Pagr: 2

محطة النهايات

 

السابق

الفصـل الثالث

1

رفع السيد مالديني قبعته اللُبَّاد السوداء عن رأسه، ليُعلن التحية ويُظهر الإحترام للدكتور كويدو لوجيللي القاطن في البناية رقم 49 من شارع باليسترو، وهو يرفع القبعة كلما حيّا، أو أظهر التوقير لجار يخرج من البناية، أو يدخل إليها، وإذ إن سكان روما قد أزاحوا جانباً قبعاتهم منذ ألزَمهم موسوليني بوضع القلنسوة السوداء ذات الشرَّابة، ثم حرَّروا رؤوسهم كلياً بعد عام1945 من قبعة الماضي ومن قلنسوة الفاشيست، ظلّ السنيور مالديني، تقريباً لوحده، ينزل سُلَم البناية كل صباح بقبعة اللُبّاد، ليرفعها بوقار ثم يعيدها كلما مرّ أمام البناية مارٌّ ممن يعرفهم من سكان الشارع، وأدت به هذه العادة المحبّبة إلي قلبه في إداء فروض الترحيب، الى سلسلة متواصلة من نزلات البرد والعطاس، تبدأ مع بواكير الشتاء ورياح التيراني القاسية ولا تنتهي إلاّ في نهاية آذار أو في مطلع نيسان، وعندما تشتدُّ وطأة البردَّ في كانون الثاني يستبدل القبعة اللبّاد بقَباء من الصوف المجعّد الناعم (الستراكان)، فالسيد مالديني يحتاج شيئاً ما يرفعه ويخفضه فوق رأسه للتحية.

ـ أُسعدت صباحاً سنيور تونينو

ـ طاب صباحك سنيور مالديني، كيف الحال؟

ـ بخير، ثم يعطس، تشووو، ويوضح ببسمة رقيقة. عفواً، تقلبات الطقس هذه الأيام، كما تعرف،

ـ إإإيه، حتى الطقس نابته التقلبات في زمننا الحالي،

ـ قلتَ الحق، الصحف تتحدث عن تغيير وشيك في الحكومة،

ـ لا تصدق، هذا خصام على توزيع الحصص ليس إلاّ، أتركك بخير سنيور مالديني،

ـ مع السلامة حظرتكم.

والسيد مالديني متقاعد، روماني أصيل، يملك مكتباً مُهملاً للتأهيل والأستشارات وعقد أواصر الصداقة .. وغيرها من الخدمات، يهوى قضاء ساعة أو ساعتين في الصباح، ومثلها بعد الظهر، أمام باب البناية، محيِّيا بقبعته الرائح والغادي، وغالباً ما يشدّ إليه في الحديث حارس البناية ليرافقه في وقفته، حينها تكتسب ملازمته الباب تبريراً وجيهاً، فتخرج منه التحيات مُفعمة بالتوقير والأبتسام، وتصعد القبعة وتنزل في حركة دائبة، فلا يُتاح لجبهته الصلعاء أن تنعم بالدفء لحظة واحدة.

ـ مساء الخير سنيور ماريو

ـ آه، عزيزي مالديني، كيف الحال؟

ـ بخير، وحظرتكم؟ هل تجري أعمال وكالة التصدير بشكل طيب؟

ـ بالنسبة لأصحابها، نعم، أما أنا، فأحتاج القليل من النقود لتكون أحوالي طيبة، يشهد اللّه والجميع إنني أستطيع إدارة عشر وكالات في ذراع واحدة.

ـ هذا مؤكد، يجيب مالديني وهو يبسُم ويبشّ لماريو الذي يستدير ويدخل، ثم يضيف، موجهاً كلامه الى الحارس. هذا الشاب كثير الطموح قليل الأمكانيات، لكنه يوماً ما سيعثر على لقمته الدسمة بشكل أو بآخر.

يوافق الحارس برأسه، ويواصل مالديني حديثه عن الأعمال والفرص والشطارة وهو يزرّ عينه الى الطريق، ثم يرفع قبعته:

ـ مساء الخير سنيور نومان،

ـ مساء الخير،

يردَّ نعمان التحية، ويدلف الى البناية، فيقول مالديني والقبعة تستقر من جديد على رأسه:

ـ شخص مُهذب، هذا الرجل الشرقي، دائماً يدخل ويخرج بصمت، ويقال أن صديقته الزنجية تكسب الأموال بوفرة من سفراتها الى أفريقيا.

الحارس يهزُّ رأسه موافقاً على كلام مالديني، فيقول هذا، بعد رَفعة قبعة، سريعة وعالية، الى شخص مرّ على الرصيف المقابل: يبدو لي إن الأشتراكيين يلعبون ورقة المهاجرين الأجانب ليكسبوا الأصوات، ولكن هل بمقدور ايطاليا تحمّل هذا العبء الى الأبد؟".

عندما دخل نعمان مكتب وكالة التصدير، أُخبِر إن غرفة التجارة رفضت طلبه من جديد، ولأنه يعرف السبب، لم يهتم كثيراً للأمر، فهو جاء ليقتل الوقت في مراجعة بعض القوائم والأوراق الى أن يحين موعده مع فاطمة، وعندما إقترح عليه ماريو، وهو يكتشف لأول مرة ضآلة رصيد نعمان في البنك، إضافة مبلغ وهمي الى حسابه ليبدو رصيده معقولاً بالنسبة لغرفة التجارة، فتسمح له بتصدير كميات أكبر من البضائع، هزَّ رأسه رافضاً، وطالع وجه محدثه ببسمة، هازئاً من بديهة ماريو التي تنزع دائماً الى الحيلة في معالجة الأمور، ثم عاد يقلِّب الأوراق.

ظلّ موضوع فاطمة وسيد أحمد يشغله في الأيام الأخيرة، لأنه لا يقدر على الأستهانة بموقف أي منهما، بَيدَ إن حزن سيد وشعوره المرير بالخسارة يضغط على عواطفه بقوة.

منذ الصباح إتصل سيد في التلفون، ليذكِّره بالأهمية التي يولِّيها للقائه بفاطمة، مضيفاً تفصيلات جديدة، لا أهمية لها، يرى من المفيد توضيحها. الرجل يتعذب بلا رحمة.

إذا جاز لنا أن نصدَّ فتاةً عربية بالغة (الشطر الأول من فاطمة) عن إختيار الحياة التي ترغب، فهل يحقُ لنا منع فتاة ايطالية بالغة (الشطر الثاني منها) عن سلوك الطريق الذي تراه مناسباً لحياتها؟

إستمر نعمان يتصفح الأوراق أمامه، بينما إرتدَّت نظرته الى الداخل، تتمعَّن في مشكلة فاطمة، وتبحث عن المدخل والأطار المناسبين للحديث معها.

إن فاطمة التي إمتزج في دمائها طبعان وأُرومتان يفصل بينهما المناخ والتربية والتقاليد والأهواء، قد فطِرتْ على الحياة، في النهاية، في حظن أمِّها ووسط بيئتها، وفي ضوء مفاهيم ونمط حياة صِيغت حتى لغة الأيطاليين لتناسب مجراها، ولقد دأب سيد، يحدوه الحرص والحنان، على تغذَّية نبتته الصغيرة من السقي الذي في رأسه وفي شرايينه، مانحاً إياها جُلَّ وقته وكل الدلال الذي يُسعد طفولتها، لهذا يبدو ضياع مساعيه لوضع الفتاة في القالب الذي أراده لها، هي الخسارة الأولى، والأشدّ وطأةً على قلبه.

ولكن، أين هي الكارثة في المسألة كلها؟ ومن توآتيه الشجاعة على القول بإن معرفتنا هي الأكمل، ومفاهيمنا هي الأمثل، وهي التي ما أثمرت لأبنائها إلاّ حياة غبراء وضمير متلعثم!

ظلّ الجدل يزداد إحتداماً في رأسه، كلما إقترب موعد اللقاء بها .

في البار غيّر كل خططه، فقد وجد نفسه إزاء امرأة حقيقية، قوام طويل ممشوق وصدر ناهد ووجه مُزيّن بعناية، ولم يتبقَ من فاطمة، التي إرتسمت في ذاكرته بصورة التلميذة المشعثة الشعر الشاحبة الوجه، غير ظلٍ بسيط من ملامح صباها.

يتذكّرها ببنطلون الجِنز وهي تخرج مسرعة مع صويحباتها، أو تدخل الصالون لتخطف حاجة ما "مساء الخير" ثم تدلف الى غرفة أخرى، وفي بعض الأحيان كانت تقترب منه في خجل، مُخفيةً رغبة واضحة في الحديث والأستفسار عن أمر ما، وفي السنتين الأخيرتين إنقطعت، أو كادت، زياراته لسيد في البيت، أصبحا يلتقيان في الخارج فلم يرَ فاطمة، رغم إنه ظلّ يتتبع أخبارها من خلال أحاديث والديها، المترعة بالفخار والأمل، عن دراستها الجامعية وتفوقها في أغلب المواد.

هذا هو سبب دهشته الحالية من نمو الفتاة التي تصافح يده، ونُضج إنوثتها الذي باغته.

قادته الى طاولة في بهو ملحق بالبار، وبدت مبتهجة برؤيته. سألت بحرارة عن أحواله وعمله، وعن سارة، ظلّت واقفة طوال الوقت بمريلة النُدل، ثم إعتذرت وهي تشرح ان عليها الأنتهاء من واجب صغير، ثم تعود إليه، سألتْ، قبل أن تذهب، ماذا يحب أن يشرب، مُصرَّةً على إستضافته بنفسها.

كانت هي الأخرى مندهشة، سبب دهشتها مجئ نعمان الى البار. هل كان بمحض الصدفة؟

لم يَبدُ على البار شيئاً مريباً، إنه عادي، مكشوف على الطريق، مثل كل بارات روما، التي تقدم القهوة والفطائر والسندويتشات والمشروبات التي تؤخذ على عجل فوق النُضّد، والى الخلف، حيث يجلس، يمتدّ بهو متوسط المساحة، صُفت فيه طاولات لمن يرغب في تناول طلبه جالساً.

وراء النُضّد يعمل شاب أشقر، في حوالي الخامسة والعشرين، في خدمة الزبائن القليلين الواقفين أمامه، الى الخلف، داخل البهو، ينهمك شاب آخر في تنظيف الأرضية بخرقة مبللة، أول ما يُلاحظ فيه وجهه الطويل الذي ينحرف عند الفك.

أنهت فاطمة ترتيب عدد من السندويتشات، كانت منهمكة في إعدادها لدى وصول نعمان، ثم دخلت وراء النضّد، وبحركة رشيقة ألقمت الماكنة حفنة من البُّن وصنعت قهوة لضيفها، بينما واصل الشاب الأشقر عمله دون أن يضايقه وجودها في الفسحة الضيّقة التي يتحرك خلالها. بدا وكأنه ألِفَ هذا الوجود والتصرفات التي تنمّ عنه.

لاحظ نعمان زهوها وهي تُعد القهوة، لم يُخفَ عنه إنها كانت تستعرض براعتها أمامه، وتُظهِر إتقانها لكل جوانب مهنتها، فتحركت في ذاكرته صورة فاطمة التلميذة، بساقيها النحيلتين الداكنتي السمرة، وهي تتحدث لوالديها عن إعجاب المعلمة بشطارتها في درس الحساب، ثم تراجعت تلك الصورة وتلاشت حالما وصلت إليه فاطمة، فتاة البار، تحمل بتوازن دقيق فنجان القهوة بيد، وطاس خزفي للسكر في اليد الإخرى، وضعتهما أمامه وجلست.

من جديد أعلنت عن سرورها برؤيته، في لهجة تعمدت أن تضفي عليها مسحة خفيفة من الدهشة، فإستفسر، ليروغ من الهدف الذي تسعى إليه، إن كان وجوده يشغلها عن العمل، قالت:

ـ لا، العمل خفيف في هذه الساعة، بعد العاشرة تبدأ الزحمة لدينا.

أخرجت علبة سجائر تضعها في جيب المريلة ومدَّتها، مفتوحة الغطاء، نحوه، فسحب واحدة وأخرج علبة الكبريت في سرعة ليشعل لها، بينما ثابرت هي طوال الوقت على إلقاء نظرات خاطفة على النضّد، وكأنها ترعى سير العمل وراءه.

ـ شكراً.

ـ إذن عمل البار ليلي في الغالب؟

ـ نعم، نحن نعتمد على رواد الأدوار الأخيرة في السينما، فهم في العادة يتوقفون لتناول أكلة خفيفة، لأن المنطقة في النهار مزدحمة بالبارات، وعمل النهار بالكاد يسدّ معاشات العمال والإيجار.

ـ هذا صحيح.

ـ وافق على كلامها، دون أن تتاح له فرصة إضافة شيئ آخر، إذ إستطردَّت قائلة:

ـ خاصة في فصل الشتاء، حيث يقلُّ عدد السيّاح، ولا ترى عيناك غير أصحاب الـ (سليبنك باك) وكلهم (بانينيري) الواحد منهم يُعدّ الفراطة خمس مرات قبل أن يطلب سندويتشة وعلبة كولا، يروح يتناولها على الرصيف.

ضحكت فاطمة لحكاية الـ بانينيري التي يطلقها أصحاب البارات والمطاعم، إستهزاءً، على الشبان الذين يشترون سندويتشة يتناولونها على الرصيف، وضحك نعمان بدوره، ليجاريها، وفي داخله أحسّ بالرضا أنه إلتقط الموضوع الذي يستدرجها من خلاله الى غرضه الأخير، من دون أن يصدمها بالحديث مباشرة عن سبب زيارته، لكن الذي إستوقف إنتباهه أنها لا تتحدث كعاملة في البار، بل كواحدة من أصحابه.

قال:

ـ هل تقدمون طعاماً ساخناً؟ لا أرى مطبخاً هنا!

ـ نقدم البيتزا، انظر هناك، قالت ومدّت إصبعها النحيل من فوق كتفه، وحالما إلتّفتَ أضافت. لدينا فرن صغير خلف ذلك الباب.

ـ الآن فهمتُ، قال بعد أن لاحظ باباً خشبياً عريضاً في منتصف الجدار فوق إفريز قصير، لم ينتبه له من قبل.

فتابعت:

ـ البيتزا أكلة مفضلة للذين يرغبون في وجبة خفيفة بعد منتصف الليل، ولا تنسَ إن أغلب زبائننا من الشُبان، يحبون السمر على كأس بيرة أو كأس نبيذ.

ثـم:

ـ طبعاً نستطيع إعداد وجبات أخرى، إلاّ أن الجميع يطلبون بيتزا، أترى هذا البهو، أنه يزدحم الى آخره بعد منتصف الليل، أما يومي السبت والأحد، فلا يكاد الفرن يكفي لتلبية الطلبات، حيث يقف الزبائن في طابور أمام الباب.

ومـن بعد:

ـ إن عملنا الحقيقي يبدأ في نهاية الأسبوع، وفي الواقع نحن نفكّر في تحسين الفرن، ولكن هذا يتوقف على حصيلة الموسم، لأن الزبون، وهذا رأيي دائماً،  إذا لم يجد طاولة يضَع عليها مشروبه على الفور، بحثَ عن مكان آخر يذهب إليه في المرة القادمة.

وأخيـراً:

ـ صحيح لنا زبائن ثابتون، ولكن مبدأ توسيع الأعمال يأتي في المقام الأول، وإلاّ ما فائدة التعب والسهر الذي نقوم به.

حدَّث نفسه، إن فاطمة أخذت عن اُمِّها أبرز ما في الشخصية الأيطالية، وهو كثرة الكلام، واللَتّ والعتّ في الحديث، فالأيطالي يطوف بك على شتى موائد الحديث، ويعود بك بلا زاد، لذلك فكّر في جرِّها، من غير أن تعي، الى الموضوع الأساسي، خاصة وأنها أخذت طورها البهيج من وراء إسترسالها في الكلام عن البار وشرح أفكارها عن مبادئ توسيع الأعمال، ورغم تجمُع طيف خفيف من الشفقة في قلبه على ثقتها الغِرَّة بالنفس، فقد إنتوى قيادها، من خلال حماسها ذاته، الى الشرك الذي وضعه منذ حين ليصل بلقائهما الى نقطته الجادة.

بَيدَ إن هذا لا يمنع، وقد فكّر جيداً، أن يكون للمراهقة الغِرّة التي أمامه لعبتُها أيضاً وهي تتحدث وتتصرف على هذا النحو، لأنه منذ البداية لم يستبعد أن تقوم الشبهات في رأس فاطمة حول زيارته، ولكن هذا أيضاً لا يهم، فهو لا يُضّمر لها شراً، ولا يرغب في خداعها، وفي النهاية سيعترف بكل أسباب مجيئه.

قال، مؤيداً آراءها الأخيرة:

ـ المثل الايطالي يقول، إذا لم توسع دارك، دخل عليك جارك.

ـ أحسنت، ردَّت وقد طفحت السعادة على وجهها للتفهم الذي أبداه، وقبل أن تنطلق في الكلام، سأل وهو يقدم لها سيجارة أخذتها وإنهمكت في إشعالها:

ـ هل يستمر عملكم الى وقت متأخر في الليل؟

ـ هذا يعتمد على حركة الشارع.

ـ ولكن في الغالب، في أية ساعة تغلقون البار؟

ـ الثانية أو الثالثة صباحاً.

ـ ألا تجدين الخدمة في البار مرهقة، وأنت تمارسينها لأول مرة؟

قالت "لا" وأكّدت أيضاً بحركة من رأسها، وهي تبتسم في ثقة، ثم أوضحت:

ـ لدينا عامل إضافي، يبدأ العمل بعد الساعة العاشرة، ثم إستدركت. في كل الأحوال، عندما أحسُّ بالتعب أعمل على صندوق الحساب.

ـ هذا معقول، قال، وهو يتابع بدقة حساسية لهجتها، ثم أضاف. تعرفين إنني لم أزُركم في البيت منذ مدة طويلة، ولا أكاد أعرف السنة الدراسية التي أنت فيها الآن.

ـ السنة الثانية،

ـ هذا ممتاز، ولكن ألاّ يؤثر السهر في الليل على دراستك؟

ـ كلا، أجابت في ثبات، ثم لوت فمها قليلاً لتضيف. من حقي تأجيل موعد الأمتحان إذا ضايقني الوقت.

ـ هل تشعرين باي تأخير هذه السنة؟

ـ قليلاً، ولدي الوقت لتلافيه.

ـ العمل في الليل هو السبب، أليس كذلك؟

ـ ولكنني يجب أن أعمل في كل الأحوال.

ـ مصروف الجيب، والكتب، والملابس، والحاجات الأخرى.. أعرف.

علّق باسماً ليشجعها على الأستطراد.

قالت:

ـ الكثير من الطلبة يعملون الى جانب دراستهم،

ـ هذا طبيعي، أنا لست ضد فكّرة العمل، ولكن إذا توفرت للطالب ظروف تسمح له بالتفرغ، من الأفضل إستغلالها لأنهاء الدراسه، لأن العمل يبقى في إنتظار الأنسان طول عمره، إما الدراسة ففرصتها من العمر واحدة.

ـ الجامعات تدفع الى الشارع كل سنة آلاف الخريجين، المحظوظون ممن يجدون وساطة للحصول على عمل هم أقل من عشرة بالمائة، ويظلّ الآخرون يبحثون عن مطعم أو بار أو بوتيك يُشَغِّلهم.

ـ هذا صحيح أيضاً، ايطاليا بدورها تعاني من البطالة، ولكن هذه الأعمال المؤقتة لا تُعتبر هدفاً أخيراً للطالب المُجِد، وكنت أسمع دائماً إنك طالبة متفوقة، فهل كان المصروف وراء لجوئك الى العمل في البار؟

فجأة غار الإرتياح من وجه فاطمة، وشحب لونها الأسمر الصافي.

قالت:

ـ أعمال البارات والمطاعم يمكن أن تتوسع وتتحول الى مشاريع تدرُّ الملايين، ولا يحتاج الأنسان إلاّ المكان المناسب ليبدأ، وقليل من الذكاء ليعمل.

ـ أعرف، مع ذلك الأفضل أن ينهي الطالب دراسته أولاً ثم يعمل في بار أو مطعم، ألا توافقين على هذا؟

لوتْ فمها ورفعت كتفها راسمةً على وجهها ابتسامة باهتة لتقول ببرود: "لا أدري".

أدرك إن رغبتها في الكلام قد ذبلت، لأن الحديث إتخذ مساراً لا يلائم مزاجها، فقال:

ـ إخبريني يا فاطمة بصراحة، هل يُقصِّر الوالد معك في المصروف؟

هذه المرة لاذت بالصمت. أخيراً وجدت نفسها في الجدل إياه. إنها تقدِّر نعمان ويراودها إحساس خفي بأنه يمكن أن يقف الى جانبها، غير انها تودّ لو تتجنب الخوض في المشكلة.

بدا له إن حماسها إنطفأ كلياً، لاحَ ضعف الأنثى فيها واضحاً، وهذا ما لايريده ولا يسعى إليه، لأنه رغم إشفاقه على حزن سيد، يهمه بالدرجة الأولى أن يناقش في فاطمة قوتها، ومدى إدراكها لما تريد، فعاجل يوضح موقفه ليَنهض بروحها .

قال:

ـ قطعاً أنا لست ضد عملك في البار، ما دُمتِ مرتاحة ومتحمسة له، لكن لماذا لا يكون هذا العمل لبضع ساعات في النهار؟ إن عمل المطاعم في الليل مرهق، وإذا كنتِ حتى الآن لا تشعرين بالأرهاق، فإن قوتكِ ستنهار بعد شهر أو شهرين، وحينها تجدين نفسك غير قادرة على الدراسة تماماً.

ـ إنني لا أعمل كل أيام الأسبوع، لذلك لن يؤثر السهر عليَّ.

أجابت، وهي تأمل إرضاءه بهذا التفسير وبتر الموضوع عند هذا الحدِّ. إلاّ أنه عاد يتواثب حول فأرته الصغيرة، بلين، ولكن بمثابرة، قال:

ـ إذا كان المصروف هو السبب، يمكنني التحدث الى سيد بهذا الشأن، لأنني أعرفه لن يُقصِّر في هذا الجانب، أنا أضمن لك هذه المسألة، فترتاحين من مشاق السهر والعمل لتنصرفي الى الجامعة.

من جديد لاذتْ بالصمت، وكأن العِرق الذي أخذته من جذور اُمِّها قد تخلى عنها الى الأبد، فتابع:

ـ سوف أقول لك الحقيقة كما هي، وقبل ذلك يجب أن تعتبريني بمثابة صديق لك، إن والدك يهمه بالدرجة الأولى مستقبلك، وهو في غاية القلق من أن يؤدي العمل في البارات الى فشلك في الدراسة.

لزمت الصمت لفترة، كان نعمان خلالها يركِّز أنظاره ومسامعه على وجهها المُطرق، ينتظر منه الردَّ بكلمة، أو بإشارة، أخيراً قالت:

ـ ما يُزعجه ليس العمل في البار، وإنما علاقتي بـ جاني.

ـ من هو جاني؟

سأل في هدوء، مُحمِّلاً نبرة صوته كل مشاعر الودّ الذي تقدر على حمله، ردَّت:

ـ صاحب البار،

إلتّفت بلا إرادةٍ منه نحو الشاب الأشقر الذي يعمل وراء النُضّد، غير أنها نفت بحركة من رأسها، فعاود النظر الى عينيها يستنطقهما بصمت، وبالودِّ ذاته.

إعترفت فاطمة برغبتها في الأستقلال عن أهلها، لأنهم يريدون، بالدرجة الأولى، السيطرة على إرادتها، وتقييد حريتها بحجة الحرص على مستقبلها، وهي قادرة على فهم كلا الأمرين دونما حاجة الى تدخلهما في حياتها، لأن هذا التدخل يضايقها، فهي لم تعُد طفلة تحتاج من يرعاها، وإذا كانت إعالتهم لها تعطيهم الحق في سلب إرادتها، فهي قادرة على العمل وإعالة نفسها.

إشتكت من تصرفات والدها بلوعة، قالت إنها تنتظر خروجه من البيت لتدخن سيجارة، وتدخنها في البراندة كي لا يبقى أثر للدخان، وأنه تبعها مرتين الى مكان العمل، وسبب لها المشاكل والأحراج، وإن "أجمل شيء على قلبه أن أعيش كما يفكّر هو، وبالطريقة التي يريدها" وقد إستشاط غيظاً عندما إكتشف علاقتها بـ جاني، ثم جُنَّ جنونه حين إعترفت أمامه إنها تحبُّه، فلماذا لا يحق لها أن تحبّ الشخص الذي تختار؟ ولماذا يُعتبر العمل في بار مشيناً، وهو لا يختلف عن أي عمل آخر.

أكّدت أنها تأتي الى البار لمساعدة جاني فقط، وجاني لا يريد لها أن تسهر الى وقت متأخر، ولكنها لا تحبّ أن تتركه وحيداً أيام زحمة العمل، ولخصت موقفها على الوجه التالي: إذا كان رائدهم الحرص على مصلحتي، فأنا قمينة برعايتها، وحرة في التصرف بها.

لم يُفاجأ نعمان بالآراء التي ساقتها فاطمة، كرَّتها بنَفَس واحد، ولكنه فوجئ بأن سيد أحمد أخفي عنه أهم عنصر في المشكلة، ألا وهو علآقتها بصاحب البار.

من طبيعة العربي، ومهما بلغت ثقافته وتحصيله، التستر على الشؤون الحميمة في حياة المرأة، وهو يخوض أهم صراعاته النفسية في ظلّ أغبِرة وسُحب كثيفة مُتيِّهة، ليخفي في غمارها السبب الحقيقي وراء إضطراب نفسه وتخبطها، المتمثل في خروج المرأة على قبضته الرجولية، المرأة الزوجة، والمرأة الإبنة، والمرأة الأخت. هكذا فكّر نعمان، وهو يخطو، شاردَّاً عما حوله، فوق رصيف ضيّق في أحد شوارع روما القديمة.

ليس من عادة سيد الكذب، وقد تعود منه الوضوح، والتفكير العملي في النظر الى الأمور، فهل خانه صفاء العقل وهو يواجه مشكلة تتعلق بمصير فاطمة؟

يعرفُ مدى حبِّ صديقه لأبنته، إبنته الوحيدة، مَعقد آماله، لذلك تراجعت دهشته، في نَعرة من التواطئ الخفي، ليحل محلها شعور قوي بالأرتياح، مثل شعور المنتصر، فهي ليست في ورطة كما تخيّل سيد، ومخاوفه مبالغٌ فيها، مخاوف الأب ليس إلاّ، لأن تردّدها على البار، رغم ولعها الطفولي الحديث بأشغال البارات، هو نتيجة علاقتها بصاحبه، وعلاقتها بصاحب البار يمكن قبولها، إذا كانت قائمة على حبٍّ سليم ينتهي بزواج طبيعي، أو يقضي عليها الملّل وإختلاف الأهواء، كما يحدث للكثير من العلاقات المتسرعة التي تقوم بين الشبان، فتصحو فاطمة من أوهامها.

قرر الأتصال بسيد، والتوجه من فوره الى ساحة كلوديو.

كان سيد ينتظر في البار، وحالما شاهد نعمان يدخل إنفرجت أساريره، ومدَّه وجه صديقه الباسم بالشجاعة على إطلاق ضحكة حَرى، مكتومه، وهو يرحِّب بالقادم، ثم بدأت تعابير وجهه بالأنقباض كلما أوغل نعمان في عرض مسار جداله مع فاطمة، وعندما بلغ الكلام صاحب البار خيّم على وجه سيد غَمٌّ شديد، ونفض رأسه بأسى ليقول:

ـ هل رأيته بعينك؟

ـ لم يكن موجوداً، أجاب نعمان،

ـ كان الأفضل أن تراه، حتى تفهم حقيقة موقفي.

من جديد إهتزّت وتعكَّرت الحقائق في رأس نعمان، إذ قدمَ سيد عن جاني صورة بشعة، خَلقاً وتخلُقاً، فهو في حوالي الخمسين، قصير، أصلع، تدور الشبهات حول البار الذي يُديّره، وما يثير الفزع في قلب سيد ووجدانه، هو أن تنجرَّ فاطمة الى المخدرات ويكون خُسرانه تاماً، لأن جاني نابوليتاني (من نابولي)، لا يتورع عن أية خِسة من أجل السيطرة على فتاة مراهقة لإستغلالها في أعماله المشبوهة.

هذه المرة بُهتَ نعمان مما سمع، وإنكمشت ملامحه ليقول بلهجة ساخطة: "لماذا لم تخبرني بكل هذا من قبل؟" ثم إسترجع هدوءه، بينما ظلّ سيد مُطرقاً لا ينبس بكلمة.

 

 

2

إنقضت ثلاثة أيام على بداية الأسبوع من دون أن تتصل سيبيللا. إكتشف نعمان أنه كان ينتظر تلفونها بشيء من اللّهفة.

في الصباح لازم البيت حتى العاشرة، يُمنّي النفس الى اللحظة الأخيرة بنداء يحمل له صوتها، وندم أن التريث، وربما الكبرياء، منعته من السؤال عن رقم تلفون البريد الذي تعمل فيه، إلاّ أنه إستبعد أي فكّرة للذهاب إليها، فأخذ التُرام متوجهاً الى مكتب الشحن ليتفقد أخبار بضاعته.

في المكتب أخبره روبيرتو بما شُحِن من البضاعة، وما لم يُشحن بعد، وأحسَّ بعدئذ بإنتهاء المسألة عند هذا الحدّ، إن بقاءه في المكتب لا فائدة من وراءه، لذلك خرج الى الشارع دون هدف واضح، أنهى بقية الصباح يدور هنا وهناك، ثم قرر العودة الى البيت متجنباً، ما أسعفته الحيلة الى ذلك، مناقشة أسباب هذه العودة المبكرة.

قبل اسبوعين قضى معها فترة الظهر وما بعده في مطعم مزدحم، وعندما إفترقا راوده الإحساس بإن هذه العلاقة أشبه بعبء، يختاره الأنسان بلا مبالاة، ثم يكتشف أنه من دون طائل، وأخيراً يجد نفسه يبحث عن سبيل للتخلص منه، وها هو اليوم، منذ الصباح، محاصرٌ برغبة قوية في رؤيتها، وشوق لا يُهادِن إليها.

ما أن فتح البراد بحثاً عن طعام يعدُّه للغداء، حتى دوى جرس الباب الخارجي برنّين بعث الرعدة في أقصى أطرافه. كانت حواسه متيقظة بإتجاه الهاتف، فباغته الرنّين من الباب.

ـ مـن؟

سأل بلهجة ناترة في هاتف الجرس.

ـ هذه أنا يا حُبّي،

كانت سارة.

ضغط على زر الباب الخارجي، ثم فتحَ باب الشقة، تركه موارباً، وعاد الى المطبخ. وقف ينظر في شرود داخل البراد.

إنصفق الباب بصوت مكتوم، ثم طرقعت كِعاب جزمة سارة على البلاط وهي تَقدِم صَوب المطبخ.

ـ لم أكن أتوقع وجودك في البيت، قالت وهي تطبع قبلة مفعمة بالشوق على خده، ثم كشفت عن محتويات كيس تحمله بيدها وقالت: "عملتُ لك لازانيا بالفرن، إذا كنت تشعر بالجوع يمكنك تناول قطعة منها، فهي ما زالت ساخنة".

إعتادت سارة، بين آونة وأخرى، على تجهيّز أكلات تحفظها له في البراد، داخل علب صغيرة من الألمنيوم، ليسخِّن واحدة منها عندما يعود الى البيت، وهي تثابر على هذا المجهود، رغم عدم إنتظامه، لأنه يُشبِع لديها رغبة المرأة في الحرص على حاجات الرجل، ويضع مشاعرها في مرتبة الزوجة التي تطمح أن تكونها بالنسبة لنعمان.

تملّملت شهيته الى اللازانيا، وإستساغ رغبات سارة، التي يفهمها على أكمل وجه، إستلطف بصدق حنانها وإنشغال فكّرها بحاجاته، فجلس يأكل بشهية.

تحدثت عن رحلة خاطفة، قامت بها الى مدينة (براتو) يوم الأثنين، لتعرض على مصنع للعطور قنينة صغيرة تحتوي مئتي غرام من الزَبَاد، كانت جلبته معها من أفريقيا، بدت مسرورة إن المصنع حوَّل المادة الى المختبر ليفحص درجة كثافتها، ويقيِّم من بعد سعرها. أخفت حكاية الزباد عنه، لتتأكّد أولاً من إهتمام المصانع الايطالية بهذا العطر الذي يفرزه جسم السنّور، فقد كانت ورقتها الأخيرة للتعويض، ولو قليلاً، عن خسارة جولتها في أفريقيا، وفرحتها الشاملة بالتعويض أن ينتزع من تفكير نعمان عدم ثقته بعملها، الأمر الذي طالما ضايقها أكثر من الخسارة ذاتها.

تساءل في دخيلته، وكان يضطجع على السرير، مُتخماً، يحدِّق في السقف: "إنه لا يفكّر في ترك سارة، وعلاقتهما توطّدت على نسق طَلِق القياد، فلماذا تستغرق الأخرى تفكيره؟".

غالباً ما يشعر بالحزن عندما يتذكّر النساء اللواتي مرّن بحياته، وفصلته عنهن حياة التنقل والضَرب في الآفاق، كلهن على حدّ سواء تبعث ذكراهن في قلبه نوعاً رهيفاً من الشجن، دَفقاً من شعور مُلَّوع بالفقدان، وبالتباعد عبر الزمن والمسافات، يلامس شغاف الأعماق ليحرك فيها عواطف دفينة، تأجَّجت يوماً بالفرح والسعادة والحنان، ثم هدأت لتقبع، مثل رماد البركان، في قرار الذاكرة. فهل يهئ نفسه الآن، بإرادته، لغصة جديدة؟

إستعذَّب الدفء الذي كان ينتقل من فخذها، وهي تداعب فخذه، الى بقية جسمه ويسري ببطء الى مكامن الأثارة فيه، وبالتدريج غلبته لذّة الإشتهاء فأرخى جسده لملامسات أصابعها الحاذقة.

عندما شعر بأوردة رأسه كأنها تطبق على صدغيه، أدرك إن أحاسيسه قد طفحت بالرغبة، فإستدار وألهب شفتيها بقبّلة حارة وهو يشدُّ جسدها المتوقد الى أحضانه. في تلك اللحظة زعق التلفون.

تشبثت به لتمنعه من القيام، مفصِحةْ بنظرات ذائبة عن لهفتها الى المواصلة، غير أنه تخلّص من ذراعيها برقة، مومِئاً برأسه أنه سيعود فوراً، نهض، ساحباً معه الدفء، والرغبة الثائرة، وهياج الجسد حين تضطرم نيرانه قبل إطلاق إختلاجته الأخيرة الراعشة.

رفع سماعة التلفون تتنازعه رغبتان، أن تكون سيبيللا وأن لا تكون، ولا يعلم سبباً لأزدواج مشاعره على هذا النحو، ولكنها كانت سيبيللا.

داخله إرتياح مضطرب حين سمع صوتها يحيِّيه، أرادت الإسترسال في الحديث غير أنه قاطعها ليسأل عما إذا كان وقتها يسمح غداً بلقاء، فحبَّذت يوم الجمعة، وإقتضب المكالمة في هذه الحدود.

عاد الى غرفة النوم في هيئة آدم قبل أن يكتشف إثمه الأول، جرَّ سارة الى أحضانه لينهل من دفئها. أحسَّت منه عودة متأججة، فإستجابت بحبّ لحرارة ذراعية.

إستلقى على قفاه لينعم بحصته من الراحة، بينما دفنت جانب وجهها في الوسادة، وإستسلمت للذّة الإغفاء.

فكّر، مستغرباً، بالصدفة التي تجعل سيبيللا تصل في الوقت الذي تكون فيه سارة حاضرةً، في الذهن، أو أمام العين.

 

 

3

بدا يوم الجمعة لنعمان مهماً وله نكهة خاصة.

سماء روما كشفت منذ الصباح عن وجه يفيض صحواً وإشراقاً، النسمات تعلن عن نفسها بوجل وهي تلمس الأنوف مع لذعة بردَّ خفيفة، والرومان تدافعوا وتلاسنوا وتبادلوا السُباب والشجار وهم يتحاشرون في باصات النقل، أو يقودون سياراتهم الخاصة، ثم إختفوا في دوائرهم وأماكن عملهم، وزحام الساعة التاسعة إنفضَّ في وقته المناسب قبل أن يبدأ صولته الثانية عند العاشرة، والشوارع تخففت من الضجيج والدخان وكشفت عن أديم بَشِرٍ، لذلك عكف على مشاويره باكراً، حيوياً، ومستمتعاً بما يقوم به.

اليوم قدمت روما نفسها لعينيه بهيجةً، وديعة، ومفعمة بالأِلفة، الأمر الذي لم يستشعره منذ سنوات.

أول من لاحظ إنفراجاً أكثر من المعتاد في أسارير نعمان كان إبراهيم.

ـ أهلاً نعمان، صباح الخير

ـ صباح الخير

المعتاد، في قياس إبراهيم، أن تأتي بسمات نعمان، أو إنبساط ملامحه، بنت لحظتها، ثم يغور الوجه، الذي مسحه الحزن بقطعة خَيش صلبة (تعبير إبراهيم المفضل) في جهامته المعتادة، وأوضحُ ما تَبرز هذه الجهامة على سمت نعمان حينما يكون وحيداً، أو شارد الذهن لا يحسُّ بوجود الكائنات الأخرى حوله، ولكن "وحق اللّه لك مَبسِم جميل يا نعمان، عندما تُرخي الخناق عن روحك وتضحك بصدق" قال له يوماً، وكأنه يتحسر على ثروة مخبوءة لدى نعمان لا يُحسِن إستثمارها، لأن إبراهيم يمتاز بطبيعة ناقدة، فيتجاوز حدود المجاملة في الحديث، ويسمح لنفسه بملاحظات متهكمة يطليها بظلال المزاح والودّ، وأغلب ملاحظاته تنصبّ على كآبة نعمان، ونفوره من الأختلاط بأبناء بلده، غير أن نعمان، الذي يتقبل هذه الأشارات بعدم إكتراث، يسخر في دخيلته من تعابير الودّ التي تتلوى وتتراقص على وجه مُحدِثه، فهو يعرف إن الجانب الخبيث في طبيعة أغلب أبناء جلدته، سرعان ما يُفسِد ذلك الودّ، ويلوثه، عندما تتحوّل هذه الملاحظات، وفي أقرب لقاء إجتماعي، الى موضوع للطعن والأغتياب.

ـ تعال أعرِّفك على زوجتي، قال إبراهيم، مشيراً الى زوجته الأيطالية، الُمنشغلة مع طفليها على مسافة قريبة.

تبادل نعمان التحية مع المرأة، ثم أخذ، وهو يبتسم، يداً صغيرة ناعمة قدمها الطفل إليه بناء على طلب لجوج من والده "محمد، سلِّم على العم نعمان، مدَّ يدك للتحية" وألفى نفسه، بغتة، مُقحَماً في جو عائلي مفتعل، تَشَكّل على عجل نتيجة إلحاف في عواطف اُرتجِلت في سهولة، حينما أصرَّ إبراهيم على دعوته للعشاء في بيته، وأيدت زوجته الفكّرة بكرم كبير، متحمسة للتعرف على زوجة نعمان وأولاده ومدِّ أواصر الصداقة بين العائلتين، وأخيراً تخلص من الأمر، إذ وعدهم بزيارة في وقت آخر، لأنه مُلتزم هذا المساء بموعد سابق، وحيّاهم مودِعاً، لوَّح بيده لمحمد، الذي وقف يحرك ذراعه بكسل والريح الخفيفة تداعب شعره الأشقر.

حالما إبتعد، تذكّر أنه لم يوضِّح للسنيورة وضعه العائلي. خطر له إن ابراهيم سيتولى هذا الأمر، وإبتسم لنفسه وهو يضيف "يتولاه على خير وجه". فكّر: "روما تفصح عن وداعتها، والعراقيون يكشِّرون عن ودِّهم" .

لم توآتِه الرغبة للمرور على مكتب الشحن، ولا وكالة التصدير، قرر أن يحمي نهاره من أي تنغِّيص، ولسوف يتصل في التلفون إذا إقتضى الأمر.

أودع بضعة رسائل في البريد، وتبادل كلمات دمثة مع الموظف، في مكتب للخدمات ملأَ إستمارة لتجديد أوراق التأمين الخاصة بالسيارة، وفي دكان صغير للحلاقة تشاور مع صاحب الدكان، وهو صاحب الشقة التي يسكنها، حول ضرورة تغيير سخان الماء، أمام محل كبير لبيع المصنوعات الجلدية تمهل قليلاً ليسجل، في ذاكرته، عدة أفكار عن موديلات حديثة لفتّت إنتباهه.

في منتصف النهار، توقف في بار صغير لتناول وجبة غداء خفيفة، لن يعود اليوم الى الدار من أجل الغداء، سوف يقضي ما تبقى من الوقت في التجوال والزيارات "ولكن زيارة من؟" الى أن يحين موعد لقائه.

جلس في مكان ضيّق قرب الواجهة، وراح يعالج سندويتشة كبيرة حُشِر فيها الجبن والبيض والخضار حشراً "معركة البقاء" همس في داخله ساخراً. فكفك اللِفافة عن آخرها، ناثراً محتوياتها في صحن من الكرتون "يمكن للبقاء أن يتحقق أيضاً بصورة لائقة" ورتَّب الطعام ونسَّقه داخل الصحن بشكل جذاب، وبدأ وجبة غدائه "لكن الروح الحيوانية مهما تَنَحت، تظلّ منزوية في الجوهر، وهكذا تجئ مِنَّة الطبيعة على الأنسان نصف مِنّة، أو، ربما تكون أكثر مما يجب".

شعر إن روحه اليوم قد تخففت من أعبائها، فكّر إن أفضل وقت للعثور على عصام، في وَكرِه الأسمنتي، هو بين الثانية والثالثة، يتناول معه الشاي، ويكون لديه بعدئذ الوقت الكافي للوصول الى مكان اللقاء.

كان يتابع، وهو يمضغ في سَكينة قطع الجبن والخبز، وجوهاً أفريقية وشرقية ما تني تعبر على الرصيف المقابل للبار، فراداً وجماعات صغيرة، وجوهاً مثقلة، إنعجن فوق أديمها الأسى والخوف في خليط ماحق، فأذبلها ولواها، وإنتهب إنسانيتها.

مدَّ عنقه الى الأمام، ليتمكن من رؤية أشمل.

كانت السَحْنات المرهقة تتقدم نحو ملجأ لمنظمة (الكاراتاس) الخيرية، وتنظوي في طابور يمتدُّ طويلاً أمام الباب، أجانب وقليل من الأيطاليين البؤساء، وجبة غداء مجانية، من أجل الخير. فكّر: "لهم كَعبتهم أيضاً، تُطعم الجياع من قوت الرب".

تساءل: كيف تأتّى للكنيسة أن تُطعم أفواه الوثنيين والمسلمين والبوذيين والسيخ في ملاجئها من دون تفريق؟ أجاب: الرحمة الشاملة للبشر، كل معدة خاوية يرتعش لها قلب المسيح بما يسدُّ الرمق. ولنا كعبتُنا، ما إرتعش فيها جدار لأسى مِلتها، ولا جادت على أحد.

"الذهب يبرق، ولا يرتعش".

قلبَ محتويات الصحن في بقية الرغيف من جديد، حشره فيه وراح ينهي وجبته وقد ثُلِمت شهيته.

كان باب البناية مُشرَعاً على مصراعيه، مع ذلك فضَّل، بدل الصعود، إستكشاف الأمر من خلال الجرس فضغط على الزر، الزر الوحيد بين الأزرار الذي تخلو رقميته من إسم. لقد تكرَّم حارس البناية "بعشر ورقات عداً ونقداً" وركَّبَ لغرفة عصام المُعلقة في الريح جرساً ربطه بباب البناية مع سماعة للنداء، ناصحاً بعدم ذكر إسمه في لوحة الأسماء.

جوليتي. بوكانيرا. روسي. مونيته. باللاريني. أفولا. كراديولي. جوزيبه. يانك هو جِن. ألبريني.

كانت عيناه تمران تباعاً فوق الأسماء المطبوعة على اللوحة وإصبعه يلحف في الضغط "عصام عبد العزيز، حروف بيضاء على مرقمة بيضاء، وحيثما تكون خانة بيضاء في بناية يكون عصاماً".

لا صوت يردَّ.

في متنزه صغير، خلع معطفه وتمدَّد على العشب الذي ذهبَّته الشمس بألق ساطع. تنفس في عمق مرة ومرتين وثلاثاً، فأمتلأ رأسه برائحة الأرض العَشِبة، عبقٌ ثقيل ينعش الحواس. ظلّـل وجهه بكف مقلوب حين بدأ النور يلسع عينيه، ثم أغمضَ، لا ليغفو إنما ليستسلم لعذوبة التفكير في رقبة سيبيللا المُعطّرة، الرخصة، الدافئة، المتوردَّة، المستجيبة للهفة شفتيه، وإذ كانت راحة يده الثانية مبسوطة على العشب تذكّر إنَّ لأعلى صدرها نداوته الجذابة، يتحلَّب منه العرق الخفيف حين ترتقي السلالم، أو حين تنفعل، إنفعلت بوضوح عندما كانت بين ذراعيه، تخيّل جسدها عارياً يتلوى بين أحضانه "ياللـذَّة". تنشق، براحة مراوغة، الهواء الذي أدفأته الشمس على مسافة منخفضة من الأرض.

تحسَّست يده رخاوة العشب وأوراقه الخشنة، إستنهض، في لعبة خطرة مع النفس، ذكرى هجعة قديمة فوق نجيل غادرته شمس آب للتوِّ، في حديقة صغيرة في النهاية القصية للشارع المحاذي للنهر في بغداد، "ماذا كان إسم الشارع؟" شارع النزهة والسكر والحانات المتراصة كتفاً الى كتف، وصوت اُمّ كلثوم يصدح بخمسين أغنية مختلفة في آن واحد، والوجوه التي لفظتها دورٌ إختنقت بلهيب الصيف، تقوم بنزهتها المسائية وتنظر شزراً الى بعضها البعض حين تتقابل وتعبر، عيون تتنزه وتعرض عدوانية كاسرة لا قرارَ لها.

عندما يكون الأنسان في طريقه الى أوقات بهيجة، يسترجع، عامداً، ذكرى لحظات صعبة في حياته، شاعراً أنه ينتقم من تعاسة ليس بمقدورها النيل منه من بعد، وملتذاً بعملية مقارنة مستبِدّة إنقلب فيها معنى الأشياء.

"ماذا كان إسم الشارع؟" تساءل وكأنه يخاطب شخصاً قريبا منه.

كان يذرعه في رواح ومجئ لا يهدآن، من قلب المدينة الى طرفها الأخير، في سير حثيث، مخبول، ليُنهِك أعصاب ساقيه، ليُرهِق أنسجة بدنه حتى تتبلد حواسُه، حتى تتعطل نهائياً، تموت، فتكفَّ عن تعذّيبه، وعندما يَبلى جسده ويتحول الى ما يشبه الخرقة الرطبة، يلجأ الى تلك الحديقة الصغيرة، يستلقي على قفاه، فوق النجيل الساخن، وتبدأ أطرافه، التي إنفصلت وتقطّعت بينها الأواصر، تبزُل، جميعها وفي آن واحد، ضِيقَها وحزنَها وغضبها وإشمئزازها وغربتها، في طقس يومي موآس ولكنه بشعٌ، إذ لم يكن يلوح من ورائه إي أمل بخلاص.

تناهت الى سمعه خطوات ناعمة الوطء تمرُّ على مسافة من رأسه، تابعَ، ليتخلص من الأفكار الكَدِرة، هسهسة العشب تحت الأقدام المارة، تساءل: "أتراها أقدام رجل أم امرأة؟".

قرر قضاء الساعتين اللتين خصصهما لزيارة عصام في جولة لتحرِّيك الأقدام، والإستغراق في الخواطر.

كان ميدان جينكوجَينتو يغص بأسراب من البشر. خليط من الأقوام تتحلَّق في جماعات صغيرة، تايلانديون وكومبوديون وماليزيون وفيتناميون وكوريون وهنود وباكستانيون وبنغاليون وإرتريون وصوماليون وإثيوبيون وزائيريون وبولنديون وعرب وإيرانيون، جاءوا ليقضوا يوم الجمعة في هذا الميدان الواسع، هذا المرآب الكبير لباصات النقل، إفترشوا الأرصفة والدكات والأفضية، هم وأطفالهم وأكياس الطعام وراديوات الترانزستور الضخمة، وإنغمروا، خلل بهجة كسيرة، في الأحاديث والمناقشات والأكل، يشتت أحاديثهم ويُعكِّرها، بين لحظة وأخرى، جئير الباصات وهي تنطلق الى أهدافها في أرجاء روما، مُخلفةً وراءها، في كل مرة، سُحباً كبيرة من الدخان والغازات المُغثية.

يوم الجمعة يتراجع الرومان خطوتين عن الميدان، لتُقيم هذه الفلول الغريبة عيدها الأسبوعي فوق البلاط والإسفلت والحجر البركاني الأسود، تحفُّ بها، من الخلف، جدران حمامات ديقلديانوس، وتواجهها من الأمام محطة النهايات. هذا الجمع البشري المتنوع اللغات واللون والدم، حطَّ رحاله العابرة في ايطاليا لأسباب مختلفة، في نهايتها جميعاً تقف الحراب والجوع، اللذان دفعا بحشود مذعورة من الرجال والنساء والأطفال الى تخوم قاحلة، وبحار هائجة، حيث لا يصعب على عين مُسهدة أن تتخيّل في السماء الصافية، وسط اليأس والخواء، قصوراً مرجانية وبساتين مثمرة معلَّقة في سحب ملائكية ناعمة، والآن يجمعهم على إسفلت روما صلاة واحدة، لا خيار لهم من دونها، هي حصول مكاتب الأمم المتحدة للاجئين على موافقة كندا وامريكا واستراليا لترحيلهم الى القارات البعيدة كمهاجرين.

كان نعمان قد تلقى، وهو يمرُّ بمحاذاة الميدان، رفعة قبعة ودود من السنيور مالديني، الذي جاء يحرِّك ساقيه هو الآخر، ويريح يده، بعد أن أدى فروض الترحيب في شارع باليسترو لفترة ما بعد الظهر، ورغم إن رأيه (السنيور مالديني) قد أُعلِّنَ وثُبِّتَ (في وقفات عديدة مع الحارس) من إن ايطاليا ليس بمقدورها ان تتحمل والى الأبد هذا العبء (وجود الأجانب) إلاّ أنه في قرارة نفسه يشعر بالشفقة على هؤلاء الأغراب، فهو يرى ويسمع التلفزيون (القناة الأولى على الخصوص) يتحدث كل مساء عن دول تلتحم في حروب طويلة، ومدن تحترق، وقوميات يُفتَك بها، وطوائف تتقاتل، غير أن من يراقب الأمر (والسيد مالديني خير من يراقب أحوال المدينة) يلاحظ إن الطوابير التي تُرَحّل الى أمريكا، تعقبها باستمرار طوابير جديدة تَفد الى روما، وإذ إن كل السُمر من عرب وإيرانيين وتايلانديين هم هنود (في نظر السيد مالديني) فقد حيّا ووقف الى جانب ايطالي مُسن كان يتفرج على الحشود في الميدان وقال: "ولكن أنظر، ماذا تبقى في الهند إذن؟".

تساءل عن سرِّ إختيار هؤلاء الناس ليوم الجمعة بالذات للقائهم الأسبوعي، وهم في غالبيتهم من الآسيويين المسيحيين "أهو الشعور بالخيبة، أم العناد الشرقي التقليدي؟" ثم عبر الى الطرف الآخر من الميدان، وتذكّر حديثاً لسارة قبل يومين من إن أمريكا وكندا أوقفتا الهجرة إليهما، حينئذ فهم أمر هذا اللغط الذي كان يسود الميدان، ويطغي حتى على ضجيج الباصات، فتوقف، ألقى نظرة غامضة على محطة النهايات، بأبوابها الكبيرة المُشرعة وواجهتها الأسمنتية الضخمة، تُحدِّق، مثل نَسر ثقيل الجناحين، الى ميدان جينكوجَينتو والحشود اللاغطة فيه.

قال: "الآن تبدأ نهايتكم، الطافحة بالقلق والإنتظار" ثم تابع سيره، مرَّ، حين قطع نحو عَرصة فيلّلا بيريتي، بشُلة من الصبيان الغجر، يلاحقون أحد المارة، يطلبون حسنة صغيرة.

وقفت سيبيللا من بين عدد من المارة الذين يلقون نظرة على محل للموسيقى ثم يواصلون طريقهم،كانت تضع عيناً على الأسطوانات وعيناً على الشارع.

ما أن رأت نعمان حتى تهلّلت أساريرها، وأظهرت له تذكّرتين "سوف نشاهد فيلماً لـ سوردَّي، ثم نذهب الى الـ تراستيفرا نأكل البيتزا، ماذا تقول حول هذا البرنامج؟".

لن يعترض، ما دام أمر الليل قد أُحسِنَ تدبِّيره "فكّرة ممتازة" أجاب وطبع قبّلة سريعة على خدها.

إنهَمك ألبيرتو سوردَّي في إختراع الأعذار الساذجة للتخلص من رغبات زوجته في الفراش، فإنهمك المشاهدون في الضحك على ورطته العصية، بينما تركَّزت حواس نعمان على كتف سيبيللا الملتصق بكتفه، ويده تحضن يدها، وشعرَ بها تلتّز به ويعبرُ إليه عطرها خفيفاً منعشاً وإنها مستمتعة بلمساته الرقيقة وبمقالب سوردي. كانت يداهما تثويان متشابكتين على سطح فخذها اللدن.

فكّر إن الظلام والصمت هما السمة الجوهرية للكون، وإن البصيص الأول جاء بالأزمة التي لن يقف صَخبُها عند حدٍّ. تخيَّل عشرات الأيدي تعبث الآن فوق المقاعد، مستمدةً بهجتها من التخفي في نصف العتمة، ولو كانت الراديوات لا تشوشر ولا يُنوِّس لها ضوء، ما كان للمدن تلك الأهمية ولا للأحلام تلك السطوة على الصغار الممسوسين بخداع الحواس، والضوء الذي يضعه عصام على القماشة تقذفه الى الخارج نفسٌ تضيق ذَرعاً بظلّمتِها، فكم بلغ عذاب الخالق من ظلمته الموحشة قبل أن يدفعَ الى الكون بالشرارة الأولى؟

ضجَّت الصالة بالضحك من زوجة سوردي وهي تضع يدها، أخيراً، على الرسالة التي ستعيد المأزق الى بدايته المربِكة، فأهتزَّ بدن سيبيللا من المرح، وإلتفتّت إليه لتتأكّد من وقع المشهد على نفسه. كان وجهه مَسفوعاً بالظلام.

خيم الهدوء على الصالة، حين توقف سوردَّي في ميدان يعجُّ بالناس. كانت ساحة التحرير تعجّ بالناس، ناس من كل المشارب، من كل الأعمار، من كل المستويات، إنقلبت في ذهنه صورة أخرى، صورة أطفال وراشدين وشيوخ، ونساء بعباءات تنسرح على أكتافهنّ، وسافرات، يفترشون الأرض ويفردون لُفافات الكباب البارد والبيض المسلوق ويقشِّرون البرتقال، في ظلّ ست جثث تتدلى من المشانق. كرنفال للموت عمَّته الفرحة، مرَّ من بعيد، لكن لون البرتقال ظلّ يسطع في ذاكرته، توجَه، وحيداً، خائفاً، مُقرَفاً، نحو نجيله الساخن."ماذا كان إسم ذلك الشارع؟" الشارع المحاذي للنهر، شارع للسُكر، لأغاني السهر، لعربدة الذكور، لقيء الشبان في أول عهدهم بالخمر، للفلاحين يتعتعهم الأفراط في الشرب، وقهقهتْ الصالة، غرِقت في الضحك، وعصرت سيبيللا يده مرحَاً.

لاحت دروب تراستيفرا تعجُّ بالحركة، ومطاعمها تغصُّ بالرواد، رواد أوائل الليل من السيّاح ومحبي البيتزا، وطَرقا ثلاثة أماكن من غير أن يعثرا على مائدة شاغرة لأثنين، ثم حدّدت مطعماً معيناً وإقتادته من يده إليه.

أمام الباب هتَّفت له نفسه "سبق أن تعشيت مع سارة هنا" فإبتسم لهذه الصُدف الغريبة، وفرِحت، وهي تطالع وجهه المبتسم، إنه إعترف لها بحسن تدبِّرها، ثم حيَّت النادل فأفسح لهما، تبعاه الى مائدة صغيرة في ركن، غير أن صوتاً من الخلف نادى: "سيبيللا..!" كانت إحدى صديقاتها مع خطيبها، إقترحا أن ينضمّا إليهما، فبشَّت بوجه نعمان تسأله إن كان الأقتراح يناسبه.

أضاف النادل مقعدين جديدين:

ـ سلفيا..

ـ تشرفنا، نعمان

ـ ساندرو..

ـ تشرفنا

ـ وأنا سيبيللا، قالت مازحة، وإتخذت مكانها الى جانبه.

"سين سيلفيا، سين ساندرو، سين سيبيللا، سين سارة، سين سلوى".راح ذهن نعمان يجمع السينات ويوزعها على أبعاد الزمن الثلاثة، فنشط خياله وتابعت عيناه النادل يسكب الخمر في الكؤوس.

ـ سهرة سعيدة.

قال النادل،

ـ كراسـ سـ سـ يا (شكراً).

ردَّ الجميع،

لم تمضِ إلاّ فترة، حتى اُضيفت مائدة أخرى، رُصفت الى جانب الأولى، عندما دخل أربعة أصدقاء إنضمّوا بمرح وصخب الى سلفيا وخطيبها ونعمان وسيبيللا.

إقترح أورلاندو أن تشمل المائدة النبيذ بأربعة ألوان، إذ "ما قيمة عشاء ايطالي لا تُقَدم فيه الكرمة بهيئة قوس قزح!" ثم ليشرب كلٌ حسب ذوقه.

ـ أوه، قوس قزح مع فطيرة بيتزا! أرجو عفوك يا أورلاندو،

علّقت مارتا.

ـ يمكنكم طلب لحوم مشوية، ولِنسمع الجيوب كيف تنطقُ هذا المساء، ردَّ اورلاندو، فضحك الجميع

قال ساندرو:

ـ نحن بدأنا بالأبيض، وعليكم بالألوان الأخرى، فلن يضيرَنا أن نعطي ونأخذ.

أجاب فيليبو:

ـ إذن لِننتهِ من الأبيض أولاً، ثم..

وتكلمت يده بإشارات موحية لتوضح بقية المعنى. إعترضت سلفيا وقاطعت:

ـ سوف تثمل بربع قنينة، وتغدو نائماً عندما يأتي الحساب.

ضجّت المائدة بالضحك، وقال نعمان، برزانة:

ـ لتكن دورة الشراب على كل زوج من الحاضرين، وسنبدأ نحن دورنا الأول بنبيذ الكورفو الذهبي.

هتّف الجميع مرحبين بالفكّرة، وبأول كلام ينطق به رفيق سيبيللا الغريب اللّهجة الشرقي الملامح، قام ساندرو بملء  الكؤوس الجديدة، وتعيَّن على صاحب المطعم أن يقف ويناقش ويكتب ويشطب قبل الأنتهاء من تدوَّين الطلبات، صاحت سيبيللا ما أن أدار ظهره ليذهب:

ـ أضف على سَلَطتي قُطيِّعات من شرائح الخنزير من فضلك.

وافق صاحب المطعم ببسمة حنون، وتحدث فيليبو بعد تذوق النبيذ، قال:

ـ اليوم لفتَ نظري إن الصحف تخرج عن تفاهاتها المعتادة وتتحدث، في صفحاتها الأولى، عن طيور الخُطّاف.

ـ الخطّـاف!

إستفسرت باولا، وإستطردَّ فيليبو:

ـ الخطاطيف تعبر ايطاليا بالملايين في هجرتها الموسمية الى أوربا، وظهور الأسراب الأولى من الخطّاف يعني نهاية الشتاء.

ـ من أين تأتي هذه الطيور؟

تساءلت باولا، فقالت مارتا على الفور:

ـ من المناطق الحارة، أفريقيا والشرق.

تدخل ساندرو:

ـ ايطاليا هي الأخرى حارة!

فسارع اورلاندو الى القول:

ـ حارة في نظر الأسكندنافيين وليس في نظر الخُطّـاف.

قهقه الجميع، ووافق فيليبو على التعليق المرح، قال بدوره:

ـ صحيح، لذلك فالخطاف يبني أعشاشاً مؤقتة في ايطاليا.

علقت سيبيللا:

ـ إذا كان الخطّاف يصيِّف في أوربا ويشتّي في أفريقيا، فما أسعد حياته!

فإختلفت معها باولا في الرأي، قالت:

ـ ولكن هذا يعني إن المسكين بلا وطن.

قال فيليبو:

ـ الحرية بالنسبة للطير أهم من الوطن، وهذا يعود برأيي الى طلاقة الفضاء.

قالت مارتا:

ـ بل الى نعمة الأجنحة.

وافق فيليبو:

ـ هذا أيضاً.

ولكن باولا أصرَّت:

ـ أجنحة من غير وطن؟ لا من فضلك.

قال نعمان، شارداً الى حدّ ما:

ـ الوطن، هذه الحُفرة الضيِّقة.

إستحسن فيليبو الوصف، وتعلقت بقية الأنظار في وجه نعمان، تمتحن الجدّ من الهزل فيما قال، وجيء بقنينة الكورفو الأصفر، فهلّلت المائدة للقادم، وإلتفتتْ سبيللا بحبٍّ، تبسم وتطرف له بعينيها الطليّتين، وتحدث الجميع في آن واحد، كانت الأيدي تُعبِّر بدورها، في حركات كثيرة، متناغمة ومتلازمة مع طلاقة الألسن.

قال اورلاندو مازحاً، بعد تذوّق الرشفة الأولى من الكورفو:

ـ لا أدري ماذا ستفعل ايطاليا من دون كروم صقليا!

ردَّ فيليبو:

ـ يمكنها الأعتماد علىنابولي.

إندلع الضحك في آن واحد، من هذه المائدة ومن جُلاس المائدة المجاورة، الذين سمعوا أطرافاً من الحديث، وفهموا غمزة المتكلم من جانب عصابات الكامورا التي تنشط في نابولي وكلابريا.

من المائدة الثانية تدخل شاب في المزاح، كان يقعد وراء ظهر نعمان، قال:

ـ الشماليون يتدفأون بصوف الجنوب، ويلعنون أغنامه.

على فيليبو صوته وأجاب:

ـ لهجة الصديق توحي إنه من كلابريا، ولكن اللّه هو الذي وزَّع نعمته على شُبه الجزيرة بالتساوى، فجعل نابولي تُغني، وروما تأكلُ، وميلانو تعمل.

غصت المائدتان في الضحك، وشاركتهما ثلاث موائد محيطة، فرفعت باولا صوتها فوق الجميع لتُكَمِّل:

 

ـ وفلورنسا تدهن الحيطان (إشارة الى مايكل أنجلو) .

فضجَّ نصف المطعم يقهقه ويصخب.

قالت سيبيللا تخاطب نعمان والآخرين في نفس الوقت:

ـ بالمناسبة، فإن سلفيا من مدينة تارانتو، وساندرو من بوتينزا، وفيليبو من فلورنسة، ومارتا من لاتينا، واورلاندو من ساليرنو، وأنا من ألبانو..

وقال نعمان، لنفسه، إنها إذن من الريف، وعرف أخيراً سر الظلّ الذي يطوف فوق ملمحها الجميل.

صاحت باولا:

ـ وأنا من كاتانيا .

جيء بالنبيذ الوردي، وبصحبته أطباق البيتزا الساخنة. وضع صاحب المطعم أمام سيبيللا صحناً عامراً من السَلَطة، مُكللاً بشرائح حمراء رقيقة، ثم أخرج من جيب مريوله علبة صغيرة، فتحها وقبضَ على حفنة من محتوياتها بين السَبّابة والأبهام وإنحنى ليسأل:

ـ قليلاً من الصَعتر؟

ـ صعتر؟ صاحت سيبيللا منطلقة الوجه. ما ألطفك، اُنثر من فضلك.

نثرَ وهو يقول:

ـ نحن صقلِّيون يا عزيزتي، لا نستذّوق السَلطة من دون صعتر.

ردَّت بحماس:

ـ طبعاً.

فقال فيليبو:

ـ ولكن ألاّ يوجد روماني واحد في روما؟

وغرق المطعم، جميعه، في الضحك.

عكفوا على أطباق البيتزا، يُشطِّرون ويجزّئون ويقطعون ويبتلعون الخبز الذائب بالجُبن وصلصة الطماطم، مع رشفات صغيرة من النبيذ الوردَّي الرقراق.

قالت باولا تخاطب مارتا:

ـ عسى أن يكون هنا تلفون عمومي، ينبغي الإتصال كي أسأل ماما عن لويجي.

صاحت الأخرى بين اللوم والإستنكار:" آه، أنت تبالغين في رعايتك للطفل".

تدخل فيليبو: "وهذا يتم على حساب المسكين اورلاندو".

علق اورلاندو: "مع الطفل الثاني سأجد نفسي مُهملاً في الطريق".

قاطعت باولا مستنكرةْ: "ياسلام.."

سلفيا أيدت: "لا يشبع الرجال من الرعاية".

أجاب فيليبو يُنغِّم كلماته: "قبل الأوان بدأت متاعبك يا عزيزي".

صلَّبَ ساندرو وقال: " إلهي إبعد عني التجربة".

أطبق اورلاندو كفيه أحدهما على الأخرى وحرَّكهما أمام وجهه: "وهل ستظلّ ترمي بيوضك في البحر يا صديقي؟".

أبدى نعمان رأيه: "هذا أفضل من الأنتظار أمام التلفونات العمومية".

سارع فيليبو الى القول: "الآن فهمت لماذا ظهر سمك البحر الأبيض بعيون سوداء هذا الشتاء!".

إنطلق صوت سيبيللا مُعارضا ومُدافعاً: : "الرجال بشكل عام لا يهتمون إلاّ بحاجاتهم".

أضافت مارتا: "وعلى الخصوص طعامهم".

أوضح فيليبو: "مـردَّود هذا يأتي لصالحك يا عزيزتي".

إندفعت سيبيللا تبين موقفها: "سلمي البيت للرجل إسبوعاً، وسيقلب لك النظام من فوق الى تحت، ويلتذُّ برمي أزباله خارج السلة".

قال فيليبو: "هذا لأنعاش الثروة السمكية في البحر الأبيض المتوسط يا عزيزتي".

غصَّت المائدة بالضحك، ولعلَع صوت سيبيللا إذ شعرت إنها غُلبت على أمرها للمرة الثانية.

علّق شاب من المائدة الثانية، وقد ثمِل قليلاً فإستساغ الجو المرح خلفه:

ـ ولكن المتوسطيين، صدقني، أكثر حناناً من البقية...، فجئ بالنبيذ الأحمر، تناول ساندرو القنينة وأترع الكؤوس، قال اورلاندو : "مرحى.." وواصلت مارتا ما إنقطع من حديث مع باولا "إذا كانت حرارته قد إنخفضت منذ يومين فليس هناك من داع للقلق.." وقالت سيلفيا لسيبيللا "ولكن جو المكتب أصبح لا يُطاق، ولو ظهرت ترشيحات للنقل الى بريد آخر، لن أتردد هذه المرة.." وشاور اورلاندو ساندرو حول "سفرة مشتركة الى الجنوب يطَّلعان خلالها على البيوت الصيفية المعروضة للبيع على ساحل ترانتو.." وسأل فيليبو إن كان نعمان يجد عمله مُيَسراً في ايطاليا، فأجاب:

ـ الى حدٍّ ما، ولكن ايطاليا لا تعطي الفرص بسهولة.

ـ حتى مع أبنائها، فلا يفاجئنك هذا الأمر، لو شاهدت الصراع في الجامعة على الوظائف، كما على المُنح الدراسية، لما صَدَّقت عيناك، ايطاليا بدأت تضيق بسكانها.

ـ العالم كله أصبح يضيق بسكانه، كما يبدو لي،

ـ صحيح، وبعد ماركس سيظهر النبي الجديد من مقبرة، وليس من الحياة، وأعني مالثوس،

ـ لم أكن أعلم إن الفزع قد إخترق حصون الفكّر الأكاديمي،

ـ يمكنك أن تستغرب، ولكن هذه هي الحقيقة،

ـ وهل تعتقد البشر سيلجأون، في النهاية، الى فكّرة اللّه عن الآخرة، حيث يتخلصُ بالجحيم من فائض مملكته؟

ـ الجحيم من إختراع البشر، إذ لا يُعقَل أن يفكّر إله بهذه الطريقة، لذلك لن تتحرج البشرية من إستعمال فكّرة هي في الأساس من صُنعِها.

ـ كم سيكون هذا شاقاً على النفس!

ـ ولكن، لا مندوحة عنه، فعندما يتخلّص الأنسان من هاجس الموت، يكون للعقل دور أفضل في تنظيم الحياة،

ـ يتخلّص؟ كم تبدو هذه الكلمة سهلة أثناء الحديث،

ـ إنها سهلة في حقيقة الأمر، حينما تصبح في متناول إدراكنا، أعني عندما تنوجد قناعات أشدّ تماسكاً،

ـ إذا كانت المسألة تتعلق بالقناعات، فإن الدين أدى واجبه في هذا الشأن، فهل أفلَحَ؟

ـ القناعات الجديدة ستنبثق من صُلب العِلم، حين ظهرت الأديان لم يكن عمل الخلايا والجينات معروفاً بعد،

ـ في فكرته العامة، قد ينجح العِلم، وبنفس القدر الذي نجح فيه الدين، فتظلّ المسألة في نطاق الشِعر لا غير،

ـ الشِعرُ يقود الى شطحات، تبدو للوهلة الأولى وكأنها قريبة من الحقيقة، وهذا سبب مقاومة الأديان للزمن، ولكنه الزمن الجزئي، الضئيل، بالقياس الى الزمن الكلي الذي يفرض سطوته على الكون، حيث تظلّ النواة تتملّمل خلال نصف مليار سنة، قبل أن تنبعث فيها الحياة الجينية من بين الصخور،

ـ مهما أضفتَ من الأعوام الى حياة الأنسان، فإنك تؤجل هاجس الموت ليس إلاّ،

ـ إنني أتحدث عن شيء آخر، عن تصبير أكثر بهجة، أقصد ديمومة المادة، إن التفكير بالموت يُزعجنا، بينما التفكير في النوم لا يسبب لنا أي قلق، رغم إن الحالتين متشابهتان فيما يتعلق بغيبوبة الوعي، نذهب الى السرير مؤملين بثماني ساعات من الراحة، ونحصل عليها بالفعل، فماذا لو نُمنا ونامت الخلايا ثمانية ملايين سنة؟

ـ آآآه. أوافق، ولكن كيف تضمن لي صحوة جديدة؟

ـ إذاً نحن موافقون، من حيث المبدأ، على راحة زمنية للوعي، وما ينقُصنا هو الضمانة فحسب؟

ـ ولكن دعني أسأل، إذا لم يَعُد الوعي والأِحساس بالذات نفسها ، ما جدوى أن يُسبِت الأمل كل هذه الملايين من السنين؟

ـ ما أن ينجح العلم في تقديم براهينه الثابتة في المسألة الأولى، حتى يكون بمقدوره تدبِّير أمر الثانية،

ـ هذا أيضاً شِعرٌ،

ـ صحيح، وعنصر التخيُّل واحد، عقل الأنسان، ولكن الزمن..! فكّر فيما فعله الزمن خلال ألفين سنة وجيزة.

ظلّت سيبيللا تصغي في إنتباه الى الحديث، دون أن يمنعها هذا من الأنهماك في تقلِّيب الشرائح وقطع الخضار ثم إلتهامها بمتعة شاعت على وجهها فزادته إشراقاً.

وكانت باولا وزوجها يتكلمان كل في إتجاه:

ـ نصف درجة زيادة لا تؤثر على الطفل [أسعار الفيلاّت في آنزيو إنخفضت بسبب التلوّث الذي أصاب شواطئ أوستيا] إلاّ أن السُعال الذي يلازمه منذ يومين يقلقني [ولكنني لا أميل الى بحر روما على الإجمال] ماما قالت الكمادات الباردَّة كفيلة بإزالة الحرارة والسعال [أهم من ذلك المياه نظيفة ورائقة في ترانتو، وأغلب الأمسيات نقضيها مع الأهل في الضيعة] وأخشى أن تفعلها في غيابي وصدر الطفل ما زال غضاً لا يحتمل الصراخ [الشركة تضمن البناء والآثاث أربع سنوات، طبعاً] ومرة عمَلَتها مع بابا، يا إلهي غرق البيت كله في الماء  [أنت تختار ألوان الأثاث، هذا أكيد] غافَلَتهُ وفتحتْ عليه الدوش البارد وخرج المسكين من حوض الحمام يركض وهي تصيح في أثره: رشة واحدة بعد وتخرجُ السخونة [باولا، كم سعر الفيلاّ التي ذهبنا نلقي عليها نظرة في آنزيو؟] أية فيلاّ ؟ .

جاء صاحب المطعم تفيض البسمة على وجهه وسأل يتفقد زبائنه:

ـ هل كل شيء على ما يرام؟

ـ كل شيء ممتاز.

أجاب أورلاندو نيابة عن الجميع.

ـ إذن، الشراب المُهضِّم على حساب المحل.

سَلِمتَ، وأتحِفنا بقهوة مُحلاة بعدئذ.

ـ بالتأكيد.

فـي الأخير. نهض الجميع عن المائدة، تمنوا ليلة طيبة لجُلاس المائدة المجاورة، وفي طريقهم الى الباب حيّوا موائد أخرى، خرجوا بنفس المرح والصخب الذي دخلوا فيهما، تلاحقهم كلمات ومظاهر الترحيب من صاحب المطعم والنُدل.

فـي الشارع. أعلنوا عن سرورهم بالتعرِّف على نعمان، وعرضوا، مُلحّين، نقله مع سيبيللا الى المكان الذي يرغبان فيه، لاحظ نعمان، على شعاع مصباح الشارع، حَملاً خفيفاً على بطن مارتا، وقال "لا، شكراً، سوف نتمشى مع النهر حتى مسرح مارشيللو، من هناك أنقلها بسيارتي".

ـ الى اللقاء إذن

ـ الى اللقاء

ـ أسعدتم مساءْ

ـ طابت ليلتكم

ـ سيبيللا، لا تنسَي الأتصال بي غداً

ـ الى اللقاء

ـ سوف أتصل

ـ طابت ليلتكم

ـ نراكم قريباً

ـ الى اللقاء

ـ طابت ليلتكم.

فـي ساعات الصباح الأولى، يباشر ليل روما الجزء الثاني من وطره. طوَّق خصرها بذراعه، فطوّقته، وإختارا الدروب الضيِّقة التي تنفثُ أنفاسها من البشر الى كورنيش التيبَر، كان بعض السهارى يمشون في جماعات صغيرة تُطرِّقع خطواتهم وتعلو ثم تبتعد وتختفي.

فـي منعطفات تحميها عتمةٌ خفيفة عن الأنظار. إنتحى بعض الشبان وتماسكوا في عناقات طويلة مشبوبة، والمطاعم بدأت تطفئ نصف أنوارها، ليُنهي المتباطئون من الزبائن جرعاتهم الأخيرة.

فـي مدخل كورنيش النهر. وقف نعمان ولفَّ ذراعه الثانية حول كتف سيبيللا وأطبق على شفتيها، وأخذت روحه تنسكب في فمها الطري، المتلقي بلهفة حارة، وبالتدريج تذوقت يده النداوة التي إنبجست من صفحة عنقها، وإنغمرت طويلاً في عناقه، فأحسَّ بها تُزهِر بين يديه، ثم تملّملت، فتراخى ذراعاه وتراجعت أحضانه، وسارا على رصيف الكورنيش، محتفظاً بيدها في كفه. نظر إليها من جانب، يضرب كعب حذائها على البلاط، فيرتجُّ صدرها وأعلى بطنها، عادت إلى خياله هيئة مارتا تحت ضوء المصباح، تخفي تحت قميص فضفاض حَملها الخفيف، وتسلّلت الى بالِه ذراعا سارة الحاميتان وثدياها وبطنها وفخذاها تلتحم وتتقد بأواره، همس في دخيلته: "المرأة مثل الشجرة تُبهج مرتين، عندما تُزهِّر وعندما تُثمر. سين سارة، سين سيبيللا، سين سلو.. آه، اللعنة، أبو نؤاس إسم ذلك الشارع.." فجأة غاض مزاجه السلس وتكدّر وهما يعبران جسر بالاتينو، وظلّت سيبيللا تنتظر منه، في هدأة الليل الساحر، وقفة أخرى ولكن دون جدوى.

فـي السيارة. إلتفتَ إليها مثل ضبع كاسر، كان أدار المُحرِّك وعاد ليوقِفه، سحبها بلطف أول الأمر، راح يقبِّلها ويعصر أكتافها بشيء من القسوة، إستجابت إليه بَيدَ إنها فطِنت الى إضطرابه الغريب. تحوَّل إليها، وأحسَّت يده منشغلة في تحرِّيك شيء ما، ثم أدركت، وهي تشعر ظهرها ينكفئ الى الخلف، أنه كان يدير المقبض الذي يقلب المقعد الى الوراء. قالت إنها مُتعبة، الليل تأخر بهما، والوالدة ستظلّ صاحية لا يغمض لها جفن قبل عودتها الى البيت، كانت تتكلم عبر شفتيه ولُعابه الهائج، فتراجع الى مقعده يفكّر بالذي أنتابه وحرَّك فيه هذه القسوة، ثم أدار المحرَّك.

فـي ساحة نافونا. كان النُدل يقلبون الكراسي فوق الطاولات، يعدّون باراتهم للأغلاق، ويجمع المتبقون من رسامي الوجوه والكاريكاتير أوراقهم ومساندهم ولوحاتهم إستعداداً للرحيل، وتنسرب الفلول الأخيرة، المُجهَدة، من الشبان والمراهقين، عبر منافذ ضيّقة الى شارع فيكتور عمانوئيل وجادة ريناشيمنتو، ليذهب الأيطاليون الى بيوتهم، والسُيّاح الى فنادقهم الرخيصة قرب محطة النهايات وحولها، دون أن يقطعوا الأمل في لقاء غرام يحدث في اللحظات الأخيرة.

فـي حانة صغيرة. هلّلَ إبراهيم وابو سمير ورحبوا عندما دخل نعمان، وكان قد ودّع سيبيللا بقبّلة رقيقة أمام مسكنها الجديد وراح يذرع ليل روما، الى أن رستْ قلاعة المترجرجة في ساحة نافونا. على مسافة طاولتين منهما قعد عصام يتحدث الى رسام ايطالي شاب، وهو يجرع من النبيذ بسخاء بين جملة وأخرى يقولها للأيطالي.

ـ من أين أطلَّ البدر هذا المساء؟

قال ابراهيم مازحاً، وأفردَّ مقعداً لنعمان، قال أبو سمير، ينقل حزمة جرائده من فخذه اليسرى الى فخذه اليمنى:

ـ ما حسبتك تتأخر الى هذا الوقت من الليل خارج البيت،

ـ دائماً تحمل غذَّاءك الروحي في يمينك!

ردَّ نعمان مشيراً الى حزمة الجرائد، وفي تلك اللحظة خرج صالح من المرافق الصحية، مُتعتعاً، وقف ينظر بعيون حمراء مُغشية الى القادم، بعدها صاح: "نعمان، آه كم يسعدني، كم يسعدني" وجلس، قال يزدردَّ الكلمات ثم يجشَّأها:

ـ منذ ساعة فقط، كنا في سيرتك،

ـ لا شك في هذا،

ضحك ابراهيم، إذ فهم المغزى الذي رمى نعمان سهمَه إليه.

ـ كم يُسعدني..ماذا تشرب؟

ـ نبيذاً أبيض،

ـ فيفيا، نادى امرأة سويسرية تعمل على البار. كأس أبيض، هنا، من فض...، وتجشأ بقية الكلام.

وقف عصام يودع الشاب الأيطالي، ثم إنضمَّ الى الطاولة حاملاً كأسه بيده، فأعاد بعض الشعاع الى جبين نعمان الذي أظلم ما أن دخل الحانة.

ـ لقد كان لي شرف تأ..تأسيس أو..ل تجمع للفنانين العرب هنا، عفواً، كنت أقول هذا الى الأخوان، منذ حين، ولكـ..ن الأخوان، وللأسـ..ف، لا أعني إخواننا الحاضرين هنا، بـ..ل أقصد اخواننا الفنانيين، تغلبت عليهم روح الأنانية والـ..الغيرة، والنزاع على..المرؤ..وسية، فدمروا التجمع من أساسه، الآن أقول لك يا نعمان..يا عزيزي، إن...

قاطعه ابراهيم قائلاً:

ـ لماذا تصدِّع رأس نعمان بموضوع بدأته قبل وصوله؟

ـ إن أخي، وعزيزي نعمان، يجب أن يطّلع على حقيقة هذا الأمر بالذات..

في رغبة واضحة لمداهَرة صالح، والغمز من جانب نعمان في آن واحد، واصل ابراهيم:

ـ كيف نقطع بإنه يهتم بسماع موضوع الفنانيين العرب في ايطاليا؟

ـ إنه يهتم، أنا أعرف، ألسنا أصدقاء ديقراطيين قلباً وقالباً، أم ماذا؟ فيفيا يا عزيـ...زتي، كأس أبيض لي أيضا، من فـ..لك،

لزم عصام الصمت، مكتفياً بنقل أنظاره بين وجوه المتكلمين، كانت سحنته البيضاء قد توّهجت، ولوَّحت الخمرة وجنتيه، أحسّ إنهما وجدا في صالح فريسة بريئة، سيجعلان منه موضوعاً للتندر الى آخر السهرة، لذلك فكّر في دعوة نعمان الى جولة على الأقدام، يبتعد به عن ثرثرة لن يرتاح إليها، بَيْدَ إن نعمان نهض في نفس اللحظة، معلناً نيته في الذهاب، إعترض الثلاثة، في ودٍ صاخب، على هذا الأنصراف المبُكر، لكنه حيّا ببرود وخرج، ترافقه نظرات عصام الى أن إختفى من الباب.

 

 

الفصـل الرابع


1

بدأت ريح تشرين القوية تنتزع الأوراق الصفراء من أغصانها، وتكنسها وتدوِّم بها فوق الأرصفة والطرقات، وبدا الناس، وهم يغذَّون الخطى في هذا الأتجاه أو ذاك، مثل الأوراق، تبعثرهم أقدار خاصة ومقاصد متنوعة.

كان نعمان، الذي ينتظر في غرفة المحامي، يراقب الحركة في شارع نومينتانا، ثم ينكفئ ببصره الى الداخل، يتابع نحلة أنهكتها نسمات الخريف الباردَّة، فراحت تهوِّم على الجدار للحظات ثم تتهالك فوق الأثاث، وتتحامل على نفسها مرة أخرى، بعد أن تأخذ قسطاً من الراحة، وتحلِّق بلا توازن ومن دون هدف فتسقط من جديد على الأرض.

فكّر. إن التِيه والأعياء هما اللذان حملاها الى قلب المدينة، المكتظ بدخان السيارات وضجيج البشر، إبتسم إذ تذكّر أنين الراديو والأرقام المشعة في لوحة أجهزة القياس في السيارة، التي فجَّرت صورة حلمه الأول، ودفعته من قفاه نحو المدن والبلدان، فقاطع دخول المحامي أفكاره وهو يقول، إن غرفة التجارة لن تقدم هذه التسهيلات لغير الأيطاليين، إلاّ في حالات إستثنائية نادرة يقترحها وزير التجارة، وحين يسأل عن طبيعة هذه الحالات، يجيب المحامي باسماً:

هذا الأمر يقرره خيال الوزير وحده، ثم يردف، وهو ينظر مباشرة في عيني زبونه. لكن هذه المسألة تتدبَّر، ببساطة، من داخل غرفة التجارة، إذا كنتَ تعرف من يؤثر على أحد الموظفين الصغار، أو تؤثر عليه بنفسك، هل فهمتني؟

هزَّ نعمان رأسه بالإيجاب، ولكنه أوضح ان الأمرين ليسا بمتناوله، ثم نفحَ المحامي خمسين ورقة مقابل أتعاب الأستشارة، وخرج.

حين إنعطف بإتجاه ساحة ريبوبلكا، لاحت من بعيد وجوه حوريات الغابة، مرفوعة بأنَفة نحو السماء. حدَّث نفسه: ما الفرق بين اليمنيين والغريب في صنعاء، والعراقيين والغريب في بغداد، وفي بيروت وباريس وفي جزيرة مدغشقر المليئة بالذباب والحرّ! وإن المسافات التي ترتجلُها الأحلام لا قيمة لها، بالنسبة لموظف في غرفة تجارة وضع شريعته منذ الأزل، وأغلقَ عليها بوجه العابرين، ثم خاطب ذاته، متهكماً منها: ما أنت إلاّ بائع سراويل بالمفرق وبلا رصيد، فما شأنك ونصيب التجار من التقدير والثراء؟.

ذكَّرته مياه النافورة بسيبيللا، الصباح الذي توجَّه فيه لمقابلتها منذ ثمانية أشهر، دهشة اللقاء الأول، شعر انه أصبح يزداد رغبة فيها، ويحتاج الى مصاحبتها، بَيدَ أنها ما زالت تعطي القليل، وهو الذي خَبِرَ المرأة، الى حدّ ما، لعبة المرأة في تقديم قلبها الى الحب، بعد زواج آلَ الى فشل سريع، وفوق ذلك أصلها الفلاحي الذي يميل الى المحافظة تجاه نوايا المدن وحياتها السريعة في كل شيء، يفهم ردَّها، بَيدَ أنها كَمِنت سنتين وراء النافذة لتبني حبها، فهل قطعت تلك الأيام والأسابيع والأشهر، تخطط للمسار الذي تتبعه العلاقة، من غير أن يطفح بها الشوق يوماً للأنغمار في دفء جسده؟ خرجا في نزهات طويلة، وإرتادا دور السينما عدة مرات، وقضيا سهرات ممتعة في المطاعم، وكان غياب سارة الأخير، الطويل، قد زاد من حاجته الى سيبيللا، وأجَّج لديه الرغبة فيها، إلاّ أن جميع اللقاءات إنتهت بعناق مشبوب، إنسلّت بعدها من بين ذراعيه عائدةً الى بيتها.

الأعتراف لسارة بلقاءاته هذه طرق ذهنه عدة مرات، لأن الوضع الجديد بات يثقل عليه، يفتح شرخاً غريباً في داخله، ضئيل بَيدَ إنه مزعج، وتأباه نفسه، ولم يكن عطاء سيبيللا الشحيح وراء تردده، بل عدم الرغبة في جرح سارة، الخوف من لحظة تعذُِّبها، من مشهد خيبتها، بعد خمس سنين من الودّ، من المسرات الصغيرة، من الحب الذي طفح به قلبها وأحسَّهُ وأدفأه وسلاّه، أية كلمة، أية جملة، أي تعبير على الوجه يكفي لتهوين فكرة الفراق؟ صحيح إن هذه العلاقة لم ترفع روحه الى ذرى الفرح وتعطي حياته معنىً كبيراً، ولن تعطيه سيبيللا، إلاّ أنها وفَّرت لها قدراً من الحنان الدافئ، وهو لا يريد تلمُّس الأعذار، ولا البحث عن تبرير بليغ، كما يفعل الآخرون (تقودهم دناءة النفس الى عمل رخيص، فيلفِّقون الحجج لتبريره) إنما يتمنى، لو إستطاع، إيجاد السبيل لتحمُّلِ مرارة خيبتها، وإضافتها الى نصيبه من المرارات.

قبل أيام كان في جلسته المعتادة، في الصالون، تعبرُ أمام عينيه الشاردَّتين نُتفٌ مشوشة من محطات حياته، عندما لاحظ طبقة رقيقة من الغبار على أرفف المكتبة، الغبار الذي يتراكم حين تغيب سارة، والأشياء الصغيرة من تذكارات وصور عادية، ساذجة، كانت تجلبها وتوزعها على الجدران وفوق الطاولات وبين الكتب، لتؤكد وجودها في أرجاء البيت أثناء غيابها، في تلك اللحظة شعر بالحنين، وإنتبه الى أنها أصبحت تُخلي مكانها، في عقله، للأخرى، فإجتاحه إحساس عميق بالأشفاق، عليها وعلى نفسه، وقبل أن تحتدم هذه المشاعر، أو تتداعى، رنَّ جرس الهاتف وجاء صوت سيبيللا، واثقاً، حاراً، وبهيجاً.

عرَّج على شارع ناسيونالي وإنتظر في أول موقف للباص، من الخلف، وعلى مسافة شارع واحد قصير، حيث تقوم دار الأوبرا، إستدعى الى خياله أول مظهر للعتاب يغزو وجهها، حين وقفا ضمن صف طويل أمام شباك التذاكر لحضور "الضحية الساذجة" ومقطوعات مختارة يقدمها مغني التِنور إيبولي بمصاحبة دانييله دي سي، وكان يمسك زندها العاري بيده، ويجذبها لتتكئ عليه بظهرها، ثم إقترح التخلي عن فكّرة الأوبرا والذهاب، بدلاً عن ذلك، الى غابة الصنوبر أو أي مكان آخر، فإحتجَّت: "كيف نترك أوبرا؟" أجاب: "يمكننا السهر مع نفس الشِجار في أي فيلم لفيتوريو دي سيكا" حينها تطلعت إليه بإيتسامة محمَّلة بالعتاب.

ظلّت غابة الصنوبر عالقة في باله وهو يرتقي سُلم الباص، تَقدِح في رأسه أفكاراً متنوعةً، وترفع حرارة خياله، وعندما إتخذ مكانه بين الواقفين، شاهد على الرصيف المقابل جمع من صغار الغجر، يتبع سائحاً أجنبياً ثم يحيط به، يتدافع عليه، سائلاً حسنة صغيرة بيد، ناكشاً جيوبه باليد الأخرى، ثم إنفضَّ عنه بسرعة وتناثر هنا وهناك، بينما ظلّ الرجل يبتسم ويدور على نفسه بعد أن باغتته هجمة البؤس، وفي اللحظة التالية إنكمشت تعابير وجهه وهو يتحسّس جيوبه، فصاحَ أحد الركاب: "أنظروا كيف نتفوا ريشه!".

إبتسم، لكثرة الترحال  التي تميِّز حياة الغجر، القلق المتأصل الذي يدفعهم الى الهرب من شيء غامض، أو التوجه الى شيء غامض، عدائهم للثبات، للجدران، للحدود، لطباع الآخرين، إنهم طيور مشّاءَة، يحملون سِرّهم ويطوفون في الأرض، لا يتوقفون عند غرف التجارة وموظفيها، لا تغريهم المدن، ولا صحبة البشر، حسموا أمرهم مع الحياة، مكتفين بهذا النصيب الشحيح منها، فلن يفهم قلب الغجرى إلاّ غجري آخر، وهؤلاء الصغار، تساءل في دخيلته، وهم يتبعون خطى آبائهم الهائمة، يلازم الوسخ وجوههم وثيابهم على الدوام، بينما إنتباهُهم مُستَنفَر أبداً نحو صيدهم البشري، هل تبقى ذاكرتهم طرية، متحرِّرة من سطوة الأماكن المُضلِّلة؟.

عاد بتفكيره الى ذلك الصباح الحار، الساطع، حيث أفاق عند الفجر، وخرج ليجلس، لا يتذكّر لماذا، على عتبة باب دارهم، ينظر مع آخر آثار النعاس الى الجادة المُقفِرة، وصفِّ البيوت الواطئة على جانبيها، جادة عريضة، تقلَّع الأسفلت عن الجزء الأعظم منها، وشقَّت مياه الأوساخ الزرقاء في وسطها، وفي ذاكرته، مجرىً نحيلاً، ما برحت صورته، وصورة ذلك الفجر، تلازم حياته، تغيب ثم تومِض في خياله، مياه آسنة ومشهد بلا جمال، يمدَّ خيطاً، رقيقاً، الى الماضي، الى سحر تلك اللحظة الغريب، الساذج. يومها كان بعمر أصغر هؤلاء الفتيان سناً، ذاك الذي راحت يداه تتشبثان ببنطلون السائح، تتلمس طريقها الى الحياة.

إستمر الباص يختضُّ ويتأرجح ليشقَّ طريقه بين زحام شارع ناسيونالي، وكان يتمسك بالمقبض ليوازن وقفته، تحت نظره مباشرة عجوز ايطالية تغفو في مقعدها، تتمتم في غفوتها وتحرّك يدها، تناقش بها شخصاً، حاضرا في نومها المتقلقل. ودَّ لو يعرف إن كانت تشاحن، أم تُعاتب، أم تُراها أوغلت أبعد كثيراً في ماضيها، تُغازل أول رجل هفا إليه قلبُها؟.

قالت له سارة: رقادك جميل وهادئ، ولكنك أحياناً تهبُّ من النوم وأنت تتصبب عرقاً، حدثني عن الأحلام التي تُقلق ليلك، إلاّ أنه لم يحدثها، إكتفي بالنظر في عينيها، لأن الأحلام لا تكشف عن نفسِها، تضرب وتختفي، شأن سَفاح يعمل في الظلام، يُعرَف الجُرح الذي يتركه وراءه، وتبقى دوافعه غامضة.

إقتحمت الباص هجمة صغيرة من السيّاح الألمان، أولاد وبنات يافعون بصحبة مرشدتهم "لا تتفرقوا.." صاحت وهي تبتسم ثم تحتوي الباب بنظرة ثابتة، تتفقد آخر الصاعدين "فريدريك.. إنتبه"عندما تحرك الباص بذلوا الجهد ليقاوموا إهتزازاته وقامات الركاب الى أن إلتمّوا قريبا منها وهم يضحكون وتتورَّد خدودهم.

صِبا غضٌّ، فكّر من وقفته المتأرجحة. جاءوا  يعزِّزون معرفتهم بالشواهد عن روما والرومان ويشاهدون ما تركه آباؤهم من جدران وقِباب، يسافرون وينامون في فندق واحد، ولكن الغرف متفرقة، ويتبادلون كلمات الحب الأولى، ساذجة ولكنها ذات صدى عذب وتترسب في الذاكرة، ذخر الأيام والسنين القادمة.

ترجَّل من الباص في ساحة سان بيترو، وما عتمت يدُ الايطالية العجوز الغافية تجادل. ما أن عثرت عيناه على هاتف عمومي حتى توجه إليه على الفور، عزم على الأتصال بسبيللا الآن، وزيارة سارة في بيتها ليلاً لمكاشفتها.

قالت سيبيللا: يا للمصادفة، إتصلت بك منذ قليل ولم تكن في البيت، أين أنت الآن؟. قال لنفسه هذا فأل حسن، وأجاب: في الشارع، متى تتركين الدائرة؟

ـ في الخامسة،

ـ في الخامسة، ما قولكِ في عشاء بحري هذا المساء؟

ـ آه، كم هذا مثير! ولكننا ما زلنا في يوم الأربعاء،

ـ وهل يتعشى الايطاليون في عطلة الأسبوع فقط!

رنَّت ضحكتها في الهاتف، قالت:

ـ طيب، أين نلتقي؟

ـ فيـ..فيـ.. في ساحة فيتوريو!

إستفسرت: نفس البار؟ قال: نفس البار.

الآن، وقد رُتِّبت بقية يومه بهذه العجالة، وعلى هذه الصورة الواعدة، سوف يجعل لقاءه بسيد أحمد قصيراً، ولن يشير الى فاطمة، سيتحدث معه عن مشاريعه الهندسية، عن الجامع الذي ينوي العرب إقامته في روما، أخبار السودان، كل ما يجعل ساعة من الزمن غير مُختَرقة بالأحزان والأنفعالات. كان سيد، منذ اللقاء الذي كشف فيه لنعمان عن محنته، لم يتطرق الى مشكلة فاطمة في اللقاءات القليلة التي ضمتهما فيما بعد، وبدا لنعمان أن وراء تراجع الموضوع تسوية من نوع ما عملت على تهدئة الأجواء داخل العائلة، وإن صديقه إقتنع في نهاية المطاف، بأن الإلحاح وعدم رسم حدود واضحة للتدخل في حياة إبنته، سيضيِّعان كل شيء. لكنه حين شاهد سيداً يذرع الرصيف أمام البار، يتحدث الى نفسه ويحرِّك يده في عصبية، أدرك إن الأمر ليس كما أحبَّ وتوقع، أكثر من ذلك آلمَته حالة الهذيان التي إنزلق إليها صديقه.

لم يُخفِ سيد التجهم الذي كان يسحق وجهه، أخذ نعمان من يده الى طاولة ترك فوقها علبة سجائره، وفنجان قهوة لم يمسّسه بعد، قال إن فاطمة قررت هجر البيت، وإنها جمعت كتبها وحزمت ملابسها ووضعتها في الصالون بإنتظار من ينقلها بسيارته من الأصدقاء، ولم يكونا قد إتخذا مجلسيهما بعد، أضاف، ما أن إستقرا في مقعديهما، أنه حاول أن يُثنيها عن الرحيل فإشتكته الى البوليس، وعندما سأله: "لماذا حدث كل هـذا؟" إعترف سيد أنه حاول منعها من التردّد على البار.

وجد نفسه حيال إنعطاف درامي في المشكلة، لذلك عزم أن يقول كلمته بتجردَّ، بصراحة مؤلمة، علّها تنقذ صاحبه من الحزن الذي يأكل قلبه مثل حيوان جائع.

ـ دعها تذهب، قال نعمان.

يعرف أن تغيير فاطمة، صياغتها على الشكل الذي يرضي سيداً، ويتطابق مع الصورة التي رسمها في وجدانه، أمر مستحيل، وجائر، ومن الأنسب، ما دمنا على مشارف " الكارثة" كما يحلو لصديقه تسميتها، تغيّير سيد ذاته، هزَّ قناعاته وتحريره من غلواء الآمال التي وضعها على عاتق فِلذة من كبده، نَبتت لها أطراف وعيون وقلب ورغبات وأحلام ونزوات أخرى، لا علاقة لها من بعد بالكبِد الأصلية. لذلك: "لاتضع المشاكل بوجه ذهابها، لأنها ستذهب وتعيش حياتها في كل الأحوال، فإذا حاولت منعها، ستُغلِقُ الباب بوجه عودتها".

ـ والناس؟ ماذا يقولون عنا؟

ـ من هم الناس؟ أجاب نعمان بإستخفاف ليُهوِّن القلق الجديد الذي يفصح عنه سيد، وهو الشعور بالذل الذي يمثل الجانب المظلم من صراعه النفسي، لذلك أضاف، وهو يجادل في حرارة. ما قيمة ما يفكّر به الآخرون بالنسبة لأحزاننا؟ كم عدد الذين يعرفوننا، ثلاثة أفراد، خمسة، عشرون؟ ما أهمية ما يثرثر به هؤلاء إزاء خساراتنا؟ إننا نقطع الشارع ونعود منه ظانين  جموع الناس مشغولة بحياتنا وأفراحنا ومتاعبنا وخصوصياتنا، هذا وهمٌ يصنعه ضعفنا، نحن مجهولون، لا يكترث بنا أحد، لا يعرفنا إلاّ نفر قليل، ضائعون وسط هذا الحشد البشري الهائل، الذي لا يعطينا أي إلتفاتة حقيقية.

ـ فقدناها يا نعمان، همس بها صديقه وكأنه يخاطب نفسه، يلومها، يضعها وراء هذا الفقدان.

قيل له أكثر من مرة: "من الصعب أن تلُمَّ بمشاعر الأبوة ما لم تكن أباً" وقـد أجاب: "لا أريد الإلمامَّ بهذه المشاعر، قبل أن أفهم حقيقة وضعي، ووضع من أجئ به، في هذا الكون" وهو يواجه الآن أباً منكوباً بهذه المشاعر، يومئ إليه، من بعيد، بنفس الكلام، فيتعيّن عليه الأجابة من جديد.

ـ ما الذي يخيفنا عندما تخرج المرأة، ضعفها أم الضعف الذي فينا؟ آه يا سيد، لا أريد الإستهانة بمعرفتك وتجربتك في الحياة، لأنني أفهم المخاوف التي تخلطُ الصور وترجُّها وتشوشها في خيالك بالنسبة لفاطمة، ولكن يجب الأعتراف إن هذا عصر جديد وعالم آخر، عالم ملعون ومضطرب ولا رحمة فيه، ولكنه عالمهم، وهم يعرفون كيف يسبحون في مياهه، فلماذا نفترض فاطمة قاصرة عن حماية نفسها، وعاجزة عن التمييز بين ما ينفعها ويضرها؟

هزَّ سيد رأسه موافقاً، وعبرت وجهه سحابة من هدوء مريح، غير أن أعماقه ظلّت تغلي، مشتبكة في حوارها الخاص، بينما تابع نعمان:

ـ كنا دائماً نعتبر السعادة القادمة التي سنقبض عليها تخصنا وحدنا، مُلكنا الذي لن يناقشنا فيه أحد، ولم تكن للمرأة لدينا غير سعادة واحدة، تلك التي نراها نحنُ وتناسبنا، فكان هناك الكثير من الضحايا، الحياة تختلف الآن، وتحتاج نظرة مختلفة، ربما سيكون هذا الأختلاف وبالاً على الأنسان، لا أدري، ولكن الماضي لم يكن إنسانياً بكل تأكيد، وهنا بالذات، في هذا العالم الذي ننظر إليه وينظر إلينا في إستغراب، تعلَّموا أن يكون الأنسان ضحية نفسه، ولكنهم لا يحتملون رؤيته ضحية للآخرين، وأنت يا سيد، نفسك، ضحكتَ عندما صرختْ أمُّك مكسورة الخاطر: "يا ويلي، من دين آخر ولون آخر؟”" ولم تمنعك نظرتها الى الأمور من الزواج بمارشيللا،

ـ سوف أقتله، قال سيد وهو يخرج فجأةً من قيعان جحيمه، ثم أوضح. إذا أغراها هذا الفاجر بالزواج.

الصورة الكاسرة التي وضعها لهذا الايطالي الجنوبي تلازم خياله، والآن تنتقل بظلها الفاجع الى ضمير نعمان، حيث يفكّر قلِقاً في اليأس الذي يدفع البشر الى الحماقات، إذ يمكن للمرء أن يخسر الحياة بطيبة خاطر، ولكنه لا يحتمل خسارة جزء منها، وهذا الوجه الوديع، المعتاد على بطر الكسل والمسالمة، قد تنهض الذئاب فيه يوماً، يحمل قطعة سلاح باردة، يقصد البار، يخترق الزحام متعثراً، ينظر والشرر يتطاير من عينيه الى إبنته تجلس على ركبة ايطالي بدين وتقبَل مداعباته، فيحوّل السلاح الى رأسه.

أطبق جفنيه وفتحهما ليتخلص من الأفكار البشعة وإستغرب أنه فكّر بها، ربما قبل أن تتشكل صورة القتل في وعي سيد، وما لبث أن عاد به التفكير الى المشهد، ليتساءل: "لو كانت فاطمة واقفة في مكان آخر من البار، على من يطلق سيد النار؟".

من الصعب عليه تخيّل سيد قاتلاً، يسفك دمه أو دم شخص آخر على الأرض، إنه مُعبأ بالغضب حتى الأظافر، بيدَ أنه غضب حزين، تهدهده وتغذَّيه صورة عادية يبنيها العقل لروحين، جمع بينهما الطيش أو التخبط أو شهوة الجسد في وضع عاطفي معيّن، يراه سيد فاجراً وتراه فاطمة مشروعاً ويراه الايطالي ممتعاً، ولا يكترث به سكان روما، ولا سكان بكين، ولافلاح واحد في قارة أمريكا أو في هضاب آسيا الشاسعة، ولكنه يقدم لخيال سيد صوراً مختلفة، جارحة، معذِّبة، تُنشِّف الدم في عروقه على مدار اليوم، فأين يكمن الخطأ في كل هذا؟ في بدانة النابوليتاني، أم في الوعي المركَّب الذي إكتسبه الانسان بعد أن نهض على قدميه متخلياً عن السير على أطرافه الأربعة؟

عندما قامت سارة برحلتها الأولى بعد تعارفهما، خطرت بباله فكّرة نومها مع شخص تلتقيه في الطائرة، فإبتسم من سخف هذا الخاطر، إلاّ أنه حين تخيّل جسدها الأسمر مُعرىً ومفتوحاً لرجل آخر، تضايق، وأزاح الصورة بسرعة عن ذهنه، يومها حسِبَ أنه أصبح يحبّها، ثم إستدعى الصورة من جديد ليعرف مَبعث الضيق، فوجد عُري الرجل بالذات وراء إنزعاجه، بعدها لاحَ له إن العطاء الذي تخصه به يؤلمه عندما يذهب الى شخص ثانٍ، وأخيراً أحس إن التأوهات وإختلاج فمها، وهي تتشبث به في اللحظة الأخيرة، تنغزُ قلبه أكثر من غيرها إذا ما تخيل إنساناً آخر في مكانه، وحين قال والده لعمه، يُشجعه ويواسيه بعد أن تركته عشيقته الى رجل آخر: "يجب أن تشكر اللّه إنك تخلصت من إمرأة قضت حياتها عاهرة في أخلاقها وعاهرة في جسدها" لم يكن يدري أنه كان يقدم الى قلب أخيه الدامي ألبوم عامراً بالصور، كلٌ منها ينغز بشكل مختلف،"إن الغدر جزءٌ أساسي في مهنة العاهر، وإلاّ أصبح نشاطها بلا مـردود" أضاف، وهو يزيد إيغالاً في تعذيب قلب أخيه. ولكن، ماذا يتبقى من كل تلك الأشواك؟ إنه الآن لا يكاد يتذكّر سارة، في السفر أو عندما يركض ظلُها المهموم بين المكاتب والمحلات في روما، وتحضر، مثل غِصة خفيفة في مكان مجهول من نفسه، لدى إلتقائه سيبيللا، ولعل هذه الغصة تختفي قريباً، وتتحول صورة جسدها الملتهب الى طيف يعوم في برودة الماضي وتحجُّرِه، ولا توميء للحواس بشيء.

يعرف إن محنة سيد أبعد من هذا، وقد تكون التخيُّلات جزءً من تفكيره، أقحمها على مشاعره الوضع المربِك الذي وجد نفسه فيه، كذلك كلمة القتل التي نطقها بذاك الهدوء المريع، فهذا "الزول" نموذجي لأي حلم يدور في خَلَد الأنسانية عن زاوية صغيرة في العالم خالية من العنف، غير إن فكرة إبنة متفوقة ومستقبل عائلي باهر قد تراجعت كلياً، وما تبقى ليس أكثر من حياة عادية بلا ضياع، وهذا ما يُصارع من أجله سيد.

إستنكرت سيبيللا في دلال على نعمان تأخره "لي ثلث ساعة في البار!" وذكَّرته مازحةْ بدعابات كان يطلقها حين تتأخر عليه خمس دقائق أو عشر "أو نصف ساعة.." أكمل هو تجاوباً مع مزاحها. سألها ماذا شربتْ وهو يقف أمام الصندوق ليدفع "كابوتشينو..مع فطيرة تفاح" فقال: "على العموم لم تضيعي الوقت سداً" أطلقت ضحكة ترجَّعت في أنحاء البار كلها، وردَّت، حين سأل وهما يخرجان، أين وضَعتْ سيارتها: "في الجهة الأخرى من الساحة" فإقترح أن يقود هو، لترتاح هي من القيادة، ويوجه الأمسية كما خطط لها.

كانت الشمس قد توارت خلف هامات الصنوبر الداكنة، حين توغلت السيارة في الغابة، متخذةً الطريق العريض المُوصِل بين شارع كرستوفر كولمبو والساحل.

مـرَّ على نفر من السيارات، راكنةً في وئام بين الأشجار، تحتدم داخلها العواطف والأشواق والرغبات، لم يتوقف، كما توقعت سيبيللا، بل ساطَ السيارة لتنهي الطريق في نَفس واحد طويل حتى جسر التُرعة، حيث تلقيا بوجهيهما النور الباهر الذي سطع على الزجاج الأمامي، ثم تلاشى فإنبسط أمامهما البحر، صفحة متوهجةعلى إمتداد مدينة أوستيا الشريطية.

إبتعدَ عن مركز المدينة الصغير، ليتجنب زحام المساء، وإخترق عدة شوارع قصيرة لينفذ الى الطرف الآخر الذي تكثر فيه المطاعم، فقالت، حين سأل، إنها تفضل، لو كان الأمر يعود لها، مطعماً على الشاطئ "ياااه.." علَّقَ مازحاً، ليُعلن بعدئذ بفخامة "سيكون الأمر كما ترغبين يا جميلتي" أوقف السيارة وأخمدَ هديرها في مواجهة بناء صيفي مزوّق، يستند على كتف الرصيف ويمدُّ لساناً عريضاً في رمال البحر، ثم قادها، يدفن أطراف أصابعه في ذراعها البضّ، الى صالة كبيرة ملأت الشمسُ الآيلة للغروب أرجاءها بالنور، وإنتحيا مائدة بعيدة عن الزبائن القليلين الذين بكّروا في الحضور.

إعلنت عن بهجتها في المكان "أنظر الى الشمس، ما أجملها" ثم إستدركت "ولكن حجمها أخذ يصغر، نهاية الموسم". جاء صاحب المطعم يحيّي، فسأل نعمان إن كانت الأسماك طازجة اليوم، أجاب إن مركب نابولي وصل منذ ساعتين فقط "تعالوا شاهدوا البضاعة بأنفسكم، وإختاروا".

نهضت بمرح، تموَّج جسمها وضرب كعبها البلاط بقوة وهي تسبِقه الى حوض السمك، يتبعهما صاحب المطعم عن كثب "يمكن تشمّم رائحة الطزاجة بالأنف" أكّد، وتناول محارة صفراء، حشر رأس مطواة بين صدفتيها المزمومتين، ثم فتحهما بأصابعه الغليظة ليكشف أمام أنظارهما الجسم الغُضروفي الرخو يترجّرج ويتلألأ داخل بطن فضي صقيل، بعدها عصر فوقه قطرات من حصِّ ليمون حتى غمره وقدمه بإعتزاز "تفضلي سنيورة".

تناولت المحارة المفلوقة بأطراف أناملها وإلتهمت اللحمة المُخلَّلة دفعة واحدة، فبان لنعمان الرضا والإلتذاذ يشعان من نظراتها الموجهة إليه، وأحسّ، وهو يقاوم رواويل جسده وشهواته، لذعة الليمون الحامض تكتسح شفتيها الطريتين ولسانها وحلقها وحنجرتها وبلعومها.

دارت عيونهما تتفحص تشكيلة من الأسماك صُفّت فوق ثلج مجروش، وضعت عند أذنابها أكوام من الحَبَّار والقريدس والجمبري والأبالوني والبزّاق والمحار، قواقع ورخويات وقشّريات، ألوان فوسفورية زاهية، ثمار البحر وحشاياه (بعضها كان يزحف معتمداً لزوجته ليرتقي جدران الحوض الرخامية) زعانف مسنَّنة، دروع عظمية، أصداف قزحية، مجسات هلامية، خياشيم مُطّبَقة وبعضها مفتوح، أفواه فاغرة، وعيون زجاجية باردَّة.

"الحياة تغتذي بالموت".

شرد قليلاً، بينما عيناه تطوفان على حصاد الشِباك، تذكّر حواره مع فيليبو في ساعات الصباح الأولى، عزم بينه وبين نفسه على رؤيته مرة أخرى "فيلسوف فيزيائي صغير السن".

لمّا طالت حيرة الزبونين، وتحدِّيقهما، قدم صاحب الطعم نصيحته وخبرته، قلَبَ سمكة متوسطة الحجم على جنبها الآخر وقال: "هذه التَربوتة الدسمة لذيذة في الشواء" فإستفسر نعمان بنظراته، عن رأي سيبيللا، قالت على حياء: "لا أحب بروز عينيها الغريب" حينها قنص الرجل سلطعوناً من قفاه، عرضه مقلوبا وهو يؤكد "وجبة إستثنائية للعشاء، على النار، أو مقلياً مع صَفار البيض" بينما راح الحيوان، الذي إنكشفت بطنه القرنفلية، يحرِّك كلابته في وهن، ويضرب أرجله الحرشفية في الهواء بلا حول.

ـ وماذا عن هذا النوع؟ سأل نعمان مشيرا الى واحدة مُفلطحة مكتنزة الظهر"ممتاز هذا البَرِيل" أكّد الرجل وإنتظر قرارهما الأخير وهو يعيد السلطعون الى الحوض.

وافق نعمان، وأضاف:

ـ مع هذا الأنكليس الأسمر،

إبتسمت سيبيللا، بعيداً عن العيون، لهذا الطلب، وإستلَّهما صاحب المطعم من الجريش البلوري ليقول:

ـ مع حفنة صغيرة من القريدس؟

ـ لِمَ لا! أجاب نعمان،

ـ والصحن الأول سباكيتي على القواقع النهرية؟

ـ ليكن كذلك، ردَّ، ملتفتاً الى سيبيللا التي أيدت بنظراتها الباسمة.

كانت مظلات الصيف وقواربه السريعة قد إختفت تماماً من الشاطئ، بينما أغلقت الشاليهات أبوابها مستسلمة للصمت، ولم يتخلف من المصطافين الذين تعروا للشمس وأكلوا وصخبوا وتكلموا غير قطعٍ مبعثرة من ألعاب الأطفال البلاستيكية التالفة، مقلوبة ومدفونة الى وسطها في الرمال، بينما بدت الفيلاّت المواجهة، الممتدَّة على طول الساحل، خاوية ومهجورة، قشَّرت الريح الرطبة جدرانها، وخلَّعت عوارض أبوابها ونوافذها.

راح خياله يستعيد، من بين الأحاديث القصيرة، ذكرى الأحد الذي أمضاه مع سيبيللا على البحر، اليوم الوحيد خلال الموسم، لأنها قضت العطلة الصيفية مع العائلة في الجنوب، وإعتذرت مرتين لأسباب أخرى، أيضاً تتعلق بواجباتها تجاه العائلة، فكان يوماً واحداً، عكس ما تمنى وسعى، بَيدَ إنه يوم حار، متأجِّج، إذ تكشف لعينيه جسدها الذي كان قد تلمَّسه وداعبه وضغطه بيديه، من خلف الفساتين الرقيقة والسميكة، ورسم له صورة وهمية في ذهنه، ظهر أمامه كاملاً وافراً، مُشِعّاً، تضغط ملابس البحر على صدرها وردفيها فتزيد من إثارة قوامها، وظلّ سعيداً بها طوال ذاك النهار، ومشتهياً لها، خاصةْ في الفترات التي كان يقودها من يدها الى الشاطئ وهي خائفة من برودة الماء، فيرميها برشقة طويلة، وتصرخ ضاحكةً منكمشةً، ثم يدفعها ويرمي نفسه خلفها ويأخذها، وقد تحمَّل جلدها صدمة البرودة الأولى، بعيداً وهي تمانع في دلال، الى أن يقترب حنكها من مستوى الماء والقاع ما زال في متناول أقدامها، فيرفع جسدها، يحمله على طوله، ويقلبه بين يديه، يطلب منها تحريك ذراعيها وساقيها، وان تدفع الماء برفق، لتتعلّم السباحة، ثم يحظنها، لتستعيد أنفاسها، يضغط جسدها الى جسده، وهي تبحث عن القاع بأطراف أصابع قدميها، يحسُّ بدنها خفيفاً، يطفو بمجردَّ رفعة صغيرة بيديه من أسفل الخاصرتين، ثم يجذبه إليه، يحسُّ لدانَته تكتسح كيانه، تُلهبه، فيقبِّلها وتعطيه شفتين سريعتين، لتقول، وهي تعيد رأسها الى الخلف: "الناس ينظرون نحونا، تعال نعود الى الساحل".

حملت امرأة أربعينية كؤوساً فارغة ووضعت صحناً صغيراً على المائدة وهي تقول: "أذرع أُخطبوط مُخلّلة، هدية المطعم".شكراً، قالت سيبيللا منشرحةْ،

ـ شكراً، قال نعمان ومسح أسنان شوكته بالفوطة البيضاء، وإندفعت عبر النوافذ المُشرَعة نفثات من زفرة المساء البحري.

ذكَّرته الأربعينية بفاطمة، تحمل الكؤوس وقناني النبيذ وصحون البيتزا الى الموائد، فتُعذِّب روح سيد، تمرغها في الوحل، كما يعتقد صديقه ويشعر، أراد منعها من الذهاب الى البار، فحزمت كتبها وملابسها وعزمت على هجرِهم، الى أين؟ لقد إختارت حياتها وإنقضى الأمر، الخمّارات والبارات في الخرطوم مبذولة للجميع، وكان سيد يرتادها ويقضي أوقاتاً بهيجة فيها، ولكن الساقيات إثيوبيات، وإرتريات من مرتفعات تجراي، وأوغنديات محروقات البشرة، وجنوبيات من أدغال أعالي النيل، ولكن لسن سودانيات. كيف يؤول مصير فاطمة؟ تخيَّلها أربعينية في مطعم صغير، تحمل أذرع الأخطبوط المتبَّل الى الزبائن، هذه هي الحياة، ماذا نقدر على غير ذلك؟

بعثرت كل الخواطر من ذهنه حين سألت إن كان يمانع فيما إذا أضافت القليل من خلِّ العنب الأبيض الى أذرع الأخطبوط فأجاب: لا.

أنهيا صحن السباكيتي المخفوق بالقواقع النهرية مع رشفات خفيفة من النبيذ الأبيض، وتكلمت عن أجواء العمل في البريد مشيرة الى بعض الأحداث، بينما حرص على إستدراجها لتكون هي محور الحديث، وبقيا أثناء ذلك يلتفتان، بين فترة وأخرى الى البحر ليعبِّئا فترات الصمت بتملي الأفق الملتهب وهو يمتصُّ في بطء قرص الشمس العسلي الممحوق.

راقبت رعشات النور على المياه، تسوقها الريح من خط الأفق الى الساحل، ثم تعود بها الى مركز النور، بينما ركَّز نظره على اللسان الصخري شمالاً، وقال، في سره "هناك رسا مركب عوليس، المُخرّم، رسوته الأخيرة".

لم يمضِ وقت طويل حتى جئ بطبق السمك محاطاً بالقريدس وقد زُيِّن بالبقدونس وحصّص الليمون، فأفغم بخار الشواء أنفيهما. رمقَ وتفحص ملياً الأنكليس الذي إمتدَّ على طول الطبق، قبل أن يقطع بالشوكة والسكين وهو يقول: "ثُعبان ماء حقيقي" ثم رفع مقدار شِبر، ما بين الرأس والزعنفة، ووضعه في صحنها، فأخفت إبتسامتها، وصبَّ المزيد من النبيذ في كأسيهما.

"عشاء فاخر" قالت بعد حين، تمطِّق وتمصمص الأشواك الدسمة وقد توردَّت وجنتاها، لم يكن بحاجة لسماع هذا المديح، لأنه يعرف إبتهاجها بالموائد العامرة، شعر بالأرتياح أنه يستطيع الأغداق عليها من لطفه وكرم روحه، برهاناً على عاطفته الأعمق، التي إنبثت في أحاسيسه وإمتزجت مع قلقه، غير أنه لم يسمح لإغراء المشهيات التي كان يعرضها النادل بتأخير مغادرتهما، لذلك دسَّ ورقة نقدية كبيرة بين فاتورة الحساب ونهضا، مخلفين وراءهما كومة من العظام والأصداف.

إتخذ طريقه جنوباً ويده الطليقة تعتصر برفق ظاهر يدها. قاد ببطء على إمتداد الساحل، ترافقهما هبات رقيقة من نسائم المساء، ممزوجة برائحة الماء، ثم إنعطف على غابة الصنوبر ليدخلها من الجانب الأشدَّ كثافة، توقفا داخل فسحة صغيرة  تنعكس عليها أضوية خافتة تبعثها مصابيح الشارع البعيدة.

لم يكن الظلام قد أطبق بتمامه على الغابة، والى مسافة منهما تقف سيارة أخرى، أراد لوجودها أن يمنح رفيقته الشعور بالأمان، وتناهت إليهما أصوات زيزان، قلقلة ومتباعدة، تطلق نشيدها الأخير قبل أن تطويها بهمة الليل وهدأته العميقة.

طلب أن تشعل سيجارة ليدخناها سوية، ويمنعان الناموس من التطفل عليهما، سأل إن كانت تحبُّ الهدوء في الليل، أجابت نعم، ولكنها تكره وحشته، إعترف إنه إفتقدها في اليومين الأخيرين، وإشتاق إليها، إبتسمت برضا فمال عليها وقبّلها من خدها، رمت بقية السيجارة ثم رفعت زجاج النافذة، إنتقل الى شفتيها ينهل منهما، وتشابكت ذراعاهما، جذبها نحوه أكثر ليحسَّ ضغط صدرها وتتمكن شفتاه من جانب عنقها ومنحدر كتفها.

إنغمرا في عناقات طويلة، ملتهبة، لم يمنع ضيق المقعد جسديهما من التقارب في أكثر من موضع، ثم أجفلا حين أضاءتهما مصابيح سيارة تستدير في آخر الطريق، وما لبثت الظُلمة أن إحتوتهم مرة أخرى، فإلتصقا بلهفة.

ما أن شعر جسدها يطاوعه حتى تسلّلت يده تحت طرف تنورتها لتصعد بها آلي باطن فخذها، بينما راحتُه تعصر وتتحسّس على إمتداد ساقها، بتمهل غاصت يدها بين طيات القماش تبحث وتتغلغل الى أن قبضت أصابعه ومنعت تقدمها.

إستسلم للحظة، ثم خلَّص يده ودفعها حتى رَبِلة فخذها العليا، إعتصر ثم جاسَ، من دون أن يهتم لتشبثها بكفه، أسفل بطنها. أدركت غرضه لكن أصابعه كانت قد بلغت طرف سروالها الداخلي، قالت بلهجة مُمانِعة "نومان.." ولكنه مغطّ السروال ليعري ردَّفيها عندما صاحت بحزم وقد تراجعت الى الخلف:

ـ نووومان..!

وإذ جُرح من تصرفها، متذكّراً مماطلاتها السابقة، ردَّ بغضب:

ـ ماذا...؟

كان الظلام يغيِّبهما، يمسح هيئاتهم، مع ذلك رسم كل واحد صورة كاملة لتعابير وجه الآخر.

ـ ماذا تفعل؟ تساءلت بحدّة.

ـ أريد ممارسة الحب معك، قال، يكظم في صعوبه إحساساً بالخيبة مشوبة بالحنق.

ـ هنا..؟

زفر في هدوء ليتخلص من توتره، فقد وجد في لهجتها المُعاتبة ما يبدد الشعور بالضيق الذي سيطر عليه نتيجة ردَّ فعل لم يكن يتوقعه منها بهذه الصرامة، قال، بعد ترددر، وهو يبتلع بقية غضبه:

ـ آسف. وطبع على جبينها قبّلة متسامحة.

بدت "هنـا..؟" التي قالتها تَعدُ بالكثير، وساد الصفاء عودتهما الى روما، إلاّ أن سحابةْ رهيفة من الأحباط ترسَّبت في أعماقه.

تساءل وهو يقود في هدوء، متجنباً مماحكات وتجاوزات السيارات الأخرى، عن السبب الحقيقي وراء ممانعتها، أهي الغابة، أم شيء آخر؟ إنها تستجيب بلهفة لمداعباته وإثاراته وإشتهائه، ثم تتراجع ما أن تحين اللحظة التي يصعب مقاومتها، اللحظة التي تتراخى فيها ضوابط الجسد، فتفلت منه السيطرة على الذات، في حين تستيقظ لديها، في تلك اللحظة، كوابح العقل.

توقف في منطقة يمر منها العديد من الباصات الذاهبة بإتجاه مسكنه، فطلبت منه مواصلة القيادة حتى بيته، ثم تعود وحدها بالسيارة، قال أنه سوف يتمشى قليلاً، وقبل أن يترجل مدَّت نحوه رأسها وطبعت على خده قبلة باسمة، فإنشرحت أساريره وردَّ لها القبلة، سريعة وغامضة، تمنى لها ليلة هانئة ووقف يودِّع الى أن إبتعدت السيارة.

سار بإتجاه الباص، ثم غيَّر رأيه وعبرَ، كان بحاجة الى المشي، التأمل في هذا الخليط المشوش من الأفكار والأحاسيس الذي هيمن عليه منذ نصف ساعة، أيكون بالغَ في إندفاعه، أو تسرع! إلاّ أن إهتياجها كان في ذروته، فما سرُّ هذه المرأة، البسيطة في تفكيرها وحياتها؟ ما سرُّ مقاومة هذا الجسد المثير والمتعافي، الذي يمور بالشهوة، هذه العيون التي تفيض إشتياقاً وحبّاً ! .

ساوره شعور بالخجل إذ بدا له أن تصرفه يغلب عليه شيء من العنوة، ثم تبدد هذا الشعور عندما تذكّر إنها تحبّ منه العنوة حين يتعلق الأمر بالغزل، إذن كيف تفكّر، وهي تعرف إنها محبوبة، آسرة، ومُشتهاة ؟

لم يزده التفكير إلاّ تشوشاً، وتابع سيره متأجِّج الذهن، ثم عبرت فؤاده رعشة حنان وغفران خففت حنقه، ذكَّرته بلحظات أبدت فيها الكثير من العاطفة والحبّ، وهمست بالكلمات الجميلة، المطمئِنة. إنتفضت أحاسيسه الشاردة حين خطفت قرب كتفه، ثم توقفت، سيارة حمل صغيرة لم يتبين لونها، ثم عرف إنها سيارة وكالة التصدير، وفي اللحظة ذاتها أطلَّ من النافذة رأس مشعَّث، رأس ماريو.

ـ سنيور نومان.. تعال أوصلك الى البيت.

جلس الى يسار ماريو، وكان يودُّ لو يقطع مسافة أخرى على الأقدام، بعد أن إنجاب الغم الذي سيطر عليه منذ تركا مدينة أوستيا.

عرض ماريو التوقف في بيته لتناول كأسين من الشراب، لأن الأولاد واُمُّهم ذهبوا يزورون جدهم، غير إنه رفض، شاكراً ومتذرعاً بحاجته الى النوم، فأكّد ماريو إن الليل مازال في أوله، ولكن نعمان تمسك برأيه ورغبته، حينها أسرَّ له عن مشروع وصفه بأنه "خبطة عمر" يتعلق ببار للسندويتشات والمرطبات في ناصية على طريق الفاتيكان، حيث الحجاج يمرون مثل الزرافات، ويكفي أن يعطيهم المرء قطعة لحم وجبنة يسدون بها الرمق، لأن أرواحهم، المجانين، متلهفة الى شرفة ساحة القديس بطرس إذ يطلُّ البابا كل يوم أحد يخطب ويوزع بركاته، فالعمل يسير على مدار السنة، والخبطة ليست هنا، في رأيه، إنما في دكان الزيوت وفِرش الرسم، الذي وافق صاحبه على تحويله الى بار، مقابل إيجار "معقول" وستين بالمائة من الأرباح.

إعترف لماريو إنه لا يملك مُدخرات في البنك، وهو بالكاد يدوِّر المال بين شراء البضاعة وإيرادها، وإنه، فوق ذلك، لا يهتم بهذا النوع من "الخبطات" .على الفور سأل ماريو: بأي نوع يهتم؟ فأجاب:

ـ لا شيء على الأطلاق.

ساد بينهما صمت ثقيل، مشحون برجات سيارة الشحن وعويلها وهي تندفع في شارع خفتْ الحركة فيه وإنسابت، ثم عاد ماريو ليتناول خيط الحديث، بادئاً  بصاحب الوكالة "تيسوتي ما غيره" بينما أعطاه نعمان أُذناً صماء، عارجّاً على موسم البحر، الذي إنتهى من دون أن يجد من يساعده في الحصول على إجازة لأقامة شاليهات، ماراً بنسيبه "إبن الـ.." الذي يضغط فلوسه على بطنه بينما إحدى قدميه في القبر، متوقفاً عند الكفاءة المُهملة التي لا تجد من يعتصر منها الذهب، مواصلاً مع هذه المدينة "لعاهرة.." المتخمة بالثراء ولا تقدم أية فرصة لسكانها، حين إلتقطت أُذن نعمان صوت شيء يرتطم بالسيارة، زعقت الفرامل إثر ذلك، فإندفع جذعه نحو الزجاج ثم إرتدَّ، وتوقفت كل حركة.

نظر أمامه ليرى ما حدث، ثم على يمينه، لم يتضح له شيء، إلتفت الى ماريو فوجده يلوي عنقه بعنف وينظر وراءه، ثم يعود الى وضعه الأول وعيناه تنضح بالفزع، يلقي نظرة ثانية الى الخلف ويده اليمنى تبحث عن مقبض الترس، ويعود من جديد، ينظر في وجه نعمان للحظة، يُركِّب الترس وينطلق بالسيارة في أقصى سرعة.

هجَّست كل حواس نعمان، ووجه ماريو المصفوع، إن شيئاً مريعاً قد حدث، لم يعرف حقيقته إلاّ عندما إبتعدت السيارة قليلاً، حيث شاهد، وهو يلتفت الى نفس الأتجاه الذي كانت نظرات ماريو مسلطة عليه، صبياً مرمياً وسط الشارع، يتحامل على آلامه وينهض، ثم يجرّجر أقداماً غير متوازنة ليبلغ الرصيف ويجلس هناك يتحسس وركه وإحدى ذراعيه.

ـ قف..

صاح نعمان، غير إن ماريو، وقد سيطر عليه الخوف وغاض الدم من وجهه، راح يردَّد النظر بين نعمان والطريق أمامه.

ـ قلت لك قف، صرخ بحدّة.

أوقف ماريو السيارة، وألقى نظرة مرتبكة الى الطريق خلفه، ثم الى وجه نعمان يستنجد به.

ـ ماذا تريد أن تفعل أيها الغبي، صاح نعمان ليضيف بلهجة آمرة. إرجع بالسيارة الى الوراء.

ـ لكن سنيور نومان..

ـ إنه ما زال حيّاً، فهل تريد أن تتركه وتهرب؟ عُد بالسيارة الى الخلف.

كانت يد نعمان تمسك مقبض الباب لتفتحه، بينما بقي وجه ماريو ينظر الى الأمام، مشوشاً، تسحقه الحيرة والخوف، وبدا مثل دب شرس إنهارت شجاعته على حين غرة، ثم جمع قبضتيه وضرب بهما المِقوّد، راح يضرب ويطلق صراخاً أشبه بالعويل، فجأة تجمدت ملامحه وبانَ عليه العزم، بدا كأنه إنتوى خلاصا من المأزق، وبدلاً من العودة بالسيارة الى الوراء، إنطلق بكل سرعتها الى الأمام، بينما كان نعمان يراقب، ويده ما تزال ممسكة الباب المفتوح، شبح الصبي وكأنه يرعى أوجاعه.

بُهتَ لتصرف ماريو حين ألفي السيارة تندفع الى الأمام وليس الى أي مكان آخر، صرخ بأعلى صوته: "أيها الأحمق، عليك أن تعود الى مكان فعلتك" وفي غمرة غضبه وإندهاشه لاحظ ملامح الأيطالي خلل رشقات نور مصباح الشارع، تعود لتتخذ طبيعتها العادية ما أن إبتعدت السيارة المسافة الكافية عن الصبي المضروب.

ـ سنيور نومان، لم يكن خطأي، صدقني،

قالها بجنان ثابت، مما أشعل نيران الغضب والحنق في قلب نعمان، فزعق بوجهه:

ـ كيف أصدقك يا ماريو، وأنت تهرب مثل النعجة!

أشدّ ما هيَّج ثائرته في تلك اللحظة، الصلابة والثقة التي راحت تتخذها هيئة ماريو، بينما السيارة بين يديه تلهب الأرض وهي تزوغ من شارع الى شارع، قال في هدوء يغلي تحت قشرته الرقيقة التوتر والإحتقار:

ـ إسمع، المسألة لا تتعلق بذنبك أو ذنبه، إن ترك الصبي وهو في هذه الحال ليس عدلاً، إذ ربما تكون ضربته خطيرة ويمكن إنقاذه بنقله الى المستشفي.

ـ سنيور نومان، إنسَ الموضوع، أرجوك إنساه، ردَّ وعيونه متشبثة بالطريق.

مدَّ نعمان يده نحو مفتاح التشغيل وأداره، فإنكتم الموتور وكرَّت السيارة وسط الشارع من دون صوت.

ـ أوقِفْ السيارة على اليمين، أريد أن أنزل.

ترجل من دون أن ينبس بكلمة، ومن غير أن يلتفت صفق الباب من وراء ظهره، مركِّزاً فيه كل غضبه ومِقته، فإرتجّ هيكل السيارة وأعولت مفاصلها وزجاجها من قوة الخبطة.

حالما ولاه نعمان ظهره، أدار ماريو موتور سيارة الشحن وإنطلق بها.

الضوء الخافت المنبعث من شقِّ الباب، أنبأه بوجود سارة في البيت، فلم يحرِّك فيه وجودها أية رعشة، دخل في هدوء وإرتمى على الكنبة في الصالون.

بقيت أعصابه مشدّودة الى الحادث. اللطمة المكتومة قد ذكّرته بصوت طيور الليل وهي ترتطم بسيارة والده، منجذبة الى أضوية المصابيح، بينما كان يغطس في المقعد الأمامي، يتابع، برقبة نحيلة مشرئبة، الطرق الزراعية على كشافات النور، ويقيس المسافات التي تبلغها الرؤية عِبرَ ظُلمة حالكة، فيسمع، وهو سادر في أفكاره الطفولية، لطمة على مقدم السيارة المسرعة تشتت تركيزه، ويعرف إنها الجوارح، أو الطيور العُشبية التي تُفزعها الأنوار، فتهرع من أوكارها الأرضية نحو شعاع الضوء الباهر.

إنتصبت سارة عند رأس الكنبة، حيّت وهي ترمقه بنظرة مرتابة، ثم إنحنت وقبّلته، عادت الى وقفتها لتسأل إن كان تعباً من العمل أم من أشياء أخرى! لافظةً كلماتها الأخيرة بنبرة مستنطقة.

أجاب إنه تَعِبٌ فحسب، ولم يجد الرغبة، أو يطاوعه المزاج في تلك اللحظة لسردَّ قصة ماريو.

عادت تسأل، من دون أن تخفي ضيقها هذه المرة، عن سبب تأخره، وعندما أحسّته يتملّمل ويتهرب من نظراتها قالت:

ـ إتصلت بكَ هذي، التي ما إسمها..؟

أدرك على الفور سبب ضيقها، ونظرات عينيها المدققتين تطوف على وجهه ويديه وقميصه وبنطاله، وتذكّر حديث سيبيللا في التلفون، عندما أخبرته إنها لم تجده في البيت حين إتصلت بعد الظهر، ولكنها لم تخبره إنها وجدت من يردَّ عليها، وفهم إن سارة لزمت البيت منذ ذلك الوقت، فزاد غيابه الطويل من تذمّرها، تخيّلها تتأفف وتذرع المطبخ والصالون وغرفة النوم يجويها القلق والظنون، تنتظر عودته لتلقي عليه هذا السؤال فقط.

ـ إسمها سيبيللا!

عادت تستفسر، وهذه المرة مع ضحكة خرجت من أعلى أنفها، مليئة بالأستخفاف.

ـ نعم، أجاب، وللحال إنتابه الضيق بكل شيء، فلزم الصمت.

قالت:

ـ إنني ذاهبة، واستدارت لتخرج.

ـ أين؟ صاح وراءها.

ـ الى بيتي!

ـ في هذا الوقت؟  لِمَ لا تقضين الليل هنا؟

ـ لا أريد، ردَّت وهي ترمقه بإبتسامة غامضة. لدي ضيوف في البيت، وضيف أيضاً.

ـ إنتظري، قال وهو ينهض، سوف أوصلك بالسيارة،

ـ لا، أذهب بنفسي،

سمع خطواتها ترنُّ على صحن السُلم، ثم تكرُّ هابطة فوق الدرجات.

كان يومه شاقاً، مليئاً بالخضات، لذلك توجه الى الفراش وإرتمى عليه طلباً لأغفاءة سريعة، إلاّ أن ماريو، وسيبيللا وسيد أحمد وأخيراً سارة، أحاطوا بسريره، فجفا النوم عينيه.

شعر بأسف حزين يهدد جانباً من عاطفته، لأنه تركها ترحل والشك يثقل قلبها، تخيّلها وهي تبتسم، واقفة، متردِّدة بين البقاء والرحيل، مثل قطة مُحاصرة بمياه ضحلة، تموء ثم تعود تنظر الى المياه التي تحاصرها.

وجدها مرةً تقلِّب الأغطية المرتَّبة، لتعيد ترتّيبها، وعندما قال إنه رتّبَ السرير في الصباح، غمغمت إنها وجدته مُعركساً، ولم ينتبه إلاّ في وقت لاحق، إنها كانت تفتش وتبحث، تمسك الشعرات التي تجدها فوق الوسادة، أو بين طيات الشراشف، وتمعِّن فيها النظر، تتفحصها بدقة خوفاً من وجود واحدة غريبة، مختلفة في اللون أو في الجنس.

أدرك أنه الشك، أخذ يتملّمل في عقلها الآن، بعد أن حظيت، للمرة الثانية، بصوت الأخرى على التلفون.

ومثل القطة وقفت، حدَّقت فيه طويلاً، ورمشت بعينيها، ثم إستدارت وذهبت، ولم يكن سبب القبّلة السريعة، التي طبعتها على خده، إلاّ لتتشمّم أثر العطور الغريبة، فرحلت مرتاحة البال لتلحق بضيوفها "وضيف أيضاً".

لماذا ضيَّع فرصة مكاشفتها؟ تساءل وشبح الصبي المنحني وسط الشارع تضلِّل أطراف خيّاله، أهو الخوف من مجابهة حزنها، أم إنها أنانية البشر، ونزعة الخداع المدفونة في أعماق تفكيرهم؟ أم إن الحوادث المزعجة هي التي تعطِّل تفكير الأنسان؟

تمثلت في خاطره ذكرى الليلة التي قضاها في السهر والشرب مع سيبيللا، وفي عودته الى البيت وجد سارة، مُعطرة ومُزيَّنة، تغطي جسدها بقميص أبيض شفاف، لتكشف عن سُمرة صدرها وأردَّافها، فأخذها إليه وقبّلها وإحتظنها بحبّ وشوق عارمين، وعزم في قرارة نفسه على قطع أسباب اللقاء مع الأخرى، إنهاءً لحبّ بدا له في ذلك الوقت مسرفاً في عذريته.

أية صدفة غريبة منعت سيبيللا من التعطّر اليوم؟ الأهمال، أو ربما خروجها المباشر من العمل، أو أسباب ثانية لا يستطيع عقله إدراكها الآن؟

يقول فيليبو، إن للأنسان مداركَ مذهلة مخفية وراء حاجز رقيق، إذا أمكن إزاحة جانباً صغيراً منه لأبحر العقل البشري في خضم المستقبل وأغوار الماضي، وتفتحت بين يديه قدرات هائلة على بلوغ كل أنواع السعادة والرفاه التي يحلم بها في الحياة.

لكن ماذا عن الموت؟

تساءل، وعيناه مُعلقتان في السقف، أين يذهب هذا الشيء الذي إسمه الروح، أو الوعي؟

"ننهض من جديد بعد بليوني سنة من النوم". تذكّر فيليبو يحلِّل ويشرح بهدوء فكرته السعيدة عن الموت، بينما سيبيللا تجمع بين متعتين، تأكل شرائح السَلطة وتصغي الى ديانة فيزيائية عن الإنبعاث. فبما إن الخليّة الحيّة، يقول فيليبو، إنبثقت من مادة صلبة، وظلّت تحمل في جوهرها العميق عناصر أية مادة أخرى في الكون، ذّرَّة ـ نواة ـ جسيمات ـ جسيمات أصغر ـ ثم أصغر، فإن تحلّل الجسد بعد الموت هو تحوُّل في عناصر المادة، ثم تطوّرها الى أشكال أخرى، وبخصائص جديدة، تتخذ صور حيوات ذات قدرة لا تنضب على التوالد والتغيّر، قد تؤدي، في مرحلة من مراحل تحوِّلها، الى عودة جديدة الى النوع البشري، وربما بشكل يختلف، قليلاً. ولكن الوعي والإحساس بالوجود، يمدُّ فيليبو يده صوب نعمان دليلاً على إن الكلام هنا يتعلق بسؤاله. يبقى، وهو ما يسمونه بالروح، وهكذا، نبقى عالقين في أبدية مُبرَمة، خاطب نفسه من فوق سريره الموحش.

تِيْهٌ في زمن لا نهائي. أيضاً.

خَلية حيّة تخرج من مادة صلبة، تعود الى مادة، فخلية ثم مادة بتعاقب الزمن، الذي يُقاس طول أصفاره بالخطوات ثم ننهض، من رقدتنا الطويلة، بهيئات وأشكال أخرى، لولبية أو حلزونية، من يدري!

إن فكرة الفناء، يؤكد فيليبو، ويتذكّر نعمان، غير موجودة في الكون، لأن عناصر المادة يحكمها قانون الديمومة والتحوّل. غفوات مديدة تتبعها حياة قصيرة. نشطَ خياله وهو يتابع الفكّرة، خلايا متفسخة، تتحوّل الى يرقات، فديدان، فدجاج وكلاب ونَسور وأعشاب متحجرة ثم..خلايا من جديد.

ونصحو بعد بليوني سنة، مخلوقات حيّة بأشكال جديدة، ويظلّ ماريو يصرع خلفه الأولاد بعربات سير مختلفة، وتجد أبا سمير بعد خمسين بليون سنة، يتربع على عرش دكتاتورية قوامها شعب له جفون قرنية ولكنه بروليتاري المَنشأ، وتعود سيبيللا وسارة سنونوتين أو سرعوفتين أو سُنبلتين، ولم يبقَ أي أثر للنوم في عينيه، ترك سريره المبعثر وخرج الى الليل.

قاد سيارته الى قلب المدينة القديمة، تتبعه سحابة من الأفكار، تطنُّ في رأسه طنين النحل في القفير، مشى في طرقات المدينة، مُطرقاً، موزع الذهن، ثم قادته قدماه الى ساحة نافونا وأنوارها وخطوات البشر المُنصبَّة فيها، السُيّاح والعشاق والعاطلين والذين جفا النوم عيونهم.

لاحت له عروض الفنانيين ومقاعد الرساميين خاوية، بينما نفرٌ قليلٌ من الزوار يطوفون في الساحة، يتجمعون أمام الأعلانات وصور المشاهير للحظة ثم يتفرقون، ليغيبوا في المقاهي والمطاعم القريبة، أو تلك المنتشرة في الأزقة المحيطة.

"الشغل ميت" هذا ما يتوقع سماعه، ما أن يحيّي أحد الرسامين أو يسأل عن أحواله، تتكرر نفس العبارة، معجونة بالشكوى والتذمّر، في صفوف الفنانيين العراقيين الذين إحتلوا لهم مكاناً في ساحة نافونا، بين خليط كبير من الرسامين وباعة الصور والتماثيل الصغيرة والتذكارات، ممن عاشوا في ايطاليا لفترات طويلة، الذين وفدوا من شتى البلدان والقارات ليدرسوا، أو جاءوا مارِّين، ولم يبرحوا، ألزمتهم ظروف بلدانهم السياسية على البقاء، والعيش على هامش الحياة الأيطالية، فإختاروا العمل في هذه الساحة، أحدى معالم المدينة السياحية، التي تتحوّل في الليل الى مهرجان صاخب للبشر والأنوار واللوحات والصور وأشغال اليد، كسبُ العيش، الذي حوّل هؤلاء الفنانيين الشُبان، ولم يعودوا شباناً الآن، الى محترفي تخطيط كاركاتير وبورتريه لوجوه السيّاح، عرب وبولنديون وروس وإيرانيون وآسيويون من أقاصي الشرق، تُخلّخل عواطفهم أحاسيسٌ متضاربة وأمل مسحوق، ويعذّبهم شعور بالحيف في هذه الحياة، يتفاقم ويترسخ مع تقدمهم في العمر.

"لو كنثُ قد ولِدتُ في ايطاليا.." قال ضياء مرة " لأمكنني زيارة العراق في أي يوم أشاء" فأستحسن الليبيون كلامه، والأردَّنيون والسوريون، وشاب حديث العهد بالساحة جاء من الأورغواي.

لخبطة في المشاعر لا قرار لها، قال لنفسه، حين تذكّر هذه الحادثة، وهو في طريقه الى عصام الذي يجلس على مقعده، مُبحلِقاً في الفراغ، غارقاً في شرود عميق.

ـ كيف الحال؟

رفع عصام أنظاره، فتهلّلت أساريره حالما شاهد نعمان واقفاً فوق رأسه.

ـ بخير.

أجاب وقدم كرسياً صغيرا بلا مسند، مخصص لجلوس الزبائن، الذين ينفخ فيهم روحاً كاريكاتيرية ساخرة، فيخنقون إبتساماتهم وهم يسترقون النظر الى يده السريعة تحِتُّ الفحم وتصوِّر أنوفهم وشفاههم وعيونهم وآذانهم في أحجام ضخمة أدعى الى البشاعة، ثم يبتعدون، بعد خمس دقائق، حاملين أشكالهم الجديدة، غارقين في الضحك مع أصحابهم، مقابل عشرة أوراق يطويها عصام ويدسُّها من غير نظام في إحدى جيوبه.

ـ الساحة فارغة اليوم! قال نعمان،

ـ نعم، إنتهى الصيف، كنت أفكّر في العودة الى البيت.

إنهمك بعض الرسامين والباعة يطوون مقاعدهم ومساندهم وبضاعتهم إستعداداً للرحيل، وإقترح نعمان على عصام "ما دمت مُزمعاً في الأساس على الذهاب" جولة على الإقدام حتى ساحة البوبلو لتناول المرطبات هناك قبل العودة الى البيت. وافق عصام ونهض يجمع أوراقه وأدواته، حين ظهر حسين من الخمارة القريبة وتقدم نحوهما بكأسين طافحين من النبيذ.

ـ شاهدتكم من الداخل، فعزمت أن أُطفئ ظمأكم بهذا النبيذ البارد.

جاء حسين الى روما يقضي يومين فيها ثم يعود الى فلورنسة. عانق نعمان والخمر يترجّرج بين يديه المرفوعتين، وما لبث أن ظهر أبو سمير يضع يده في يد إبراهيم، ثم ناصر، فخليل، إنضمّوا الى الوقفة وتبادلوا التحيات والتعليقات السريعة.

وجد نفسه، لا يدري لماذا، محور الأهتمام، فقال أبو سمير:

ـ واجب الصداقة يلزمنا بتكريم حسين أثناء وجوده في روما، فلا حُجة لأحد بالتهرب من السهر.

هلّل ابراهيم لهذا الرأي، هلّل الآخرون، وشعر لأول مرة أن ما يثير ضيقه في أبي سمير هو صُفرة أسنانه ولا شيء آخر، هذا القَلح الذي يضرب قواطعه المتراكبة، الذي يستطيع تخيُّله، عندما يتكلم أبو سمير، حتى على ضوء مصباح شارع، أما طريقة حياته، تصرفاته، آراؤه، فلا تعنيه كثيراً.

أبدى حسين شكره لهذا اللطف، مُضيفاً أنه لم يرَ نعمان منذ سنة، فعلّق أبو سمير:

نحن في روما ولا نراه، مُطلِقاً ضحكة قوية على تعليقه، مستفتياً الآخرين بنظراته حول لباقته في التفكُّه.

ـ ما رأيكم في البار المواجه

وافق أبو سمير، نيابةً عن الجميع، مؤكداً أنه أفضل البارات وأرخصها في نافونه، وجرَّ في طريقه، أثناء تحركهم الى الجانب الآخر من الساحة، بائع التماثيل الجبسية وائل، ناصحاً إياه بلهجة أبوية، أن يترك العرض على حاله، فقد تصل موجات جديدة من السيّاح في وقت متأخر، وبإمكانه مراقبة بضاعته من هناك.

إلتمَّ شمل الجميع حول طاولة كبيرة على الرصيف، جلبَ ابراهيم الكؤوس والنبيذ بنفسه، لأن جيجي، نادل الليل، يعرفه ويخصه بحسم خاص في الأسعار.

لفتَ ناصر أنظار الجالسين الى إن معرض ميلانو التشكيلي قد إستبعد العرب من المساهمة،

ـ يستحقون، صاح ابراهيم، يغرز المِثقب اللولبي في الفلين، ويضيف. إن مستواهم لا يعجب أحداً،

ـ بالعكس، قال خليل، اللجنة كانت راضية عن النماذج التي قدموها،

ـ إذن ما السبب؟ تساءل ابراهيم ليُحرج المتكلِّم ويدعم موقفه،

ـ السبب عدم إنتظام الرسامين في تقديم التعريفات والأسماء، أجاب خليل. فالميلانييون طبعوا الكتالوك قبل ثلاثة أشهر من موعد الأفتتاح،

ـ لن تقنعني بهذا، قال ابراهيم وراح يدور بالنبيذ على الكؤوس،

ـ حرام عليك يا شيخ، هل تعتبر أعمال سالم والعوضي والهادي بلا مستوى! قال ناصر،

ـ إبحثوا عن الثعلب عندما يختفي الدجاج، علّق أبو سمير، فتعلّقت به الأنظار تستفسر. ماجد، هل نسيتم إنه العربي الوحيد المقيم في ميلانو!

ـ ماذا بشأن ماجد؟ تساءل ناصر، إذ بدا له الكلام في غاية الغموض،

ـ لا شكَّ عندي أنه وراء العرقلة،

ـ كيف؟ عاد ناصر يلحُّ ويسأل،

ـ أنا أقول لك، أجاب ابو سمير، وتملّمل ليعدِّل جلسته قبل أن يوضِّح. لقد أبعد الجميع عن البينالي ليحظى وحده بخمسين بوصة في الرواق،

لاحظ نعمان إن أبا سمير جرَّ الموضوع من عنقه الى المُجتّلد الذي تكثر فيه أسلحته ويوافق أساليبه،

قال عصام:

ـ أنا قرأت الأسماء على الكتالوك، ولا يوجد اسم ماجد بينهم،

ردَّ أبو سمير:

ـ لن أستبعد أنه طلب رفع إسمه، ليقول، عندما يراه الآخرون في المعرض :"واللّه يا أخي في اللحظة الأخيرة طلبوا مني لوحة" نطق القول بنبرة مُضخّمة يقلد بها طريقة الغائب في الكلام،

قال ابراهيم، ليحسم الأمر على الوجه الصحيح: إذا كان ماجد قد فعلها، وهذه عاداته، فأنه يستحق بصقة في الوجه،

ـ مُش قادر أفهم، قال وائل، الذي ظلّ يصغي ولا يتكلم،

ـ ماذا؟، إستوضح ابراهيم مُستفَزاً،

ـ كل مرة تشتُمون وتنتقدون معرض ميلانو، وعندما يدعونكم تركضون الى ميلانو، أو يشترك أحدكم أندركراوند،

ـ أنـ؟ صاح ابراهيم في خشونة. أتحدى أي إنسان يثبت إنني إشتركت يوما في معرض ميلانو،

ـ وماذا عن الآخرين..! تساءل وائل، وهو يعرف سبب قلة حظ ابراهيم من هذه المعارض التي تشترط مستوىً معيناً، رغم ملاحظات ابراهيم، الكثيرة عن المستويات،

ـ الآخرين! وما شأني بالآخرين، أنا مسؤول عن نفسي، أجاب ابراهيم وقد إنكمشت تقاطيع وجهه، كمن يهرب من حيوان غريب يتشبث بأذيال سرواله،

ـ ما لَكم وهذا البينالي الذي يسيطر عليه الديمقراطيون المسيحيون، قالها أبو سمير، يبرم وجهه ويلويه تأنفاً، ليقدم لبَّ الموضوع وجوهره بكلمة قاطعة من الفم وتعبير بليغ على الوجه، فأطلق وائل ضحكة قوية ذات مغزى،

ـ وإنتَ مالَك ياولد! ردَّ ناصر على وائل الغارق في الضحك. دَه الطريقة العراقية في النقد، بينزلوا شتائم في الناس اللي يعملوا مع الرجعية والأمبريالية، الى أن يجدوا فرصة للعمل معهم، فتنعكس الأمور منذ اليوم التالي، إنتَ مالك!

رفع وائل كأساً تختض في يده من الضحك، ومدّها صوب أبي سمير وهو يقول:

ـ كأسك حبيب ألبي،

ـ كأسك، أجاب أبو سمير متصنعاً المرح، ليمنع أي ذيول جديدة للموضوع.

ظلّت غابة الصنوبر تومض في ذهنه ثم تنطفئ، فتخلِّي المكان لسيارة الشحن، وما تلبث سارة أن تدخل لتقف أمامه تسأل في غضب مكتوم ثم تختفي.

تقدم جيجي بصحن بيتزا عامر، وضعه أمام أبي سمير وهو يقول مازحاً: "عشاء لثلاث ليالٍ" فهدر الضحك من فم أبي سمير وأنفه، قال يردَّ اللمْزة بمثلها: "وحياة رأس البابا، لم آكل شيئاً منذ الصباح" قال جيجي: "لن يؤخذ بقَسَمك في المحكمة، الى أن تنبت للبابا لحيّة مربعة" وتراجع بظهره الى البار وهو يبتسم، مصحوباً بضحكات الأستحسان من الآخرين.

ـ انظروا من القادم؟ صاح ابراهيم مشيراً برأسه نحو طيف هيئة كريم المشوشة، يحمل على كتفه وبين ذراعيه كرسيين ومسند الخشب وأوراق الرسم وعلبة الأقلام،

ـ شو بَيك مفركِش حالك، تساءل وائل،

ـ ضيّعت مفتاح المخزن،

ـ خُذ بقه، بُهتَ وائل للخبر،

ـ دير بالك تضيِّع خصاويك يا إبني، قال أبو سمير،

ـ أين أضع  تماثيلي الليلة؟ عاد وائل يتساءل في حيرة،

ـ ومفتاحك! إستفسر كريم يبحّلق مندهشاً في وجه وائل،

ـ أخذه منعم يفتح به، ثم ذهب الى البيت وهو في جيبه،

ـ آه، شهق كريم وترك الإدوات تتدهور من فوق كتفه وذراعيه الواحدة بعد الأخرى وتسقط على الرصيف. وكنت أعتمد على مفتاحك،

ـ تفضلوا يا شباب، عزم أبو سمير على صحنه،

ـ شكراً،

ـ صحتين،

ـ ألف عافية،

ـ يبدو هذا العشاء الثاني اليوم أبا سمير! قال كريم وقد تراجع عن باله أثر المفتاح،

ـ يلعن أصلك، تحسبها عليَّ عشاء سندويتشة الجبنة التي تناولتها أول المساء؟

ـ وشريحة المارتديلا الثخينة في الوسط، هل تبرعت بها للكلاب؟

ـ إبعد عني أيها الفوضوي، لوى ذراعه الى الخلف يبعد بها ظلّ كريم المخيّم عليه،

قهقه ابراهيم وضحك حسين وإبتسم عصام ووائل وخليل، وتناول نعمان كأسه بيده،

ـ قلْ لجيجي يأتيني بكأس نبيذ في طريقك، قال عصام،

ـ بأمرك، بس خلي عينك على البضاعة إزا بتريد، ردَّ وائل الذي ذهب قاصداً التواليت في الداخل.

ـ إفسح لي مكاناً بينكما، قال كريم لأبراهيم،

ـ هناك كرسي شاغر قرب وائل،

ـ لا أطيق القرد الذي على يمينه، ردَّ كريم بصوت خفيض، قاصداً خليلاً من دون أن يسميه،

ـ أما زلتم متخاصمَين؟

ـ إجلس هنا وخلّصنا، قال أبو سمير يَخضُم من حافة البيتزا الساخنة، فتتصاعد نفثات البخار من بين أسنانه،

ـ وما هي أخبار صالح؟ قال حسين يستفسر من الجميع. لم أسمع عنه شيئاً منذ البارحة،

ـ تعني صالح جمعية‍؟ سأل ابراهيم وهو يتخذ مظهراً جاداً للسخرية. ترك الساحة بعد الظهر، قال يريد ينتهي من كتاب الأنسان المتمـرد لفهد بَلان،

ردَّ حسين:

ـ ويلك، تهزأ بإبن بلدتي وزميلي، لن أسمح بهذا،

ـ واللّه أنت ما طرحت ذاك السؤال إلاّ لتسمع هذا الجواب، علّق خليل،

إنفجر حسين في الضحك وهو يردَّد "لا واللّه" منشرحاً أن خبطته الذكية قد وصلت الجميع،

ـ لأ، ضَبطَت معك ياجميل، قال ناصر ممتدحاً إشارة خليل،

ـ يعجبني في هذا الأنسان، أوضح أبو سمير والفُتاتُ تتطاير من شفتيه. مثابرته العظيمة على الأمور غير المفيدة،

ـ مثل ماذا؟ سأل كريم ينتظر لدغة جديدة من أبي سمير لشبح صالح،

ـ مثل سفرة يومين في القطار، من أجل مشاهدة شاعر عربي من الدرجة الثالثة في مدينة باري، عاجل إبراهيم الى القول، فأيدت ملامح أبي سمير، تلوك عجين البيتزا بمتعة وتتقبل المثل برضا، ولكن تَدَخُّل خليل سرعان ما أغمَّه حين قال: "لا أدري لماذا يعترض المرء على عمل كهذا؟" فإنبرى كريم ليقول من فوق كرسيه المحشور بين ابراهيم وأبي سمير: "يومين في القطار؟ لا يعملها إلاّ الحيوان" إنزعج خليل من الأسلوب فأجاب: "هذا يعتمد كيف ينظر كل إنسان الى المسألة" فردَّ كريم في خشونة وقد آذته معارضة خليل لرأيه: "إنني أتحدث عن الحيوانات" . "لايجوز تناول صديق بهذه العبارات" . "لن يهمني رأي الآخرين.." فتوتَّر الجو، كادت الخصومة بين الأثنين أن تعتلي سطح المائدة، حين قال ناصر باسماً:

ـ إيه دَه، هو إنتو آخذيها جَدّ ؟‍

قال أبو سمير وقد عاد الهدوء يهيمن على الجلسة من غير أن تتراخى الأعصاب تماماً:

ـ صالح وَلَد طيب، وصديقنا كلنا، إلاّ إن إهتماماته غريبة، وبعضها ضد مصلحته هو بالذات،

ـ لا يمكن أن يكون جميع الناس مثلما نريد لهم أن يكونوا، رماها خليل في إقتضاب بوجه الحاضرين، ثم سكت،

ـ هذا صحيح، وافق أبو سمير، يهزُّ رأسه بعمق وتَوءدة حتى يُكمِّل مضغ لقمته وأبتلاعها قبل أن يستطرد. المرحوم ناجي كان ينفق فلوسه على الكُتب وتجليدها، ولما أصيب بالمرض الخبيث وقعد عن العمل، نفض جيوبه الى الخارج فلم يعثر على درهم واحد يُطعم به نفسه وألاده، وزوجته،

ـ لا عيني، قاطع كريم ليصحِّح. زوجته عرفت هذا المصير منذ البداية، لذلك وجدت لها وظيفة في شركة، الراتب يصلها الى البيت، تعرِف واحد مدير له نفوذ عيَّنها سكرتيرة، تروح وتجي مثلما تريد، المهم دبَّرت حالها،

ـ هي حليوة اللّه يستر عليها، ويقولون... ما علينا، أضاف أبو سمير ثم قطع، مُتعففاً عن توضيح كامل القصد،

ـ يا سلام، علَّق ناصر بسخرية

ـ إنتم عمتحكوا عن ناس مَبنعرفهم، ولا سامعين فيهم، قال وائل متشكياً،

ـ ناجي واحد صاحبنا، ردَّ ابراهيم،

ـ باين، همس ناصر وهو يطلق ضحكة صافية، ضحك وائل من قلبه، وتطلع كريم بعيون عمشاء، وإبتسم نعمان، في مرارة، إنهم خوزقوا الغائب في سَفوُّد غليظ وشيَّطوه على نار هادئة، ثم أخرجو عظام الميت يتناهشونها،

ـ إعطني كتاباً يستحق ثمنه؟ قال أبو سمير وقد هدَّأ سكاكينه وأسنانه للحظة،

ـ واللّه معك حق، أجاب الضيف الفلورنسي وتوثَّب لينافح بالدلائل والبراهين. قبل شهر قرأت في الجريدة عن رواية جديدة للكاتبة..ما إسمُها! هناء الـ..! هناء...!

ـ هناء الزيتوني؟ تدخل كريم مبدياً العون،

ـ لا، هناء..هنـاء!

ـ هناء  الليموني؟ شارك ابراهيم متطوعاً

ـ لا...

ـ هناء المشمشي...؟

ـ لا، كُفْ عن المزاح، هناء...

ـ إي، ما علينا، ثم..؟ قال أبو سمير مستحثاً، فأكمل المتحدث:

ـ رواية جديدة كتب عنها الناقد الكبير، الذي إسمه سليم الـ..!

ـ سليم البرغوثي؟

ـ لا، ..!

ـ سليم القملي؟

ـ لا..!

ـ سليم العنكبوتي؟

ـ اسكت أنت ودعني أتذكّر إسمه..

ـ ما علينا، لَنُسمه فلان الفلاني..

ـ قال ان الكاتبة تقدمت بروايتها طليعة الكاتبات والكُتّاب العرب، كذا، وتوصلت الى بُنية روائية جديدة ومعمار فني مُذهل..الخ، فقطَّعت سيقان الرواية العربية، أو شيء من هذا القبيل، ومزّقت أوصالها التقليدية، أو ما يشبه هذا الكلام..

ـ إيّ نعم،

ـ وإلتفّتْ على الذات، وتوصّلتْ الى الحاسة الأدبية السادسة، أو السابعة.. لا أذكر بالضبط، وعمَّقتها وبلّورتها.. وشيء آخر لا أتذكّره..

ـ المهم..!

ـ المهم ذهبتُ من يومي وساعتي وإشتريت نسخة بعشرين دولاراً، تصوروا! وقرأتُها من أول سطر الى آخر حرف، فلم أجد فيها شيئاً مما ذكرَ، قلت لنفسي: أيها الغبي إقرأها مرة أخرى..

ـ نعـم، إقرأ..

ـ فقرأتها، وواللّه العظيم لم أشعر بنفسي مخدوعاً ومضحوكاً على ذقنه كما شعرتُ في ذلك اليوم،

ـ إيّ، وبعد!

ـ وبعد قضيت إسبوعاً أتحسر على الوقت الذي ضيّعته، والنقود التي خسرتها، والكاتبة المسكينة أقولها بكل صدق، بسيطة وتفكّر بصوت عالٍ، فلا قطَّعَت ولا عمَّقَت ولا هُم يحزنون، وضرب على فخذه في أسى،

ـ هذا ما أعنيه، قال أبو سمير مع هزَّة بليغة من رأسه،

ـ تصوروا، عاد حسين الذي نهضت صورة الدولارات العشرين وراحت تشيط وتعيّط في خياله الى القول. تصوروا، عشرون دولاراً، تُطعِم عائلة لمدة شهر في مصر،

ـ أحسنتَ، علّق ناصر

ـ وستة أشهر في رواندا، قال ابراهيم

ـ ونصف قرن في غابات الأمازون، أضاف كريم

ـ عَضاريط، واللّه العظيم ثقافة عَضاريط، قال حسين وما إنفكّت مطرقة الدولارات العشرين تنقُر على رأسه. تصوروا، ناقداً كبيراً ! وشهاداته الجامعية بطول "كتاب الموتى" في متحف الفاتيكان!

قه قه قه قه

ـ هذا بسيط، قال وائل. مرةْ قرأت نقداً عن الفن التشكيلي عنوانه  [ألوانه تضع يدها بيد القلق وترسم أحزان العالم] وعندما قصدتُ المعرض وجدت اللوحات كلها عن أشجار التفاح المُزهرة في مدينة قليعات، والألوان كلها زاهية.

قـه قـه قه قه

ـ هذا أيضاً بسيط، ما رأيكم بالحديث الصحفي الذي قالت فيه إحدى الرسامات [إنني اُبعثر ألوان الحزن فوق قماشة الرجاء]؟

قـه قـه قـه قـه

ـ إذن ما قولكم في العنوان التالي [ خزّاف يستلهم فزع الطين ليرسم قلق الأنسان]؟

قـاه قه قه قه

ـ كلُ هذا بسيط، الآن إسمعوا كلام أحد النقاد [الشاعر ينحت تولهه الصخري في كهوف اللغة]

ـ ينحت ماذا؟

ـ تولِّـ هـَ ـهُ الصخري

ـ يا روحي، تكلمات فيها معنى، أيّ واللّه

قـه قــه قـــه قااااااااه

ـ وما قولكم في النقد الذي عنونه الناقد [أبطال المؤلف يضيئون عقارب الزمن بفسفور الأحزان]؟

ـ يا لطيف، نقد فسفوري عميق

 قاه قاه قاه قه

ـ هات وحده تانيه يا ولد

ـ واحدة ثانية، مرةً قال إحد النقاد [شاعر يُطلّسم لغته ليبلغ كمال الوضوح]

قااااااااه قه قه قه

ـ نقد، إنما إيه! مُتطلّسم

ـ ومرة قال ناقد مسرحي [مخرج عربي يُفجر أساليب الأخراج التقليدية في المسرح]

ـ إهربوا يا شَباب... بَلَشْ الأَصف (القصف)

قـــــــــــاآآآآه ، قاه قاه قه

ـ ثقافة عضاريط

ـ ثقافة إعطوه ألفين درهم..

ـ ثقافة وقيلَ غيرُ ذلك واللّهُ أعلم

ـ حاجة تفرِّح، إن الأدب والفن وصل هذا المستوى الرفيع من التفيّقه

ـ وإنت لِسه شُفت حاكه!

ـ لأ، الجماعة إنفرَطت صمامات، بلا مؤأخذة،..عقلهم

قـاقـاه..قـه..قه....قه.........قـء..........قـ..ء

بدأت الحركة تخفُّ في ساحة نافونا، ويستقبل عُريها هبّات قوية من برد ساعات الصباح الأولى، وتجمعت تماثيل (برنيني) على بعضها وسط النافورة التي توقف خريرها، وهسْهَسَت وصاتتْ مكانس عمال المطاعم والبارات المجاورة وهم ينظّفون ويشطّفون أرضية الواجهات قبل الإغلاق، فتملّمل وائل مستأذناً في الإنصراف، مشيراً بكدر طفيف الى ان أحداً ممن يحمل نسخة من مفتاح المخزن، الذي يودعون فيه أدواتهم وبضاعاتهم مقابل إجر زهيد، لن يأتي بعد الآن، ويتعين عليه البحث عن مكان آخر، أو يحمل بضاعته من تماثيل البابوات والقياصرة الرومان الجبسية على ظهره ويعود بها الى البيت، فتشجع ناصر على النهوض و"مازلنا في أول السهر" التي قالها أبو سمير محتجاً، لم تثنِه عن الذهاب،

ـ تصبحون على خير يا اخوان

ـ تصبح على خير

ـ نشوفك غداً

ـ تصبحون على خير

ـ دير بالك على نفسك

ـ شكراً

ـ وخلي نفسك تدير بالها عليك

قـه قـه قه

ـ مع السلامة

ـ لطيف هذا الولد وائل

ـ لطيف جداً

ـ ولكنه إبن حرام، يسرق الكُحل من العين

ـ هكذا اللبنانيون.

هدأتْ الطاولة تلتقط أنفاسها من الكلام والشراب والأنفعال، وبدأ السُكر يلعب، خفيفاً، في الرؤوس. كان أبو سمير قد أنهى عشاءه، ودفع ظهره الـى الخلف ليرتاح ويفكّر. تسـاءل نعمان " بماذا يفكّر؟" إن ظاهره مكشوف، ودَّ لو يعرف أسطح وجدران دواخله، وسامته تُشرق عندما يتصدر الجلسات، وينشط خياله، وقواطعه، في التفكه والنيل من الآخرين ، تتألق روحه، تتلوى، وتعطي كل حَنية وملمح فيها لوناً مختلفاً. "بماذا يفكّر الآن، وماذا يهئ؟" راح يسأل ويده تتشاغل مرة في الكأس ومرة في السيجارة. "يأخذ حصته من العذاب، هو أيضاً، في هذه الحياة التي تطحن الجميع بخُداعها، تُوهِم كل فرد أنه ينظر من مرتفع آمن الى جحيم الآخرين وضياعهم، وهو يتحمل أعباء معاركه، وجروحها، عندما تتحوّل دهاليز روحه، وقيعانها، الى ساحة مليئة بالغبار والنيران، تحتدم فيها وتتصادم مشاعر الكره والحبّ والخوف والشكّ والحقد والخبث، بينما يبتسم ويضحك ويتكلم، وحين يصغي في هدوء يستعصي على المرء معرفة الشُهب التي تتطاير خلف غطائه السميك، غير أن جلدة وجهه رقيقة، تنعكس عليها آلام روحه، وهي تنجرح فتنكمش حالما تصيبها حبة رمل غريبة ، أو قطرة ماء نقية، شأن صَدَفة المحار التي تذوقته سيبيللا منذ ساعات، ولكن بدل تلك الثمرة الشهية، والتي قد تحتظن حجراً لؤلؤياً صقيلاً تمنحه الطبيعة للجمال والتأمل، علامَّ يتقوقع غطاء أبي سمير الصخري؟ كيف تلاقت هذه الروح العَكرة مع هذا الوجه الوسيم؟ كيف أمكن لهما أن يتوازنا في هذا الأندماج؟ . إن قوته تكمن في اليقين الذي يملكه، اليقين الصلب، المتحجر، الذي يربت بحنان على عثرات حياته، ولكن من الذي إختار الآخر؟ أهو الذي  إختار هذا اليقين، أم إن اليقين ذاته تتبع خطاه وقبضه بمخالب ناعمة، ليعبر فوق هذه الأجنحة الخشنة الى أهدافه الغامضة..

" عَلِقَ بهذا اليقين، وبهذا التأريخ، ولا يستطيع أن يخلقَ لنفسه تأريخاً جديداً..

" شَبِع، ولكن روحه بقيت خاوية، شاحبة، كئيبة..

" أفرج فمه ، بيدَ إن تقلُص عضلات حلقه لم يُخلِّف أي صوت، أي غناءٍ، أي نشيد، أي صدىً، أية ولولة، أي شدوٍ..

" تمدّدَ في مقعده، إلاّ أن نفسه ظلّت في مكانها، غير قادرة على بلوغ أي شاطئ، أي بُستان، أي حَرج، أي كوكب".

تذكّر غمزة جيجي الى اللُحية العريضة، فإستحسنها، وتخيَّل أبا سمير يغطي وجهه، تيمُناً، بلحية شعثاء، ولكنه يخفي وراءها صفراويته، حين تصعد إفرازات مرارته الى عينيه وجبهته ووجنتيه وهو يسمع خبراً طيباً، أو مديحاً يُكال أمامه لشخص آخر، وتخيّل القدر، أو اليقين ذاته، وقد فرض عليه زوجة عجفاء، مثل دودة أرضية، لا تنفع أية تربة تنوجد فيها، بل تقرضُ كل الجذور التي تمرُّ بها، فتغدو الصورة، حينئذٍ، مدهشة في تناغم أجزائها.

بانت عيون خليل نصف مُغلقة، ولكنه ظلّ يقاوم النعاس، تحرقه الرغبة في النوم، ويمنعه الخوف من الذهاب "إذا تركت المائدة.." كان يفكّر بوعيه الوسنان. "يغدو أثري نهباً لعضات الباقين".

كسَرَ ابراهيم الصمت ليستخبر عن غسان الذي "لم نسمع أخباره منذ رحل الى استراليا".

ـ عبد الوهاب يعرف أخباره، بيَّن كريم، وأضاف. وصلته رسالة منه.

ـ طبعاً، أول رسالة تكون الى حبيب القلب، تشكى أبو سمير، فإعترض كريم:

ـ أي حبيب قلب هذا! لو رأت عيناك الشجار الذي حدث بينهما أول السنة! تساءل ابراهيم في إندهاش:

ـ بربِكَ، هل تشاجرا؟ فردَّ أبو سمير:

ـ هم دائماً بين صلح وخصام، وهنا سأل عصام في إهتمام:

ـ وكيف تجري أموره في استراليا؟ فلم يكن أمام كريم إلاّ التصريح:

ـ يقول وهاب إنه مرتاح، وقد إستقر في مدينة جوبتن، هوبتن، أو شيء من هذا القبيل، فهجم ابراهيم بالسؤال:

ـ أين تكون هذه الجوبتن؟ أجاب كريم:

ـ يقول غسان في رسالته إنها في قعرِ العالم، فضحك أبو سمير قبل أن يُقسِم:

ـ بشرفي هذا هو المكان الذي يناسبه، وهنا قدَّمَ كريم المزيد من الإيضاحات:

ـ يقول في رسالته إنها على بعد خطوتين من القطب الجنوبي، فعلَّق ابراهيم في نوع غامض من الأسى:

ـ انظر أين دفن نفسه هذا المجنون، فهبَّ أبو سمير يدعم رأيه السابق:

ـ ولكنه يناسبه، صدقني، المكان المناسب للشخص المناسب، على طريقة إشتراكية العرب الخرقاء، فعاد عصام يستفسر:

ـ هل أعطوه الإقامة الدائمة؟ فإجاب أبو سمير:

ـ لا تَخَف عليه، يعرف كيف يدبِّر حاله، ثم أضاف. التدريس، برأيي، أفضل له من هذه الوجوه الممسوحة التي ينحتُها. فردَّ خليل، يرتعد من النعاس والبرد:

ـ بالعكس، غسان أنتج أعمالاً جميلة، خاصةً في الفترة الأخيرة، تأفف كريم في ضيق لهذا الرأي المُعاكس الذي أبداه خليل وأشاح بوجهه عن صدر الطاولة حيث يجلس المتكلم ليدفن نظرته النافدة الصبر في عيني ابراهيم المتفهمتين، غير أن أبا سمير تولى الدفاع عن رأيه إذ قال:

ـ إنني أتحدث عن إبتعادها عن هموم الأنسان الحقيقية، قل لي فقط أين الأنسان في أعماله؟

فكّر نعمان، إن هذا السؤال في غاية الخطورة "أين الأنسان..؟" ولكن كم يصبح عادياً، وساذجاً، حينما يَردَّ على لسان أبي سمير.

قال خليل من دون أن يخفي شعوره بالضيق من تكرار الحديث في هذا الموضوع:

ـ ما دُمنا قبِلنا التجريد في الرسم، لماذا نرفضه في النحت؟ أم يجب أن نعود الى النقاش من جديد، تجريد أم لا تجريد؟

ـ لا لن نعود، ردَّ أبو سمير في مهابة مصطنعة قبلَ أن يستطردَّ. ولكنني أبحث في الفن عن الواقع الذي يحيط بحياتي، عن تجسداته في الألوان والأشكال، هذا ما ينقص أعمال غسان، وأعمال عصام أيضاً، وقد نبهتُه الى ذلك صراحة، أليس كذلك؟

قال ملتفتاً بحديثه الآن الى عصام، فأجاب هذا بعد تفكير:

ـ إنني اُعبِّر عن هموم الأنسان بطريقتي،

ـ لا يكفي يا عزيزي أن تفهم عملك وحدك، ردَّ أبو سمير في حنوٍ كبير. لأنك ترسم وتعرض للناس، فإذا لم يجد الناس صورةً لمشاكلهم في لوحتك، إنصرفوا وقد طار كل أثر لجهدك من رؤوسهم.

ـ راح عصام يحتسي من النبيذ في عطش مفاجئ، ليشحذ ذهنه ويعبِّر عن أفكاره في كلام جلي، ردَّاً على ملاحظات أبي سمير، ولكنه تلعثم وزاغت الكلمات من فوق لسانه، بينما الأحاسيس واضحة في أعماقه، مُتهيئة، تكاد تطفر من الحنجرة، فتمتم بعد أن إنحبس الكلام في فمه:

ـ لا يهمني الناس،

ـ لا يهمك الناس؟ صاح أبو سمير كما لو إن البنايات إنهارت فجأة من حولهم. إذن من يهمك، إذا لم يكن أنا، وحسين، وابراهيم، ومصطفي وكل الناس الذين ترسم لهم؟

ـ ماذا تريد من الفن؟ سأل عصام مرتبكاً،

ـ أريده أن يعبِّر عني، هذا ما أطلبه،

شرب عصام بقية كأسه في جرعة واحدة، وبدا كأنه يهمّ بالأفصاح عن ردَّ ما، إلاّ أن نعمان تدخلَ ليقول:

ـ ولكن، من يستطيع التعبير عنك يا أبا سمير؟ من أنت؟ ماذا تخفي عندما تبتسم، وماذا تُظهِر حينما تعبس؟

دُهش الجميع من سؤال نعمان، بَله مشاركته في الجدل، وظلّت عينا أبي سمير تبصبص في وجه سائله بذبذبة لا قرار لها.

قال كريم وهو يتلمس الأفكار بصعوبة:

ـ أعتقد إن أبا سمير كان يناقش الأفكار العامة للفن.

ـ بل أريد الحديث عن الأعماق، لأن الفن موضوع له صلة بأعماق الأنسان، وليس بالناس وبما يريدونه، أجاب نعمان، وراح يطوف بأنظاره على الوجوه طالباً ردَّها.

بَرَم أبو سمير وجهه وعلّق بصوتٍ شاكٍ:

ـ الأخ نعمان لا يحب الخوض في شؤون السياسة، ولا يهمه الحديث عن الفن، فلا يعرف المرءُ عمَّ يتكلم في حضوره!

ـ حديثكم لم يكن في الفن، ولا في السياسة، وقد أصبح عدد الغائبين في السهرة أكثر من عدد الحاضرين، الى أن تحوّلت السهرة الى جلسة لتحضير الأرواح.

نعمان يفهم غرض أبي سمير، فهو يعرف نقطة ضعف عصام، وهي تلجلجه في الكلام أثناء السكر، ويلعب أوراقه إعتماداً عليها، ومن ناحية أخرى كان يشعر أنه جُرَّ الى هذه السهرة الطويلة جراً، بل اُحيط فجأة بالترجي والإلحاح كي يبقى، بينما كانت حاجته الى المشي والتفكير تطغي على ما عداها.

قال ابراهيم:

ـ كنا نتحدث عن ناس نعرفهم، ويحيطون بحياتنا،

ـ أضاف كريم وقد شجعه ردَّ صديقه:

ـ بالفعل، لماذا لا يجوز لنا الحديث عن أصدقاء نعرفهم، وتهمنا شؤونهم، هذه مسألة إنسانية بحتة.

ـ لا يمكن لشخص يتحكم الأغتياب والنميمة في قلبه، أن يتخذ موقفاً إنسانياً من أية قضية في الحياة.

خيّم على الطاولة صمت مشحون، وتصرف كل واحد من الجالسين كما لو إن الحديث موجه الى جاره.

عندما طالت فترة الصمت، نهض نعمان قائلاً لعصام أنه ذاهب الى البيت، فتشبث به كريم طالباً منه البقاء ومواصلة السهر، غير أنه رفض.

ـ أرجوك أن تجلس، قال كريم  يمسك نعمان من رسغه. نحن أبناء بلد واحد، بلد الحضارات، إجلس، كلنا عراقيون.

ليست رعونة الحركة، ولا إهدار الوقت، إنما الأشمئزاز الذي أحسَّه نعمان، حين تمثَّلَ الجُذام الذي تُصاب به اللغة عندما تَسيح المعاني والكلمات على لسانٍ ما، هو الذي جعله ينظر في عيون كريم بحدّة ويقول:

ـ لا أدري إن كان لنا علاقة ما بتلك الحضارات، ولكنني أعرف أنْ ليس هناك من إنسان وضع مسافة كبيرة للنفاق والمغالطة والكذب داخل نفسه مثل العراقي، فإبعدْ عني أيها المخمور.

أفلت نعمان رسغه بقوة من يد كريم ورحلَ، مُخلفاً السهارى في قبضة الصمت والذهول.

كانت رغبته شديدة في الوصول الىالبيت، علَّه يغمض عينيه الساعات الثلاث المتبقية من الليل، بعد أن وصل الى ختام يومه البائس، وشعر بالأسف إنه ترك عصاماً خلفه، مع تفجراته الداخلية المحبوسة.

في هدأة الدروب الخاوية التي يقطعها، كان يسمع، بين آونة وأخرى، خفق أقدام عابرة، أو ضحكة مبتسرة تنبعث من العتمة.

هتف له صوت من أغوار نفسه: أيها الآدمي التائه، ماذا تفعل هنا في روما، ماذا تفعل في بيروت، ماذا تفعل في باريس، ماذا تفعل في بغداد، ماذا تفعل في كوستاريكا؟ .


التالي: الفصل الخامس والسادس