نشرت هذه الدراسة في موقع "شفاف الشرق الأوسط" في 30 يناير 2007

 

مناقشة النظرية الأمريكية عن إمكانية تحوّل الأخوان المسلمين نحو الديمقراطية

                                          - جميع مرشدي الإخوان لم يدرسوا الشريعة وقوانينها

                                                                       - الفكر الغربي لم يتوصل بعد إلى فهم شخصية المسلم

 

             عارف علوان

 

(كارنيجي) مؤسسة أمريكية بحثية مستقلة، طرحت عام 2002 مشروعاً أطلقت عليه مشروع كارنيجي للشرق الأوسط، مهمته، كما ورد في موقع المؤسسة الإلكتروني، بناء فهم أفضل للإصلاح السياسي والاقتصادي في الشرق الأوسط. نشرت المؤسسة عدة بحوث عن الشرق الأوسط أبرزها ورقة بعنوان "الحركات الإسلامية والعملية الديمقراطية في العالم العربي: استكشاف المناطق الرمادية"

في دراستنا هذه مناقشة لأفكار (كارنيجي) عن إمكانية تحوّل الحركات الإسلامية، والأخوان المسلمين المصرية على وجه التحديد، نحو الديمقراطية. ونحن نعتبر جميع المواقف الصادرة عن المؤسسات الأمريكية، المستقلة والرسمية، المهتمة بالعملية الديمقراطية في الشرق الأوسط موقفاً أمريكياً واحداً، لأننا وجدنا تناغماً في التحليل حول فكرة رئيسية... (الكاتب)

 

تواجه دول الشرق الأوسط (العرب حصراً) تياران من الخطر يهددان استقرارها وأبعد من ذلك سيادتها، ويستهدفان التحضّر البسيط الذي أنجزته مجتمعاتها ومؤسساتها المدنية التي ما زالت في الطور الأول من الثبات.

التيار الأول: خارجي، يتمثل في النفوذ الإيراني الذي نجحت حكومة إيران الإسلامية في إقامة ركائز متينة له، عبر أيديولوجية دينية نشيطة ذات توجّه طائفي – رجعي، خصصت له طهران دعماً مالياً ضخماً، مدعوماً بأسلحة متطورة، ومبشرين حكوميين يرتدون اللباس الديني، وخبراء مكرسين لمهمتهم، نجحوا خلال العشرين سنة الأخيرة في تأسيس أحزاب وجماعات ضغط تحت مظلّة مشاكل محلية، اقتصادية وسياسية وتمثيلية، أقوى نماذج هذه الأحزاب والجماعات:

1- حزب الله في لبنان.

2- حزب الدعوة والمجلس الأعلى للثورة الإسلامية، اللذان كانا يعارضان النظام العراقي السابق من إيران، ثم شكّلا أول حكومة بعد الإطاحة بصدام حسين الذي عرف بحكمه الوحشي.

3- التيار الصدري.

أما جماعات الضغط، فتتمثل في:

أ- حركة حماس في الأراضي الفلسطينية.

ب- جماعة الإخوان المسلمين المصرية.

ج- الحركة السلفية في الكويت.

د- المجموعات الإسلامية في الأردن.

ورغم أن هذه الحركات والجماعات تنتمي إلى الطائفة السنيّة، إلاّ أن بعضها ينسق مع طهران مثل (حماس) والبعض الآخر يلتقي مع شعارات الحكومة الإسلامية الإيرانية في مبادئها الاجتماعية ذات التوجه السلفي، حيث تنشط جميعها لمناهضة التطور ومظاهر التحضّر باسم تأصيل التراث. والتأصيل يعني لدى كل هذه الجماعات الانغلاق على الذات فيما يخصّ الدين والثقافة، وهي تخوض المعارك مع القوى الداخلية الأخرى في المجتمعات العربية، من سياسية وثقافية ومدنية، لمنعها من مناقشة موضوع التأصيل، أو المسّ به عملياً.

التيار الثاني: داخلي، وهذا التيار الذي أصبح يهدد استقرار البلدان العربية، ويستهدف التحضّر النسبي فيها، أقدم في نشاطه وتأثيره من التيار الأول الخارجي (الإيراني) وتمثله جماعة الإخوان المصرية والجماعات التكفيرية التي خرجت من أحضان الإخوان ليشكّلوا لأنفسهم أحزاباً وجماعات متطرفة داخل المنطقة العربية وخارجها، اتخذت من العنف، شعاراً وممارسة، أسلوباً وحيداً للتعبير عن موقفها، سواء من الحكومات التي ترفض تطبيق الشريعة الإسلامية كقانون ملزم للمواطنين وللدولة ومؤسساتها، أو من القوى السياسية العلمانية المهتمة، أكثر من الدين، بشؤون الدنيا، أي إصلاح الأوضاع الاقتصادية، وتنشيط المؤسسات المدنية، ودعم النشاط الثقافي الحرّ، وأخيراً تطوير الدساتير العربية لتسمح بالمزيد من الديمقراطية.

نضيف، أن الفكر الذي قامت عليه وعملت بموجبه جماعة الإخوان المصرية، ولاحقاً فروعها الأخرى في الدول العربية، لم يطرأ عليه تغيير منذ تشكيل الجماعة عام 1928 حتى هذه اللحظة.

أي أن فكر الإخوان، عكس الديناميكية التي اتسمت بها مناهج الأحزاب والجماعات في التاريخ، باستثناء الحزبين الفاشي في إيطاليا والنازي في ألمانيا، بقي على حاله من الجمود الإسمنتي رغم الأخطاء الكثيرة، والمأساوية في أغلبها، التي ارتكبها الإخوان خلال مسيرتهم، واعترفوا بخطئها وقت حصولها!

والكثير من المثقفين والسياسيين العرب يتمنون، كما تتمنى مؤسسة (كارنيجي) أن تلعب الحركات الإسلامية دوراً بناءاً لخدمة المجتمعات العربية على ضوء المبادئ الخيرية والإنسانية الموجودة في الإسلام، غير أن الواقع يؤكد أن الحركات الإسلامية تتحرك باتجاه يعاكس هذا التمني، لأنها ما زالت تستخدم مبادئ الخير (الجمعيات الخيرية مثلاً) للتخفي، ولتضليل الناس البسطاء وكسب تأييدهم لدعم نشاطها السياسي. أما مواقفها من القضايا العصرية فهي بعيدة عن التوجّه الإنساني الذي يسود النشاط الثقافي والاقتصادي والسياسي والثقافي في العالم المتحضر.

ولكشف أسباب الظلال الرمادية التي تسود جميع مواقف الحركات الإسلامية من القضايا العصرية، علينا أولاً فهم أيديولوجية هذه الحركات، من خلال معرفة الأسس الدينية والاجتماعية/النفسية التي تأسست على ضوئها.

فالأصوليون، في جميع البلدان العربية، يمثلون العصبة التي ظلت متشبثة بالنظرة القديمة من التطور الذي لحق بمواقف المجتمعات العربية من قضايا مثل سلوك المرأة، الاختلاط بأصحاب الديانات الأخرى، الترتيب العائلي المتزمّت داخل البيت، التربية الحديثة ومناهج التعليم، الزواج، الإرث، قوانين الطلاق، وبقية الأمور التي شملت الحياة المدنية في التي كانت في طور التحديث. وتحت ضغط عوامل التحديث المذكورة نشأت داخل رؤوس هذه العصبة فكرة تأسيس أول جماعة تحارب تلك العوامل التي اعتبروها مهددة للعادات القديمة، ولإضفاء هالة من التقديس على العادات والشعائر الموروثة ربطوها بالإسلام، فكانت الخلافة-الإسلام-الاستعمار-وفساد الحضارة الغربية، الركائز الفاعلة لمساندة الفكرة الجديدة وأيدلوجيتها في العمل الشعبي.

ويمكن القول إن شعار "الإسلام هو الحلّ" الذي بدأ به الأخوان المسلمون نشاطهم كجماعة، ما زال يلهم منظّري وكتّاب وقادة الجماعة لدى تفسير مواقفهم، صراحة أو مداورة، من كل أمور الحياة في مجالات السياسة والاقتصاد والاجتماع والثقافة وكل ما ينتجه العقل البشري، عالمياً أو عربياً، من براهين جديدة في علوم الطبّ والفيزياء والفلك والآثار والفلسفة. فهي تنظر، على سبيل المثال، إلى كل علاج طبي جديد يركّب في أي جزء من الصين أو الهند أو أوربا، ولن نقول في أمريكا، على أنه ركّبَ بناءاً على ما جاء به القرآن قبل ألف وأربعمائة سنة، وليس نتيجة جهد عقل إنساني من هذا العصر! ويقول الأصوليون الإسلاميون هذا الكلام بثقة تحيّر العقل، رغم أن النصّ القرآني لم يذكر اسم عنصر واحد من عناصر التركيبات الكيماوية التي يتم عبرها تصنيع الدواء، لأن القرآن في الأصل، مثل بقية الكتب السماوية، اختصّ بالأخلاق وبعلاقة الإنسان الفرد بخالقه.

طبعاً لستُ بصدد مناقشة ضعف أو قوة كلام القرآن في هذه المسألة أو في أمور الحياة الأخرى، إذ خاض في هذا الموضوع، وبجدارة كبيرة، مفكرون عرب، مثل محمد أركونالعروي – حسن حنفي – حامد أبو زيد – الأنصاري، غليون، رضوان السيد، سيد قمني، وآخرون، اعتبرهم المفكر الإسلامي الباكستاني أكبر أحمد قلّة، بالقياس إلى المهمة الكبيرة التي يضطلعون بها، لكنني أود مناقشة الأفكار والدراسات الأكاديمية المتأنية التي يعرضها موقع (كارنيجي) عن طبيعة الجماعات والأحزاب الدينية، والظواهر التي تنمّ، أو لا تنمّ، عن تحوّل بعضها التدريجي من العنف والجمود الفكري إلى الانخراط في العمل السياسي المدني عبر المشاركة في الانتخابات، ثم إمكانية حدوث تغيّر جذري يطرأ على منهجها يقودها في النهاية إلى الديمقراطية بشكلها الحديث.

في البداية أود الإشارة إلى أن الفكر التحليلي الغربي لم يتوصل بعد إلى فهم علمي للنفسية العربية الإسلامية المعقدة، أي المركّبة، ولا لمعرفة مفهوم الإيمان بالنسبة للمسلم المنخرط في جماعات حركية، لذلك يبنى الغرب الكثير من مواقفه وتوقعاته على أساس علم المنطق وحده، وعلى أفكار كتبها سياسيون يتابعون الحركات الإسلامية عن بعد، ويستخلصون أحكاماً سريعة تنشدها حكومات أو مؤسسات غربية، تبحث عن طريقة للتعامل مع النشاط الإرهابي الإسلامي،  الذي يقلقها عدم تراجعه رغم الاحتياطات الأمنية الكبيرة والمكلّفة، والمهددة أيضاً لحرية المواطنين الغربيين.

وفيما يتعلق باستخدام علم المنطق كتدخل عقلي يبحث في المقارنات لتفسير الظواهر والأفكار والسلوك، فإن المنطق (بمناهجه الثلاثة التي وضعها أفلاطون) لا ينطبق إلاّ جزئياً على النفسية العربية المسلمة، لأنه (علم المنطق) لم يكن قد وصل شبه الجزيرة العربية، ولا حتى سوريا، التي يُفترض أن النبي محمد عاش فيها لعشر سنوات إلى أن تشبّعت في خياله فكرة نشر الإسلام. ولهذا السبب بالذات أتخمتْ النصوص القرآنية بالتعميم والغيبيات، حيث وجد الناس صعوبة في استيعاب أفكار الدين الجديد عقلياً، مما دفع محمد وأصحابه إلى نشر الإسلام بالقوة والتخويف، عسكرياً أو من خلال آيات تعتمد التهديد على الأرض وفي السماء.

على ضوء هذه الحقيقة، لو أن المسيحية بعد صلب عيسى بقيت تعمل ضمن الرقعة الجغرافية التي نشأت فيها (فلسطين وشبه الجزيرة العربية) لما تسلّلت إلى نصوصها الدينية مبادئ التسامح وقبول الآخر والابتعاد عن العنف. رغم اعتقادي أن في كل لاهوت توجد بذرة ما، صغيرة أو كبيرة يمكن سقيُها بالحقد للوصول بها إلى العنف.

فالإيمان لدى المسلم، على سبيل المثال، عَمِلَ في أحيان كثيرة بمعزل عن الدين ذاته. أي عمِلَ لحسابه الخاص وأدى إلى نفس النتائج التي تسعى الحركات الإسلامية للوصول إليها. ويمكن للمسلم، من كل الأعراق، أن يعيش حياته على ثلاث كلمات من الدين (الله، جنّة، كافر) دون أن يهتم ببقية أفكار الإسلام، وسوف أتطرق إلى بعض ما أعرفه من هذه الحالات للكشف عن أخطر العوامل المحفّزة على العنف الإسلامي، أعني الإيمان، الذي لا تربطه بالعقل، ولا بالواقع، أية جذور.

وقد يكون أبرز دراسات (كارنيجي) عن إمكانية تحوّل الحركات الإسلامية نحو الديمقراطية الإصدار المشترك لـ نيثان ج. براون، عمرو حمزاوي، ومارينا أوتاواى، والذي يحمل عنوان (الحركات الإسلامية والعملية الديمقراطية في العالم العربي: استكشاف المناطق الرمادية - مارس 2006) حيث وجدتُ إشارات مهمة وموضوعية إلى نقاط الغموض التي ما زالت تكتنف مواقف ومناهج الحركات الإسلامية من قضايا اجتماعية تسجّل تقدماً مطّرداً في العالم، بينما تتراجع إلى الوراء في المجتمعات الإسلامية، العربية وغير العربية، أطلقت عليها الدراسة تسمية المناطق الرمادية في مواقف هذه الحركات، مع ذلك غامرت الدراسة وبإشارات عديدة إلى إمكانية خروج الحركات الإسلامية من المناطق الرمادية إلى مناطق أكثر وضوحاً في مواقفها من القضايا العصرية، مثل حقوق المرأة والديمقراطية والحرية الفردية والنظم الدستورية العلمانية.

بالطبع يمكننا المراهنة على عامل الزمن لتفتيت وإضعاف قوة المدّ الإسلامي الرجعي (السلفي) في الشرق الأوسط، مما يؤدي إلى ابتعاد الناس عن شعاراته كما حدث لشعارات القوميين والشيوعيين العرب، خاصة بعد فشل حكومتين إسلاميتين في المنطقة العربية:

الأولى، حكومة السودان الدينية التي ولدت نتيجة تحالف الترابي (حزب المؤتمر الشعبي) مع الضباط الانقلابيين 1989 برئاسة عمر البشير (الرئيس الحالي) حين أدى تعصب الترابي لشعاراته الدينية إلى إلغاء الدستور المدني القديم وتبني الشريعة، التي تعتمد الفقه الديني في بلد ثلث سكانه من المسيحيين والوثنيين، وهذا أدى إلى ظهور أزمات اقتصادية وسياسية وانشقاق اجتماعي عميق دفع العديد من الأحزاب إلى حمل السلاح، كما أدى إلى استعار الحرب في الجنوب. ولم يخفف من هذه الأزمات وينهي الصراع في الجنوب إلا اعتقال البشير للترابي 2004، وتجميد العمل بقوانين الشريعة بشكل من الأشكال.

والثانية، الحكومة الفلسطينية التي شكلتها حركة حماس الإسلامية بعد الانتخابات الديمقراطية (2006)، حيث أدت سياسة حماس إلى إعادة الاحتلال لغزة والضفة الغربية بعد تسلم السلطة الفلسطينية مسؤولية إدارتها لأكثر من عشر سنوات، وتسبب منهج حماس الديني المتطرف في إشاعة الفوضى وعمليات الاغتيال وخطف الصحفيين الأجانب، وشقّ الصف الفلسطيني الاجتماعي والسياسي، وحرمان الفلسطينيين من كل أنواع الدعم الخارجي، مما هدد بحرب أهلية وبانهيار اقتصادي خطير. وما زالت حماس تتمسك بحكومتها رغم المآزق التي عددنا بعضها.

نضيف إلى هذين الحكومتين حكومة ثالثة من خارج المنطقة العربية، وهي حكومة حركة طالبان في أفغانستان، حيث قدمت نموذجاً وحشياً لما يترتب على قفز حركة إسلامية إلى السلطة، ويكفي الإشارة إلى إعدام النساء بقطع رؤوسهن بالساطور في الطريق العام بحسب قانون الشريعة، لتتراجع عن ذهن الإنسان المتمدن أي مغامرة قد تدفع بالحركات الإسلامية إلى الحكم.

لكن، بالعودة إلى الزمن كعامل تغيير يتبناه عدد من الكتّاب العرب والغربيين، فالزمن يتطلب تضحيات ضخمة، لكن لا أحد يضمن تحقيق نتيجة أكيدة لتأثيره، لأن الزمن نفسه عنصر هدم سلبي للقضايا التي يحلوا للعرب تسميتها "مركزية"، ذلك أن الطبيعة الاتكالية، التي عملت القدريّة الدينية وتشبّعُ الإسلام بالغيبيات على ترسيخها في العقلية المسلمة، تحوّل الزمن إلى دافع للاسترخاء والترقب، أي مجرداً من فاعليته في الهدم والبناء، ومن غير حافز قوي يأتي من خارج النفسية العربية فإن التأثر بعامل الزمن يأخذ وقتاً أطول، وبالتالي ضحايا أكثر. ومن الأفضل أن يكون الحافز من داخل المنطقة، أي من خلال عمل جماعي ثقافي وفكري مدعوماً ومتبنى من قبل الأحزاب العلمانية.

أما فيما يتعلق بابتعاد المجتمعات العربية عن الشعارات القومية واليسارية، فلم يكن الزمن وحده وراء هذا الابتعاد، ولا وراء فشل تلك الشعارات في أذهان الناس، إنما كان انهيار الاتحاد السوفييتي من جهة، واقتناع العرب بعدم قدرتهم، عسكرياً، على إزالة إسرائيل من جهة أخرى، العامل الأول والحافز الأقوى للإحباط الذي أصاب العرب من شعاراتهم القومية أو اليسارية. وبالنسبة للحالة الدينية، يعود فشل الزمن في فرض قوانينه على الشعارات الأصولية طوال ثمانين عاماً زحمتْ بالأخطاء والمدّ والجزر في الحراك السياسي - الديني، إلى الشعارات الدينية، لأنها تبعث إشارات قوية للنفسية العربية المسلمة بأن عودة الزمن إلى الوراء ممكنة بالقليل من الجهد الحزبي، وبالمعتاد من الأوهام التي تنسجم مع الأسس التي رُكّبتْ عليها النفسية العربية المسلمة. أي القدريّة والغيبيّة التي بشر بها الإسلام منذ 14 قرناً.

وباعتقادي أن الغموض الذي تلجأ إليه الحركات الإسلامية في بعض تصريحاتها إنما هو جزء من تكتيك اتبعته منذ نشوء الأصل الأول لفروع هذه الحركات عام 1928، أي جماعة الأخوان المسلمين. فقد اعتادت الجماعة على الانحناء للعاصفة لامتصاص الغضب الرسمي أو الغضب الشعبي الذي يظهر تجاه عمليات القتل التي تقوم بها، ثم تعود إلى المحاججة والتبرير بعد مرور العاصفة، كما تعود إلى العنف في مرحلة قادمة. وتلعب ردود الأفعال الشعبية والرسمية تجاه الحركات الإسلامية دوراً كبيراً في إجبارها على التنكّر للعنف، أو الوعد بالتخلي عنه، بَيدَ أن هذه مواقف الجماعات الإسلامية من العنف تقال في العلن، من دون أن تمسّ المنهج الأصلي حين يُناقش في الغرف المغلقة.

وإذا عدنا إلى المناطق الرمادية في مواقف الحركات الإسلامية، نجد منهجهم السياسي الديني لم يطرأ عليه أي تغيير منذ ظهور الإخوان المسلمين عام 1928، بينما منحوا مواقفهم المعلنة مرونة سياسية كبيرة للتضليل. وهم في الحقيقة لا يجدون عيباً في اتباع ازدواجية غرضها انتهازي لحماية تنظيمهم من الغضب العام، أو الغضب الحكومي كما حدث لدى اغتيال القاضي الخازندار عام 1943، واغتيال السادات 1981، وللإخوان خبرة متراكمة في هذا المجال. والمفارقة المضحكة أن رجل الشرطة المصري بغريزة الحدس التي تشكّلت لديه نتيجة اختلاطه بالإخوان في الشارع وفي السجون، يعرف حقيقة ازدواجية الإخوان المسلمين والجماعات المتفرعة عنها أسرع مما يفعل رجل السياسة أو الفكر، وسنورد أمثلة تاريخية عن رمادية مواقف الحركات الإسلامية، المدروسة والمتعمدة.

الحركات الإسلامية وإمكانيات التحوّل

إن التصور الذي أقامت على أساسه ورقة كارنيجي فكرتها عن إمكانية تحوّل الحركات الإسلامية التدريجي نحو العمل السياسي الديمقراطي، لا يقدم برهاناً متيناً يدعم حيثياته الفكرية ونتائجه المستخلصة للأسباب التالية:

أولاً، لأن الإخوان المسلمين لم يخوضوا تجربة الحكم في مصر، مما يسمح باختبار نواياهم الحقيقية من وراء الاشتراك في انتخابات عام 1984 وعام 2006.

ثانياً، إن تشكيل حركة حماس (ذراعهم الفلسطيني) أول حكومة تنفيذية من خلال الانتخابات، أثبتت أن وصول الحركات الإسلامية ديمقراطياً إلى الحكم، أو دخولها تحالفاً مع الحكم (تجربة الترابي) لم يؤد إلى التزامها بالأسس الديمقراطية التي تأتي بها إلى الحكم. الدليل أن حكومة حماس اتجهت إلى التحالف مع أنظمة (إيران وسوريا) أبسط ما توصف به أنها قمعية واستبدادية تجاه شعبها، ومتورطة في سياسات إرهابية هدفها تعطيل الديمقراطية في البلدان المجاورة. واتخذت حماس منذ الأسبوع الأول لتشكيل الحكومة إجراءات ذات طابع ديني رجعي، لتميّز نفسها عن بقية المجتمع الفلسطيني، المعروف بمستوى ممتاز في التعليم والدراسات العليا.

أما في السودان، فلم ينه الترابي فترة وجوده في السلطة إلاّ بأحكام جائرة باسم الشريعة، حيث شنق في عام 1985 الفيلسوف المتصوف محمد محمود طه بتهمة "الردة"، وفي سنة 1999 أقرت محكمة الاستئناف في الخرطوم الحكم على فنان بـ 260 جلدة بتهمة "الإساءة إلى الدين".

هاتان التجربتان اليتيمتان في السودان وفلسطين، لا توحيان بوجود مناطق رمادية في منهج الحركات الإسلامية، لأن التجربة الديمقراطية التي جاءت بحماس والترابي إلى الحكم لم تتمكن من صقل الخشونة الدينية والسياسية في سلوك الحركات الإسلامية. السبب أن منهجهم الفكري يربي القادة والأعضاء على الحقد تجاه من يعارضهم، والرغبة العنيفة في السيطرة