتاً هادئا، صوت إمرأة، ألقى التحية على حياء، فبلبل مشروع غضبه، وفاقم حنقه على ماريو، وحين عاد الصوت الغريب يحيّي، بنفس هدوئه مع نبرة متراجعة تنشد الوفاق، ردَّ التحية ثم سأل "من؟.." وبلا مداورة ولا رغبة في إستدراج قالت إن اسمها سيبيللا، وانها تود التحدث إليه، ولا تمانع في أي مكان يناسبه للِقاء بإستثناء بيته، وهي تعرفه، وتشكّ في ان يكون يعرفها، ومن الأفضل عدم الخوض في التفاصيل الآن، وعليه ألاّ يخشى جانبها، لأنها تحبه منذ مدة طويلة، وظلّت تمانع في تقديم تفسيرات شافية لظهورها المفاجئ هذا، أو لأسباب حبها المختبئ، لذلك استعرض ماريو، حين وصل في تلك اللحظة، حوادثَ سير مثيرة وحرائق خرافية صادفها في طريقه وأرغمته على التأخير، مطمئناً الى سذاجة مخدومه الشرقي، السارح الذهن.

تمهل قليلاً، في إنتظار فسحة بين السيارات المارة، يطالعه صف من بنايات أواخر عصر النهضة، يضرب حول النافورة قوساً متناغما من أعمدة فارعة، ونوافذَ عالية تحيط بها دعامات متوّجة تمتدّ صعداً الى حافة الطوابق الأخيرة، حيث تتوزع تماثيل نصفية، بدأت الشمس منذ حين ترشق روؤسها بالضوء، وترخي جناحا طويلاً مشرقاً على سلالم المرقى من اليمين.

أية شخصية يخفي صوتها؟" تساءل، وهو يتذكّر حديثها في التلفون ظهر الأمس، ثم هرع الى الجانب الآخر من الساحة، متلفتاً في حذر الى وجهتي السير، مشى بين كراسٍ وطاولات إفترشت الرصيف، تنتظر الشمس والسُيّاح، وعندما إستقام له الطريق إسترجع أطرافاً من كلامها ليحلّل، ولو بأمل ضعيف، شخصية المرأة التي تقوده الآن من لجامه الى مغامرة مربكة، لم يكن، حتى اللحظة التي أطفأ فيها أنوار ليلِهِ أمس، يأخذها مأخذ الجد. "لها صوت مردَّ.. لا، دافيء يوحي بالصدق.. هل كان؟ كانت واثقة من نفسها، بل متهيبة قليلاً... لا، كانت تتكلف الجرأة، ربما" ثم فكّر، إذ تذكّر انه نفسه كان مضطرباً في اللحظات الأخيرة من الحديث، ان صوتاً غريبا عِبْرَ الأسلاك لا يمكن ان يكشف عن شخصية صاحبه "انني أتحرّق منذ مدة للحديث معك.." كانت هذه الجملة الوحيدة التي يتذكّرها في وضوح، وظلّت كلماتها تضرب في رأسه صدىً مختلفا، كلما ناقش حقيقة رغبته في هذه المرأة.

إختار ذهنه، الذي تتصارع فيه التوقعات، أقصر الشوارع الى ساحة بربريني، فهو يعرف روما، شوارعا وميادينها، كما يعرف الفلاّح أثلام حقله، مر بطوابير صغيرة لمتقاعدين بكّروا في الوقوف أمام البنوك لأستلام رواتبهم، وطلاب ثانويات تجمعوا أمام دكاكين البيتزا وهم يتمازحون بأكتافهم، أو يطلقون عبارات مقتضبة تتلوى لها أمعاؤهم من الضحك، ومحلات بدأت للتوّ ترفع أبوابها وتكشف بضاعتها للمارة، يتلكأ أمام واجهاتها بائعات صبايا، يلمِّعن الزجاج، او ينظّفن المداخل، ضربن على عجل وجوههن بالمساحيق، فأبرزت الأصباغ الحادة نضارة مشوشة، بلهاء، أذبلها السهر ومرح الليلة الفائتة.

احسَّ جسمه يتخفف قليلاً من ثقله حين بلغ منحدر شارع بربريني، وهجست له خواطره ان البائعات تأتيهن الشجاعة أكثر من غيرهن على معاكسة الرجال في التلفون، ولأنه لا يترددَّ على محل بعينه في المدينة، استعرض وجوه نساء يقابلهنَّ في العمل، في موقف الترام، في السوبرماركت، إمتحن، وهو يسترجع بصعوبة، وجوهاً عبرت على مرآة أيامه، طريقة نظرتهن إليه، تعبيرات ملامحهنَّ أثناء الحديث، ابتساماتهنَّ لدى تبادل التحية، حثّ ذاكرته لتقدم صوراً أخرى قد يكون نسيها، أو إشارة صغيرة قد يستهدي بها، فتقدمت نظرات من بغداد، وابتسامات من بيروت، وغمزات من الرباط، هزّت صور الحاضر وإرتجّ لها سطح ذاكرته، ثم برزت عينان دعجاوان، عينا سارة، ظلّتا تحدقان في أعماق إرتباكه، فأحس رعدة باردَّة تمرق بين أضلاعه.

نفض رأسه وأشاح ليقرأ، هرباً من إثم تمناه كاملاً، إعلانات وصور شواطئ دافئة، مزبدة، تحتل واجهات مكاتب للسفر، تتكاتف في صف طويل يمتدّ على جانبي الشارع، وطاوعت ساقاه إنحدار الطريق فخفَّتْ خطواته وأسرعت، وترك لقامته الفارعة ان تندفع بيسر، وهو ينظر بلهفة وقلق الى مطلع ساحة بربريني، هناك في نهاية المنحدر.

تخيل شوّشرة راديو تتقدمه لتشق له الطريق، فابتسم لهلوسات صحوه، وفكّر ان المدن تقدم نفائسَ مغبّشة في مداخلها، لتقود خطواتك الى الصدع في أحشائها.

دار على يمين الساحة ليتقدم من البار مواربةً، ومنحه زحام خفيف على الرصيف فرصة سريعة ليتلكأ ويسترق النظر الى الداخل، عسى ان يرى، من غير ان يُكتشف، المرأة التي تنتظره، إلاّ أن حركة الشارع، بكل حيويتها، إنعكست على زجاج الواجهة، وغيّبت بقسوة تهويمات لملامح بشر وطاولات، ظلّت تهتزّ لأنخطاف السيارات والمارة، ممتنعة عن توضيح سماتها، وأحس خيبة محاولته حين شعر انه نفسه أصبح الآن مكشوفا لمن في الداخل، وان عينين غريبتين تتربصان به.

وقف وسط الباب وشمل المكان بنظرة واسعة.

كان خوان البار مكتظاً بزبائن يلوكون، وهم يتملّملون في وقفتهم، المعجنات مع رشفات القهوة، ويتبادلون أحاديث قصيرة متهاودة، تزيد تلذّذهم بوجبة الصباح السريعة أكثر مما تهتم بتوافق أفكارهم، من خلف أكتافهم القلقة ظهر جانب من البهو، حيث تلتف مجاميع صغيرة حول طاولات متباعدة

تجاوز الباب وعبر متمهلاً الى الداخل، فطالعته من زاوية لصق الزجاج عينان مهلّلتان تدعوانه، على حياء، للتقدم، ووجهٌ رسم ظلّ ابتسامة ليعرِّف عن نفسه. "إذاً..هاهي فريستي وصيادي" تقدم بثقة نحو مجلسها، وقد زايله فجأة إرتباك الصباح وقلق الليل، وفكّر، فيما تبقى من مسافة، ان كان شاهد هذه المرأة من قبل أم لا! ‍‍

ـ اسعدتَ صباحا، بادرت بالقول، لتزيده إطمئناناً الى أنه لم يخطئ الهدف.

ـ طاب صباحكِ، ردَّ، وهو يتشاغل بجذب الكرسي المقابل جذبةً صغيرة الى الخلف، ثم جلس ولاقى نظراتها، مخفياً حرجاً طفيفا وراء هيئة جادة، واثقة، هيئة القادم ليسأل ما الأمر ثم يرحل.

لاحظ انها شابة أكثر مما توقع، وأدهشه سحر عينيها، واسعتان، شهباوان، يكتنفهما بريق شهي. سأل ليشيع جواً من الألفة على اللقاء:

ـ هل تأخرت عليكِ؟

ـ كلا، قالت مع هزّة ناعمة من رأسها، وسمحت لدخان سيجارتها ان يتلوى في رفق حول شفتيها المكتنزتين.

ـ تقصدتُ المجئ قبلك، فأنا صاحبة الدعوة، أضافت عبارتها الأخيرة وهي تبتسم في خفر.

وافق بأن زمّ شفتيه على ابتسامة حرى.. "شهابهما صاف، تكاد تلثمه حين تطيل النظر إليه.." راح يفكّر في عينيها، وانتبه الى أن أجفانها ناعسة قليلاً، او هكذا تبدو حين تميل برأسها، وأحس دفء كنزة الصوف على صدرها، وفي ظلّ شعرها القصير بدا جانب عنقها أسيلاً، متوردَّاً، يشي، وهو ينحدر رخصاً، بأكتاف لاحمة. ولكن أين شاهد هذه الشابة من قبل؟ تساءل مع نفسه، انها لا تذكّره بشيء، ام ان ذاكرته جف نسغُها ‌‍! أخيراً قال:

ـ اذن، انت تعرفينني منذ مدة طويلة؟

ـ ألا تريد ان تطلب شيئا من البار؟ سألت وكأنها تسترحم عينيه.

ـ سوف أطلب،

إستدار يبحث في أرجاء البهو، ثم ترك الأمر، وبدأت في تلك اللحظة تنبش رماد المنفضة بنار سيجارتها، أحبَّ إطراقَها، ولكنه أشفق على تحرّجها، إذ أدرك انها تستجمع شجاعتها لتقول شيئاً هيأت نفسها منذ أيام لقوله، غير انها داهمت أفكاره، حين عادت تنظر في عينيه من جديد وهي تبتسم، قالت:

ـ أعرفك منذ سنتين،

ـ سنتين..  أين ؟ أعني اين إلتقيتِ بي؟

ـ لم ألتقِ بك في أي مكان.

ظلّت نظراته ثابتة في عينيها، تنتظر المزيد من الأفضاء، قالت:

ـ أو قد نكون عبرنا على بعضنا فوق رصيف ما، ولكني واثقة إنك لم تنتبه لي.

راقت لها حيرة عينيه فأطلقت، من غير ابتذال، ضحكة قصيرة، وجدها عذبة، ولكنه شعر بضيق كاذب من الأمر كله، فسأل:

ـ لماذا تتحدثين بالألغاز؟

ـ ألغاز؟ قالت مستغربة ولكن في بهجة، ثم أكّدت. إنني أقول الحقيقة.

ـ أنا لا أفهمك، لذلك يبدو حديثك غامضا.

هزّت رأسها مسلمة بكلامه، وعادت تنبش في المنفضة، كما لو أنها تشاور أفكارها بعيداً عن عيونه المستطلعة، ثم قالت:

ـ الى ما قبل اسبوع، كنت أعيش في نفس المنطقة التي تعيش فيها.

لم يُظهِر لها أية دهشة، وفي دخيلته تحفَّز ذهنه لهذا الكشف.

ـ أين؟

ـ في نفس المجمّع، ولكن على الشارع الآخر، هل يذكِّرك وجهي بشيء ما؟

ألهب ذاكرته، ليستحظر في ثوان معدودة كل تأريخ وجوده في ذلك المكان، برزت الى مقدمة رأسه صورة الباحة، حيث تقابل واجهة بيته الخلفية عشرات النوافذ والبراندات، تضجّ، مثل لوحة هائجة، بالأصوات وثياب الغسيل، وحاول خياله، بلا جدوى، ان يقبض على واحدة من  تلك الصور الشبحية للجيران، التي كثيرا ما خطفت أمام أنظاره في الشقق المقابلة، وفي الأخير نفي بحركة يائسة من رأسه، قال:

ـ لا أذكر اني رأيتك.

ـ كنت أعرف هذا.

ـ لماذا كنتِ تعرفين؟

ـ لأنني ما مررت في شارعك إلا نادراَ، تساءل بعينيه عن هذا الأمر، فقالت:

ـ ألا تريد ان تطلب شيئاً؟

كانت تومئ الى النادل الذي مر قربهما، مندفعا الى عمق البهو، فلفت نعمان رأسه، مدّ ذراعه على طول الممر الذي سلكه النادل.

سألها ويده مازالت مـرفوعة:

ـ هل تأخذين قهوة اخرى؟

ـ نعم، من فضلك،

عاد النادل يحمل حفنة فناجين وصحون بين كفيه، وتمهل، من غير أن يتوقف، أمام الذراع الممدودة “قهوتين” قال نعمان وهو يلّعب اثنتين من أصابعه، فوافق النادل برأسه، ثم واصل طريقه مستعيداً سرعته الأولى.

ـ أية براندة تخص بيتكم؟

ـ واجهة شقتنا تطل على الشارع الآخر، نوافذ غرف النوم وحدها تشرف على الباحة المشتركة.

صمتت تراقب اللّهفة في عينيه، ثم اندفعت البسمة الى وجهها كما يندفع الدم الى وجه طفل أبهَجه المديح، أما هو، وقد آذاه ان تجرفه بعيدا عن الجدِّية التي رسمها في خياله للّقاء، فقد إنشبح في صمته وترقبه، غير قادر على مجارات خفة روحها، ولا مستطيع التعبير عن نفاد صبره.

ـ كنا نسكن الطابق الرابع، على يمين المصعد.

ـ أيهمُ؟ سأل ببرود،

ـ المصعد الوسط.

هرع خياله، وعيناه متشبثتان بعينيها، الى اللوحة الهائجة، الى نوافذ وبراندات الطابق الرابع، المصعد الوسط "آه.." حدّد تماما ظهر بيتها، برزت في ذاكرته بوضوح صورة النافذتين، تشرفان من زاوية على شقته، وهمَّ ان يسأل، بَيْدَ أنها قالت:

ـ المرة الأولى التي رأيتك فيها في البراندة كان يوم أحد، ثم أصبحت أراك على فترات في الداخل، تتكئ مائلاً على الكنبة، في قميصك الطويل المذّهب، تشاهد التلفزيون حتى وقت متأخر من الليل.

راق له توردَّ خديها وهي تكشف له واحداً من أسرارها، وتخيل هيئته مشلوحاً بالجلابية على الكنبة في الصالون، ثم، فجأةْ قفز قلبه من مكانه "أيتها الذئبة.." وفزعت هواجسُه، إنها راقبتْ أيضا، من مكمنها الخبيء ذاك، أموراً اخرى غير إستغراقه أمام أفلام السهرة.

ابتسمت، تهيء نفسها لذكر خاطر ما، ثم قالت:

ـ في البداية استغربت قميصك، بفتحته العريضة عند الصدر، لقد ذكرني بمنامات الرومان قبل مئتي سنة، كما يظهرون في الأفلام، ثم وجدته جميلاً، يليق بجلستك، فأصبحت ألقي نظرة عابرة الى صالونك كلما أغلقتُ نافذتي قبل النوم، بعد ذلك صارت الرغبة في النظر تأسرني، فأمر امام النافذة عدة مرات، وفي النهاية، وجدت نفسي أحث خطاي في طريق عودتي من العمل، لأصل البيت والنافذة بأسرع وقت. في تلك الأيام عرفت إنني احبك.

مثل أنبياء الشرق الغاضبين، تلخِّص هذه الأيطالية الباسمة نُذرها أو شفاعاتها في نهايات الجُمل.

فاجأته جرأتها، أشاعت كلمتها الأخيرة في نفسه رضىً عميقاً، لامس جوانب كثيرة من ذاته،  شعر بالزهو، وإنتابه بعدئذ احساس غامض بالحنان تجاهها، أحسَّ ان هذه العيون الواسعة والشفاه الطرية والشعر الجميل والرقبة الناصعة والرسغ البضّ، كلها، تخصه، وانه هكذا، فجأة، في صباح واحد، يمتلك هذه الأنفاس الدافئة، التي تتلاحق بشوق على بعد ذراع واحدة منه، وهو مستطيع، في هذه اللحظة، ان يأخذ هذا الوفر الأنثوى، العاطر، في أحضانه ويغمره بالحب، فإزداد شعوره بالرضى، ولكن فكرة ان يكون وراء ظهور هذه الشابة المفاجئ نزوة ما، أو خدعة، سرعان ما فتّت تلك المشاعر الجميلة وهي في أوجها.

كانت يدها، وهي تراقب وجهه بطرف عينها، تحنو على الرماد بعقب خامد. سأل:

ـ كيف عرفتِ رقم تلفوني؟

ـ من دليل التلفونات، قرأت لقبك على لائحة المستأجرين في باب البناية، ثم بحثت عنه في الدليل.

ـ وكيف عرفتِ انه إسمي؟

ضحكت، وجمعت كتفهيا الى الأمام ثم أفردَّتهما، ولم تقل شيئاً. إنفرجت أساريره، التي ظلّت صارمة الى ذلك الحين، عن إبتسامة خفيفة، معترفاً بغلبتها، فقد فهم ما قالته ضحكاً، إنه الأسم الأجنبي الوحيد بين القاطنين، وحتى دون هذا، فهي إبنة البلد، تعرف بالسليقة كيف تُرتَب أماكن الشقق ومواقعها على لائحة المذياع (الجيتيفون) في أبواب البنايات الكبيرة.

ـ أظنك تعرف الناس هنا، يُقحمون انوفهم بين شقوق الأبواب.

ـ صحيح، قال وفكّر للحظة ثم أردَّف. ولكنني ما ظننت شابة مثلك تكترث لهذا الأمر.

ـ انا لا أهتم، مع ذلك لا بأس بالقليل من الحذر، انا أعمل في البريد، وقد حصلنا على بيت جديد من التعاونية، لم يكن البيت في شارع باليسترو يكفينا، غرفتين وصالون، أكبر قليلاً من بيتك، إبتسمت لتذكّره ان إبنة البلد تعرف، أيضاً، حجم الشقق من واجهاتها، ثم استطردَّت. انا ووالدي ووالدتي، وشقيق متزوج، حقاً لم يكن يسعنا ذلك البيت، في الاسبوعين الأخيرة التي سبقت الأنتقال، شعرت بحزن وخوف كبيرين من انني لن أراك مرة أخرى، ولأول مرة تعمدت الوقوف في النافذة بوضوح، كنت أريدك ان تراني، ولو للحظة واحدة، وندمت إنني لم أفعل هذا من قبل، شعرت ان تخفيي السابق كان سخيفاً، ولا معنى له، إلاّ إنك لم تنتبه، كنتَ تصل دائما في فترة العشاء، ثم من السُفرة في المطبخ الى الكنبة في الصالون، وقد ضايقني هذا كثيراً، وكنت أتضايق أكثر عندما يدخل شخص الى الغرفة وانا في وقفتي غير المعتادة امام النافذة، آه..

رسمت على وجهها مسحة من الضيق، لتعبّر عن مشاعرها في ذلك الحين، ثم، وبهزّة واحدة من رأسها تخلص وجهُها من تقبّضه العابر، لتعود الأبتسامة الى عينيها وفمها، وإستطردَّت :

ـ كانت أعصابي تتوتر لأي دخول، خاصة زوجة أخي، انها فضولية بعض الشيء، ولكنني لا أهتم كثيراً بأمرها، على كل حال، في تلك الأيام فقط وردت على ذهني فكرة الأتصال بك، بعد ان نرحل من البيت، هذه الفكّرة وحدها هدّأت خواطري، وأبعدتني عن النافذة ونارها.

أخفضت عينيها قليلاً، كما لو إنها تخفي وجهاً شارداً، ثم سرعان ما رفعت رأسها الى عينيه بابتسامة مشرقة، وقالت:

ـ رغم ذلك، بقيتُ آمل، حتى اللحظة الأخيرة، ان تصادفني احدى نظراتك.

كان يتأمل في كلامها، في هذا العشق الذي كان يتنفس ويكبر، لوحده، على مسافة قريبة من غرفة نومه وغرفة جلوسه ومكان وجبته المسائية الصامته، وفي نفس الوقت كان يبحث في وجهها، بين ملامحها، داخل تفاصيل قسماتها، عن خلل ما، خفي وبعيد، ظلّ موجود  وغير مؤكد في نفس الوقت، يطعن في كمال هذا الوجه، ويُظهِر إتساقاً مؤرجَحا في صورة توشك ان تكون باهرة الجمال.

كانت يدها اليسرى تقبض على سيجارة بين أطراف الأصابع، واليد الأخرى تهئ الولاعة، حين قالت:

ـ اذن، ما رأيك فيّ، وقد كشفتُ لك كل أسرارى منذ اليوم الأول؟

باغته سؤالها، أربكه أشد الإرباك، فلم يكن مهيئاً له، وما كان خياله الناشط هذا الصباح، وهو يرتب للقاء الأول أجواءً اخرى، قد تصور مكاشفة بهذا القرب وهذا الوضوح.

كان يتوقع إعجاباً، أو عرضاً للصداقة، رغبة في التعارف، تمهد بعدئذ لعواطف تشيّد نفسها بتؤدة وممانعة رومانسيين، وإذا به يجد نفسه أمام حب متكامل ولوعات صغيرة.

حين ابتسم، وهو يبسط يديه فوق الطاولة علامة العجز، أحس من خلال زوايا فمه الشحوب الذي ضرب أسفل وجهه، قال:

ـ أكانت كل الأسرار؟ جدَحت، فأعطت الولاعةُ شعلةً طويلة ألهبت رأس سيجارتها منها، ثم ردَّت:

ـ كانت كثيرة، بالقياس الى ما لم تقله عن نفسك.

فكّر "ليتني ما سألتُ".

تذكّر، لأول مرة منذ جلوسه، الزجاج الذي يكشفهما للساحة، نظر عبره، كما لو يبحث بين المارة والسيارات عن كلام يردَّ به. تنهد في داخله، وقبل ان يلتفت أحس ابتسامتها، وهي الآن أكثر ثقة، تستجوب صمته.

قال:

ـ الذي يشغلني هو، ماذا أستطيع ان أعطي هذا الحب؟

ـ لن اطلب شيئا.

ـ ولكن أنا، ماذا...استطيع؟

ـ لا أريد أي شيء، قالت تحرِّك كتفيها ورأسها بمرح، وكررت. لا شيء، مع نفس الحركة.

لا يمكنه الوثوق بهذا اللاشيء او فهم حقيقة أبعاده، كل ما يعرفه الآن ان مرحها وبشاشتها أصبحا يأسران قلبه.

عند شارع سيستينا تقابلا وجها لوجه، في وقفة قصيرة قبل ان يفترقا، سوف تأخذ الباص من ميدان تريتونا لتلحق بعملها في كاسالينا، ويعود هو من نفس الطريق الذي سلكه في مجيئه، ليبلغ مكتب الشحن في العاشرة.

لم يتطرقا الى إمكانية لقاء آخر، اتفقا بصمت على ان موعداً جديدا سيتم الأتفاق عليه، وتواطآ ان تكون هي، ما دامت تعرف رقم التلفون، من يقود هذا الأمر، وكانا قد لزما الصمت منذ مغادرتهما البار، واكتفيا بإستراق نظرات جانبية كل منهما الى الآخر، وكان يشعر، حين يلتقي بنظراتها، إنها سعيدة، أما هو فليس متيقناً من شيء، غير قادر على فهم الفراغ الكبير الذى سقط فيه رأسه ما ان أصبحا في الشارع، وإذ إنتظر في البار، مشوقاً، وقوفها كي يتعرف على قوامها عن كثب، نسي الأمر حينها وعاد يتذكّره الآن وهما يتهيئان للأفتراق.

انه منبهر قليلاً إزاء السهولة التي تمت فيها هذه البشارة الغرامية، إلاّ أنه، من قبل أيضا، إعتاد هذه المفاجآة، واهتزّ لها أكثر من مرة، مستمتعاً بغبطة إمتلاك قلب وشوق امرأة، وهو قد خبِر، وإنسحق حتى الجنون تحت لذة إكتشاف أسرار ورائحة جسد  جديدين، فلماذا يطغي على مشاعره الآن شيء إشبه بالنفور وهو ليس نفوراً، أقرب الى اللامبالاة وليست لامبالاةً، أكثر من الخوف وليس الخوف بحد ذاته، إنها، وقد فكّر، لحظة من الكذب، ولا يستطيع معرفة ان كانت سقيمة أم شافية للنفس، إنها عبث إشارات تأتي من الخلف، من زمن سحيق في ماضيه، او في ماضي من قبله، لِفاع ثقيل لشهوات هائجة لوثت كل طُهر... وهل هناك من طهر في رغبات الجسد! فزع مقيم من قسوة ما فهمت ذاتها ولا تدبرت طيشها...وهل يرضى الدم بأقل من الشر! فمن أين يبدأ الخسران، وأين ينتهي؟ "وأنا عابر السبيل.." قال..." الهائم بلا وجهة، الموغِلُ في الأبتعاد، المتعثرُ في جذور أسلافي، الحامل أوزار دنياهم وآخرتهم في خُرج تيهي، المسبوق بقضائهم المتبوع بقدَرهم، المرصود المعصوب المنذور الملدوغ في مآقي العين، فإلى أين يجرّجر بي عطش القلب؟ ".

قطعت خواطره حين قالت، يطوف فوق وجهها الرحب شعور مريح بالأطمئنان:

ـ لا حاجة بك لأن ترافقني، سوف أخذ الباص من هناك، وأشارت بيدٍ صغيرة ممتلئة كشف ضوء الصباح بياضها الجميل، وسطع على ظاهرها هدبٌ خفيف إنسرح من قمة الرسغ الى مطلع السلامية، وتَخفي، مثل حبات فيروز دقيقة، تحت جلد شفاف زجاجي فوق ربوة الأبهام.

أجاب "كما تشائين" وتهيأ، منتظرا منها المبادرة في الرحيل لينصرف بعدها، وكانت النظرة الأخيرة أشبه بقبّلة وداع قصير، حمَّلها كل من جانبه ما يقدر عليه من حنان وأمل، فأنسحبت منه لتذهب، غير انها إرتدَّت إليه لتسأل:

ـ ولكنك لم تقل لي إسمك الأول!

ـ نعمان

ـ نومان

ـ نعـ..مان

ـ نوو..مان، وإستحال وجهها الى حقل فسيح، تلقى دفقات الفجر الأولى فإبتهج.

 

 

2

قال ماريو:

ـ وإذا ما أرادت البلدية لشاطئ سبيريلونا أن يتزبَّل على مهل، فهذا إسلوبهم أولاد العفنة، اسلوبهم المعهود ياعزيزي في إنتظار من يدهن الدولاب بالزيت المناسب، وانا أعرف، اعرف تماماً اللقمة التي يحبها الشماس، هل فهمتني؟

كان ماريو برأس صغير أصهب فوق رقبة غليظة، يجلس، ثقيلاً، على حافة كرتون في مكتب الشحن، يقبض على واحدة من رُكبه ويسند كوعه الى الأخرى، ويتحدث الى روبيرتو المنشغل بتدقيق البوليصات خلف مكتب طويل تسوده الفوضى.

ـ حفنة فلوس في الطابق الأول، حفنة للطابق الثاني، ثم أصعد الى الطابق الأخير مع مفتاح سيارة سبورت جديدة: "صبيكم الحبوب يلزمه عرباية يذهب بها الى المدرسة" أقول للمدير، بعدها أنزل، وحق اللّه، بعقد تأجير عيار واحد وعشرين قيراطاً، هل فهمتني؟

ـ حقاً، قال روبيرتو يدفن رأسه أكثر فأكثر بين البوليصات.

ـ فلوس، فلوس، بالفلوس أقدر أمشي على البحر، ولكن، يارب السموات، هذا النسيب، إبن الزانية، والد زوجتي، يربط فلوسه الى بطنه في حزام من القنّب، ويرفض إعطائي كم ألف ليرة أخبط بها خبطتي، أرأيت؟

غدا ماريو الآن يصيح، يجأر، ليشرح الى موظف مكتب الشحن حكايته التي ظلّ يحكيها منذ شهر، وسمعها روبيرتو، سمعتها الكرتونات، وبالات الكتان المرزومة، سمعها جموع الأفارقة والآسيويين والأيطالييين الذين يأتون هنا ليزنوا ويعنونوا بضاعتهم ويودعوها المكتب، الذي يتولى شحنها الى كل الأصقاع، في الجنوب وفي الشرق.

ـ البحر يا عزيزي روبيرتو، يدرّ ذهباً في هذه الأيام، خمسين مظلّة على الرمل مع كراسيها، ثلاجة وماكنة قهوة، وكفى، ثم يتقاطر عليك الأمريكان والالمان والانكليز، سندويتش مصارين وجبنة بثلاث ورقات ونصف وهم في غاية الأبتهاج، ولا تحسب الكولا والبوظة، والتفاهات الأخرى.

ـ بومبايا، نادى روبيرتو، يرمي أنظاره ويشير نحو نيجيرية تربّط صررها في زاوية المدخل.

ـ بومبايا، صاح ماريو بصوت أعلى،  إذ أحسّ ان المـرأة لم تسمع نداء موظف الشحن، ثم، وقد رفعت رأسها، أومأ لها بيده ان تقترب، ولكنها ظلّت تشدّ وتربط دون ان تكترث بهم، فقام ماريو، تدعوه الأريحية وحب الخدمة، وتوجه الى المدخل، حيث تحني النيجيرية نصف قامة جيسمة، مرتكزة في وقفتها على ردَّفين هائلين، فوق بضاعة وُزِعت على مجموعة أكياس إنهمكت منذ الصباح في توظيبها.

قال ماريو:

ـ اووو، بومبايا، ألم تسمعي؟

ـ موبايا، اسمي موبايا وليس بومبايا، قالت تبتسم دون ان تغير وضعها.

ـ موبايا، معذرة، لكن روبيرتو يريد ان يكلمك،

ردَّت النيجيرية بكلمتين لم يفهمهما ماريو، فعاد يؤكد مستعيناً بإشارات من يده.

ـ روبيرتو، روبيرتو يريد يكلمك.

رطنت موبايا بلغتها كما يحلو لها، تنقل النظر بين يديها وهما تضغطان وتزمان رقبة  الكيس بالحبل وبين محدثها، فلوى ماريو جزءً من عنقه نحو موظف الشحن، وقال:

ـ لا أفهم كلمة مما تقول، ثم سأل المرأة. لكن يابومبايا، ألا تتكلمين الأيطالية؟

ـ دي ألوي كي جي فيان كان جي فيني، دى ألوي ( قل له أنا قادمة حالما أنتهي، قل له ـ قالتها بالفرنسية)

شعر ماريو ان كلام هذه الافريقية يزداد رطانة فوق رطانة، فعاد الى مكتب روبيرتو وتشكى:

ـ يا إلهي، لا تعرف كلمة ايطالية واحدة، ثم إلتفت من جديد الى زاوية المدخل، وقال. ألاّ تذكّرك هذه الأردَّاف بدعامات البانثيون؟ انتظر حتى يبتسم روبيرتو، ثم أطلق ضحكة جلجّلت في أركان المكتب.

لم تسمع النيجيرية الجلجلة، ولا إستقام ظهرها قليلاً، كانت موبايا، وهي تتكأكأ محنية الجذع حول صررها، في الوضع المناسب تماماً.

ـ هيه روبيرتو، صاح إيطالي برز رأسه فجأة من بين صناديق كُدست في عمق المكتب. أي رقم تعطي لشحنة السنغال؟

ـ 182 س، أجاب الموظف بعد ان تفحّص أوراقه.

ـ 182 س، كرر الايطالي، ثم غار رأسه من جديد بين الصناديق.

في هذه الساعة من النهار، يبلغ النشاط ذروته في مكتب الشحن، وينحشر عدد من تجار العالم الثالث، الضئيلي الحال، في هذا المكان الضيق، ليعدّوا بضاعتهم ويزنوها، ثم ينتظروا ساعات طويلة، خاملة، حتى ينتهي روبيرتو من طبع البوليصات وإستلام اجورها قبل ان ينطلقوا من جديد، مثل النمل الأحمر، الى الأسواق والورش الصغيرة، ليبحثوا ويساوموا حول بضاعة جديدة.

أغلب هؤلاء التجار الصغار بدأوا مسيرتهم وئيدة متقطعة الانفاس، بما يسمى (تجارة الشنطة) وهي مهنة متطفلة، لا تراها نقاط الكمارك، ولا تشعر بها دوائر الضريبة، رأسمالها خوف وحيلة وجسارة شخص واحد، يلجأ إليها بعض الأجانب الوافدين الى ايطاليا، بعد ان تضيق بهم سبل العيش، حيث يملأون حقيبتين أو ثلاث بسقط المواد من قمصان وفساتين وملابس داخلية زهيدة الأثمان، يرحلون بها الى عواصم ومدن صغيرة في أفريقيا وآسيا، يبيعونها هناك على أصحاب دكاكين، تعودوا نمطاً متدنيا من بضاعة ونمطاً بائساً من زبائن، ثم يرجعون الى روما بألف أو ألفين دولار ربحاً، يعدّون بها أربع حقائب لرحلة اخرى.

كان ماريو الآن، وقد سلخ فترة الصباح الأولى يحدّث روبيرتو عن مشاريعه وخبطاته المُعاقة، يسند كتفه العريض، مرتاحا في وقفته، الى خزانة كبيرة لحفظ الأوراق، ويتابع، شارداً، يد موظف الشحن تضغط بالقلم على البوليصات، متردّداً، يشاور ذهنه، بين الذهاب الى البار لتناول قطعة كرواسان مع فنجان قهوة، وبين الأستكانة الى هذه الراحة.

كان طعم المعجنات الساخنة ورائحة القهوة يدوِّمان في رأسه، فيتحلّب ريقه وتذوب، بين آونة وأخرى، رغبة لذيذة فوق لسانه، يرخي لها قياد التفكير فتزداد إغواءً، ويلجمها فتظلّ تلح على الخاطر.

في تلك اللحظة التي أوشك فيها ماريو ان يحسم أمر تلوّعِه، ظهر نعمان في مدخل مكتب الشحن، فتحرر رأس الأيطالي، وقال: "مرحباً"،

سأل نعمان:

ـ هل انتهيت من لصق العناوين؟

ـ منذ قرن ياعزيزي،

ردَّ ماريو وقدم لصاحبه هيئة جادة ذات معنى، فهو الذي تعوّد التحلل من الألتزام بأي شيء، يغمز، بنعومة سكين وبريقها الأخاذ، من جانب المُبطئين في الوصول، ليسخِّف غضبهم وشكواهم من فوضاه.

ـ حسنا، قال نعمان وهو يخلع سترته. لننتهِ الآن من الوزن.

قال ماريو موجها كلامه الى روبيرتو:

ـ الميزان لنا.

ـ لكم، ردَّ موظف الشحن حتى دون ان يرفع رأسه.

توجه ماريو، وقد اشتعلت الهِمَّةُ في أرجاء بدنه، الى فسحة في عمق المكتب، وتوقف، يلحق به نعمان، أمام بضاعة وزِِعت ورُزمت في عدد كبير من الكارتونات، راز واحداً منها ثم احتظنه بذراعيه من طرف واحد، فإحتظن نعمان الطرف الآخر، وقال "هُب.." ثم رفع، ورفع نعمان بدروه، وسارا بالكرتون مجانبةً حتى بلغا الميزان، فأنزلاه على المرقاة.

إرتجّ الميزان وزلزل تحت وطأة الحمل، وفي ذات الوقت قام السهم بدورة سريعة خرقاء، وتذبذب رأسه قليلا قبل ان يستقر على الرقم 56.

ـ خمسة وستون، بورت سودان، صاح ماريو، ثم كتب الرقم على ظهر الكرتون.

ـ خمسة وستون، كرر روبيرتو وهو يدوّن على ورقة أمامه.

أنزلا الكرتون من المرقى، وركناه جانباً.

قال ماريو: "هذه المرة كل بضاعتك من الأحذية" وفركَ باطن ذراعه ليزيل كدمة حمراء، طبعها بوز الكارتون فوق الجلد.

ردَّ نعمان: "نعم، لنأتِ بالآخر".

وعادا الى عمق المكتب.

"إرفع.." قال نعمان، "هُب.." رفع ماريو، وتسابقت أقدامهما فوق الأسفلت تخبط وتشحط، فكّر نعمان تحت ثقل الحِمل "أيمكن، حقاً، لجلابية تافهة ان تلعب برأس امرأة وتطرح قلبها في حمأة الأشواق؟".

ـ لا تجذب نحوك بشدة، صاح ماريو

ـ حسناً، قال نعمان

وحين بلغا الميزان، ثبتا متقابلين حول المرقاة، ثم أرخيا، هبط الكرتون بصوت مكتوم "طُب.." فجلجل الميزان وتأرجح.

ـ 28 نواكشوط، صاح ماريو

ـ 28....، دوّنَ روبيرتو

"كل البضاعة من الأحذية" قال نعمان في دخيلته "صدفة غريبة، لأول مرة منذ خمس سنين، تتوحد المشتريات في نوع واحد، بداية اختصاص في التجارة، نِعال، شحاطيات، سيور، تاجر جلود من الدرجة الأولى" إبتسم لنفسه خفية، بعيداً عن عرق ولهاث مرافقه الأيطالي، لا يريد لمـرارته ان تظهر لأحد، ثم تذكّر "حاجبان عريضان، شعرها ناعم، ناعم ينسرح على صدغ أبيض شهي" وأقتحمت أفكاره عيون سارة وحاجباها، رفيعان، يكاد سوادهما يختفي في ظلّ سمرة جبهتها العالية. "ما الذي يمنع ايطالية، تبحث عن زواج او عن حبّ او عن مغامـرة عاطفية، من ان تأخذها جلابية شرقية الى مـراد قلبها؟" .

ـ ارفع. هُب. طب، 70كيلو، الى جيبوتي.

جلابية عادية.." فكّر نعمان "إرفع.." قال ماريو "من قماش عادي، دفع فيها سِيد أحمد نصف جنيه سوداني، ومثلها الآلاف، تتبختر الآن، في هذه اللحظة، ومنذ مئات السنين، في شوارع بغداد وعمان والقاهرة وصنعاء وطرابلس، يتبختر القمل وفتائل الوسخ وبقع العرق تحت بهجة الشعور بالرضى عن النفس، ولذة الأطمئنان الى قدرات مدخرة، عظيمة ومدخرة،  بمتناول اليد في أية لحظة وعند اول نداء.."

طب، 62..المنامة.

ـ لنأتِ الآن بعدن، قال ماريو.

ـ لنأتِ به، ردَّ نعمان، وتبع ماريو، الذي بدا عليه الآن الأرهاق.

ـ هل شاهد أحدكم الموقاص ؟ سأل شاب من مالي، طويل، نحيف، فاحم السواد، عن المقص.

ـ إبحث عن الموقاص فوق المكتب، أجاب ماريو ساخراً، وهو يُعدُّ في ذهنه ما تبقى على الأرض من كرتونات، ثم طافت في خياله صورة الأمواج تضرب على الشاطئ، والمظلات، وماكنة القهوة تنفث دفقات من البخار الساخن، فأحس لُباب الكرواسان يذوب بين أسنانه، ولعن والد زوجته، قال، وهو يحظن طرف الكرتون بذراعه:

ـ سنيور نومان، لدي ما أقوله لك حول موضوع مهم،

ـ نتكلم في يوم آخر، يجب ان أكون في غرفة التجارة قبل الواحدة، أجاب نعمان، يلف ذراعيه حول الطرف الآخر، ثم أضاف وهو يركِّز كل قوته في كتفيه. وعليك العودة الى الوكالة، فأني لا أظنهم يسمحون لك بمـرافقتي كل النهار، إرفع.

ـ لا تهمنى الوكالة، سأقضي معك الوقت الذي تحتاجني فيه، إرفع من جانبك، هُبْ.

أخبر نعمان موظف الشحن انه يعود غداً لأستلام البوليصات، ثم ودّعه، ودّعه ماريو ايضا، ولحق به الى باب المدخل. مازالت موبايا تعمل بنفس همتها، ووضعها المنحني.

على الرصيف عرض ماريو على نعمان ان يصحبه الى البار ليأخذ قهوة، لكن نعمان اعتذر لأن الوقت لا يسعفه، ثم توقف الأثنان وإلتفتا الى صوت ينادي من الخلف.

كان أبو سمير، الذي دخل الشارع من الجهة الأخرى، قد شاهدهما يخرجان من مكتب الشحن، فنادى، وواصل سيره البطئ، الثقيل، ليبلغهما، وحين مر أمام المكتب ألقى نظره عابرة على الباب، وتابع، يشحط أقدامه، يمسك لفافة صحف عربية تذهب الى الأمام وترجع الى الخلف مع حركة ذراعه الرخوة.

قال ماريو لنعمان وهو يلوِّح بيده نحو أبي سمير محييا إياه من بعيد:

ـ الى اللقاء اذن، أنا ذاهب الى البار.

ـ الى اللقاء.

عاد نعمان أدراجه، ليكسب الوقت، ويقابل القادم في منتصف الطريق "طريق الآلام" قال في دخيلته، "ما حسبتني أراك اليوم" سيقول ابو سمير اول ما يقول، ثم يسرد أخبار بغداد والبصرة والنجف ومؤتمـر قمة الرؤوس (العظيمه)، جعبة غنية على الدوام "لو كان لصنعاء واليها، ما شاع القمل فيها..".

توقف ابو سمير وحيّا، متوسلاً، كالعادة، نظراته وحركة يديه ان تمنحه هيئة الحاني، الأب الذي يحرص وحسب، يحرص، وقد حُرم الولد والزوجة، على أصحابه الأصغر والأكبر سناً.

نخر نخرة حانية، وسأل:

ـ كيف حالك؟

ـ بخير، وأنت؟

زفر، ونظر الى الطريق، ليوحي، من غير كلام، بانه في خير، إذ ماجدوى ان يشرح المرء الأسى، وهو كثير. سأل:

ـ هل قابلت سِيد أحمد اليوم أو أمس؟

ـ لا، أجاب نعمان، وهو يفكّر ويحسب الوقت المتبقي لديه.

ـ منذ يومين وهو يبحث عنك

ـ ماذا يريد؟

ـ هذا الرجل لا يقول شيئا لأحد، هكذا طباع السودانيين.

" شخصٌ اخر يدير ظهره للحنو" فكّر نعمان، ثم قال:

ـ يجب ان أكون في غرفة التجارة خلال ساعة، أراك غداً في المكتب.

قال أبو سمير ليُنسي صاحبه غرفة التجارة وموعدها:

ـ منذ يومين يرفض هذا الروبيرتو ان يشحن لي الجوارب.

ـ لماذا؟

ـ بسب مشاكل الديون بين حكومة عدن ومطار القاهرة.

ـ اذن أنت تعرف السبب،

ـ امممم ، جمجم ابو سمير، وشعر في سويداء قلبه ان شكواه لم تجد موقعاً حسناً، ثم قال، ليجرَّ نعمان الى حديث أشمل. ألا تريد ان تتصفح الجرائد؟

ـ تعرف ان جرائدهم لا تثير إهتمامي.

ـ أعرف، ويدهشني إنك دائما تلعن مهنتك الاولى.

ضحك ابو سمير، إذ إستملح غمزته الذكية، وقهقه، فظهرت أسنانه الأماميه، قلحاء متراكبة، وإختض أسفل خديه.

وسيم، عيون جميلة ووجه عريض، خللُه الوحيد يكمنُ في أسنانه، وهو يعشق التهكم، ويحب السخرية، ولا يهتم لقواطعِه التي تعرض بشاعتها كلما ضحك.

ـ أتركك الآن يا أبا سمير، أخشى ان يؤخرني زحام السير.

هزّ ابو سمير رأسه موافقاً على موضوع السير، بعدها قال:

ـ ما حسبتني أراك اليوم، هل صحيح ما قيل ان زوجة شاكر الألمانية تقدمت الى المحكمة تطلب الطلاق؟

ـ لا أعرف.

ـ هذا ما سمعته أمس.

طاشت الضربة، فردَّد ابو سمير مع نفسه "هكذا هو نعمان، لا يقف عند الأمور المهمة التي تخص الناس، ولا تقف عنده" وإنبرت لذهنه نصيحة يسديها، فقال:

ـ اذا أخذت المترو لن تتأخر عن الموعد،

ـ سآخذه، مع السلامة،

ـ نراك غداً،

قرر نعمان ان يأخذ المترو، وتصور كم سيشعر ابو سمير بالأرتياح، وبالفخر، لهذا الهُدي، حتى وهو في قبره، وسيتحدث عن المترو، كنصيحة قُدِمت منذ حين، الى أول ثلاثة يقابلهم في الطريق، الى ان يطرأ حدث جسيم آخر، تحطُم قطار، سقوط طائرة، علبة بامية تركية وجدها في شارع دي كولا، فتتراجع حكاية المترو "قلت له يا أخي تسمع نصيحتي وتأخذ المترو حتى لا تتأخر عن أشغالك والآن يكون وصل" أو... "قلت له يا أخي تسمع نصيحتي وتأخذ المترو وبلا الباص ومشاكله والآن يكون وصل منذ ساعة" إبتسم، وهو يتمثل ابا سمير وطريقته في قتل الوقت، في قتل الحياة، قتل الآخرين، أمواتاً وأحياءً، ليقضي يومه، وفكّر: "حياتنا المقتولة أصلاً".

دخل شارع جوليتي، وعبر الى الرصيف الآخر، قطع بضع خطوات، ثم زحمته مجموعة من المسافرين، نزلوا للتوّ من الباص القادم من المطار، وانهمكوا، بفوضى صغيرة، في إخراج حقائبهم والتعرف عليها.

"وعثاء السفر" قال لنفسه، أمعن النظر في وجوههم الناعمة، السعيدة "يسافرون، يتمتعون ويقضون اشغالهم، ثم يعودون الى بلدانهم".

سرَح بفكره، وقد إفترق عن الزحمة، الى ساحة بربريني، إنكشفت امامه بأكملها، واجهة البار، ويد سيبيللا تتحرك في تناغم سلس مع وتيرة كلامها، لتشرح وتوضح، يد صغيرة برسغ ممتلئ، ناصع...

ـ سنيور نومان..

كان ماريو، يصيح من الرصيف الآخر ويراقب السيارات متحفزاً، ثم قطع نصف الشارع وانتظر في الوسط، موازياً في وقفته بحذر البهلوان، ليفسح لثلاث سيارات جاءت مسرعةً، بعد مرورها من أمامه ومن خلفه، قفز الى الرصيف وأطلق سيلاً من الشتائم على مؤخرة السيارة الاخيرة.

وقف نعمان ينتظر عبور ماريو.

ـ تعال أمرُّ بك على غرفة التجارة، ففي كل الأحوال يجب ان أترك بعض المستندات في ميدان فينيسيا، قبل العودة الى الوكالة.

وافق نعمان، إذ ما دام لدى الأيطالي ما يقوله، فسيجد كل السبل لكي يقوله،  وليوفر هو على نفسه، في كل الأحوال، إزعاج الدعك والحشر في المترو.

 

 

3

ظلّ ذهن نعمان، منذ لقاء ساحة بربريني، يُحلِّق في أجواء يكتنفها السحر والغموض والشعور بالذنب، وعندما جلس الى يسار ماريو وقال: إربط حزام الأمان تذكّر انها كانت ترفع وتطوي أردَّان كنزتها كلما إنسدلت على ذراعيها البضتين، وراح يسترجع في لذّة مقلِقة، أطرافاً من حديثها... فردَّ ماريو إن لا حاجة بهما الى ربط الحزام لأن هؤلاء الذين يسنون القوانين، أولاد العاهرة، هم أول من يخالفها، والمثل يقول إصنع القانون ثم تحايل عليه، واذا أرادوا تطبيق قوانين الاوربيين على الايطاليين فلن تقوم لهذا البلد قائمة. ولفّ المقود الى اليسار حتى قراره الأخير، وإستدارت الفيات بتهور الى وسط شارع جيوفاني جوليتي ثم إنطلقت تلهب الارض وزمّـرت في أثرها أربع سيارات كانت قادمة من الخلف بسرعة مخيفة فمدَّ ماريو ذراعه الغليظة من النافذة إستغرب بها وتساءل من منكم لا يريد الوصول في الوقت والساعة وغيَّر تُرس السرعة فهدرت الفيات وجعرت ثم إندفعت أسرع فأسرع ودربكت دواليبها فوق حجر الشارع البركاني الاسود ومرت أمام بوابة محطة النهايات (1) وحشد المسافرين القادمين في القطارات الى روما والراحلين منها وزادت من سرعتها لتبلغ وتجتاز إشارة الضوء الصفراء إلاّ أن سيدة خمسينية تقود فيات500 أبطأت سيرها لتنصاع وتقف في الوقت المناسب فزمّـر ماريو ولعن ليحثها على إستباق الضوء الأحمر وعبور الأشارة قبل فوات الأوان ثم إستدار وأخذ اليمين دون ان يخفف السرعة بيد ان الأحمر أضاء في حينه ففرّملت الفيات وزمجّرت وتوقفت وتكومت خلفها السيارات وكمنت تهدر بخفوت وتنتظر أمام الأشارة الحمراء.

واذا أردنا ان نسوق، سنيور نومان، حسب الأصول كما يفعل الألمان والأنكليز المفزوعون ما وصلنا عملاً ولا لحقنا بوجبة طعام، وانا أقول دعوا قوانين الاوربيين للأوربيين، وقوانين الايطاليين للأيطاليين، وبغير هذا لن تستقيم الامور، وهاك، انظر الـ500 تلك، وأشار بذراعه التي ما زالت خارج السيارة، ألاّ تعرقل السير كله بهذا التأخير؟، والقيادة، قبل كل شيء جسارة وقلب شجاع، وانتم سنيور نومان هل عندكم نفس قوانين السير لدينا؟ هذا ما حسبته، وهل صحيح ان الشحن سيتوقف في المنطقة بسبب الحرب؟ وردَّ نعمان بنعم من جديد، وحدث نفسه: "هِبها إتصلت، وكشفت عن عواطفها قبل سنة من الآن..؟" فقال ماريو ان تيسوتي يحفر في الارض فيجد أسواقاً لأحذيته وصنادله ورغم ذلك يشكو ويبكي في الصباح وفي المساء، وأضاء الاخضر.

إندفع السير وإرتبكت الـ500 ولم تتدبر أمر إنطلاقها من إنحشار بدا لها مأزقاً فتعرقل السير من خط اليسار بطوله وزمّـر بيجو من الخلف وقال بي أم دبليو آه يارب السموات أما كان الانتقال بالباص أهون لكِ يا سنيوره وترجل شاب من لادا صاح بالفورد الذي قبله إستدر أنت الى اليمين من فضلك وإجعل السير يأخذ مجراه فمدّ صاحب الفورد رأسه من النافذة وصرخ ألا ترى مؤخرة السنيورة وقد إلتصقت بمقدم سيارتي وتدخلَ كولف ولكنك تستطيع المناورة فأجاب الفورد بغضب فافالكولو (2) وعادت الاشارة الحمـراء قبل ان يتاح لخط اليسار التحرك من مكانه فَعَلا الهرج وبلغ قبة السماء.

وما رأيك سنيور نومان، أما كان الأفضل ان ينظِّموا هذا السير اللعين، بدلاً من الأهتمام بحزام الأمان داخل المدن؟ ومن خلف نافذتها شرحت الـ500 بيديها الاثنتين ان السبب وقوف هذا التاكسي في التفرع الخطأ، فوافق صاحب الفولكس المجاور برأسه، ولامَ بعض الناس الذين يتصرفون وكأن الشارع ملكاً خاصا بهم مما يسبب المشاكل للجميع، فوافقت السيدة بدروها على الكلام، من دون ان تسمعه، لأنها فهمت ان السيد كان يلوم ويتذمر مثلها فأضاء الأخضر.

إنطلقت السيارات وأتيح للـ500 ان ترتعش قليلاً ثم تتهادى وأخيراً تندفع على قدر طاقتها وتنبَّه ماريو الى ان شارع كافور هو الطريق الأنسب في هذه الساعة من النهار فعرَّج الى اليسار في اللحظة الأخيرة وزمجرت فراملٌ من الخلف وصاح ألفاروميو بغضب هيه ياعفن وردَّ ماريو إيه يا مأفون وتابع الاثنان سيرهما كل في إتجاه ونحن نحترم الأصول سنيور نومان عندما يكون الأصول ضرورياً وهذا هو المطلوب ودخلت خط اليمين دراجة بخارية قدِمت مسرعة من الأتجاه المقابل ومرت بمقدار نسمة من ذراع ماريو فسحب  ذراعه الى الداخل ونفثت دفقة كبيرة من غاز أسود فهوّى بكفه اليمين أمام أنفه وزفر المارة وتفَّفوا الهباب من فوق شفاههم وسعل بيدفورد ولعن وإحتفظ ماريو بكوعه خارج الفيات وأضاء الاحمـر في الأشارة المقابلة لمكتب تابع لوزارة الداخلية فتوقفت السيارات على الاتجاهين.

عبر عدد من المارة، وتجمع على الرصيف خمسة صبيان من الغجر بثياب خَلِقة ووجوه مدعوكة بالوسخ، لزموا مكانهم متوترين، يحدّقون بلا هوادة في شيء ما على الرصيف المقابل، قال ماريو انهم يتصيدون أحد السُيّاح فأعلن الاخضر السير.

تمهلت السيارات وتلجلجت وهي تتواثب لتسمح لرجل وزوجته بإكمال عبورهما المتأخر ثم اندفعت الواحدة تلو الاخرى وزمّـر فولفو من آخر الصف لكي يعجِّل المتقدمون في الأنطلاق ومدّ ماريو ذراعه الى منتهاه خارج النافذة ولاحظ ان الطقس يميل الى الأعتدال اليوم وان الشتاء جاء قصيراً على غير عادته وزُحِمت الفيات بين أودي80 زرقاء تريد التسلل من اليسار وتويوتا ينوى الأستدارة الى شارع برنس أميدو على اليمين فزمّـر ماريو بغضب وصاح ماذا تفعلان ولم يبعد عينه ولا تركيزه عن الطريق وبيد واحدة قوية ثابتة استطاع النفاد ببراعة وإستوت الفيات تحت قيادة ماهرة وإنسابت رشيقة غير مبالية وفي الباص لن تصل الى غرفة التجارة في الوقت والساعة صدقني سنيور نومان وتصدير البضائع الصغيرة عمل مرهق ولا يدر الكثير ألا توافقني وعلاوة على هذا يتطلب ان يدور المرء طوال النهار مثل النحلة الجائعة ولو سألتني رأيي في وتقدمت رينو 5 توربو يصرخ داخلها مغني البوب فاسكو روسي من جهاز ستيريو يضخم ويضاعف الصوت: لكن ماذا يُكلفكِ .. ان تكوني لي وحدي... حتى ولو كذباً... وما تبقى لا يهم... انه جنون... وما تبقى هو غلطتي.. وضاع رأي ماريو وسط الضجيج ووقف ستروين بي أكس 19 أمام مفرق اسكولينو ووقف الرينو5 توربو دون ان يتوقف فاسكو روسي عن الغناء وتبعه أوبل ثم الفيات ومرت الأودي80 الزرقاء من اليسار وتسللت بمحاذاة الرصيف وهربت متجاوزة الاشارة الحمـراء فرفع ماريو صوته وعلق: الحليوة متأخرة على الموعد، وصرخ مرسيدس 90 من مطلع ديبريتزَ: ليأخذك الجحيم أيتها السحاقية، ثم قطع، مشحوناً بالغضب، نحو الشارع المحاذي لكنيسة سانتا ماجورا، وقطع خلفه، مشحوناً بالركاب، الباص رقم 3، وصاح فاسكو روسي من الرينو 5: غلطتي وكفي... لكن فقط لا ترحلي... وإبقي الى جانبي.. لاترحلي.. وإبقي الى جانبي، وجعجعت وأرعدت خلفه الآلات بقوة خمسين بوقاً، تُم تُم تم بو، فأضاء الاخضر معلناً السير لشارع كافور.

مرَّ الستروين بي أكس 19 ومرَّ الرينو 5 تُم تُم تُم بو.. وعرّج فوراً الى اليمين ومرَّ الأوبل ثم الفيات ومالبث الثلاثة ان توقفوا. توقف السير كله من خلفهم، اذ عبرت مجموعة من السُيّاح الأجانب في طابور يقوده دليل توقف السير في الاتجاه المعاكس ايضاً ليتيح للسياح العجائز عبوراً آمناً، وصاح كولف جي أل: كان المفروض ان تعبر بهم عند إشارة العبور يا بَيللو (يا حلو)، فقال الدليل فافالكولو وعبر، يجرّ خلفه ذيلاً طويلا من الأسكندنافيين المدهوشين، وسأل ماريو السنيور نومان ان كان يحب أكلة الأباكيو فتحرك الستروين بي أكس 19 تحرك الاوبل وتحرك الفيات وأطبق ماريو على دواسة البنزين فجُنت الفيات وزحطت دواليبها وشاطت ولفّت الى اليسار ثم زاغت عن الاوبل بيسر وتجاوزته ولمّلمت نفسها ثم وثبت متجاوزة الستروين ايضاً فأصبحت في المقدمة واخيرا خفف لها فتساوقت سرعتها مع بقية السيارات وشعر بالراحة اذ كسب بهذا الإقدام مسافة سيارتين والأحد الماضي طبخت لنا الوالدة أباكيو آه يا إلهي ماذا اقول لك مدهش حقيقة مع قليل من الثوم والروزمارينو تجعل الوالدة الأباكيو أكلة تدير الرأس واذا رغبت سنيور نومان في زيارة فينافرو الاحد القادم نذهب معاً وسوف ترتاح وتذوق أكلات محلية مدهشة والريف جميل هناك الريف والهواء المنعش في الجنوب هنا لا نكاد نتنفس إلا الدخان ولماذا أعيش هنا؟ من أجل العمل وروما إبنة الكلب هذه ليس فيها غير العمل ولو وافقتني الرأي سنيور نومان أضع مبلغاً معينا وتضع مثله ونفتح مرقصاً صغيرا في التراس تيفرا يدرّ أرباحاً لا يصدقها العقل وانا واضع عيني على مرآب أرضي كنز وإنحرفت الفيات قليلاً وضايقت مازدا على اليسار ووجه المازدة شتيمة الى ماريو فردَّ عليه بأحسن منها مرآب تحيط به المطاعم من كل مكان تشارك انت بمبلغ وانا بمبلغ ونقيم له ديكورات وواجهة جذابة ولا تشغل بالك بموضوع الرخصة سنيور نومان اذا وافقت على المشروع والشبان يتقاطرون بالآلاف على المـراقص وفكِّرْ في ليلة الجمعة والسبت يالطيف كم يصل لديك الإيراد وفاض على الموتور بالوقود فتجاوزت الفيات الميني كوبر ودخلت خط السير المعاكس وتجاوزت هوندا وتجاوزت فولكس وتجاوزت الاشارة الحمراء عند مفرق ستورزا ثم عادت الى خط سيرها وتهادت ميمونة لا تلوي على شيء وتركت فوق خطوط العبور امرأة وصبيتها مذعورتين من هذا التجاوز المباغَت وإحفر لهؤلاء الشبان نفقاً أي نفق وسيقضون الليل بطوله في الشطح والنطح وكل كأس جوني ووكر نابوليتاني (3) بأربع ورقات ولا تهتم كيف يدبِّر هؤلاء الصعاليك ثمن سهراتهم وعبَر دوارة فينوسترا من غير ان يخفف السرعة وهل تسمعني سنيور نومان؟ وأطبقَ على دواسة الفرامل فزمجرت الفيات وزحلفتْ ثم توقفت لتسمح لشاحنة سكانيا (ثمانية أزواج دواليب) بالأستدارة وسط الشارع لتغير خط سيرها الى الأتجاه المعاكس.

قال فيات 127 وقف ينتظر في الجانب المعاكس: ما إتفق الجميع على الفوضى كقانون رسمي للسير إلاّ في هذا البلد، ولطمَ مسند الباب بكفه، زفر السكانيا وهدر أنفاساً طويلة، مبهورة، وهو يتقدم في جهد صاخب خطوة الى الامام ثم يعود الى الخلف ليبلغ الوضع الذى يسمح بالدوران، وغنى كولف جي أل أس بصوت جهير: حتى اذا وصلتُ الجنة، سأتركها لأعود اليكِ، علّق بيجو 305: إيـه روما!! وأدار السكانيا عنقه واصبح رأسه الآن ملوياً في الأتجاه المطلوب، ولم يتبق إلا زفرتين ثلاث لتتبع القاطرة الهائلة اتجاه عنقها، فتستكمل الشاحنة دورتها وتبتعد، قال ماريو: المهم ان نعرف كيف نُشغِّل ما نملك، وسأتدبر أمـر عاملين أجلبهم من الريف، فنتجنب حكاية الضمان الاجتماعي والضريبة، وألقى نظرة غير مـرتاحة الى السكانيا وهو ما يزال يشهق ويئِن، وجمجم: هل ستنتهي اليوم من هذا الطحار وتتركنا نرحل في سلام؟ تجمّع السكانيا على نفسه، وهو يرجع خطوة واحدة، اخيرة، الى الخلف ثم دخل، لوياً، شارع كافور وابتعد مثل اُم اربعة واربعين باتجاه دوارة فينوسترا، وتحرك السير.

تقدمت الفيات وتحرّك السير خلفها وقد تنفس الشارع الصعداء ويمكن ان نقيم صرحنا المُربح حتى بمبلغ بسيط وإترك مسألة تدبّير الامور على عاتقي سنيور نومان وانت تكون مرتاحاً وسيظلّ وقتك لعملك أو إذا طلبتَ رأيي تتفرغ للكتابة لِمَ لا وانت صحفي كما قال لي أصحابك وعملك في الكتابة وتستطيع ان تضع كتاباً عن الحرب ولِمَ لا هذه شغلة تصدير الملابس والاحذية تحطّم الأعصاب من دون أرباح كبيرة تكتب عن الحرب ولِمَ لا هنا عملوا كتباً بالآلاف عن ايطاليا ايام الحرب وكسبوا الملايين ولم أكن قد ولدتُ ايام الحرب ولكنهم تحدثوا عن قصص مهولة والجوع وانت ايضا تعمل كتاباً ويصبح لك إسم وثروة والمثل يقول إصنع إسماً  فيأتيك الرزق الى باب دارك ويمكن ان تترك أمر المرقص على عاتقي تستطيع ان تعتمد عليَّ سنيور نومان في كل الظروف ولن أمتدح لك نفسي نحن الجنوبيين نختلف كلياً عن الايطاليين أعني في الصداقة وفي بقية الامور وأشار الأحمر فتوقف السير في شارع كافور ليسمح بمرور السيارات من فرعي دَى سربنتي وأنيبالدي.

قال ماريو وهو يربت قلِقاً على المقود: ان تكاليف الحياة لم تعد زهيدة، وإن راتباً واحدا لا يكاد يكفي (مسواق) البيت، ومن شارع دَى سربنتي أطلت جاكوار دبل سكس 33، تمايلت وتهادت وعرجت بفخامة على شارع كافور باتجاه فوري امبريالي، ثم أسرع الباص رقم81 وتبع نفس الأتجاه، تلته لانجا 2000 أي أي شقت طريقها نحو دوارة فينوسترا، ومدَّ شوفرليه موديل1955  بوزه الهرم وتمهل، قلَّبَ الامر من عدة وجوه ثم جمع كل طاقته وزحر بها، وإهتزَّ وهدر، وعبرَ، بضجة وعلى نحو بطيء الى شارع انيبالدي، مخالفاً السير، ومخلفاً في أثره سحابة كثيفة من دخان غطت المكتبة القائمة في مدخل دَى سربنتي والبار المجاور لها ومحل بيع السجائر  والتذكارات، وامتدت الى الجانب الايسر من الشارع، وقال ماريو: ياربي، من أي مقبرة خرجت هذه الشوفرليه، وأضاء الاخضر، زمّـر داتسون من آخر الخط ليحث القريبين من الاشارة على الأنطلاق، فتحرك السير دورة دولاب واحدة ثم تسمّر في مكانه ليفسح، فزِعاً وليس تلطفاً، لـ فيات أونو جاء من دَى سربنتي بأقصى سرعته، محاولاً، وقد تأخر كثيراً، اللحاق ولو بالرمق الاخير من الضوء الاخضر، واذ شعر ان الأوان قد فات نهائياً، سواء للحاق بدوره او لتخفيف السرعة والتوقف، واصل اندفاعته بنفس قوتها وعبرَ، وفي منتصف شارع كافور خفف بعضا من سرعته ليلفّ الى اليسار فأصطدم، وقد بوغِت تماما، بـ فيات تيبو جاءت مسرعة من الجهة الثانية ، فقرقع الحديد، ورنَّ، ودوى، وأزت المفاصل وأنَّت وتناثر حطام الزجاج، ودارت الفيات تيبو نصف دورة ثم إنكفأت، إستجابة لردَّة فعل الصدمة، وإستقرت وسط الشارع وفي عكس إتجاهها، بينما نهضت مقدمة الفيات الأخرى متراً ونصف المتر عن الارض، ودارت دورة كاملة على نفسها، تماسكت للحظة خاطفة، كأنها ستهجع نهائيا، ثم عادت قوة الأصطدام تواصل دفعها، فأنقلبت على جنبها اليمين وزحلفت، شأن صحن مقذوف، مسافة خمسة أمتار لترتطم بسيارة لانجا مركونة بمحاذاة الرصيف، مطلقةً ضجة كبيرة مكتومة واخيراً همدتْ، إلاّ من الطقطقة الاخيرة الواهنة لتحطم الأشلاء، وخرير المياه.

حبس شارع كافور أنفاسه واستسلم لصمت وتوجس عميقين. في تلك اللحظة كانت ضجة الصدام وحدها تلعلع.

نزلت سيدة في الثلاثين، مبهوتة وشاحبة شحوب الموتى، من الفيات تيبو، أشارت بيدين مرتعشتين الى سيارتها المحطمة، تستشهد بالناس على جور وغرابة هذا الإستهتار الذي سبب الحادث، وقالت، غير متيقنة من سلامتها: شيء لا يُصدق، لا يصدق، ثم تيبس ريقها وعزَّ عليها الكلام.

من نافذة السيارة المقلوبة، أطلّ شاب في الخامسة والعشرين برأسه، مشوشاً مُتعتعاً مصفوع الوعي، نظر هنا وهناك بعيون مثقلة نصف مغلقة، ثم أخرج ذراعه وبدأ يتملص، بجسد مهدود، من وضعه الشائك.

عادت الحياة والضوضاء الى الشارع بسرعة. نزل أصحاب السيارات، الذين سدّت الفيات المتدهورة الطريق على سياراتهم، ليمطوا سيقانهم قليلا، ويراقبوا عن كثب الحادث الذي سيؤخرهم لا محالة بعض الوقت، على الجانب الآخر تملّملت السيارات وتقدمت، وهي تلقي نظرة أخيرة على حجم الدمار الذي لحق بالأونو وشقيقتها التيبو، نحو فجوة ضيقة خلفتها سيارة السيدة لخط اليمين، عبرت واحدة، عبرت ثانية، وثالثة، ورابعة، فتفحص ماريو يساره، وقد إضطرم في داخله إحساس لجوج بأن الوقت مناسب الآن لأنتهاز الفرصة والتقدم من الفجوة، وان إنتظار دوره لن يكون مأمون العواقب، وفي كل الأحوال، لماذا يتأخر بينما يمرّ الآخرون.

دارت الفيات وأقحمت رأسها في فسحة مجاورة، ثم دخلت الخط عنوة وعلى نحو مباغِت، فشلخت مصباحها سيارةثانية كانت في طريقها لعبور الفجوة.

صرخ ماريو: ماذا دهاك؟ وعاط الآخر بحرقة المظلّوم: أية فعلة وسخة عملتها؟ ترجّل الإثنان، تغلي في صدريهما مراجل السخط، ليتجادلا في الأمر، وزمّـر الذي في الخلف، زمّـر الذي بعده، زمّـر كل خط اليمين، وتجاوب معه خط اليسار، وزمّـر شارع كافور من أوله الى آخره، زمّـرت روما من أعماق حنجرتها، فعَلا التزمّير والصياح، وحَميا، وبلغا عنان السماء، وتوقف السير من جديد، إختنق الشارع بالسيارات، من ساحة فينيسيا جنوبا الى محطة النهايات شمالاً، ومن الكوليزيوم شرقاً الى شارع ناسيونالي غربا.

شعر نعمان ان داخل السيارة، وما حولها، قلبَ الشارع، والرصيف، والفضاء المحيط، كلها تلبّدت بالدخان والضجيج. فتح الباب، نزل وصفقه خلفه، ثم شقَّ طريقه بين الزحام، إرتقى الرصيف وأسرع، أسرع. حين بلغ زقاق كاردَّيللو دخل فرعه اليمين، واختفي فيه.

الى الخلف، كانت الضجة في مبتداها.

 

 

4

بيد متلهفة، أولج نعمان المفتاح في الباب.

كان مشوقاً لدخول الصالون، غرفة النوم، المطبخ، وتفحُص نوافذها وزوايا النظر منها، كان يهفو، وقد حاول بخياله طوال النهار، الى رؤية نوافذ البيت المقابل، بيت سيبيللا، بيتها السابق، النافذة التي كانت تنظر وتترصد عِبرها جلسته الليلية أمام التلفزيون.

أثناء النهار، كانت صور النوافذ والغرف تتواردَّ متزاحمة على خياله، تبدأ واضحة ثم تتشوش، وكأنه لم يُفتِّت خمساً من سنوات عمره في هذا البيت، داخل هذه الجدران التي ما فكّر في معرفة زواياها، ولا همَّه إكتشاف أبعادها ومنافذها على العالم إلاّ في هذا اليوم، وفي هذه اللحظة بالذات.

دار المفتاح نصف دورة وتوقف، كما لو إصطدم بعارض عنيد، أعاده الى مستقره وأداره، فتوقف من جديد، حينها فقط لمَع في ذهنه خاطر مألوف، ان سارة في البيت، وتذكّر، لائماً نفسه على النسيان، عادتها في تثبيت نسختها من المفتاح في الباب عندما تكون في الداخل.

إخترقت جسده هزّة خفيفة، ولَّدها مزيج عذب من شوق طويل ورغبة، وقبل ان يلامس اصبعه الجرس إنفتح الباب من الداخل وظهرت سارة، إندفعت معها هبة من رائحة طبخ ثقيلة، رائحة كبدة مقلّية بالزيت.

كانت سارة، التي إعتادت ضربة المفتاح المكتومة، قد سمعت الخشخشة، فجاءت تفتح.

إرتمت على صدره، فأخذها في أحضانه، هزَّ جسدها وقبلها في شوق، ثم سأل:

متى وصلتِ؟

ـ أمس، في منتصف الليل.

أحاط ظهرها بذراعه وقادها الى الصالون، كان الصالون مضاءً، غرفة النوم كانت مضاءةً، كل البيت كان مضاءً كالعادة، قالت وهي تلتصق به في حنان:

ـ أمس فكّرت في المجئ إليك من المطار، ولكني خشيت ان تكون نائماً، فذهبت الى بيتي، وصلت روما مرهقة من السفر.

جلس، وجلست لصقه، ثم تناولت يده.

سأل: كيف كانت السفرة؟

قالت: "ماشي الحال" وابتسمت.

أحسَّ ان الحال لم تمشِ على ما يرام، كما تقول ابتسامتها.

ـ ولكنكِ تأخرتِ كثيرا في سفرتك هذه،

ـ ذهبت الى أديس ابابا، وهرر، وجيبوتي، وإتصلت بك من أثينا، لم تكن في البيت،

ـ اذن ذهبتِ الى اليونان ايضا؟

ـ كانت جولة واسعة، وإلتصقتْ به أكثر، فخورة بنشاطها وجائعة الى عاطفته.

طوقها بذراعه، وردَّ قليلا، ثم سأل:

ـ وبضاعتكِ التي أخذتِها، هل بعتِها؟ نظرتْ في عينيه وقالت:

ـ بعتُ بعضها، تركت الباقي عند صديقة لي في أديس ابابا، شعر بغصة في مكان ما من قلبه، أو عقله، او عاطفته، قال ملحاً:

ـ لم تبيعيها!

ـ اعطوني أسعاراً ميتة، فقلت أتركها في بيت صديقتي، ثم أبذل جهوداً أخرى من هنا، بدلاً من البقاء في افريقيا.

دائما يرتعب من خيباتها، يعتّصره حزن أليم، خيبات صغيرة (بأي خسائر يمكن مقارنتها؟) ولكنها تفتح له جروحا اخرى، وكلما سوَّفت وأخفتْ، وتعاستها مكشوفة له، أجّجت في قلبه الحزن. لاذ بالصمت.

نهضت سارة، قالت وهي تذهب الى المطبخ "كنت أعد العشاء" ثم وقفت في منتصف الرواق، إلتفتت تسأل "هل وصلتك البدلة؟" وانتظرت، صاح نعمان "أية بدلة؟" قالت وقد عادت لتقف وسط باب الصالون "أرسلت لك بدلة من أثينا بالبريد" ردَّ : "لم أستلمها بعد".

تذكّر النافذة، كان الليل في الخارج والضوء في الداخل يمنعان الرؤية، فنهض ليرافقها الى المطبخ، وفكّر ان يقول ولكنه لم يقل "لماذا تبددين نقودك في إرسال الملابس من أثينا؟" لأنها ستجيب لا محالة "أحببّتُ إرسال شيء لك من هناك" وهي دائما تحبّ ان تشتري له الاشياء.

أصبحا الآن في المطبخ.

قالت، تنتقي السيقان الطرية من كومة خضار قديم:

ـ برادك خال ياحبيبي، هل كنت تعود الى البيت متأخراً في الايام الأخيرة؟

ـ كلا، اليوم وجدت السوبرماركت في لحظاته الاخيرة، ولم تعجبني البقايا التي فيه.

وضعت كمية خضار شحيحة في صوان وفتحت الصنبور الى آخره، فإنهمر الماء بوفرة، وتراقصت وعامتْ جذاذات ورِقاق الكرفس والخس والبقدونس، قالت، وهي تلَّعب أصابعها السمراء في الماء:

ـ إتصل بك عمي سِيد أحمد قبل ساعة،

ـ ماذا قال؟

ـ قال انه ربما يتصل بك بعد العشاء،

ـ ما هي أخبارهم؟

ـ تحدثت قليلا مع مارشيللا، تقول انهم بخير.

كان يتكلم وعيونه شاخصة، عبر الباب الزجاجي للمطبخ، الى البناية المقابلة، ثم فتح الباب وخرج الى البراندة ليستنشق الهواء، ومن هناك رأى في وضوح تام النوافذ الثلاث في الطابق الرابع، معتمة، وبلا أثر من حياة كانت قبل اسبوعين تعج بالحركة والعواطف دون ان ينتبه لها.

رنا طويلا الى نافذة الغرفة الأخيرة، غرفة نومها، وربما شاركتها أًمّها في سرير، وقدّرَ المكمن الملائم لوقفة تتيح النظر، براحة وخِفية، الى الكنبة الطويلة في الصالون وطاولة الأكل في المطبخ، وتخيّل انه يرى، خلف درفة النافذة اليمنى، ظلّ جسد، دافئ ومتوردَّ، في قميص نوم، يقف في العتمة وينظر بحذر ولهفة الى واحدة من نوافذ بيته، وحاول ان يقيس، لأول مرة منذ سكنه في هذا البيت، المسافة بين البنايتين المتعاكستين، نظر الى قاع الباحة، صامتٌ، يكشف جزء منه ضوء خفيف، تفيض به عليه مئات النوافذ، مشتعلة بالأنوار وتضج بالأصوات والحركة ورائحة الطبيخ والشواء. روما منهمكة في تناول العشاء. وتساءل: "مائتان؟ ثلاثمائة نافذة؟ كم يكون عددها تحديداً؟" وقرر، بغتةً، عبث هذه العلاقة، وغدرِها، والهوة السحيقة، الجديدة التي تقدمها، وسمع، في نفس اللحظة التي إلتفتَ فيها خلفه، صوت سارة يناديه.

كانت تنقل الأطباق الى الطاولة الصغيرة المنخفضة في الصالون، سمع، ثم شاهد، خصاص النافذة تنخرط وتهبط وتستقر، مغلِقةً كل الفتحات، إلاّ من شقوق قليلة ينفذ منها ضوء رهيف.

عندما تكون سارة، يتم العزاء، وبقية الاشياء، في الصالون. دخل، بعد ان أغلق باب البراندة وراءه.

تعرَّف على سارة في مكتب الشحن، ثم بدأ كل منهما يدور حول الآخر الى ان تحابّا، امرأة في الثلاثين، متوسطة الطول، تعمل وتتحرك بحيوية نمرة كسيرة الخاطر، جاءت من أقصى جبال إثيوبيا، الجبال التي تصعد وتقف على مسافة بضع خطوات من عرش اللّه، أودعت الفاتيكان صبيين لها، فتولى القسس والخوريون والكرادلة أمر تدبِّير مدرسة ومأوى لهما، أختٌ في الدين وذريتها أطفال الرب، ثم تفرغت هي لتعمل وتقيم أودَها، فطرقت كل السبل والابواب وهي تقضم، أثناء سعيها الحثيث غير المجدي، المصاغات التي حوشتها من زواجها وشبابها وربطتها في حزام فوق بطنها لتخفيها عن أعين الجنود، ثوار الأممية وحراس الثورة، في مطار اديس ابابا، ثم نصحتها واحدة من بنات جلدتها، ان تملأ حقيبة "إملأيّها ما وسعك المِلء" بملابس داخلية نسائية وفساتين رخيصة الثمن، وتذهب بها الى الخرطوم او الى جيبوتي لتبيعها هناك، وقد ذهبتْ، وعندما عادت الى روما بألف دولار، صافي أرباح، ما كانت تصدق هذا التيسير الذي صاحب الرحلة من مبداها الى مرساها، فملأت، ما وسعها المِلء، حقيبة ثانية، ويمَّمت صوب مطار دافينتشي .

رفعت سارة بين أناملها شقفة من الكبدة المقلِّية ووضعتها في فم نعمان، ووضعت واحدة في فمها، وأراحت ظهرها على الكنبة، ثم أمسكت يده، احتضنت ظاهرها، ضغطتها برفق على صدرها ثم قرّبتها من فمها وقبّلتها، واعادتها الى صدرها لترخيها عليه.

كانت تجاريه في طريقته، يحبّ يمزمز العشاء على مهل، مع جرعات من النبيذ الاحمر.

تراجع ثم تلاشى، فوق ملمس ثديها العطر، حديث اللوم والنصح الذي أعدّه في ذهنه منذ حين، فلن يشوش حديث الربح والخسارة تراتيل ليلهما.

كانا يتابعان مايكل يورك وهو يسأل ليزا منيللي ان كانت لديها غرفة للإيجار، وكانت تلفَّ جسدها بمئزر يماني، احمر غامق بخطوط عريضة، لفت وربطت حاشيته أعلى صدرها وتحت إبطيها. وضع يده اليسرى خلفها، ولامَس، عبر القماش الشفاف، خصرها وأعلى وركها، فأسندت رأسها الى كتفه، وتابعت الفيلم للحظة، ثم مدّت إليه فمها، طرياً ما زال يفوح ببقايا الكبدة المتَّبلة. قبّلها ثم سحب يده برفق من تحت صدرها وأخذ بها الكأس، وضع حافته بين شفتيها، فرشفت منه ورفعه الى فمه، رشف، ثم إلتحم بشفاهها، فأرتخت منتشية، وهي تمنحه كل طيب فمها.

إنكفأت، وقد نعست أجفانها من لهفة شفتيه.

أشعل سيجارة وأسند ظهره الى الكنبة، فوضعت رأسها من جديد على كتفه، تملّملت في كنف ذراعه مثل قطة تنعم بالحُنُو، وإسترجعت يده لتحتفظ بها، وتلامس عروقها، وسألت سالي بول روبيرت براين ان كانت لديه سيجارة.

كان الليل يسجو ويرخي عليهما جناحاً وديعاً.

إرتشف من جديد، وإرتشفت، وسألت من أين جاء بالنبيذ فقال "فراسكاتي" وأعلنت انه "ممتاز" فمرّر يده الاخرى من تحت ابطها، وسحبها إليه ودفن فمه أسفل اذنها، فشهقت باتجاه السقف، واغمضت عينيها وأحسَّتْ حرارة الضوء فوق أجفانها، ثم إلتوَت إليه، ورفعت ساقيها ومددتهما على الكنبة وإنقلبت لتواجه فمه وتطبق عليه، ولثم رقبتها وداعب اذنها باطراف شفته، لمح، من زاوية عينه، الدم يضرب بقوة في صدغها الايسر، لثم نحرها، فاستثاره دفؤه، وسألت مغمضة العينين "هل إشتقت إليّ كثيراً؟" جمجَم "‎"نـ...ـعم" فأفغمت نفحة النبيذ والدخان والكبدة حواسها، وذابت نشوةً مما قال، ولثم عاتقها، ثم الشق بين ذراعها وأعلى صدرها، وضوَّع واندفع الى رأسه فَوحُ الصابون والحمام وباطن الذراع، أحست، فوق سطح ثديها المضغوط دقات قلبه تسرع وتشتدّ، وتسللت يدها من طرف القميص الى ظهره، وداعبت، في لين ثم بقوة،، أكتافه وقفاه وصلبه، ولثم، ثم قَبَّل عنقها فوق وريده الأيمن، وداعب رأس ثديها بأطراف اصابعه، فأدارت رأسها بجنون تبحث عن فمه، أخذته، وهصرته بشدّة ثم إنصاعت واستسلمت لحمأة شفتيه وضغطِهما ووقفت، سالي بول، تحت القنطرة وأطلقت صرخة طويلة حين مرّ القطار، وقالت ان هذا يريحني، وأغرت براين ان يصرخ هو أيضاً.

اشعل سيجارة اخرى وسحبَ منها، قال، ممازحاً، انه يسمح لها بمجَّة دخان مقابل قبلة صغيرة، وافقتْ، وسحبتْ، ثم كورتْ شفتيها الداكنتين وأطلقت الدخان على دفعتين، مثل مراهقة تدخّن في غفلة من والديها، وضحكتْ وشرقتْ فناولها الكأس، ثم أطعمها من الكبدة بطرف الشوكة، وأنزلت ساقيها من الكنبة، لتسند رأسها الى ذراعه، وداعبت يدها السمراء صدره، ثم فكّت أزرار القميص، الواحد بعد الآخر، وغيرت من وضع رأسها، فأحسّ شعرها الأجعد يدغدغ صدره وأسند حنكه إليه، فصعدت الى أنفه رطوبة البلل المتبقي من الحمام، وفكّر، ان السبيل الوحيد لمعرفة مقدار ما تشف عنه النافذة، هو النظر إليها، وهي مغلقة، من البراندة، ثم وهي مرفوعة الخصاص الى النصف، وقدَّر ان الكنبة تواجه تماماً، من زاوية منفرجة، الردَّفة اليسرى، وداخَلَهُ الأعتقاد ان شقوق الخِصاص، في حالة إهمال إسقاطها على الوجه الأكمل، لا تسمح إلاّ برؤية أجزاء رفيعة مستعرضة من الاشياء، جزء من الجسم على شكل خيط رفيع، ولكن العُري، ليلاً وفي وهج ضوء الغرفة، يكشف ذاته بسطوع، حتى مقدار حَزٍّ رقيق منه يكون فاضحاً وجاذباً للنظر، ثم تساءل: لماذا يخاف، اذا كان عُريُه، عُريُها، في متناول أنظار فتاة ايطالية منذ سنتين، او أنظار آخرين، قد يلزمون الآن، وقد إكتشفوا خلوة اللحم والدم منذ أمد طويل، ردفات مختلفة المشارب، يتلصصون، ويُرجّون من خلفها، فاغرى الأفواه، قَيح رغباتهم المحبوسة؟ ولكنه أحسّ قشعريرة بيضاء تخترق عظامه، اذ تذكّر إهمال سارة في أحيان كثيرة، أمر النافذة في الصالون او في غرفة النوم، ثم أحسّ شفاهها الرطبة فوق صدره، تجوس وتلثم، وعرضت سالي بول فخذين ممتلئتين رخصتين وقالت، ألم يعجبك جسدي ام أنك واحد من هؤلاء؟ وخلّصتْ ذراعه اليمنى من رِدنِ القميص فأحنى رأسه وإمتص شفتها السفلى، وضغط عليها بناجذيه، ثم أخذ الاثنتين، وشعر ريقها يلذع لسانه ثم حلقه فألتهب رأسه وجُنت شرايينه ووجيب قلبه ونزلت يده وعصرت بطنها فرفعت ساقها وأثنتها على الكنبة فاندفعت ذراعه وإلتفَّت حول باطن فخذها ودعكت في طريقها شعر عانتها وأحسّ نار ورطوبة ما بين فخذيها فزاد يهصر ويرشف من فمها وضغط ساعده فتلمّلم نصف جسدها حول ضغطه وقَبَّل نحرها وإمتص جلده فأنفكَّ مئزر اليمن وشع أوار جسدها على صدره وذراعيه وتحسّست يده تفاحة ردَّفها وعصرتها بلطف ثم بقوة وحكَّ شعرها ظاهر خنصره فإنجذبت اصابعه الاربعة وداعبت وغاصت في دفء وزخم بللها وصعد تيار نشوتها الى كتفه وأضلاعه وظهره وبطنه وأفخاذه وطرفيه وتخبّطت أصابعها العمياء وهي تبحث في حاشية البنطلون فقال آه وإنحنت تلثمُ كل ما تناله شفتاها ولسانها واسنانها وقال آه وإنكفأ مجنوناً على ظهرها وضغط خده الملتهب على ردَّفها وضغط ولوَتْ عنقها لتتشبث به ودفن حواسه الثلاث بين فخذيها وأضاء في رأسه دفء ولَخَن رضابها وشهقت وإنقلبت له وتلاحما وجها لوجه وشعت الأنوار الباهرة على وجه سالي بول وغنت:

ربما هذه المرة، سيحالفني الحظ

ربما هذه المرة ستبقى معي

ربما هذه المرة، وللمرة الاخيرة، لن يرحل الحب مُسرعاً

ربما هذه المرة ستحضنني بقوة، واُنعم بالأطمئنان.

كـان الليل يعتصر، من ظلّمته الحالكة، ندى الفجر المقبل.

كـانت سارة ممدّدة على الكنبة، مغمضة العينين، بينما إرتدّ نعمان الى المسند وأرخى ظهره عليه، حريصا ألاّ يحرك ساقه اليسرى فتزعج وركها، وتقلق غيبوبتها.

كـان يسعده التفكير بالراحة التي تغمر هذه الغيبوبة، الارهاصات الاخيرة التي غيَّبت هذا الجسد، جسد صبيته، عشيقته.

كـانت في الثلاثين، عندما سألها عن عمرها قبل خمس سنين، ومنذ ذلك الحين، وفي مطلع أية سنة تمرُّ، تجيب، اذا سألها عن عمرها "سبق وقلت لكَ في الثلاثين".

كـان يرفع السيجارة في يده، ويفكّر ، نقل السيجارة الى فمه، وحكّ عود الكبريت، فأختلج الجسد المسترخي إختلاجة خفيفة، ثم سكنَ، أتراها قد غفت؟ نغزَ جانب وِركها، برفق، بطرف إبهام قدمه، فإبتسمت، وقد فهمت الأشارة، ولكنها أبقت عينيها مغمضتين.

كـانت تتنفس بانتظام، بهدوء، ويغور رأسها في رحاب وسادة ليّنة (دائما يضعها خلف ظهره حين يشاهد التلفزيون) ينتفش عليها شعرُها المفلفل على شكل هالة بلون الليل، تثني ذراعها الأسمر وتدسَّ طرف يدها، مقلوبة، تحت الوسادة، وهمى الضوء يفلش ذراته، ينشرها، فوق صدرها العاري، من غير ان ينال من ثبات أديمه.

كـان ينفث الدخان، متمعِّناً في الوضع الذي إتخذه جسدها، وضع الكائن البشري أطلق لطبيعته العنان، متحلّلاً من تصلُّبِ الوجود مع الآخرين، فهدأ الدم ونعِمَ البدن بالأطمئنان وتبعت الأعضاء مداها وراحتَها، مثل عباد الشمس، فاض عليه الدفء والضوء فإنفرش، سحب من السيجارة، ثم نفخ الدخان الى ركبتها، فإنزلق على سطح فخذها وإنتشر فوق وِهاد حوضها ثم صعد الى بطنها، وتسّلت غلالات منه عبر شعر عانتها القصير، الفاحم (ما زال في نداوته) وفكّر: يحضر الشر عندما يجئ الآخرون.

كـانت، وقد أحسَّت ريحا باردَّة فوق ساقها، تقاوم نصف مستسلمة، سطوةً للنوم رهيفة مغرية، وأرادتْ ان تبتسم، لتقول له إنها ما زالت معه، ولكنها عجزت عن التأكّد، إن كانت إبتسمت له أم لم تبتسم، ثم نسيت الفكّرة، تلاشت أسبابُها، مثل خيوط دخان شتّتها ريح خفيفة، وأبهجها، إنه موجود الى جانبها في هذه اللحظة، عارياً، ما فتأ ظهره وذراعاه يحتفظان بحرارتهما، وعرقهما، وأنه يحبّها، ولا يقول لها "ياحبيبتي" ولكنها تحسُّ هذا الحبّ، وهذا يكفي، وسمعتْ..ماذا، وهرَّفتْ الخيالات في رأسها، أحسّت جسدها ثقيلاً، خارج طوعها، ولكنه لم ينقطع بعد عن خيط اللّذة، التي غمرت عظامها بالراحة، هدهدتها، وما برحت تترجّع حتى أصابع قدميها، وحرّك شعورها بالحبِّ، حبِّه، أضوية جميلة، زاهية، داخل عينيها، وإمتنان عميق في قلبها، للسعادة التي يفيض بها هذا الحبُّ عليها، وأرادتْ، من بين سكرات النوم، ان تشعر اللّذة، وتحسّها، وتطمئن إليها، بإن تمسك يده، فقط أن تمسكها، او أن تداعبها باطراف أناملها، أو ان تمدَّ يدها فحسب، ولكن إستكانة مُغوية، إستسلاماً مريحا، مريحا، غلب عليها، وسمعت نقرات قيثارة، أم بيانو! تبتعد وتقترب، تغيب ثم تطرق وعيها الوسنان، تغيب ثم....

كـان يدخن، ويشاور بعينيه هذا الجسد الهاجع، الأسمر، فيما الليل يحكم عُزلته عليهما، وكانت الباحة في الخارج قد غرقت في الظلام، إذ أسدلت معظم النوافذ خِصاصها، وكانت خلية النحل قد أكلت وهدرَتْ وهضمت وتعبتْ ولاذت بالصمت، إلاّ من أحاديث واهنة تأتي من نوافذ بعيدة، وبقايا طقطقات صحون.

وكـان التلفزيون قد أنهى أفلامه وبرامجه، وظلّت الشاشة تبعث بياضاً قويا مشعّاً، تتخلّله ومضات سريعة، وطنين خفيف، فقد ختمت القناة رقم2 سهرتها منذ فترة طويلة، وبدأ وعيه يتراجع، تراءت له أضوية الشارع الخافتة، وشوّشرة المسافات البعيدة تطغي ثم تختفي لتحلّ محلّها الاصواتُ، والمجاميع تغني بمرح.

إرتعش قلبه وهو ينقاد بخياله الى تلك اللحظة البعيدة، الآسرة، والمعذِّبة.

كـان يلصق، وهو يجلس في المقعد الأمامي من السيارة، وجهه بالراديو، يدير ويراقب حركة المؤشر فوق الأرقام، ويتابع، منبهراً، أصوات ولغات لا يفهمها، تحملها إذاعات تقوى ثم تضعف وما تلبث ان تعود صاخبة، مرحة، في اغنيات يؤديها مجاميع من النساء والرجال، يغنون في فرحٍ، تصاحبهم موسيقى جميلة، وفي المقعد الخلفي رجل مسن يستسلم لنوم عميق هادئ، وخارج السيارة تغرق الطرقات في الصمت، صمت الهجيع الأخير من الليل، تحت وطأة أضوية مصابيح خابية، ولا يرتجّ السكون إلاّ في فترات متباعدة، حينما يظهر شبح رجل عائد، تتوضح مشيته الثقيلة قرب المصباح ثم تبتلعه الظُلمة التالية، فيدرك انه ليس بوالده، الذي ذهبَ يزجي بعض الوقت في المقهى كما قال، ويصدح الغناء في الداخل ويتماوج، تبعده ثم تعود به تيارات نعسى، وتتميز أصوات النساء، تنعُم، ويكاد يمسك فرحَهنَّ بيديه، ويشعر ان هناك اُناساً يعيشون في سعادة ومرح واخوة، يغنون ويرقصون ويأكلون ويمسكون أيادي بعضهم البعض، أين؟ من هم هؤلاء الناس؟ اين البلد الذي توجد فيه هذه الجماعات من البشر المشغولة بالمرح والمحبة؟ وعندما انتهت كل الأذاعات نام، وظلّ الراديو يبعث نوره الضعيف، ويطلق أزيزاً رتيبا ينأى ويقترب، وتقدَّمَ، منساقاً وراء شوق غامض، نحو مدينة تقترب فتظهر له بنايات عالية وشوارع تمور بالحركة، ثم تنأى لتغيب خلف طريق ترابي متعرج، طويل، وبيت من الطين ممن يتوقف عنده المسافرون في الريف للتزود بالطعام، وعندما يبلغ المدينة يغمره فرح عميق، مسكِّر، يهتز له قلبه لفترة، ثم يتلاشى بسرعة، مخلفاً ضِيقاً وخواء.

حرّك ساقه وثناها، ليحرّرها من ثبات بدأ يضايقه، فتملّمل جسدُها قليلاً ثم سكن.  نامت.

هدَّها التعب فصرعها النعاس وغرقتْ في النوم، للحظة شعر بعاطفةٍ، بحبٍّ جميل لهذا الجسد الأبنوسي، الأملس، داكن بلون قطرات النبيذ المسكوبة على زجاج الطاولة، بشرة لوحتها شمس أفريقيا، عجنتها بالحرّ وطَلع الارض، تذكّر انه يشتهيها دائما، ويشتهيها الآن وقد إرتوى منها منذ حين، لكن تغيّبها المستمر، وتباعد الفترات، تغيّبها في السفر لأسابيع عديدة، هو الذي يُبقي الأشتهاء حياً، متقداً، ولولا فترات الأنقطاع لحلّت به نفس اللعنة، لعنته المعهودة، الملّل، ترهُل الاشياء، تآكلها وأخيرا تلفُها التام، وإبحث من جديد عن جنون جديد.

أحسَّ رغبةً طائشة في ان يقبِّل باطن فخذها، انحنى وقبّل، وعاد الى وضعه.

شعرَ ان اللّذة الدافئة التي إنطبعت فوق شفتيه، تسطحت ثم تلاشت في سرعة "اذن، يكفينا حنان اللحظات".

تذكّر انه ظلّ يحظنها بين ذراعيه، ويسمع، في فترات متقطعة من الليل، أنفاسها ودقات قلبها، كان هذا قبل خمس سنين، أما الليالي الحالية، فتنقضي بإن ينقلب كل منهما الى جهة، ويغفو في هدوء، وراحة بال، حتى المساء التالي، قالت "احبُّ ان اُلصق ظهري بظهرك وانام قلت ولكن حركتك تقلقني وتطردَّ النوم من عيني بالتالي" تسائل: ولكن فوق أي خراب يشيِّد الانسان سعادته؟ والى أي مكان غير اليباب تقود مكائد النوم؟ لاحَ له ان المشكلة تكمن في جوع الحواس الى الأكتشاف، وإن موت الاشياء نهاية طبيعية، ولا ذنبَ على عاتق أحد "هل هذا صحيحٌ وكافٍ؟".

نظر الى صدرها، نائمة بإطمئنانٍ تام وقد إرتخت عضلات وجهها، الى ثدييها، الى سُرتها، أعلى فخذها، ثم الى ذراعها تكشف أُبُطاً صغيرا أشهل، شعرَ أنه قد إكتشف كل أسرار هذا الجسد، عرفَ خباياه، ومكامن النار فيه، ساحَ في كل شطآنه، وغاصَ في أعماق ينابيعه.

وفجأة قطع سيل أفكاره، خاف من أحابيل هذه الافكار، وألزَمَ نفسه بعدم التفكير، فهل كانت محض مصادفة ان تجرَّ الهواجس بعضها البعض على هذا النحو؟ فهو راضٍ، مكتفٍ وراض بهذه العِشرة، وهي تلائم حالته، وفي النهاية ماذا تكون هذه السيبيللا أكثر من جسد آخر، يتلوى شهوة ثم تنطفئ ناره ويهجع! ولطمه مشهد ساقيها النحيفتين "تركضُ، دائما تركض" وبرزت، من قاع ذاكرته، صورة احدى أوباتِها الى مكتب الشحن، تحمل حقيبة كبيرة، أثقل من وزنها، وتتلاحق ساقاها، مُسرعةً مع هوى الحمل الذي ينوء به جسمها الصغير، وتضع "بضاعتها" أمام مكتب روبيرتو، تقول كلمتين لا غير ثم تخرج، مسرعةً أيضا، لتلحق بموعد ما، أو لتجلب حقيبة اخرى تركتها في مدخل الشارع "تركضُ، دائماً تركض، مثل قُبَّرة يلاحقها السيلُ، من الخرطوم الى اديس ابابا، ومن اديس ابابا الى جيبوتي، ثم الى أديس، ومنها الـى مقديشو، ومـن هناك الى أثينا، تركض، مـع شنطتها، او ما تسميه بضاعتها ، بضاعتها التعيسة، وفي نهاية المطاف تعود الى روما خالية الوفاض، تخفي وتكتم خيبتها، وبعد شهرين ثلاثة تجلس وقد طفح كيل حزنها، تجلس، مثل سنونوة تحطَمَ جناحها، في هذه الزاوية بالذات من الكنبة "ماذا أفعل، وثقتُ بالتاجر الجيبوتي وسلمته البضاعة، ثم قال انه باعها بسعر الشراء، وفوق ذلك لم يدفع لي ثمن ما باع".

إختلط حنانه بغضب خفيف، ما لبث ان تصاعد قليلاً، ثم تحوّلَ الى شفقة مريرة، لأنه يعرفها لا تستطيع مقارعة هذه الوحوش الكواسر من التجار الصغار، وهي تكاد تصارع بلا  أسلحة من خبرة او مال، تصارع لان الحياة هنا لا ترحم، الغابة هنا مثل الغابة هناك.

كم تمنى مساعدتها، وقد فعل القليل الذي يقدر عليه، كم تمنى ان يوفر عليها هذا "الركض" وشقاءه، والخوف هنا، في هذه المدينة المرحة الضاجة والرخية، الخوف من الجوع والحاجة أشدّ رُعباً وقساوةً من الركض ذاته، وهو يؤمنُ أن على المرء، رجلاً كان او امرأة، ان يعمل ليعيش، ولكنه ما برح، وفي سويداء قلبه، يشعر بالحزن من سعي المرأة وراء لقمة العيش، تفكير خاطئ، ولكنه يتغلب عليه، يقهره، عندما تخصه المرأة بشكل من الأشكال، وعندما يكون السعي جائراً، ليس ضد العمل "لا.." ولكن يؤسيه ما ينطوي عليه من إذلال للمرأة التي تخصه، يطعن فؤاده، وها هي سارة، حبيبته، هدّها السعي فنامت، وركان صلبان وبطن ولود، مسترخية، تركض بين الذئاب من أجل لقمة العيش، ها هي الآن، تنام، في غفلة تامة عن ماضيها وعن حاضرها (حكت له ان والدتها ألبستها زوج جوارب بيضاء طويلة، فتحرّجتْ من الذهاب الى المدرسة، لأن الطالبات كنَّ شبه حافيات) ها هي الآن مرتاحة في غفوتها، ساهية عن أزمانها، الى ان تفيق، وتتلمس ما حولها، فتحترق أصابعها بذاك الماضي وهذا الحاضر.

ضايقه خدر طفيف إمتدّ على طول ساقه الأخرى، أراد تحرّيكها، أو ثنيها، غير انه خشي ان تقلق الحركة غفوتها، ولاحظ زمّة خفيفة على فمهِا، مثل ابتسامة غائمة، تُرى، ما الخاطر الذي جالَ بذهنها في اللحظة الاخيرة التي سبقت نومها؟ هل فكّرت به، أم بأولادها، أم بالحياة ؟

تذكّر، من همس الأيام الخوالي ورجعها، إن لكل رضيع غزلانه التي تناغيه أثناء النوم فيبتسم، ولكن، لماذا يُهجَر الانسان فيما بعد ؟ تساءل بتهكم: أترى غزلان سارة قد عادتْ إليها، وفي هذه الحقبة الزاهرة من العمر؟ لا، هذه ليست إبتسامة، تمعّن جيداً في وجهها، لا، إنها تعضُّ على شفتها من الأسفل، تطاردها الوحوش، تنهش أذيالها، تماحِكُها، في غمرة النوم، خيباتُ يومها، فزعُها، ومخاوف قلبها، أعزاء لواهُم التشرد، دهمهم الجوع وأصحاب الوجوه الكالحة، جنود المستقبل السعيد، وفاجأه شعورٌ غريب، حطَّ على قلبه مثل زاغٍ أبقع، مثل عاطفة في حلم، عاطفة لذيذة قطعها بغتة فراق غير واضح، فأنتهت الى حنان أليم عاجز "آه " زفرَ...." ألا من فِكاك، ألا من نهاية لهذا الغَم؟ ما الذي ساقَكِ إليَّ، أي أمل غادِر أغواك بالوقوف على شاطئي؟ أية سعادة، أي رَغدٍ، أي سلامٍ ترتجين من ضياعي؟ أي جبال في أفريقيا صاغت هذا الملمح الدقيق؟ أم كانت الصحراء منبَتكِ القديم! الصحراء إياها! اللعنة ذاتها! ستعضِّين دائماً على هذه الشفة، ستسحقينها بالنواجذ، في النوم وفي اليقظة، فما أخرجت تلك الرمال، وذراتها وشمسها الحارقة، غير العجرفة والعجز، وما كان صحوُكم إلا قرين صحوِنا، عتمة قاتمة تزحف وتتخبط فيها أجيال الضياع والقسوة، أجيال بسمة في الوجه وسكين في الظهر".

حرك ساقه، سلّها من بين ورك سارة وظهر الكنبة، ثم نهض بكل عُريِه، أغلق التلفزيون ووقف وسط الصالون يفكّر في الخطوة التالية، خُيّل إليه ان الجلوس الطويل والخمر قد نالا قليلاً من ثبات ساقيه.

أحسَّ برودة البلاط وهو يذرع الرواق الى غرفة النوم، ولم يكترث، حين مرَّ أمام باب المطبخ المكشوف على ما يقابله من نوافذ وشرفات، وقع نظره، أول ما وقع في غرفة النوم، على الجلابية، مكوية ومرتّبة وموضوعة على طرف السرير، حملها وعاد بها الى الصالون بنفس ترتيبها، وحيال الكنبة وقف وأفردَها وغطى بها الجسد الهاجع.

 

 

5

قالت سارة:

ـ ولكن من تريدين على وجه التحديد؟

ردَّ الصوت من الجانب الآخر:

ـ السنيور نومان،

ـ نعمان؟

كان نعمان، وقد شمّر الغطاء عن أكتافه وصدره، يفتح عينيه ويغلقهما ليعتادا النور الذي تسلّل من خِصاص النافذة وسطع في أرجاء الغرفة.

دائما تُلهيه الومضات الأخيرة الفاصلة بين النوم والصحو، لحظات الطفو الى الأعلى ثم الغوص من جديد، فقد شعر، منذ الرنَّة الأولى التي رنّها التلفون، انه لم يرتوِ بعد من النوم، وعليه، قرر ان لا يترك الفراش، حتى لو ضرب الزلزال أركان العالم الاربعة، ثم فوجئ بالرنين ينقطع، وصوت سارة يجادل، حينها تذكّر إنها في البيت، وترك الامور، شاكراً لهذه المصادفة، أن تأخذ مجراها كيفما كان، ولكن الحواس بدأت تنهض وتنشط، الواحدة بعد الاخرى.

وقفت سارة في الباب، قالت تبتسم:

ـ سنيور نوومان، هناك فتاة على التلفون تريد التحدث اليك، ثم عادت الى الحمام، لتلقم الغسالة بالبياضات والقمصان والمناشف الوسخة، التي بدأت بجمعها وفرزها منذ ساعة.

أنضى بقية الغطاء عنه ونهض من غير حماس، ذهب نحو التلفون في آخر الرواق متمهلاً، ومن دون  رغبة في التفكير بشيء.

ـ من؟ سأل،

ـ هذه أنا، ردَّت المتكلمة، ثم أردَّفت. أنا سيبيللا، أردَّت ان أعرف ان كنتَ حراً في نهاية الأسبوع، لأنني أعمل حتى الساعة الواحدة، وبقية النهار سأكون حرّةً، انتظرني أمام البانثيون، الواحدة والنصف، هه! يلزمني نصف ساعة فقط للوصول.

ظلّ في مكانه يفكّر، ينظر الى التلفون ويفكّر فيما فاته قوله، وفيما فاته فهمه، فرك جبهته وعينيه، ليزيل عنهما آثاراً  للنوم زالت وتلاشت مُذْ قالت "أنا سيبيللا".

لقد أدرك ان الحواس، كلها، صعدت الى السطح على غفلة منه، وانه توصل الى ذلك بعد فوات الأوان. أمام البانثيون.

وقف وسط باب الحمام، أسند كتفه الى قائمته وسأل، بعيونه، إن كان أمر الغسالة يمكن تأجيله، دقيقتين لا غير، ليتبوّل ويغسل وجهه.

قالت، وهي تحبس إبتسامة خفيفة، إمتزجت فيها الجسارة بالحياء:

ـ لحظة وأنتهي، إن كان بمقدورك ان تكبحه، ونشطت ذراعاها العاريتان، تطويان وتلفان آخر قطع الغسيل وتحشرهما في جوف الآلة، سألت: من تكون ؟

ـ مـن؟ ردَّ ببلاهة،

ـ الفتاة على التلفون!

ـ الفتاة؟ آ، إنها تبحث عن واحد من العرب المقيمين...في مدينة أوستيا، هل تتفضلين الآن وتتركين لي الحمام!

 

 

الفصل الثاني

 

1

ظلّت السيدة كلارا أوتافيو في جلستها على حافة السرير، متحفزة، تنتظر أن يرنَّ الجرس فتذهب لتفتح في الوقت المناسب، لأنها لا تحب أن تترك هذا الشاب، شاب في غاية اللطف، ينتظر أمام الباب بسبب ثقل ساقيها وأوجاع ظهرها، ذكّرتها المناسبة من جديد بالجهاز الآلي الذي وعدوها بتركيبه، فهو يتيح لها السؤال عن الطارق وفتح الباب وهي في فراشها "إيه، كم تغيّر العالم" قالت لنفسها، لكن العمال تأخروا، دفعتْ الثمن كاملاً منذ شهر، وهم يَعِدون ثم يخالفون وعدهم "ما عادت لكلمة الناس قيمة في هذه الأيام".

تذكّرت والدها يَعدُها بقطع الكاتوه، بلعبة جديدة، فتسمع حركة الأقدام من مكانها هذا، وتهرع الى الباب، لتجد ذراعيه ممدودتين بالحاجة التي وعد بها. كم كان هذا بعيداً، مع ذلك ينهض في الخاطر وينعش النفس.

تنهدت. نظرت، من النافذة العريضة، الى قِباب الكنائس وأسطح الدور في تريفي وباريونه، ثم أبعد من ذلك في براتي، كالحة ومهببة، روما من فوق، ولكن قبة سان بطرس تشرح القلب، في الأقل.

"إلاّ إنها لم تكن كذلك" قالت تخاطب نفسها "لم تكن بهذه الحال من قبل، تعال وإنظر المدينة قبل أربعين عاماً، أو خمسين، إثرَ زخة صغيرة". إندفعت الى ذاكرتها صورة القرميد والجدران الحمراء، تلمع وتتلألأ في الصباح، مغسولة بالمطر، تواجه سماءً صافية، ونوراً في أول توهّجه وإنتشاره، يصعد ببطء من تلال فراسكاتي والباني، فتضحك روما.

دخان وهُباب.

"كل السيول لن تغسلها" قالت."لن يغسلها شيء بعد الآن" وأرهفت سمعها، خُيّل إليها أنها سمعت صوتاً ما، الجرس! ليس من الأنصاف أن تتركه ينتظر.

لقد وقفت طويلاً في صحن السُلَم، تنتظر واحداً من الجيران يفتح بابَه، في الطابق الأسفل أو الذي يليه، لتنادي عليه، وترجوه ان يشتري لها قنينة مياه معدنية، الى أن نزل هذا الشاب وحيّاها، يشبه المسيحيين، ولكن لهجته أجنبية، حيّاها مرتين من قبل، وأخبرها أنه يقيم على السطح، منذ بضعة أيام، سكن فوقها حتى من دون أن يخبروها ."ولكن لا بأس، فهو يبدو شاباً مهذباً" وأرهفت السمع.

لا، لم يكن جرساً، زعيق سيارات.

ترجّحت في ذاكرتها مثل طيف مرتعش، ثم إنكشفت، صورة جوليو، يركن سيارته في المنعطف ويزمّـر لها، قبل الخطبة، يزمّـر وينتظر ثم يزمّـر، الى أن تطلّ عليه من الشرفة، يزمّـر ولا يترك مكانه، الى أن تطلّ عليه "المسكين" كان لجوجاً بعض الشي، حسب رأي أُمّها، ولكن الشباب كلهم لجوجون في ذلك الوقت.

لم يُقصِّر معها في شيء، بيت كبير في كامبو ارزيو، وبيت على البحر في فريجينه، وأحبَ أن يشتري كل ما يصادفه في السوق ليبهجها به، حتى أثناء مرضه كان يقول، إصعدي الى الفراش، وأنا أُهئ لك كيس الماء المغلي "والآن هذه الخادمة المسحاء، تأتي ساعتين في الصباح، تهزَّ كرسي هنا، وتدفع طاولة هناك، ثم ترحل على عجل، حتى من غير أن تتأكّد من وجود قناني المياه المعدنية أو عدم وجودها.." ورنَّ الجرس.

إضطربت للصوت، وإنتابها ما يشبه الهلع الخفيف، الباب.

حملت نفسها على النهوض، وسارت بخطوات أثقلها الوهن، ردَّدتْ في خاطرها "شاب طيب، جازاه اللّه، يقول إنه رسام، جاء يدرس الرسم في إيطاليا، مُشوش، في ملابسه وشعر رأسه، دائما الرسامون لهم هيئة مشوشة". بيدٍ زادت العجالة من إرتعاشها، سحبت السقاطة وفتحت.

أطلّ عصام، يحمل فوق ذراعه مجموعة أكياس، فبادرته السيدة كلارا:

ـ آه، كم أنا آسفة،

إستلّ قنينة وقدمها لها، قال:

ـ هذا ماؤكِ.

ـ كم أنا آسفة، كررت السيدة كلارا، أخذت المياه وعادت تؤكد، ما كان بودي إزعاجكَ.

ـ لا يوجد إزعاج على الأطلاق، في الأساس كنت بحاجة الى جولة للتسوق، اليوم سبت كما تعرفين،

ـ حقاً، ردَّت، تعبِّر له بنظراتها عن إمتنان كبير، وبحثت عن كلمات أخرى تشكره فيها.

كان عصام نفسه مرتبكاً، قال:

ـ عندما تحتاجين الى شيء إخبريني، لا تترددي.

ـ أنا شاكرة لك هذا اللطف،

ـ مع السلامة،

ـ طاب يومك،

ردَّت التحية، مرتاحة الى الدماثة التي أبداها، وإنتظرت، تحدوها أصول اللياقة وواجب التقدير، صعوده الدرجات الأولى من السلم قبل أن تغلق الباب، وسمعت أثاء ذلك أسلاك المصعد تشخط وتهتزّ وهي ترتفع الى الأعلى فقالت: "ندفع فواتير الصيانة الشهرية، ولا يريدون إصلاح هذه الأسلاك المتهرئة" خَمنتْ إن المصعد قادم الى الطابق السادس. "من عساه يكون؟" وقف عصام أيضاً في منتصف السلم، وإنتظر.

إهتزَّ المصعد وأطلق ضجة كبيرة، ثم وقف، شاهد عصام القادم من خلال الزجاج "إنه نعمان" وشاهدت السيدة كلارا الباب يُفتح ويخرج شاب طويل، إستطاعت تمييز ملامحه "إنه أجنبي أيضاً" فعرفت إنه يخص جارها الشاب، وعبَّرت، تضامناً معه، عن إرتياحها من القادم.

ـ صباح الخير، حيّا نعمان الواقفين، وترك الباب مشرعاً،

ـ صباح الخير، ردَّت السيدة كلارا بحرارة، ثم قالت، موجهة كلامها الى عصام. أهو صديقك؟

ـ نعم،

ـ تفضل، قالت لنعمان مرحِبة ثم تقهقرت بأدب الى الداخل وهي تضيف. إذن، أترككم بخير.

ـ طاب يومكِ، قال نعمان، وراقب السيدة تختفي والباب ينغلق، بعدها أحنى نصف قامته داخل المصعد وأخرج علبة كبيرة نقلها الى صحن السلم.

ـ ماذا جلبت؟ سأل عصام.

ـ مدفأة،

ـ يا لك من لئيم،

ـ إصعد لتفتح باب البرج، وسأتبعك،

إرتقى الأثنان السلالم الأخيرة للبناية، ودخلا من باب ضيق الى السطح، وبدلاً من أن يتبع نعمان صديقه الى غرفته ذهب، حاملاً العلبة بين يديه، الى السياج ومدّ رأسه ليلقي نظرة شاملة على المدينة، فتبعه عصام ووقف منه عن كثب، يسند قبضته الثقيلة الى خاصرته.

قال نعمان:

ـ من هنا يمكنك رؤية ثلثي روما، ثلثيها المهمين.

ألقى عصام أمامه نظرة سريعة، غامضة، ووافق على الكلام بهزّة ساخرة من رأسه، ثم أطرق، ينتظر نهاية جولة نعمان البصرية ليدخل به الى الغرفة.

أقل شأناً من البرج، مأوى عصام الجديد، وأكثر منه وحشةً.

غرفة صغيرة، تموج فيها رائحة الزيت والتربنتين الحادة، وتكدّست الأطر وحامل لوحات وطاولة وسرير للنوم وكنبة وبراد صغير، حُشرت كلها حشراً.

كانت الغرفة في الأساس مخزناً صغيراً، يلاصق بيت البكرات العليا للمصعد، وحيدة، وسط سطح أجرد، واسع، نبتت في كل مكان منه هوائيات التلفزيون، فبدى أشبه بغابة عصف اللّهب والريح بأشجارها، وحين شاهدها عصام للمرة الأولى، فكّر طويلاً قبل أن يقول "سآخذها" ثم بيَّن لحارس البناية أنه سيقيم فيها بضعة أشهر، وعليه، لا يرى ضرورة لعقد إيجار وتسجيل رسمي " ليبقَ الأمر بيننا " ودسَّ خمسين ورقة في جيب الحارس :علبة حلويات للأولاد‎، فقال هذا، متغافلاً كلياً عن أصابع عصام تقلِّب وتفتح وتدسَّ " أنه سيدبِّر الأمر مع صاحب الغرفة على هذا الأساس"  حينها شعر عصام بالأطمئنان لهذه الصفقة، لأنه يعرف أن لا صاحبَ للغرفة، وإن أمرها موكول الى الحارس ذاته

ـ الآن ستدفأ عظامك حق الدفء، قال نعمان وهو يُخرج المدفأة من العلبة ويعدُّها للتشغيل.

ـ كانت هذه المدفأة تكفي، علق عصام، مُلمِّحا الى واحدة صغيرة، قديمة، قرب سرير النوم.

تجاهل نعمال تعليق صديقه، وأولَّج رأس الشريط في قاعدة الكهرباء، ثم ضغط على الزر. سأل، يراقب وينتظر توّهج الأسلاك:

ـ هل إعتدتَ على المكان، وبدأتَ تشعر بالراحة؟ وقبل ان يتلقى الجواب شعر، بعد فوات الأوان، إن هذا السؤال لا يناسب عصاماً، وهو سيهزأ به في قرارة نفسه.

ـ نعم، أجاب دون حماس كبير،

ـ والجيران؟

ـ مثل أي مكان، ثرثارون يقتلهم الفضول، ولكنني أتجنبهم، هذه السيدة وحيدة، ومسِنّة، تبدو لي طيبة.  أخرج خبزاً وجبناً وبضع علب من الأكياس، دفعها بلا ترتيب داخل البراد، وسأل نعمان إن كان يفضل الشاي أم القهوة.

ـ اوووه، صاح نعمان مشيراً بيده الى المدفأة، وأضاف. ها هو الدفء يرفع رأسه، أنظر.

فرك يديه أمام الوهج وفتحهما، ثم عاد يفركهما، ونظر الى عصام، فهزَّ هذا رأسه موافقاً، وعلّق "ما كان يجب أن تكلِّف نفسك" فقال نعمان "الآن، عجل لنا بكوب الشاي" وإرتمى على الكنبة.

شعر نعمان بالراحة، المدفأة تحمى وتتقد، ومع موجات الدفء الأولى إزدادت رائحة الزيت ثقلاً، زيوت رخيصة، حرك أصابع قدميه داخل الحذاء، إذ تذكّر المرة الأخيرة حين جلس يتسامر مع عصام، هنا، يومها أحسّ أصابعه تتيبس من البردَّ، وكانت رائحة الزيت والتربنتين تزيد الأحساس بالبرودة، فكّر. "أخيراً أصبح لعصام مأوى" فإزداد شعوراً بالأرتياح.

أخيراً، بعد أربع سنوات، أصبح لعصام غرفة يسكن فيها، لقد تنقل من بيت الى بيت، مع أصدقاء ومع غرباء، ساكناً قلقاً، كلما طال أمد سكناه عاوده الخوف من إنكشاف أمره فشدّ الرحال الى مكان آخر، حقيبة وحامل اللوحات وقماشات ملفوفة هي مُجمل رِحاله، وهو دائماً يضيف الى هذه الرثاثة، في معرض السَخر، أربعين عاماً، أربعين عاماً من الخوف، في العراق، في لبنان، في سوريا، وأخيراً في إيطاليا، "في ايطاليا أيضاً؟ اللعنة"، في عقر دار الحرية وكرامة الأنسان قضى أربع سنوات "ميت من الخوف" لأنهم يرفضون التَنعم عليه يإقامة، لذلك، وحتى لا يقع في قبضة البوليس، ظلّ يغيِّر مكانه بإستمرار، وبالسرعة الممكنة، من سرير الى سرير، من غرفة الى غرفة، من منطقة الى منطقة، من دهليز تحت الأرض الى مخزن للمهملات فوق سطح موحش، أربع سنوات في رِحال لارحمة فيه، وفي نقطة واحدة، ضيقة، من هذا العالم الواسع، قوامها سبعة أميال مربعة، هي كل روما.

صبَّ عصام الشاي في أكواب قديمة، وتناول علبة السكّر وخضها، ثم كشط قعرها بالملعقة، قال: "نسيت أشتري سكراً" وقلب العلبة فوق كوب نعمان، فتناثرت حبات قليلة في الكوب وعلى الطاولة.

قال نعمان:

ـ لا فرق بالنسبة لي، مع سكر أو بلاه. وساد الغرفة صمت طويل.

عندما يجلس نعمان بمعية عصام، الصامت أغلب الأحيان، يشعر إنه غير قادر على الكلام، يتلبس صمته، وتجبره نظراته الغائمة، المرتدَّة الى الوراء، على التشاغل في النظر الى الأشياء المحيطة، إبريق، علبة صفيح للسكر، أنابيب زيت معصورة وجديدة، لوحة على الحامل أُسِست بالآبيض منذ حين” براد، سقف تنخر فيه الرطوبة، نافذة، لحاف تطوّى وتمعّج ومدَّ طرفه الحائل على الارض.

ـ سوف أشدُّ لوحاتي،

قال بعزم حزين، هادئ، وسكت.

شعر أنه عبّر عن كل ما يريد التعبير عنه، إلتفت الى الجدار على يمينه، وسِخ، ولكنه يفي بالغرض، لوى رقبته، محتفظاً بجلسته ذاتها وإنحنائته ذاتها، وتفحص بقية الجدران برضى رزين، سوف ينظفها ويعدّها، قدَّر في خياله، مستذكّراً في لحظة واحدة مواضيع وأحجام أهم لوحاته، ما ستكون عليه هيئة الجدار المواجه مع لوحتين من القياس الكبير.

ـ أُحبُّ أن اراها مُعلّقة،

قال، يهزّ رأسه، مؤكداً هذا الحبّ، وهذا القرار، واثقاً إن نعمان يفهم رغبته، لأنه شهده بنفسه، ولعدة مرات، يفك لوحتن أو ثلاث، كان ثبّتها الى الأطر قبل أيام فقط، وترتب عليه أن ينزعها ويعيد لفَّها، لينتقل في سرعة الى مكان آخر، قبل أن يداهم البوليس الغرفة التي يسكن فيها.

إشتريت اُطراً، وسأشدُّها، عاد يؤكد، في إستطرادات متباعدة، أحاسيس متدافعة يشعر ويفكّر بها في قوة، ثم أضاف بعد فترة من الصمت والنظر الى الجدران. ليكن ما يكون بعد الآن.

فقال نعمان:

ـ لا تخف، لن يحدث شيء بعد الآن،

ـ لماذا؟ هل تمنعهم الطوابق السبعة من المجئ، إذا سمعوا عن أجنبي يقيم بصورة غير رسمية!

ـ أعني، إن ضغوط الأمم المتجدة، ودول أوربا، سيحمل ايطاليا، في النهاية، على الأعتراف للاجئين بقدر، ولو يسير، من الحقوق.

ـ لو أرادوا الأعتراف، لأعترفوا منذ البداية،

ـ أظنهم الآن سيعطون بعض الحقوق، ولو على مضضٍ، ولكنهم سيعطون، لا تنسَ إن السوق الأوربية كنز يسيل له لعاب الأيطاليين، وهم مُجبرون على توحيد قوانينهم، وعلى ذلك، سيمدّون يداً كريمة للأنسانية، يكرهون مدّها.

أصغى وفكّر طويلاً في كلام نعمان، ثم شمِل الحيطان الجرداء بنظرة هي خليط مشوّش من الأمل ونفاد الصبر واليأس، وأخيراً قال:

ـ اُحبّ رؤيتها مُعلقة،

ـ نعم، قال نعمان مؤيداً عزم صديقه ورغبته، وأضاف. في كل الأحوال، من الأفضل أن يقبل المرء الوضع الذي وجِد فيه، ويتعايش مع سيئاته، ومع حسناته.

هزَّ عصام رأسه، وكان معبأً بإحساس آخر، بحث عن الكلمات المناسبة ليشرحه، ثم تخلى عن الأمر، قال: "هل أصبُّ لك المزيد من الشاي؟" بَيدَ إن نعمان رفض، وغطى الكوب بيده، لأن عليه أن يذهب.

 

 


2

وقفت سارة أمام المرآة. نظرت الى عينيها، الى خدودها، الى فمها، زمَّت وكورت شفتيها ومدّتهما الى الأمام، أخيراً أفردَّتهما وقالت: "ماشي الحال".

 أنزلت أنظارها الى صدرها وذراعيها وكشحها، ولوَت خصرها لتشاهد جانب صدرها وفكّرت: "نعمان يحبُّ جسمي". تفحصت بطنها.. "منتفخة قيلاً" جَسّتها بيدها لتعرف التغير الذي طرأ عليها، ضغطتها فطاوعت يدها.. "أُقلِّل الأكل.." ثم قرّبت رأسها من المرآة، تفحصت وجهها من هذا الجانب ومن الجانب الآخر، تخيَّلت ما سيكون عليه بعد وضع الزينة، وبدأت ترفع وتفحص وتتأمل ثم تُغلق وتعيد أصابع أحمر الشفاه الى مكانها أسفل المرآة وتشاور عقلها.

اليوم سبت، قالت في دخيلتها. لا يوجد عمل، لا توجد مشاوير، وإرتاحت لهذه الفكّرة. بعد الظهر تذهب الى المدرسة لتجلب الأولاد، يبقون معها يوم الأحد، وقبل ذلك تمرُّ على بيت سيد أحمد، لم ترَهم منذ شهرين "لا، أكثر، ثلاثة أشهر" تقضي ساعتين مع مارشيللا ، وفاطمة، وتسلم على.."عمي سِيد أحمد" بعدها تذهب الى المدرسة.

سلاّها ذكر عمي سيد، شعرت أنه أقرب إليها من بقية العرب الذين تعرَّفت عليهم في ايطاليا،وهي تسميه "عمي" على طريقة النساء السودانيات، يُطلِقنَ هذه الكناية على الرجل إحتراماً وتحبباً، وليس بفرض القرابة، وهو في كل الأحوال أكبر سناً من نعمان "ليس بكثير، ولكنه أكبر منه".

رَبتت كَبابة القطيفة، فتناثرت البودرة على وجهها. ما زال الوقت مبكراً.. "ولكنني الحمد للّه شبعت من النوم" أمس نامت في الساعة العاشرة، ما أن وضعتْ رأسها على الوسادة حتى تخدَّر وعيها ونامت، في الصباح أيقظها صراخ الباعة في السوق وضجيجه.. "نعمة" أن يكون بيتك قرب السوق.. "ولكن هؤلاء الايطاليين صخابون".

تلمَّست جلدة وجهها وإطمأنت الى نعومتها.. "آكل قليلاً، فتختفي بطني" ساورتها رغبة عذِبة في إنجاب طفل له، تحمله في بطنها، فتحسّ إنها تحمل نعمان، وتسير به، في الشارع، في البيت، في الطائرة عندما تسافر.. "هل سيخجل من سواده؟" ولكنه يحب أولادها، يحنو عليهم، يأخذهم في سفرات طويلة بسيارته، يقول لا يريد أن.. "يخلق حياة..ماذا سماها؟ هائمة، على غرار حياته" وقد ألحَّت، ولكنه يُصِّر.

وضعت القليل من الأحمر، فركته لتنشره وتذويه وتبقي منه ظلاّ خفيفاً على قمة خدودها، ربتتْ بالقطيفة من جديد .."ولكن الطفل يجلب لي مشكلة، مع زوجي، وهو يرفض الطلاق" ومع أهلها، ماذا يقولون إذا حَمِلت من عربي، من دون زواج!. عندما سألَته.. "هل تحب الزواج مني؟" أطرق، لم يقل شيئاً، يومها شعرَت بالندم لأنها سألتْ.. "وأنا في الحقيقة لا أستطيع الزواج".

رسمت شفتها السفلى، ثم العليا، بالأحمر القاني، ثم إمتصتهما الى الداخل، مرة، ومرتين، الأحمر يلائم بشرتها، يبرز بقوة حرارة فمها.

المشكلة، بالنسبه له، ليس الزواج بواحدة من غير دينه، لأنه رافقها الى الكنيسة ليلة الفصح.. "متى كان ذلك، في السنة الأولى من تعارفنا؟" جلس الى جانبها، في الصف الثالث أمام المحراب.. "يومها كم كنت سعيدة بوجوده معي" وهـو: ظلّ هادئاً، يسمع صلاة عيد الفصح، ويصغي الى كلام الأب.. "وكنت أسترق النظر الى وجهه بين تهلِّيل وتهلِّيل" وهــو: وقف حين وقفوا، ولكنه لم يُصلِّب حين قال القس الأب والأبن والروح القدس، ثم عادوا الى الجلوس.. "وكنت معتزَّة به، وقد لاحظتُ بنظرة سريعة إنه كان أطول من كل الواقفين في الصفوف الأمامية" وهــو: نظر وتمعّن عدة مرات في نقوش القبة، وفي الرسوم على الجدران.. "وكنت ألتزُّ بكتفه وأشعر أنه يحميني" وهــو: حين تقدم بعض المصلِّين لتناول القُربان، أدنى وجهه من خدها وسأل من أي شيء تُصنع رقائق المُناولة؟.."وكنتُ، يالغباوتي، لم أستفسر من قبل عن خبز الجسد فقلت نوع خاص من الطحين" وهــو: تقبلَ وأفسح بوقار لذراعها حين وضعَتها في ذراعه عند الخروج .."وكانت الأيطاليات يرمقننا بأطراف عيونهنَّ، ثم يحوِّلن أنظارهنَّ " وهــو: يقول أنه لا يعارض الأديان إذا كانت من أجل خير البشر.. " ولكن نظافة ثياب رجال الدين..وماذا أيضا؟ وعافيتهم، تُقرفانه وحين صادفنا الأب يتكلم ويصافح الناس في الرواق، قال إسألي القسَ يعطينا نسخة من صلاة العشاء الرباني" فسأله الأب هل أنت مسيحي، فقال لا، وإبتسم الأب وطلب من حامل المبخرة أن يجلب كتاب الصلاة من على مكتبه هدية للسنيور.

وضعتْ اللمسة الأخيرة من الكُحل على حوافي جفونها، ونظرت الى عيونها.. "جميلة" ثم أعادت المرود الى جفنته وأغلقتهما ببعض. أبعدت وجهها عن المرآة، تمعَّنت فيه لفترة، فكّرت إن الوقت قد يتأخر، فربطت مِشدّها، وإرتدت فستانها الأحمر التَفْته، دارت أمام المرآة دورتين، ونظرت الى تَكور عجيزتها خلل التفته.. "جميل" وضعت الشال الأخضر على كتفها ثم أخذت حقيبتها وخرجت الى الشارع.

مشتْ، خفيفة معتزَّة بنفسها، نحو الترام، في الموقف إنضمَّت الى عدد قليل من الرُكاب، وإنتظرتْ.

تذكّرت انه كان يضحك بمرح كبير في الأيام الأولى، منذ مدة طويلة لم تَرَه يضحك كما كان يفعل من قبل.. "يطرق كثيراً ويشرد" وعندما.. "يطير النوم من عينه" يتمدّد على الكنبة ويضع الراديو الصغير قرب رأسه، وبدلاً من أن يضع الـM    F يروح يصغي الى صفير ووشوشات.. "تجنِّن الأعصاب" وكانا يتشاجران.. "ماذا كان السبب يا ربي" إعترف لها بأنه يخجل من عمله، وقال إنه ما وجد الفرصة ليكون ما أحبَ أن يكون.. "المسكين، ليس مثلي من يعرف زراية هذه الشغلة، ولكنه يدبِّر حاله ويكسب أفضل مني‎".

من بعيد ظهر الترام، أقبل يتهادى بلونه البرتقالي، غير مستعجل على شيء، فتملّمل الرُكّاب وتهيأوا، وحين وقف تمهّل قليلاً قبل أن يفتح أبوابه.."تصيبكم الحمى، يقطع القلب" صعد الركاب وأبرزوا تذاكرهم الواحد بعد الآخر، ثم توزعوا على المقاعد، وحين تأكّد السائق من صعود الجميع، ألقى نظرة شاردة، طويلة، على الرصيف، بعدها أغلق أبوابه وحرك التَنِّين الهائل خلفه، فصعدت خبطات ورجّات أثلام القضبان الحديدية الى أعجاز الركاب وظهورهم.

إختارت مقعداً قصياً وجلستْ .. "الحمد للّه اليوم سبت، لا عراك ولا تدافع بالأكتاف" وعَزَتْ سبب حزنه الى فراقه عن أهله، فراقه الطويل، لا يسمحون له بالدخول ولا يسمحون لهم بالخروج.. "أنا أيضاً لا يسمحون لي بدخول أديس أبابا" لـولا.. "تسفاي" الذي دبَّر الأمر مع صديقه مدير المطار، يحتفظ بجواز السفر معه، ويعطيها ورقة ترانزيت لتقضي إسبوعاً، أو اسبوعين، مع أهلها.. "كُس اُمّكم، ترانزيت الى بلدي!".

وجدت نعمان على حق إذ يبصق.. "تفووو..." حين تسأله عن.. "الحكومات عندهم وعندنا" المسكين لم يرَ أهله منذ عشرين سنة، إخوانه وأمّه.

حاولت أن تتخيَّل شكلاً لأمّه.. "قال إنها قصيرة" أتُراها تشبهه في الوجه؟ كم تحبّ رؤيتها، التعرف عليها، الجلوس معها، إنتابها شعور غريب، إنفعلت، وخفق قلبُها بعاطفة غامرة، مفاجِئة، تجاه أمّه، تمنت لو أنها تخدمها، تأخذها في نزهة الى السوق، يقول إنها كبيرة في العمر.." ولِمَ لا! " ترعاها بيدها، ثم تغيرت مشاعرها الى الحزن، إنعصر قلبها حين تذكّرت أمَّها.. "ماتت وهي شابة، حبيبتي المسكينة" لمعت عيناها وترقرقت، ونزلت دمعة كبيرة، فأسرعت تكفكفها بمنديل ورق.

أدارت وجهها نحو زجاج النافذة، لكي لا يرى الراكبون، وقد صعدوا للتوِّ من الموقف الجديد، عيونها الدامعة، غالبها الشعور بإن الحياة ظلّمت اُمّها، لأن المرض صرعها وهي في مقتبل العمر، وأحسّت بشخص يجلس على المقعد الى جانبها، لكنها ظلّت بعيدة، تنظر الى الشارع.

ـ صباح الخير

قال الراكب، وهو يُقرِّب وجهه منها

إلتفتتْ، وجدت شخصاً في حوالي الخمسين، قال معيداً التحية:

ـ صباح الخير يا حلوة

ـ صباح الخير

ردَّت بأدب، لكن بلا مبالاة كبيرة، وعادت عيونها تلتصق بالزجاج.. "هل يعرفني؟".

ـ نهار جميل هذا اليوم

قال، وتقرَّب منها أكثر، برأسه وكتفه.."إذن، فهو يريد يتحّرش" هزّت رأسها موافقة إن النهار جميل، ثم أظهرت له التجاهل وأدارت رأسها نحو الشارع.

تحبُّ أن يُعجبَ بها، أن تسمع بعض الغزل العابر في الطريق، ولكن ليس أبعد من هذا، خطر لها إن نعمان يغار، فحَبستْ إبتسامة طفرت الى شفتيها، نعم يغار، إلا أنه ينكر غيرته، وهي تحبُّ أن يغار عليها.. "خليّ قلبه ينّقَرص بين حين وحين" ولكنها لم تخنْهُ، ولا مرة واحدة.. "مرة واحدة فحسب" لدى زيارة قامت بها الى كينيا، وكانا في الأشهر الأولى من علاقتهما.. "وهذا البرونو إبن الكلب" حين زارها في بيتها، برونو السمين، الأحمر، ضرب الجرس عليها في وقت متأخر، بحجة البحث في أمر بضاعة صغيرة يودّ تقديم العون لتفوز بها، ظلّ يشرب ويشرب، ليؤخر ذهابه، من نبيذ جاء به معه، ثم بدأ يلاينُها ويعلن رغبته فيها، وقد أصبح وجهه بلون الجزر، وهي تصدُّ وتمانع وتشجِّعه على الذهاب، الى أن شعرت منه بالضيِق والغضب فقالت تعال ضعه في الحفرة إذن، فقام، من بين دهشتها وعدم تصديقها، رفع فستانها، وهي ظنته سيشعر بالأهانة من كلامها ويرحل، ثم مدّها على ظهرها، وبدأ ينخر ويلهث، وإنبعثت منه رائحة خنزيرية، كمخت أنفها بقوة، فأشاحت بوجهها، ثم شعرت به يزداد ثقلاً عليها، فدفعته، ونهض، كان قد إنتهى، حتى دون أن يلجها لكثرة رِفاسها، كانت مثل سمكة ميتة.. "ذَرقها وإنتهى" فوق ثيابها والكنبة، وشعرت بالقرف، بقيت، في ظلّ وضعها المرتبك والمندهش، تنظر إليه غير مُصدقة، وهو يلمّلم ما يقدر على لمِّه من نفسه، ثم ينصرف، وكان ولداها نائمين في الغرفة المجاورة.. "يا عيسى المصلوب، ماذا يظنوننا هؤلاء الايطاليون؟".

أحسَّت بالراكب ينهض ويتجه نحو باب النزول، فكّرت أنه رحل متسلّلاً.. "مع السلامة" شاهدت في الطريق رجلاً يرتقي سُلماً طويلاً ويتلقى من زميل له على الأرض طرف حبل عُلقت به لافتة، ثم يرفعها ليثبّـتها على (قوس الخباز) في ساحة بورتا ماجورا.. "الـحـ.. ماذا؟ الحزب الشيوعي فـ ..ارع سان لورنسو يقيم حفلة بمنا.." أرخى الرجل الحبال ليقيس مداها، فهرَّت اللافتة وتطوّت، قبل أن تقرأ بقية الكلمات.. "يأخذكم الطاعون أنتم ومنجستو صاحبكم".

تداعى الى ذهنها ليل فياريجو (4) يشع بالآف الأنوار الملّونة، في كرنفال الأقنعة السنوى الصاخب، إسترجعت الى ذاكرتها لحظات مختلفة من تنقلاتهما، بين الحشود والبارات.. "ولكننا ماعدنا نذهب الى فياريجو" تذكّرت أنه لم يصحبها الى المرقص ألاّ ثلاث أو أربع مرات.. "آخر مرة كانت قبل سنتين" وإن الغيرة إشتعلت وإستعرت فـي قلوب صاحباتها حين تعرفت عليـه.. " سوف يشتري لك الجواهر والفراء، العرب يبذخون على النساء، أموال النفط" يومها شعرت بسعادة عظيمة، لكل الأسباب، وأخفت، مكتفية بالحبّ، حقيقة ظروفه. "قال.." وخنقت ضحكة فقعت فجأة في حلقها، ثم شهقت، لم تتمالك نفسها من الضحك، فأدارت وجهها نحو الشارع لتخفيه.. "يا ربي، ما ألطفك يا نعمان" وجاهدت لأخماد آخر دفقات أنفعالها.. "قال العرب يضعون ـ تبعهم ـ في حقيبة ويتجولون به على مواخير أوربا، وما فكّر أحدهم أن يقضي ستة أشهر في أفريقيا يدرس عن قرب، كيف يدبِّر حيوان.. حيوان ماذا؟ حيوان الخُلد المحروم من النظر أمر معيشته" ظلّت تبتسم، تتذكّر تعليقات نعمان ثم تنتفض وتهتزّ من الضحك، يُطلقها وهو حانق، فيزيدها تَجهمُه رغبة في المرح .."وقال الجندي..." قاطعها الضحك، تدفق من أحشائها، فكمَّمتْ فمها لتخنق شهقاتها المندفعة.. "يا ربي ماذا يقول الناس عني، مجنونة تضحك مع نفسها!" هدأتْ للحظة وأحسّت تَرقرُق الدمع في عينيها، ثم هاجمتها كلماته وصورة حكايته.."قال الجندي السوري، هواياكم يا شباب، إنت من وين؟ وإنتَ؟ إنتَ من لبنان! وجاي تعمل إيش هُون في لبنان يا إبن الكلب؟" ثم لم تتمكن من نفسها، إستسلمت للضحك وقهقهتْ ومسحت عيونها وغطّت فمها بيدها.

جرّجَر التُرام نفسَه، متقطع الأنفاس، وهو يعرّج على شارع رجينا إلينا، ماراً بكنيسة سان لورنسو ومقبرة كامبو فيرانو، فرسمت علامة الصليب وطلبت لروح أمّها شفاعة كل القديسين.

فكّرت إن سفراتهم الطويلة، الجميلة، بالسيارة تباعدت أيضاً .."المسكين دائماً مشغول" وحسَّبت أن تقترح عليه .."رُحيلة قريبة الى أنزيو أو ألبانو" يوم الأحد التالي، ودَهمَ خيالها طريق أنكونا على الساحل الأدرياتيكي في الصيف .."يا حبيبي ما أطيب لـحـ.." كان يقود في سرعة كبيرة، والأوتوستراد خالٍٍ، إلاّ من بعض سيارات متباعدة، كانت تضع يدها على باطن فخذه، تحسّ، من خلال مُوسلين البنطلون الصيفي، إختلاجات ربلته وهو يُساقي البنزين بقدمه، والسيارة تنطلق، شجيرات الدفلة في السياج الوسط تفرّ مجنونة الى الخلف، قال إنزلي السَحّاب.. "والريح تتغلغل قوية، حارة، عِبرَ رقبة الفستان وفتحتي الذراعين فتصفق كتفي وظهري" بدأ يعض شفته وترتخي أهدابه .."وخفتُ أول الأمر، ثم ما عدتُ أرى الطريق، يا حبيبي، كم أسعدني أن أراه ملتَذّاً هكذا، كان يمسِّد ويضغط شعر رأسي بيده"  وأنَّبَتْ نفسها إنها لم تسوِ شعرها عند الحلاّقة قبل يوم.. "وكنتُ.." .

ـ عفواً، مسّت يد إمرأة تجلس الى الخلف كتفها ثم سألت. هل يذهب هذا التُرام الى باريولي أم الى بينجيانو؟

ـ باريولي، ردَّت سارة تعطي السيدة نصف إلتفاتة، شكرتها هذه ونهضت لتنزل في الموقف القادم.

هدأ الترام ووقف، ثقيلاً وبكل رزانة، أمام كنيسة روبيرتو بيللارينو لينفض عدداً من ركابه قبل أن يلفّ الى شارع روسيني، فصلَّبت ودَعَتْ القديس الشفيع أن يرعى ويقدم عيناً حانية على ولديها وأن ينعِم عليها بالصحة ويحفظ لها نعمان ويجعله .."يحبّني على طول" ثم ترك التِنّين الموقف، عرَّج وسار بطيئاً، متمهلاً، لا يلوى على شيء، على طول شارع روسيني بقصوره ذات الجدران العالية.

نزلت في الموقف الأخير عند ساحة بيللا آرتي، نزل بقية الركاب وهم يمطّون سيقانهم ويفردون ثَنيات ملآبسهم من الخلف، فقد أنهى الترام جولته الطويلة، المُمِلّة، وإرتاح.

عبرت الى الرصيف المقابل، وإنتظرت الباص الذي يقلّها الى الجهة الأخرى من المدينة.

ـ أي رقم من فضلكِ يمرُّ بساحة البوبلو؟

سألت صبيةٌ، تحتظن وتضغط كتبها ودفاترها على صدرها، سيدةً كانت تنتظر.

ـ رقم 2، ردَّت السيدة، واردَّفت. تأخذينه من الجانب الآخر،

"حليوة.." قالت في دخيلتها.. "لا تعرف الحياة بعد" إلاّ أنها غيرت رأيها في سرعة.. "وِّي، يخرجن من البيضة وهن يعرفنَ كل مصائب الدنيا" وتوقف الباص، فصعدت، إختارت مكاناً قرب الباب وجلست.

إستحضرت الى خيالها صورة ولديها يركضان ويلعبان مع الأولاد في المدرسة.. "ما أحلاهما.." فكّرت إنهما، أيضاً، سيتعلمان من أولاد الأيطاليين كل مصائب الدنيا، و.."أمـان" نطق أمامها كلمة بذيئة وهو يحدثها عن شجار بين تلميذين، فقالت لنفسها الحمد للّه إنهما أولاد لا خوف عليهما.. "ولكن اللّه يُنجيهما من مصيبة المخدرات هذه المنتشرة في المدارس" .

هدر الباص حين صعد مطلع جسر ريسورجَمنتو ثم إستقام وإندفع برخاء، فمدَّت رأسها وشاهدت مويجات التيبَر تتلاحق بمرح ثم تصطفق وتتناثر على حافة الجرف الأسمنتي، نهضت في خيالها صورة جموع الفلاحين والفلاحات يبرز من بين أطمارهم الهُزال، يقطعون، وقد هدَّهم التعب، سهوباً شقق أرضها الجفاف، يتعلق بأذيالهم أطفال عُراة أيبس الجوع والعطش عروقهم، يرفعون نحو كاميرات التلفزيون عيوناً ذاهلة يطلُّ منها الموت.. "المسـاكين"  طفرت من عينها دمعة رقيقة.."لا يعرفون أين يولّون وجوههم " تذكّرت جلالي الذرة الخضراء المنتشرة على المنحدرات بين نازَريت وأواسا، حين كان والدها يأخذهم بالسيارة لزيارة عمها الراهب، المقيم في أديرة محفورة في الجبال الصخرية،  ثم تلاشت حقول الذّرة وتقدمت وجوهٌ أخرى لصغار يلثمون ضروعاً جافة، واُمّهات يظلّلن عيونهن، حياءً، بأيدٍ نفرت عظامها بقسوة .. "ماذا يجري لأثيوبيا يا ربي ؟" وكفكفت دمعتها بنفس منديل الورق.

نظرت، لتبعد الخواطر المُحزنة من رأسها، الى صفوف البيوت على يمين الشارع، مانزيني.. فيلاّت جميلة وبيوت فخمة، منطقة أغنياء، تذكّرت إن والدتها.. "بكدِها وعرق جبينها" خلّفت لها فيلّتين في أديس أبابا، ثم إستولت عليهما الحكومة العسكرية .. "يحرقهم المسيح بنار جهنم"  والآن تعيش في غرفة صغيرة وصالون ضيًق تحت الأرض في منطقة جينتوجيلّة الشعبية.. "ولكن يا ربي، من كانت المرأة التي إتصلت به في الصباح يوم الأربعاء؟" تذكّرت ردَّه، فوجدته معقولاً، ولكن لماذا إختارته هو لتسأل، كما قال، عن عنوان واحد عربي؟ قطع أفكارها مرور الباص على ساحة كلوديو، فتهيأت لتنزل بعد موقفين.

فتحت حقيبتها وتلمست هدية مارشيللا، ثم أغلقتها، وإنتظرت وقوف الباص.

فتحت مارشيللا الباب، وعندما رأت سارة إنتشر البِشر على وجهها "سارة عزيزتي، كيف حالك؟" قبَّلتها بحرارة، وأخذتها من يدها الى الداخل "عودة سعيدة، وحشتينا" ردَّت سارة "أنتم أيضاً وحشتوني".

دخلت بها الى المطبخ. لاحظت إن البِشر تبدد في سرعة عن وجه مارشيللا، وهي تُجاهد لتبقى سعيدة المظهر، فسألت "وعمي سيد، كيف حاله؟".

ـ بخير، إنه موجود في الصالون، ردَّت مارشيللا، ثم قالت. تأخرتِ في سفرتك هذه، أليس كذلك؟

ـ كانت سفرة طويلة حقاً.

ـ لا شك إن نعمان نفد صبره من الأنتظار!

ـ خليه ينفد، إذ كلما إشتاق أكثر، قام بواجبه أفضل، علَّقت سارة، وأطلقت ضحكة قوية، ثم أخرجت العلبة من الحقيبة ووضعتها على الطاولة.

ـ ما هذا؟ سألت مارشيللا وهي غاصة في الضحك على تعليقها،

ـ هدية لك من أثينا،

سُرَّت مارشيللا، وهي إعتادت لفتات سارة اللطيفة، قالت "شكراً" ثم سألت "أيمكنني فتحها؟" ردَّت سارة "إفتحيها”"

فتحت مارشيللا العلبة، وإنفرجت أساريرها الصلبة وهي ترفع الى الأعلى لِفاعاً حريرياً لوزي اللون، مزركش بالبني والأخضر الغامق.

ـ ما أجمله، ما أجمله.

ـ وفاطمة؟ سألت، تنظر الى وجه مارشيللا، تعاين تقلباته.

ـ هي أيضاً بخير، ما زالت في الفراش، أمس نامتْ في وقت متأخر.

حاولت سارة، فيما يتعلق بفاطمة، أن تسأل عن الدرس والجامعة، ولكنها غيّرت رأيها، قالت:

ـ أروح اسلم على عمي سيد،

ذهبت الى الصالون، تتبعها مارشيللا، وهي تقلِّب وتنظر بإعجاب الى ألوان اللِفاع.

نهض سيد أحمد من مجلسه ما أن تناهت إليه أصوات القادمين، وقف وسط الصالون مرحِباً.

ـ عمي سيد إزايك؟

بادرت بالتحية، وصافحت اليد التي إمتدت إليها في حماس، بَيدَ أنها ذُهلتْ من شحوب الرجل، خُيِّل إليها، وقد عرفت لسنوات مرح سِيد أحمد وسجيته الشفافة، إن عاصفة من الألم والحزن قد عصرتا هذا الوجه، وإزدردَت، في اللحظة الأخيرة، شهقة إستغراب كادت تفلت من أعماق حنجرتها.

جلست الى جانبه، وظلاّ يتبادلان التحية، السؤال والجواب ذاته "إزايك؟ بخير، الحمد للّه، إزايك؟.." بينما لزمت مارشيللا وقفتها، تنتظر لتعرف ماذا تقدم للضيفة، ثم ذهبت الى المطبخ، بعد أن إقترحت قهوة ووافق الجميع.

حكت سارة بإقتضاب شديد عن سفرتها، فقد سألها عن العمل، وكانت طوال الحديث تفكّر في حالة مَضيفها، وعندما توقفت عن الحديث ظلّت طقطقة الفناجين والصحون، القادمة من المطبخ، وحدها ترنُّ في الصالون.

كان سيد يضع يدين مُتعَبتين في حضنه، ويلوذ بالصمت.

بعد فترة، شعرت بالتحرّج من الموقف كله، فهي ترى الغمَّ يلوي وجه الشخص الذي تودّه، هي ونعمان، أكثر من كل العرب الآخرين، ولا تستطيع أن تسأل عن السبب، أحسّت، ولا تدري لماذا، إن فرصة السؤال قد عبرت، ثم حسِبت إن خلافاً عائلياً وراء كل هذا، فقبلت تجاهل الأمر، ودار في خلدها إن المسألة لا تعدو أن تكون خلافاً داخل العائلة، خصاماً بسيطاً مع مارشيللا "مارشيللا عنيدة، أحياناً، تخاصم ثم تأسف وتعتذر" ستعرف السبب لا محالة، لأن مارشيللا تحكي لها عن كل شيء، وقد حكت لها عن حبها لـ "عمي سيد" الذي سبق الزواج، كان وقتها طالباً يدرس الهندسة في مدينة بيروجا ويستأجر غرفة في دار أهلها، تحابّـا، وقد عارض والدها ووالدتها "تتزوجين أفريقي، يالغبائك!" ولكنها إنتظرت حتى ينهي دراسته، فتزوجا، وعاد بها الى الخرطوم، عاشا عشر سنين هناك "تحمّلتْ الحرَّ والغبار من أجله ومن أجل إبنتها" لكنه لم يتحمل، قال البلد ضربها الخراب وإرتحل بهم، كان يودّ لفاطمة أن تنهي دراستها هناك، وتتزوج من إبن أخيه "السودانيون يزوجون إبن الأخ الى بنت الأخ، يِّه، عندنا لا يجوز".

جاءت مارشيللا بالقهوة، ومع دخولها دخلت الشجاعة الى قلب سارة لا تدري من أين، فقالت:

ـ عمي سيد، مالَك؟ هل صحتك بخير؟

ـ لا شيء.

ردَّ سيد، وبدا إن السؤال أربكه وشوَّش صمته، لكنه أضاف:

ـ تعب بسيط لا غير.

ـ ولماذا لا تذهب الى الطبيب؟

قالت، كمن يوبخ صبياً على الأهمال.

ـ لا يوجد ما يستدعي الطبيب.

أجاب، وكان يعرف إن البساطه هي الطبيعة الثانية، المحبّبة، في سارة، فشرب قهوته على رشفات سريعة، نظر الى ساعته، ثم الى وجه سارة، وقال:

ـ اسمحوا لي أن أترككما الآن، إذ يجب أن أكون في ساحة كلوديو في الساعة الثالة.

نهض، حيّا، وخرج.

إزداد شعورها، وهي ترى طريقته المرتبكة في الخروج، إن لدى الرجل ما يُزعجه، فسألت:

ـ ماذا به، عمي سيد؟

ـ مشاحناته المُعتادة مع فاطمة،ردَّت مارشيللا. .



3

اليوم سبت. الشوارع هادئة بعض الشيء، لذلك إتخذ نعمان سبيله الى ساحة كلوديو عِبر مركز المدينة القديم، الطريق يختصر المسافة الى حدّ كبير، والقيادة يسيرة مثل كل أيام العطل، وأنصاف العطل، حيث يمكن للمرء إستعمال سيارته في روما.

"هذا كل ما نكسبه من الأيام، شوارعَ خفَّ فيها العداء" وشوَشَ لنفسه، وعاد يفكّر في وضع عصام، الذي تركه منذ حين، فوق سطح خرساني أجرد.

إن الظروف القاسية، يقولون، تُعرِك الفنان، تُعمّق خبرته وفهمه للحياة، وبالتالي تُنَضّج تجربته، ولكن، أيجوز الأعتقاد بان المِحن ضرورية لعقل الأنسان؟ هل الشقاء، هل البؤس، هل القلق وراء حاجات تافهة، هي التي تُلهِم روح المبدع؟ إن الموهبة، الخيال الجامح، يولَدان مع الأنسان، يحملهما في دمه منذ الطفولة ويصبحان جزءً من طبيعته، لذلك فأن ما يردَّدونه على مسامعنا، عن دور الظروف التعيسة في بلوّرة إمكانيات المبدع، وقدراته الخلاقة..الخ الخ، ما هو إلاّ هُراء في هراء. فها هو عصام، بأحاسيسه الحارة، وجنونه الخلاق، لا يجد جداراً يرفع عليه لوحاته، وبدلاً من الإصغاء الى ذاته وقلقه الداخلي، يشتت الإصغاءُ الى خطوات القادمين كل تركيزه، ويُشغله عن الأنتباه الى همس أعماقه، فعن أي صقل، تساءل نعمان في دخيلته، عن أي عَرك يتحدثون؟

إن البؤس لم يصنع فان كوغ، إنما كان نتيجة نَمت، مثل عشب على جانبي نهر صخري سريع، من القلق العظيم الذي لازم روحه منذ البداية الى النهاية، ولم يكن رافائيل ولا دافنشي ولا مونيه ولا بيكاسو أبناء بؤس ومِحن تافهة، فالشقاء، أينما وقع، هو حالة غير إنسانية، مدمرة، ومعوِّقة، وأن زجّ هذه الحالة على موضوع فاعلية مَلَكات الانسان، هو تمجيد لفكرة العذاب، وأن تمديد العقل فوق الأِبر، هو أسلوب عربي بحت لترويض الروح، عَكس ما يفعله الهنود حيال أجسامهم.

تواردت على ذهنه، وهو يقود سيارته وسط أطلال روما القديمة، مختلف الكلمات والتعميمات التي تستعملها الصحف والمجلات والأذاعات العربية، وفكّر "من النادر أن تقع الواحدة منها في مكانها الصحيح" تذكّر ما يردَّده صديق له بإن العرب أمة لسانية، فتساءل: "وكيف لم يتأَتَ لها إجادة الكلام الدقيق؟" وقدمت إليه الذاكرة صوراً مختلفة، عن حياة العرب المقيمين في إيطاليا، فهزَّ رأسه بأسى، ثم فكّر إن عصاماً شعلة يمكن أن تضئ بقعة صغيرة من هذا العالم، ولن تكون بلده، فشعر بالراحة من هذا الرجاء، قال في سريرته، إن بلداً ما، لا يجد المرءُ فيه مكاناً آمناً، لن يحتاج الى بقعة مضيئة، لأنه قرر أن يكتفي بالظلام، وحين إنعطف بالسيارة على شارع لونكو تيفرا المحاذي للنهر، أتاح لها أن تندفع، قليلاً، على هواها بين أشجار الدُلّب الشاهقة، المتعانقة في الأعلى، وراقب، معطياً الشارع الخالي في تلك اللحظة جزءً يسيراً من إنتباهه، قُطعاً زرقاء من السماء تترى من بين الأغصان المتشابكة.

إكليلٌ فارع، طويل، يبسط شبكة مرقَّشة من ظلال ونور، تتراقص، ضاحكة، فوق وجوه العابرين.

غمره إحساس بالود، بالحبّ، تجاه الأشياء، تجاه العالم، تجاه نفسه، تجاه السيارة، شعر إنه هو من يندفع الى الأمام ورجليه مستقرتين، مثل طير في إنهراعٍ سريع ومتهادٍ على مسافة قليلة من الأرض.

للحظة، أحسَّ بالحياة كما يكون الأحساس الحقيقي، لحظة حصنته من وخزات عالم خَرِب، ما يني يومئ ويغمز للخاطر من مسافاته البعيدة.

من على ظهر جسر ماتيوني، عبرت السيارة نهر التيبَر، وسارت، مع ما تبقى من تلك اللمحة من الغبطة، الى الجهة الأخرى من المدينة.

 نهشت خاطره صورة القَار، يتعجّن ويذوب تحت وهج القيظ الخانق، ويعيد أُوار شمس تموز اللآهبة على شكل بخار وإشعاع ثقيلين، يتصاعدان بين سيقان رجال يركضون ويتنازعون، بحمية مجنونة، على طرف حبل تنشحط في نهايته جثة تسخَّمت وتمزّقت، يعبرون بها جسر الصالحية من الكرخ الى الرصافة، تتبعهم حشودٌ كبيرة تصرخ وتهتف في هياج.

عندما دار حول ساحة كلوديو، شاهد سِيد أحمد في جلسته المعتادة، أمام باره المعتاد، وقد رفع رأسه، مثل مالك الحزين، عندما مرت السيارة إزاء البار.

ترك السيارة في الجانب الآخر وعاد يقطع الساحة من منتصفها، لاحظ ملامح سيد تنّفرج، وتستقبله بالترحاب حتى قبل أن يعبر الرصيف. عندما يتصل سيد  ويبحث ليومين، فلابدَّ إن لديه ما يقوله، تاجر قادم من السودان للتبضع ويحتاج مشورة "تستفاد منه قرش قرشين" أو فكرة حول السفر الى نابلي "نَسكر سُكرة بنت كلب عند جمال ونعود يوم الأثنين.." وهو يعرف إن سِيداً يعاني كثيرا من وقت العطالة الممل، لأن مكاتب الايطاليين لا تقدم للمهندسين الأجانب فرصاً ممتازةً للمساهمة في المشاريع الضخمة، ورغم إنه مكتفٍ تماماً بما يرده، بين فترة وأخرى، من حصته في ثروة عائلته في السودان، بَيدَ إن طموحه في إنجاز عمل ما (وهو يسميه نصباً شامخاً) يلّح دائما على تفكيره، ويجعل أيامه في قبضة تيار مضطرب من الإنفعالات، بين التوتر والإحباط، ويزيد إحساسُه بالعمر، بالمرور السريع والماكر للزمن، من تفاقم صراعه داخل نفسه.

ما أكثر المرات التي أختفي فيها صوت سيد، ثم ظهر فجأة، في أول الليل أو آخره، وهو يقول: "ما تجي نطكلنه زجاجة ويسكي ونلعن أبو هالدنيا!" .

إنتبه نعمان، حالما نهض سيد لمصافحته، إن طلعة صديقه مُعكَّرة بشكل غير إعتيادي، وحين سأله "إزايك؟" بادر بالقول أنه ترك سارة في البيت مع مارشيللا، وأخفى عنهما سر هذا اللقاء، وهو يشعر ، منذ ترك البيت، بفؤاده يعذّبه ويلومه على ذلك، ويخشى أن يكون تصرفه هذا بداية ولوج في دهاليز كريهة من التخفي والتستر، وهذه حياة لا يقدر عليها.

ـ ولكن ما الأمر يا سيد؟

سأل نعمان، وقد حيّرته مقدمة صديقه الملتاعة، وشحوب وجهه المريع.

ـ أحتاج الى مساعدتك يا نعمان، أعلنها دفعة واحدة، ثم راح ينقل البصر بين وجه نعمان وبين نقطة بعيدة، وهمية، في الشارع.

كانت عيونه في هرب لا يريم.

ـ ما الأمر؟

ـ إنها فاطمة، قال، وأطرق الى الأرض، ليغرق في لجة طاغية من مشاعر الهوان، فعاد نعمان يسأل وهو يبحث، فوق كتفي سيد الخائرتين، عن تفسير شاف لهذا التحطم الذي يسحق كيان صاحبه، ويهدَّه هدّاً لا رحمة فيه: "ماذا بها فاطمة ؟" .

لبث على إطراقه، متشبثا بصمت يتمناه أبدياً، قاطعاً، ليعفيه من بوح جارح ولا مفرَّ منه، ثم رفع عينيه الى نعمان وهمَّ بالكلام، غير أنه أحنى رأسه من جديد ليقول:

ـ فاطمة تعمل في بار.

في البداية، ظلّ نعمان يتابع رأس صديقه الملوي، منتظراً التفسير الآخر لكلام أحسَّه مبتوراً، ولكنه إنتبه، بعد لحظة فقط، إن سيداً قدم الكارثة كلها في الكلمات القليلة التي نطق بها، لأن ما بذله من جهد، بدا له بعدئذ، يفتت أي صخرة سبق لها أن تدحرجت من قمة جبل وإستقرت، سالمة عند حافته، لذلك، وحتى لا يضيع أو يستَخِف بكلام سيد ومحنة قلبه، سأل: "لمـاذا ؟".

رفع سيد مقلتين حمراوتين نحو صديقه وقال:

ـ لا أدري ماذا حصل لها، أهملتْ الجامعة يا نعمان، وتعمل في بار، وكانت تخفي عنا الأمر.

عرف على الفور أن ضعف سيد من ضعفه هو، المشكلة ذاتها "رخاوة العاطفة حيال المرأة التي تخصنا" ولكن التخاذل، أو المهادنة مع ذلك الضعف، سيُعقّدان الأمور، ويصبغانها بلون الغبار الذي لفَّ حياتهما منذ البداية الى النهاية، ولا شأن لحياة أخرى بهذا العقاب الجائر، لذلك قال:

ـ العمل ليس خطيئة، ولكن لماذا تراها أهملت الدراسة لتعمل؟

ـ ما قصرتُ مع فاطمة بشيء، يشهد اللّه، وفرّتُ كل ما تحتاج إليه، لبيتُ كل ما تطلب، مع ذلك، لا أدري ماذا أصابها، هل أفسدتها الصداقات خارج الجامعة، أم إختل عقلها؟ لا أدري.

ـ ربما لا هذا ولا ذاك، علق نعمان، وقد تبادر الى ذهنه إن مجردَّ كلمة بار، توحي لصديقه بأفكار ردَّيئة، فإستطردَّ قائلاً. ربما الرغبة في الأستقلال هي السبب..كما تعرف، الفتيات الآن يشعرن بإن الأعتماد على الأهل يجعل شخصيتهن ناقصة، وإن الحرية تتحقق، فقط، عندما يعوِّلن على أنفسهن في العيش، أي يعملن ويستلمن راتباً آخر الشهر، ولماذا لا نكون واقعيين ونعترف بصحة هذا التفسير؟

ردَّ سِيد وهو يكبح غضباً يكاد يفلت من زمامه:

ـ ولكنني عرضت عليها أي مبلغ شهري تحدِّده، عرضتُ عليها وتعهدت الألتزام بكلامي الى آخر يوم من الجامعة.

ـ هذا لا يكفي، لأنها، برأيي، لا تحتاج الراتب بحد ذاته، إنما تريد ما يطمئِن مشاعرها، ما يعفيها من الإلتزام بأي عهد، يشترطه مبلغ شهري يأتي ممن تعتبرهم قيدها الأول، أي الأهل، هل فهمتني؟

كان يُجمِّل عباراته بالأبتسام، هدفه تخفيف التوتر الذي يمسك بخناق سيد، ويجعله يقول ويفكّر بلهجة قاطعة، وما دامت فكّرة العمل في بار هي التي تحزُّ في نفسه، وتجرح مشاعره، فإن معالجة هذا السلوك الصبياني في هدوء، وبالإقناع، لن تكون صعبة، وهو يتفهم مشاعر سيد، ولا يرغب لشابة ذكية مثل فاطمة، ذكية وغير محتاجة الى العمل، بأن تفقد الجامعة، وتجلب التعاسة لأبويها بسبب رغبة عابرة، لذلك حاول أن يكسِّر، قبل كل شيء، داخل رأس صاحبه، أفكار التعصب المُسبق حيال بعض مظاهر الحياة الحديثة، قال إنه نفسه إشتغل، في السنوات الأولى من قدومه الى أوربا، في أعمال شاقة، ومهينة أحياناً، لكي يعيش.

بيد أن سيداً أصرَّ وهو يهزّ رأسه، هزّة الأسى ذاتها "البنت ستدمر نفسها" وتوقف طويلاً قبل ان يوضح، إن البار واحد من البارات التي تعمل طوال الليل، كان يتكلم وهو يرتجف، ويخنق في صدره عبارات يشقُّ عليه قولها، ثم وضع كفه على جبهته، كما لو أنه لطمَها به، ثم أسند رأسه، مخبئاً بيده نصف وجه، وقال: "إنه أشبه بماخور".

أحسّ نعمان لطمة سيد على عينه هو، فإخترقت أعماقه رعشة خفيفة، ثم غرق في الصمت الذي غرق فيه صديقه.

أدرك أخيراً إنه إزاء موضوع مزعج، وشعر، لأول مرة منذ مجيئه، بالحاجة الى الصمت لكي يفكّر قبل قول أي شيء آخر، غير إن حالة سيد، المنكفئ الآن على حزنه وهوانِه، تلحُّ عليه، تستصرخه، فتشوِّش ذهنه.

ـ هل تحدثت الى فاطمة حول هذا الأمر؟

ـ نعم، أجاب، مؤكداً كلامه بهزّات طويلة، يائسة، من رأسه، ثم أضاف. تحدثت إليها مرات عديدة.

ـ ماذا قالت؟

ـ دائماً تجيب بأنها تريد أن تعمل، وهي وحدها من تعرف مصلحتها، البنت ركبت رأسها يا نعمان، حاولتُ معها بكل السبل، لكنها لا تريد أن تسمع كلامي، وقبل إسبوع حزمتْ كتبها وملابسها، وقالت أنها ستترك البيت إذا لم تُترك وشأنها.

سكت لفترة، ثم عاد يكرِّر بحزن ممضٍ وخيبة قاتلة:

ـ أن تترك البيت، أرأيت! لقد حطمتني، حطمتني ولا أدري ماذا أفعل.

لم يكن نعمان بحاجة الى العبارة الأخيرة، ليفهم التحطم الذي أصاب هذا الرجل في صميم وجدانه، ولكنه إستغرب، إذ تذكّر آخر مرة إلتقى به قبل اسبوعين، إنه لم يلحظ على وجههه ما يوحي بلوعة جارحة، أفتراه لم ينتبه، أم إن سيداً كان يُظهر وجهاً مجاملاً، ويدفن مرارته في الأعماق.

لماذا تتشربك علينا الأمور، وتتعقد بهذا القدر؟ عاد يتسائل في ذاته، وقفزت الى مخيلته صورٌ مخيفة لأجواء بارات منتصف الليل، إغراءات السقوط والفشل التي تقدمها للشبان والشابات ممن يتردّون بإستمرار عليها، أو يعملون فيها، تخيَّل الهاوية التي يمكن أن تُبيِّتها لفاطمة، فإعتراه مزيج من خوف وشفقة، وقدَّر حجم الفزع الذي يسحق فؤاد سيد وأعصابه، وهو يفكّر كل يوم، كل لحظة، في نفس هذه الخواطر.

سيد لا يستحق العذاب، فكّر، وقد بدأ الحزن يُغشي قلبه. سيد، الذي عرفه أول من عرف حين وصل الى هذا البلد، يجسّد ما يدعي العرب إنه فيهم، ما يحرقون الأُرَّم، ويلبسون كل لُبوس، لكي يكونوه.

هذا السوداني، ينسج حياته ويتصرف بلا ظلّ خبيث، فهو كريم دون قسوة مخبوءة، لطيف بلا نوازع للمكر والأحتيال، خدوم بلا حسابات أنانية، مُعتدٌّ بلا غرور أجوف، عطوف دون غِلٍّ مدفون، إنه سجية مكشوفة، شفافة، طالما أحبها، والسودانيون، وقد تبصَّر جيداً في طباعهم أينما صادفهم، ما زالوا ينظرون بدهشة الى العالم، لأن المدن المتقادمة في العمر، التي ُشيّدت طبقة فوق طبقة على أنقاض الماضي، أو تلك التي نبتت على حافة الحضارات، أو الأحداث، المندثرة، أورثت طباع سكانها رذائلَ وخبائث، لايمكن للتقدم البشري إزالتها في سهولة، بينما ظلّت جدران الطوب في السودان، والى وقت قريب، ترعى في حماها الطيِّبة الحقة، الوداعة، ونكران الذات، فما أقسى على النفس لوعة الطيبين!

بينما كانت الأفكار تتلاحق في رأس نعمان، وهو يراقب إنكسار صديقه وحزنه العاتي، جاشت في داخله سَورة غضب مفاجئة، وكزَّ على أسنانه، لأِن ينعكس، في آخر المطاف، تخبط الدنيا وفوضاها على هذا الشعب أيضاً، ويُقذف به في مجاهل التشردَّ والهوان.

" لـماذا ؟" صرخ في أعماقه. تذكّر إن سيداً ليس روحاً هائماً على غراره، وما كان له أن يبتعد عن بيئته لو خُيِّرَ في ذلك، إلاّ أنه إرتحل عنها حين تيقن إن "السودان ضربه الخراب من كل مضرب" وما عاد، كبلد، لَيُطاق، والدول العربية كلها في "حيص بيص" على حد وصف سيد، فإلى أين يولّي وجهه، سوى الى البلد الذي تعلم فيه وتزوج منه، وفي كنفه توضحت الصور الأولى لأحلامه في النجاح والإستقرار وتربية أبناء يعتزُّ بهم؟ وهاهي آماله، في النهاية، تتحطم الواحدة تلوَّ الإخرى، لماذا؟

" ولكن.." إستدرك في ذاته الغاضبة، هل أصبحت محنة سيد محتومةً؟ هل ضاع كل أمل في إنتشال فاطمة؟ وهل هي فعلاً على حافة هاوية؟ أم إن مخاوف الأب، وهي دائماً مبالغ فيها بدافع الحرص، تلبَّست مشاعره وطرحته في لجّة اليأس إياها، التي جذبت سيد الى عنفوانها، ودارت به وإنقلبت وماجّت فبلبلت عقله، بحيث لم يعد يبصر أمامه إلاّ خسران لا رادَ له؟

كان سيد، الذي تفوه منذ حين بما يعزُّ عليه التفوه به، ينظر في هذه اللحظة بين قدميه، كما لو يتوسل الى الارض أن تبتلعه.

قال نعمان:

ـ إني أخشى يا سيد أن يكون الإلحاح، والشجار كل يوم حول الموضوع، هما اللذان أديا بفاطمة الى العناد والتحدي، فلماذا لا تهمل القضية لفترة، إعطها فرصة لتجرب، إتركها تعمل، الى أن تُشبع رغبتها في العمل، وتكتشف متاعبه، بعدها ستكون مهيأة لسماع النصيحة، ومحتاجة إليها.

فكّر سيد، ثم أجاب، موافقاً دون يقين، ولكنه لا يريد أن يمنع الفرصة عن أمل ضعيف آخر:

ـ سوف أتركها، ولكنني أطلب منك أن تكلمها أثناء ذلك، مسح عينيه ووجهه بكفه، كأنه يزيل غباراً ما فتأ يتراكم عليه، ثم أضاف. إنها تودّك كثيراً، رغم قلة زياراتك لنا، وهذا ما جعلني أفكّر مؤخراً في طلب هذا الرجاء.

لم يفاجأ بهذا الطلب، ساورته رغبة قوية في مساعدة صديقه، بل شعر، في اللحظة ذاتها، بالأعتزاز أن يوّلى هذه المهمة، ولكنه فكّر في صعوبتها، بينما إستطردَّ سيد يقول:

ـ إن أُمّها لا تساعدني، بل تنظر الى المسألة بما يشبه البرود، لذلك اُحسُّ نفسي وحيداً، وقد أتعبتني هذه المشكلة.

سوف يتعيّن عليه الوقوف في النقطة الهشة من المسافة التي تفصل بين ضحيتين، وطريقتين في التفكير، طريقة سيد ومأساته، اللتين يتأرجح هو نفسه بينهما ويحاول التخلص من براثنهما، وطريقة فاطمة، التي تنتمي الى عالم آخر، وواقع مختلف، كان، وما يزال، ملاذاً للخلاص بالنسبة للكثيرين ممن ينتظرون مسحوقين، في الطرف الآخر من العالم.

قال:

ـ سوف أكلِّمها، أعدُكَ بهذا.

 

 

4

أمام بار، في ركن منزو من ساحة سان سلفسترو، إتخذ نعمان لنفسه طاولةً مكشوفة على الرصيف وجلس ينتظر.

لِمَ جاء للقائها، ما دام قرر في تلك الليلة إهمال الموضوع ونسيانه؟ ألأنه وافق على اللقاء، بصمته، حين تحدثت إليه في الهاتف، ولا يريد من بعدُ التحلّل من موافقته، أم إن نداءات مغامرة وحب جديدين عادت تطرق  رأسه وتلحّ على حواسّه؟

إبتعِدْ عن الشِباك منذ البداية، قال ليلتها، تتجنب الوقوع في حبائلها، فما الذي قاده الى هنا؟

منذ لقاء ساحة بربريني، ما إنفكت صورة رسغها البض، جانب رقبتها المتورِّد، صدرها العامر خلف الصوف، أو إبتسامتها العذبة، تراود مخيلته وتحوّم في فضائها، تظهر فتزحَم الذهن ببريقها السحري، ثم تغوص لتختفي، وسرعان ما تدفعها الذاكرة الى الأعلى فتطفو من جديد وتغتبط بها الحواس. أفتكون، إذاً، الرغبة في معرفة ما خفي، وأوحى به ما إنكشف، من جسد هذه الفتاة وعاطفتها هي التي أغوته بالمجئ فجاءَ؟

التساؤلات حول وجوده هنا تتدافع وتموج في ذهن نعمان، وبين لحظة وأخرى تلج رأسه هيئةُ سيد أحمد وصورة إنكساره، فتريحانه من إلحاف القلب وترميان به في حومة الوجدان، وكلما تسارعت الأسئلة شعرَ، وهو يولي حركة الناس والسيارات جزءً ضئيلاً من تفكيره، بعدم ثبات قلقه.

في النهاية آثر أن يمدِّد ساقيه الى آخرهما تحت الطاولة ليرتاحا، ويشرب قهوته (ظلّ فنجان القهوة على حاله في ساحة كلوديو، صقَّعته النسمات الباردة وأحزان سيد) ويترك الأمور تحسم نفسها بنفسها حين يراها هذه المرة، في تلك اللحظة إزدحمت ذاته بالثقة في النفس، شعر أنه قادر، وبهزّة رأس واحدة، صغيرة، أن يضع حداً ويقرر النهاية التي يريدها وترضيه "فلأشرب قهوتي بلا مراء" قال لنفسه، وجِنانه يزداد ثباتاً، وشاور عقله: "أتراها ستحضر في الوقت المحدَّد، كما فعلت في اللقاء الأول، أم يغلبها الطبع فتصل مسرعة على تأخر، تبتسم وتغلظ في الأعذار؟".

زمّ شفتيه بتكهم، وهمس في خاطره على حياء "كيف يلوم الايطالي على تأخره، ذلك الذي بدد القرون لابداً خلف قبور أجداده، يرعد ويزبد بوجه العالم؟" من جديد إستحضر خياله هيئة سيد، يتلوى ويخفي نحيبه الداخلي، متشبثا، من دون كلل، بصلابة الرجل وتماسكه، ونظرات عصام الحزينة المربدَّة، فتساءل: "لماذا إنبغى أن يكون إنتماؤنا لعنة ملازمة، خطأ حياة بأكملها، ندفع ثمنه أينما حلّلنا وحيثما إرتحلنا ؟" .

تناوبت وعيه هيئة الساحة وحركة الناس وصورة الطريق الترابي وكوخ الطين وفي العمق إيهام مطلع مدينة وبنايات عالية وشوارع.. تساءل أين تراه كان يقضي الوقت، والده، في تلك الليلة ؟ يسكر في حانة، أم يقصف في واحد من بيوت الدعارة ؟ لا يتذكّر ماذا تعشى ليلتها، ولا المدينة التي كانا يقضيان الليل فيها ليرحلا عند الفجر، ضوء الراديو وحده كان ينوِّس في ذاكرته، وأصداء الغناء، وذبذبات الأجواء تبتعد فتظهر الأصوات قريبة واضحة، ثم تعود فيطغي أنين المسافات البعيدة.

فَزَّ إنتباهه، حين إنتصبت سيبيللا أمامه، باسمة، تعقص شعرها منحرفاً الى الخلف، وتطلقه متماوجاً على مقدم رأسها. كانت قد ولجت البار من مدخل شارع مرسيده الخلفي.

قالت:

ـ لماذا تجلس وسط الريح وأنت بهذه الملابس الخفيفة؟

مثل الضبي، تقطع مراحل واسعةً في كل قفزة، وهذا الوداد كأنه ذخيرة عمر من العِشرة.

ـ جئت أنتظر الشمس قبل الآخرين.

قال، ولاحظ في ظلّ فتحتي السترة ان خصرها ممتلئ بعض الشيء.

ملأت ناظريه ألوان فستانها: أحمر مرقَّش بالأبيض والأزرق، وسترتها: سوداء مدروزة بخيوط رمادية تلتف وتتقاطع ناعمة لتقدم ضمّات صغيرة من زهور حمراء على متن الصدر. سأل:‎ " أترغبين في الأنتقال الى الداخل؟‎" ردَّت‎‎: "لا فرق بالنسبة لي" وقعدت، فما زالت تبتسم.

طلب لها قهوة، وكانت علّقت سيجارة بين إصبعيها. لذَّ له ظَهرَ إبهامها، مثل غصن يانع تكاد تلمس دبيب الماء فيه، وذلك الزغب بدا كما فكّر به ليومين، مثيراً، يستنهض الرغبات من رقادها.

إقترح، وكانت تأخذ ثمالة قهوتها برشفات صغيرة، أن يتناولا الغداء في واحد من مطاعم (بينيا) فرحبت بالفكّرة، وسألت إن كان يعرف مطعماً بعينه، قال "أذكر مطعماً تحت الأرض، إذا أمكنني الأهتداء إليه".

بدأ زحام المتسوقين يضفي على شوارع قلب روما التجاري أجواء أيام السبت المعتادة، حيث يهيم الناس بفضول خامل أمام دكاكين الملابس والأحذية وأدوات الزينة، يتوقفون ليسألوا عن سعر هذا الشيء أو ذاك "شكراً.." ثم يواصلون طوافهم وهم يتناقشون ويُبيِّتون لآخر الفصل مشاريع ورغبات شراء يُعاد النظر فيها كل سبت جديد.

إنتقلا الى شارع (ديل كورسا)، وكان يتأخرها بين فترة وأخرى ليسمح لها بمرور هين وسط موجات المارة، وفي إحدى المرات وضع يده على كتفها إذ تمهلا، وحين همّا بالأنتقال الى الجانب الآخر أمسكها بلطف من ردَّن سترتها ليعبر بها في أمان، فأعطته يدها وهي متشاغلة بالنظر الى مرور السيارات، ثم دخلا طريقاً قديما ضيقاً يؤدي الى منطقة (بينيا). كان يمتلئ بالأحساس بحرارة كفها وروائه وشوقه الذي لم تُخفيه وهي تستجيب لعصرات يده بإستسلام ممتع، وتردَّها ناعمةً مُحِبّة ودافئة.

عندما هبط خلفها الدرجات السريعة المؤدية الى المطعم، عاودته المكابرة وطمأن عقله، وهو في منتصف السلم الضيّق، أنه لن يتبع صبوته الى نهايتها العابثة، ثم قال للرجل الذي إستقبلهم تحت: "مائدة لأثنين من فضلك".

قبل أن تجلس، خلعت سترتها القطيفة، فهرع الرجل ذاته وتناولها بلطف ليضعها على المشجب، ثم عاد الى عمله سعيداً بالشكر الذي قدمته الزبونة، ووقف نعمان أثناء ذلك ينظر، بدم فائر، الى حركات كتفيها العاريتين وصدرها وذراعيها منتظراً جلوسها ليتخذ مكانه بعدها.

كان المطعم مضاءً بأنوار باهرة، تمحي لدى رواده الأحساس بحقيقة الوقت في الخارج، فلا يتذكّرون إنهم تحت الأرض إلاّ عندما يقابلون السُلَم، وهو مخفي عن الأنظار خلف حجاب معرَّش يبدو كأنه يطلّ على الشارع.

قالت إن المكان جميل، وسألت: هل أكلُهم جيد؟

ـ المرة الأولى التي دخلت فيها هذا المطعم كانوا يقدمون أكلات لذيذة، كان هذا قبل سنتين أو أكثر، أجاب، وقد طغى عليه الآن شعور من حنان سعيد، حلّ محل شهواته التي تملّملت بفجاجة منذ حين، مع ذلك ظلّ يسترق، بمتعة لا تُقاوَم، نظرات عابرة الى حاشية الفستان تضغط بنعومة على لدانة الصدر، والشريط الحامل يلامس، وكأنه يغوص في رمانتي الكتف، فهو يعرف أنها تقصَّدت أن تكشف أمامه ما سيكون له، ثم تقدمت سارة الى خياله، في فستانها الكهرماني المكشوف، كانت حاشية الفستان تلتصق بصدرها الصغير الأسمر وتُبرز جمال ذراعيها في ظلّ أنوار مطعم الفندق الخافتة، تذكّر أنه إشتهاها في تلك اللحظة قبل أن يبردَّ فراشهما.

قالت لتدير الحديث، فهي تكره الصمت على موائد الطعام:

ـ كيف وجدت روما؟

ـ لم أجدها بعد، ردَّ مع إبتسامة غامضة، وأردف، إذا كنت سأجدها  يوماً.   

ضحكت للردَّ، وسرها إن كلامه يشجع على التمادي في المصارحة بالحديث وطَرق كل المواضيع. قالت:

ـ أنت على حق، روما لا يمكن معرفتها في سرعة، لأن روما ليست ما تُظهر فقط، ولكن ما تُخفي أيضاً، والخاص فيها أكثر من العام.

سكتت لوهلة لتراقب تأثير كلامها عليه، ثم قالت فجأة:

ـ إحكِ لي عن نفسك،

إنكمش من سؤالها، ووجد نفسه يبتسم ليخفي إرتباكه، فأوضحتْ، وهي تحاصره بنظرات مشوقة، ودودة، لتشذِّب السؤال من خصوصيته الضيقة:

ـ أعني، منذ متى تعيش في ايطاليا؟ ماذا تعمل؟ قل شيئا عن حياتك الأولى.

ـ ما الذي تريدين معرفته بالتحديد؟

سأل، وبدا محاصراً، يبحث عن صياغات أنيقة يقدم بها نفسه ولم ينقذه إلا الساقي، حين قَدِم، وهو يلطش إبتسامة خفيفة على وجهه، ليسأل إن كانا يودان مشروباً معيناً.

قال نعمان:

ـ ماذا تحبين؟

ـ لا بأس بنبيذ أبيض، ردَّت، ثم وجهت كلامها الى الساقي. هل نبيذكم المحلي جيد؟

ـ ممتاز،أجاب الساقي.

نظرت الى نعمان موافقة بعينيها وبحركة خفيفة من رأسها.

ـ إذاً، نبيذاً أبيض.

أشار نعمان على الساقي، وعندما ذهبَ قالت مازحة:

ـ ليس من بائع يعترف برداءة بضاعته.

ابتسم نعمان للتعليق. كان يناقش نفسه ويسألها "لماذا نرتبك عندما يراد منا الحديث عن أنفسنا؟ ولِمَ الصياغات المحبوكة؟ إن حياتنا مدمرة، نقولها وننتهي".

شعر إن سيبيللا تنظر إليه، مع طيف إبتسامتها الجميل، تريد منه أن يكمل حديثاً لم يبدأه بعد.

قال:

ـ أعيش في ايطاليا منذ ست سنوات، أقوم بتصدير كميات صغيرة من الملابس والأحذية الى بعض الدول في أفريقيا والشرق الأوسط، وأعتاش من وراء هذا العمل.

لم ينبس من بعد بكلمة، قالباً يده على المائدة لتوضح بدلاً عنه: ماذا يمكن للمرء أن يقول عن حياته أكثر من هذا! فإبتسمتْ، إذ لم تأخذ هذا الإيجاز مأخذ الجدّ.

عاد الساقي بدورق النبيذ الأبيض، ثم دوَّن على دفتر صغير الوجبة التي إختراها بعد مشاورة دقيقة حول ما تعلنه قائمة الطعام.

بدا وصول الساقي بالشراب وكأنه لفتة جديدة تسمح لنعمان بلمّلمة أفكاره، والتخلص من شعور بالحرج سخر منه في دخيلته، غير أنه لم يستطع مغالبته "هذا مزروع داخل جلودنا" هجس لعقله وهو يجادله في ظلمة النفس، وتساءل ماذا يمكن أن يقول عن حياته وعن روما؟ أيقول لها إنه كارهٌ لما يقوم به حالياً، وأنه يقوم به فقط ليتماسك في وقفته المتأرجحة، وليستر به فضيحة خسارته المتعددة الأوجه؟

لقد أدار ظهره لأهله ولبلده ولماضيه ليتبع حلما غريباً، وعندما تيقن من إيهام ما يسعى إليه وإلتفت الى الوراء، إكتشف إن كل شيء خَرِب، ولا إنساني، وتعُّمه الفوضى، لذلك قرر الأكتفاء بالقليل الذي وجده في هذا البلد ووطَّنَ العزم على العيش فيه، بعد أن أرهقه الترحال وأحزنه عدم جدواه.

صبَّ من الدورق لها وله "إن شفقتكِ بدورها لن تجديني نفعاً، لن تقدم لي حتى ولا حزمة من خيوط العنكبوت أعبر عليها نحو الخلاص" قال في دخيلته، ثم رفع كأسه تحيةً، فقربت كأسها ولثمت به طرف الكأس المرفوع، وقالا في آن واحد: "بالصحة".

علقت، بعد أن تذوقت رشفة من النبيذ ظلّت تقلِّبها فوق طرف لسانها وبين باطن شفتيها:

ـ في الأقل، أفضل من النبيذ الذي تصنعه الشركات.

ـ لكن النبيذ المحلي أصبح يُصّنع هو الآخر.

ردَّت:

ـ صحيح، ثم ابتسمت وهي تضيف. إذن، لم تذهب السنوات التي قضيتها هنا عبثاً، أليس كذلك! ضحكت برنَّة المنتصر حين إبتسم موافقاً، فإستطردت. هذه أيضا حياة يمكن الحديث عنها، أليس كذلك؟

ـ لِمَ لا؟

ظلّ لا يعرف على وجه اليقين إن كانت قد إكتشفت تحرّجه أم لا.

ـ أحد أقربائي يصنع نبيذا جيداً في ألبانو، فهو يملك مزرعة كروم صغيرة هناك، أتحب زيارة قبوِهِ في أحد أيام العطل؟

ـ نعم.

ـ إنه لا يبيع إلاّ كميات صغيرة لبعض الأصدقاء، هناك يمكن تذوق النبيذ الحقيقي.

ـ إنني في العادة أجلب نبيذي من ضواحي روما

ـ من أين؟

ـ فراسكاتي،

ـ والدي أيضا يجلب نبيذه من هناك، أنه يحب الخفيف منه، الأحد الفائت نظم زملائي في العمل سفرة الى مدينة مارينو للأشتراك في الـ(ساكرا)، ولكنني لم أذهب معهم، لأنني رافقت والدتي الى حفلة قِران أحد أقاربنا...

تحدثت عن زملائها في العمل، عن مناسبات أقاربها، عن حفل الساكرا الذي يقام كل سنة على بُعد سبعة أميال من روما يتذوق فيه المحتفلون النبيذ الجديد مع الكستناء المشوية، عن صديقتها التي إشترت أثاث غرفة إستقبال "مدهش" وبمبلغ زهيد، عن أخيها الذي يقضي كل أيام السبت في محلات الرهان على كرة القدم، عن زوجة حارس البناية حين صرخت وهي تنظف سلالم الباحة"إذا لم تصعد اُمّك بالغسيل الى السطح فأني سأترك البيت على الفور" .

هذه أيضاً حياة تُحكى، إنها على حق، ولاحظ شهيتها، كانت طليقة، لا يُثقلها شيء، وتزداد جاذبيةً أثناء الأكل، وقد أثاره اللمعان الذي يُخلفه دسم اللحم المشوي على شفتيها.

كان يصغي، وأحياناً يوافق برأسه على هذه المسألة أو تلك، وطوال الوقت ظلّت عيونه تلتهم مفاتن المرأة التي أمامه.

ساورته رغبة قوية في التحدث إليها عن صغائر حياته وكبائرها، أن يطلق أمامها بوحاً حثيثاً عن كل لحظة يتذكّرها من حياته، بيد أنه شعر كأن لسانه عُقِدَ بالفولاذ، فأكتفى بالأصغاء.

قالت أنها تفضل، إن وافقها الرأي، تناول القهوة في بار (سان أوستاكيو) وهو الآن: "على بُعد شارعين منا" قال: "نِعمَ الرأي".

قصدا البار بخطوات متئدة رَهية، فقد أنعشهما الشراب، رغم قلته، وأثقلهما الطعام. كانت المطاعم والبيوت قد تلقفت الجزء الأكبر من متجولي يوم السبت، وحالما عرّجا على أول مفرق مدَّت ذراعاً وجلاً فأحاطها بذراعه، فكّر "أنها تنشد حقها من الأنتظار" ثم سرعان ما سيطرت عليه عاطفة رقيقة نحوها، أمسك يدها بحرارة وسأل "هل أعجبك الطعام؟" ردَّت "كان لذيذاً" وشعر أنها ترمي جزءً من ثقلها على ذراعه، ويروق لها ذلك.

طلبا قهوتهما وتنحيا جانباً، إذ كان البار مزدحماً بالزبائن. هذا وقت مرح الجسد وبهجة أحاسيسه وهو يفرض حاجاته ورغباته ولذائذه، فما أن يخرج المتغدون الأوائل من المطاعم، حتى يهيموا على البارات ويتحلقوا حول نُضِّدها، بحثاً عن القهوة الزكية والمُهضِم الحاد أو قطعة الحلوى الشهية، وهم يواصلون أحاديث ومسرّات إنطلقت على موائد الغداء وسيتابعونها الى أن تحين عودتهم الى موائد العشاء.

رفعت رأسها نحو وجهه وقالت: "انه يقدم أفضل قهوة، وهذا سبب الزحام" قال: " أعرف.." خُيِّل إليه أنها همَّت بدفن وجهها في رقبته. لم يكن يعرف إن كانت عواطفه مستعدة لحركة كهذه أم لا.

قـال: "إن التيبَر يجعل التفكير في إتجاهات روما أمراً يدير الرأس".

قالت: "لماذا؟".

قـال: "لأنه يتلوى ويتراجع في ثلاثة أماكن من المدينة".

قالت: "لم أنتبه الى هذا الأمر من قبل" .

وكانت بهجة المشي جنباً الى جنب، وجاذبية الطرق القديمة الضيقة، قد قادتهما، من غير أن ينتبها، الى النهر.

في الجهة المقابلة ترتفع، شاهقةً، قلعة سان أنجلو القديمة بشَرفاتها العسكرية الضخمة، ملاذ البابوات أيام الشدائد. الى الخلف قبة القديس بطرس الهائلة في مقدمة الفاتيكان، لاتظهر للعيان، ولكنها تحضر الى ذهن كل سكان المدينة حين يمرّون من هذا المكان.

لقد إجتمع الصرح الديني الكبير بالتأريخ الوثني البهي، ليقدما لروما غذائها اليومي الوفير، سُيّاح، سُيّاح، ودائماً سُيّاح، ودكاكين.

سارا قليلاً بموازاة النهر، ثم توقفت لتسند ذراعيها على سياج الكورنيش وتراقب المقاهي العائمة تُقلّقلها مويجات التيبَر السريعة، والشمس تجاهد، وهي ترتعش، لتلزم مكاناً ثابتاً فوق المدِّ. توقف، وإنحنى عن يمينها.

خطر له إن سارة تدور الآن بولديها على بعض الدكاكين، وفي المساء ستشدُّ شعرها الجعد الى الخلف حتى تتبلق ناصيتها، وترتدي حلتها البيضاء الهفهافة، ترمي الطرف منها على رأسها، ثم تذهب الى إحدى حفلات الزفاف، حيث رائحة (الزكني) والأفاوية الحبشية تفغم الأنوف.

تذكّر عُريها الوضاح وعانتها الشعثاء، تتنقل في أرجاء البيت والنوافذ مشرعة فيقول لها " لماذا لا تخرجين الى البراندة وتقفين هناك؟" فتقوم، مازحة، بحركة من يهمُّ بإختراق المطبخ نحو الخارج ثم تغير وجهتها في اللحظة الأخيرة وهي تبتسم ساخرة من ترقُبِ عينيه اللائمتين.

رفعت يدها عن السياج ووضعتها على ذراعه، قالت، تنبهه بضغطة خفيفة من يدها:

ـ أنظر زوارق السباق تلك، أليست جميلة؟ قال: "أين؟.."وتبع نظراتها. كان المتمرنون يجذفون بحركات سريعة أنيقة، شاقين عباب التيبَر من عكس إتجاهه في زوارق ملونة طويلة، رفيعة، مثل جذوع الزان، وعلى الجرف المقابل توقف عدد من الصبية عن اللعب والصياح، وراحوا يراقبون المشهد، متخذين هيئات مستغرِقة.

قالت: لنهبط الى القاعات الرومانية،

قـال: هلمَّ بنا. وكانا يقفان على تلة الكابيتول، مع عدد من السّياح إنهمكوا في تفحص الساحة التي صممها مايكل أنجلو، والقاعدة التي رفع عليها تمثال ماركو أوريليو.

الى الخلف، شخصت بقايا أعمدة وجدران ومعابد روما القديمة، وتناثرت في منبسط الكامبيتيلي وعلى تلة البلاتين.

نزلا طريقاً منحدراً، أدى بهما الى بهو يوليوس قيصر، طافا حول فناء كبير غائر في الأرض، تنتصب داخله، في ثلاثة صفوف، أربعة أعمدة مُثلمة، وأخرى مطروحة على الارض، ما زالت تقاوم الزمن بعناد، وتقدم للخيال نفحةً آسرة من الماضي.

هنا خطَتْ سيقان صلبة جَسورة، شيَّدت بالجَلد والصبر والحيلة أول إمبراطورية عالمية مترامية الأطراف، وما زال أثرها الدنيوي السريع باقياً في وجدان الأرض، على شكل أعمدة وجدران ومغارات مشتّة هنا وهناك.

ـ وما هي روما، من دون هذه الخرائب الآيلة للسقوط!

قال، ينظر في عينيها، منتظراً ردَّها على مُزحته المشاكسة.

ـ لا شيء، أجابت، وإلتصقت به محوِّطة ظهره بذراعها. وانتم، هل لديكم آثار كثيرة؟

تهيّئا، متماسكي الأيدي، ليقطعا شارع فوري إمبريالي الى الجهة الأخرى.

ـ نحن..تركنا للذباب والثعالب مهمة رعاية آثار الأقوام التي عاشت فوق أراضينا، وإنتظرنا ألفي عام حتى يجئ الأنكليز والفرنسيون ليفكّوا رموزها، وهكذا نتساوى معكم في بعض الأمور.

ـ فيمَّ؟

ـ في إنكم لم تضيفوا الى صروح أجدادكم غير هُباب السيارات، إنظري كيف تسخَّمت أمجاد ترايان وفتوحاته وتفلّعت من تزمِّير الأبواق.

إنفجرت في الضحك، إذ كان يقلِّد، وهو يشير بيده الى مسلة ترايان، طريقة الأدِلاء في شرحهم المُفخم للتأريخ، وكانت روحه قد تحلّلت من بعض جهامتها.

طفق السٌيّاح يمرون تباعاً والشمس في ظهورهم، بمحاذاة الدرابزون الحديدي، يُلقون نظرات، لا تسمح البرامج المقررة بإطالتها، على مقابر العظمة والأُبهة التي صنعها رجال لا يعرفون منهم إلاّ قوّتِهم وشدّة بأسهم.

إرتقيا ثلاثة سلالم قديمة، ولم يبقَ إلاّ واحد ليبلغا الطوابق العليا من مكتبة ودار قضاء وسوق الأمبراطور ترايان الكبير. الى اليسار، وفي ظلّ المسلة الشاهقة، علّقت بلدية روما شعارها التقليدي على بناية المحافظة: التوأمان رومولوس وريموس يرضعان، واقفين، من أثداء الذئبة التي آوتهم الى وجرها العطن (5) .

قالت، وقد نال منها اللّهاث قليلاً وتضرَّج خداها :

ـ أذكر..قولاً لمعلم..التأريخ، وكـ..ـان..يطوف..بنا..في هذا..المكان قبل عـ..شرين ..سنة، إن الأمبراطور ترايان ..عفواً، أراد لأعماله..ومسلته أن تكون أعلى مما ..عداها.

ـ هذا صحيح، لأن من سبقوه إحتلوا تلال روما لصروحم،‎ هاتِ يدك لنصعد،

كان يقف في أعلى السُلَم، ينتظر أن تلحق به، عندما وصلت إليه شاهد لآلئ العرق على خدودها ووجنتيها، وهاجَ وضوَّع عطرها مختلطاً بأنفاس جسدها. كانت على مقربة درجة واحدة ، في تلك اللحظة ودَّ لو يأخذ هذا الدفء الندي بين أحضانه، غير أنه إكتفي بأن أخذ يدها الحارة وصعد بها.

ـ ولكنكِ لم تخبريني كم كان عمرك، عندما حدثك معلم التأريخ عن ترايان!

أفلتت منها ضحكة مرحة، وسَترتْ فمها بأطراف أصابعها وهي تشيح بوجهها بعيداً، تعبيراً عن الحرج الذي جرَّته على نفسها، ثم نظرت إليه بلحاظ واسعة، قالت:

ـ كنت صغيرة آنذاك، هل تستطيع تقدير عمري الآن؟

ـ قوليه أنت، وسأذكر الرقم الذي خطر ببالي.

ـ خمسة وثلاثون،

ـ حسبتُك في الخامسة والعشرين،

في الجهة المقابلة من الشارع، يبدو مجمع السوق الرومانية، لمن ينظر إليه من هذا الأرتفاع، أشبه بمقبرة كئيبة للتأريخ، ورغم إن هـــذا المنبسط الكبير القائم بيـن تل البلاتين وتل الكابيتول، الذين ضمّا  يوماً ما معابد ساتورنو وفينيسيا وقيصر وكاسترو واُغسطس وفينيرا بأعمدتها المتألقة والباسيليقات المهيبة والمجالس الشعبية والبازارات والأقواس والساحات المرصوفة والشواهد المنحوتة ومدرجات المجالدين، يُحرك في الخيال صورة عارمة للماضي، مكتظّة بجنود وعبيد ومواكب نصر وقرقعة سلاح وتربيونات يرتقون بهِمّة سلالم الكابيتول ومحفّات معطرة لزوجات الأشراف وفقراء يجوبون الطرقات، إلاّ إن صورة الماضي المرتعش تلك سرعان ما ينطفئ بريقها، حين تصطدم العين ببضعة أعمدة تنتصب وسط الخرائب وقطع المرمر المبعثرة، هي كلُ ما تبقى من حشد الصروح المَهيبة التي شيدتها ثروات وجهود وأحلام سبعة قرون من تأريخ البشر.

بدأت الشمس تنحدر خلف أجمة الصنوبر فوق تل الكابيتول، تاركة ظلاً كثيفاً على منبسط السوق الرومانية، أضفي على أشلاء الماضي المقطَّعة حزن الأصائل المهجورة، والى اليسار، هرعت أسراب صغيرة من العصافير بإتجاه أطلال قصور الأباطرة الخمسة فوق تل البلاتين، حيث أصبحت  نوافذها وأبوابها أشبه بمحاجر معتمة يقيم فيها الطير أعشاشاً آمنة.

ـ ما رأيك بكأس من عصير البرتقال على تلة أوبيو؟

ـ لقد أسلمت لك قيادي، فلن أُمانع

ـ وستكون الدعوة على حسابي

ـ أقبل عرضك بطيبة خاطر

ـ وبما إنها كذلك، بإمكانك تغيير الطلب

ـ سوف لن أستغل كرمك

ـ وإذا وسوّست لك الشهية؟

ـ سألزم شروط ضيافتك

ـ حتى وإن ظلّمت رغباتك؟

ـ إنها في حدود رِضاك

قالت: "إذاً أنت ضيفي" مُطلقةً ضحكة مشرقة. وكانا يسيران على رصيف شارع (فوري إمبريالي) العريض، تحفُّ بهما أنفاس الماضي، تَرشح عِبرَ بقايا سلالم وأبراج وجدران ضمَّت في الأزمان الغابرة فرح الأنسان وحزنه، غضبه وكيده، حبّه وبغضه، رضاه وجشعه، وداعته وبأسه، ولم يبقَ من تلك المشاعر الآن إلاّ رمادها.

تساءل مع نفسه، إذ إنتبه الى الحركة الكثيفة للسيارات والباصات في الشارع، إن كانت سارة قد مرت أو ستمر وتراهما في مشيتهما الهَنية هذه، إبتعد غريزياً نصف خطوة، ليضع بينهما مسافة، ولو قليلة، تبيح أكثر من تفسير، بيدَ أنها إقتربت منه وسألت بصوت قوي أرادت له أن يطغي على ضجيج الشارع: "هل أتعبك تجوالنا؟" : "كـلا" سأل بدوره إن كانت هي  تشعر بالتعب، قالت ببسمة مشرقة إنها لم تتعب " كانت جولة ممتعة" وشبكت ذراعها في ذراعه.

سارا عن شمال الكوليزيوم صُعداً، وبديا مثل عصفورين الى جانب هذا المدرج الدائري العملاق، وإزداد الصعود قوة حين عرّجا على طريق ضيِّق للسيارات، إنتهى بهما الى الجزء الأعلى من تلة أوبيو. هناك إختارا طاولة خارج بار صغير قليل الرواد وجلسا.

الطابق الأخير من المدرج أصبح الآن في مستوى قعدتهما.

سألتْ، وهي تلتقط آخر أنفاسها التي تلاحقت بسبب الصعود:

ـ لو ولِدتَ من جديد، فأي مكان تختار أن تولَد فيه؟

توقفت أنفاسه، وهو يصبّ أنظاره في عينيها، إذ فاجأه السؤال وصعقه، وظلّت تتلقى نظراته باسمة. لقد ضربت على أقوى وتر في نفسه، ولا تعرف الرنينَّ الذي ضجَّ الآن في أعماقه "من أين تأتي بهذه الأسئلة؟".

ـ من أين لك بهذا السؤال؟

ـ أنا وصاحباتي نجمع أسئلة عديدة، ونتبادلها لأختبار سرعة الخاطر.

"الخواطر السعيدة" قال في دخيلته، وما برِحَ ينظر في عينيها، ويدهشه المرح الطاغي عليها.

ـ إذاً..؟

عادت تسأل بإصرار غَنِج.

ـ لم أُفكّر يوماً بهذا السؤال، لأن الأنسان مقضيٌ عليه بفرصة واحدة قاهرة، ولا فكاك له منها، لهذا كان الهرب أول فلسفة في تأريخ البشرية.

ـ إفترضْ الأمر ممكناً، وأجبني على السؤال، قالت تكوِّر يديها تعبيراً عن إشتياقها لسماع الجواب، وشاعت في نظراتها بهجة الترقب.

ـ دعيني اُفكّر، إذا وِلدتُ من جديد، فأي مكان أختار لأولد فيه! أعتقدني سأقضي أربعين عاماً في التفكير قبل إختيار المكان الذي يطيب لي الولادة فيه.

ـ لا تستطيع الإجابة!

ـ لقد أجبتُ، والان دوركِ في الأجابة.

ـ ايطاليا. ردَّت بسرعة، وبمرح.

"حسبتُ هـذا" قال لنفسه، ووافق على جوابها بإبتسامة وحركة غامضة من رأسه، ثم شمل الكوليزيوم بنظرة واسعة وهو يفكّر، على حِدة، في السؤال ذاته.

لقد شقَّقت الرياح والأمطار والنسيان الجدران والأعمدة الرخامية الفارعة لهذا الصرح الضخم، الذي يجمع بين الفخامة وجمال المعمار، وتحوّلَ سطح قصر نيرون الباذخ الى حديقة نُثرت أرضها بالحصى ليرمي فوقه الأولاد كُراتهم الصغيرة، ويلجأ إليها المشردَّون ليقضوا الليل على مقاعدها المتهاوية.

كانت قاعة المرح والقصف لسهرات نيرون مطمورة على مسافة عشرة أمتار تحت البار الذي يجلسان فيه.

جاءت صاحبة البار وحيَّت ثم إستفسرت عن طلباتهم، قالت سيبيللا لنعمان بما إنها صاحبة الدعوة يمكنه الإختيار أولاً، ولكن فكّرة أخرى خطرت لها، فإقترحت، تبتسم لصاحبة البار، أن يدخلا ويشاهدا الفواكه التي لديها ثم يقررا. رحبت المرأة بالأمر وإنسحبت تسبقهما الى الداخل.

بينما إنحنت سيبيللا على سطح البراد تتفحّص في شهية أنواع البوظة، وقف نعمان ينظر ساهماً الى إحدى الرمانات المفلوعة، إذ تذكّر، في حنان، الحبات الحمراء الريانة وهي تنفقع وينفَشُ ماؤها بين أسنانه، بينما يده الصغيرة تلمّ ما تبعثر منها على البساط، في كنف الغرفة الدافئة التي كانت تضمّ إخوانه وأبويه، بمصباحها الوحيد الخافت.

ـ رمان، ردَّ من دون أن يعي، عندما سألته سيبيللا أي عصير إختار.

" حتى البيوت الصغيرة تمنح لذة الشعور بالدفء" قال مرتدّاً من جديد الى دواخله "حنان الغرف الدافئة، الحنان الذي يَلبُد في قرار العاطفة، ولا يتحرك ألاّ ليؤلم ويذكِّر بقسوة الصقيع الذي يحيط بحياتنا الحاضرة" .

ـ شكراً...

"هل كان نيرون يسعى من وراء تشييد قصره الباذخ، الى إيجاد ركن صغير يعبق بالدفء والحنان؟ نعم، أظنه كان، مع ذلك بقي يرتجف من البردَّ، فرأس أُمِّه (آكريبا ) ما كان يثبت في مكان، لهذا إختار لتمثاله الذهبي العملاق أن يتوسط العراء في قلب روما، ليستمد الدفء من فزع الناس ورعشة قلوبهم" .

عندما هَمّتْ على كأس البوظة تتذوق الملاعق الأولى، إلتفتَ ليعرف مدى رضاها، فهزّت رأسها بإعجاب وقالت "لذيذة" بفم مملوء. ظلّ يرنو الى وجهها، فقد لاحظ ضِيقاً لا يكاد يبين في جبهتها، يُذكِّر بملمح نساء الريف، حينها تذكّر الخلل الذي حيره إكتشافه أثناء لقائهما في ساحة بربريني، والذي ينقض تناسق ملامحها الجميلة.

ـ أحبُّ البوظة بجنون، أيدهشكَ هذا؟

ـ كلا.

ـ أستطيع أن أخذكَ الى أفضل أماكن بيع البوظة في روما، إذا كان الأمر يهمك،

قالت عبارتها الأخيرة وهي تطلق ضحكة قصيرة ما بين ملعقتين.

ـ لسنا بأصحاب، أنا والبوظة،

ـ وأعرفُ أيضا عدة طرق لتحضّيرها، لدي ماكنة صغيرة ملعونة، مرة تصنع بوظة مدهشة، ومرة تعطيني خليطاً أشبه بحساء البطاطا.

ضحكتْ بمرح كبير لحكايتها، وشاركها الضحك، وعندما هدأت إنكبَّت من جديد على الكأس تغرف من قعره بإستمتاع، وفي نفس الوقت بدت عليها الرغبة في إضفاء المزيد من جو المرح، فإستطردت:

ـ كان زوجي السابق ينهض في الليل ويذهب الى البراد ليشرب جرعة ماء، وبدلاً من ذلك يلتهم نصف كيلو بوظة ويعود الى الفراش.

ضحك ليجاريها، فقد إنطلقت في ضحك عميق إحمرت له خدودها، غير أنه إندهش من طريقتها في التعريف بحياتها، وظلّت كلمة (زوجي السابق) ترنّ في رأسه بأصداء مختلفة.

ـ ولكن إياك والأعتقاد بإن البوظة هي التي جمعتنا، أضافت تنظر بسعادة صافية في عينيه.

قال "كـلا.." وعاد يقلِّب كلماتها في خاطره، بينما راحت تمسح فمها بمنديل ورق، ثم تخرج علبة السجائر وقد شاع على وجهها الرضا، من وجبة البوظة، ومن نوبة المرح التي سيطرت عليها.

ـ لقد إستهوته المقامرة، زوجي السابق، وإنجرَّ الى أعمال طائشة دمرت حياته، وبالتالي رحل الى أمريكا، مصرّاً أن نفترق قبل سفره.

لم تكن بحاجة الى تغيير ملامحها، أو تكدِّيرها، لتوضح هذا الأمر، قدمته بكل بساطة، ثم أشعلت سيجارتها وراحت تنفث منها أنفاساً لذيذةً. على الجانب الآخر، ظلّ نعمان يفكّر في حديثها الأخير وهو ينظر أمامه، يتفرّس من بعيد في الأعمدة الرخامية الضخمة وقد تحولت الى ظلال "سردَّت أهم جانب من حياتها على كأس بوظة، فهل بمقدوري ذلك؟ وما هو هدفها؟ أتطلب، من جديد، عرضاً كاملاً لحياتي؟ أم تريد إستدراجي للحديث عن المرأة الأخرى، المرأة التي لا شك رأتها مرات لا تُحصى، عاريةْ، عُري أفريقيا ذاته، أو بملابس النوم التي تختارها دائماً خفيفة، يكاد لون بشرتها القوي يبدد شفافيتها!".

ما أن تماسكت عتمة المساء، حتى تحولت خرائب روما القديمة وأطلالها الى أشباح تطفو في سكون ثقيل، وعلى أطراف هذا العالم الذي لفَّه النسيان مع خيوط الليل الأولى، شعت أنوار البيوت والدكاكين والبارات والشوارع والسيارات، إمتدَّ وهجُها الى سديم البحر العابر في سماء المدينة، فتركتْ فوق روما هالة حمراء مشتعلة بالضوء والدخان.

قال:

ـ لنعُد عن طريق شارع (كافور)

قالت:

ـ لنعُد من هناك،

وبدا أن نهارهما إستنفذ ذاته.

إنحدرا من الجانب الخلفي لتلة (أوبيو)، وسلكا درباً شبه مُقفر. شعر ببرودة المساء، وتحرك طعم الرمان من بين أسنانه، أراد أن يسألها إن كان البردَّ يضايقها، غير أنه سرَح بخياله الى شارع سريع الأنحدار في بيروت، كان يطرُقه كل مساء ليقضي ساعة أو ساعتين يتمشى على كورنيش البحر، هناك بدأت العثرة الأولى لأحلام المدن "بهجة المدن وخيباتها" قـال.."مدن الأكاذيب والنفاق، مدن الخُطب المقرفة، مدن البقشيش، مدن القتل على الهوية، مدن النفط، مدن كلمات رامبو ورعشة شايلوك، مدن إياك نمدح وإياك نستعين، مدن الحيص بيص، عبرناها كلها مثخني الجراح، وبلا رغبة في النظر الى الخلف، فقد شرِبنا كأس أُرومتنا، أخذنا قسمتنا كاملة، فماذا تفعل هنا؟".

مع هبوط الظلام خيمت الكآبة على نفسه.

قالت، تكسر الصمت الذي ساد مشيتهما:

ـ هل تحضر الأفلام في السينما؟

ـ فقط عندما يُعرض فيلم جديد، هل تودين الذهاب الى السينما؟

ـ ليس اليوم، يجب أن أعود الى البيت قبل التاسعة.

باغته شعور بالضيق، ما أن أدرك إنها ستتركه بعد قليل، وإستغرب هذا الشعور، فقد قضيا وقتاً طويلاً من النهار سويةْ، ظلّت عواطفه محايدةْ خلاله، إلاّ من بعض إختلاجات إنطفأت في حينها، ولم يكن يتوقع أبعد من هذا، فلماذا يتلفَّت قلبه فزعاً من فكّرة ذهابها؟

ـ كما تحبين، قال مبدياً عدم المبالاة، ثم. ولكنك تُعطِّلين عن العمل يوم الأحد!

ـ ننتظر ضيوفاً في البيت هذا المساء، ولا أريد لأمّي أن تقوم بالواجب وحيدةً.

حين عرّجا على شارع (كافور) في طريقهما الى سوق (أدريان) من جديد، هبَّ الى رأسه صراخ المزامّير وتصايُح أصحاب السيارات المتحاشرة وصورة فراره من هذا المكان قبل ثلاثة أيام، إثر حادث السير الذي سببه تهور ماريو بعد الأصطدام الرهيب.

روما ضجيج ودخان، وماريو الصخاب هذا يترصد له عند مفارق الطرق، من أجل إجتذاب أمواله (وهل يملك أموالاً؟) لمشاريعه الحالمة.

جلسا على مقعد في الحديقة الصغيرة المحيطة بمسلة (أدريان)، قالت أنها تريد تدخين سيجارة قبل الذهاب.

كانت المسلة قد إمَّحت تماماً في الظلام، بينما إشتعلت الأضوية والزحام في ساحة (فينيسيا)، وسُلِّطت الأنوار الباهرة على قصر فيتكورعمانوئيل الثاني (اليوم يحتفل فريق لازيو بحصوله على كأس الفرق في كرة القدم). التأريخ ينسخ التأريخ، في الليل على الخصوص، وقد إستبدَلت المدينة مشاعل الزيت الرومانية بالمصابيح الكهربائية.

"تكفيني ظُلّة صغيرة ومقعد، أجلدُ فيهما ضياعي" هجسَ  لنفسه، ووضع يده خلف ظهرها ليسأل:

ـ هل تشعرين بالبردَّ؟

ـ قليلاً.

أحاط كتفها بذراعه، الكتف التي ترسبت صورة بضاضَتِه في أعماقه دون أن يدري، وتنجذب إليه في هذه اللحظة كل حواس الرجل فيه، وإذ لمسَ حركة تَقرُب عطوف، إنكماشاً طفيفاً نحو صدره، قبَّل عنقها، ثم خدها، وتناول شفتيها اللتين تقدمتا نحو فمه وهصرهما برقة، ثم بحرارة حين  أفغمت أنفاسها الدافئة أنفه، وعاد يقبِّل خدها ونحرها ليتحسّس طراوتهما، ثم إنقلب الى فمها من جديد، مأخوذاً باللذّة العارمة التي يؤججها دفء إنوثتها في كل بدنه، أثناء كل ذلك ظلّت يده، التي إندَّست منذ اللحظات الأولى تحت السترة، تعصر كتفها اللدنة وتتحسس عُريها الناعم. لدى أول تراجع منه ليتخذ وضعاً جديداً مسيطراً، قالت معتذرة، وهي محمومة "أخشى أن أتأخر".

فكَّ ذراعيه، وبقي ملتصقاً بها، ينظر برغبة مشبوبة الى وجهها الذي بدا له، رغم شِحة الضوء، ملتهباً ومُغرياً، وظلّت يده محتفظة بيدها اليسرى.

ـ سوف أُقلّك الى البيت.

قالها بصوت مختلج، فهزّت رأسها موافقة، ولكنها أوضحت:

ـ خذني الى سيارتي التي تركتها قرب محطة الشمال،

ـ حسناً، قال، ثم أضاف. ويمكننا الآن تدخين سيجارة، ثم نذهب.

وافقت بأسارير منشرحة، كان يبغي، قبل السيجارة، ألإستمتاع بالأثر الشهي الذي خلفه العناق، وما زال يخفق في صدره.

ليل روما إمتدادٌ لنهارها الصاخب، الترجيع المتنائي لضربة وتر غاضبة، تبدأ في الصباح مع حركة أبواب المحلات والبارات والبنوك والمدارس  ودوائر الحكومة، ويخفت آخر ترجيع من طنينة عند منتصف الليل. فهذه المدينة، وثلثا سكانها أصحاب دكاكين يعتاش الباقون من خدمة نشاطهم بمزاولة أعمال لا تُفهم أحياناً ودائماً مزدوجة، تعيش من وراء جُهدها العصبي في النهار، ويتحول ليلها الى مائدة عامرة لأسترخاء الجسد ولُطف المعشر، لطف تبادل الأحاديث بنَفَس واحد وصوت واحد، وروما أشبه بغصن لا يتوقف إرتفاعه ولا ينتهي إتساعه، فهي تربض فوق الماضي وتنتشر حول ظلاله، إنها الطبقة الأخيرة من ثلاث مدن تقوم الواحدة منها فوق الأخرى، وفي هذا المعمار التأريخي المتواشج، حيث تختلط أصداء الماضي بصياح الحاضر، ينطلق، كعهده أبداً، أعلى صَخب للبشر في سعيهم المحموم من أجل الكسب والشبع والمرح والزهو، ومنذ اليوم الذي هبط فيه التوأمان رومولوس وريموس، وقد إرتَويا من أثداء الذئبة التي آوتهما الى وجرها، ليشيّدوا أول جدار لما سُميَّ فيما بعد روما، وروما تتلقف الناس من كل المدن والأمصار وتوثِقُهم الى وثنيتها النَهِمة، وثنية التمتع بالحياة بأي ثمن.

ورغم إن سكانها الحاليين، وهم ينتفعون دون هوادة من التأريخ ويمتصون دماء أشلائه، قد أداروا ظهرهم للرخام والمرمر والحدائق والنافورات لينهمكوا في بناء الشقق الضيَّقة وبارات القهوة السريعة وبنوك إستيداع الدخل اليومي، إلاّ أن روما مثل أُمّ وَلود لا تكترث لوفاء أبنائها لكثرة عددهم، ولكنها تنتظر من بينهم المغامر الجَسور المنذور لمجدها وخيلاء تفانيها.


         التالي: الفصل الثالث والرابع

_________________

(1) محطة النهايات Stazione Termini المحطة الرئيسية لمدينة روما، تنتهي فيها رحلات جميع القطارات القادمة من مدن ايطاليا وأوربا، ومن هنا جاءت التسمية، والمحطة تقع في وسط المدينة.

(2) كلمة بذيئة.

(3) في مدينة نابولي تُقلَّد المشروبات الروحية الأوربية الفاخرة وتُباع في السوق السوداء بأثمان زهيدة بسبب رداءتها.

(4) مدينة على البحر في الشمال الغربي من إيطاليا

(5) ـ تقول الأسطورة إن رومولوس وأخاه التوأم ريموس (أبناء الإله مارس من ريا سلفيا إبنة نوميتور ملك ألبا لونكا) قد رماهما عمهما آموليوس في نهر التيبَر بعد أن عزلَ نوميتور وإستولى على عرشه، فتولت ذئبة إرضاعهما ثم أنقذهما راعي غنم، وعندما بلغا سنَ الرشد قتلا آموليوس، ونزحا نحو الغرب وشيّدا مدينة روما.